![]() |
السوريالية وتحولاتها عند عبد القادر
الجنابي
نصيف
الناصري
*
{ أنشر هذا الريبورتاج الآن في صورته الحالية بموقعنا الجميل { عراق الكلمة } ، وسوف
أعيد نشره في موقع آخر مع تعديلات واضافات وربما حذف وتبديل في بعض السطور والصفحات
} .

عبد القادر الجنابي { غلاف كتاب تربية عبد القادر الجنابي }
{ وبِخطفةِ البرق راح حَمار العين اليمنى
يصبغُ الغابة كلها .
عبد القادر الجنابي : قصيدة حلم . مجموعة {
حياة ما بعد الياء } .
ولد عبد القادر الجنابي ببغداد في العام 1944، بدأ حياته
الأدبية في ذلك الصخب المدوّي للثقافة وهمومها النبيلة في عراق الستينيات عبر
ترجماته للشعراء السود من الانكليزية . غادر العراق أوخر كانون الثاني 1970 متوجها
الى لندن { فقضى فيها أكثر من سنتين مناضلاً تروتسكياً لكن الشرطية الانكليزية
أجبرته على السفر الى باريس في منتصف عام 1972 حيث يقيم حالياً كمواطن عالمي }. أسس في عام 1973 أول مجلة
سوريالية عربية { الرغبة الاباحية } وأصدر باسمها عشرات الكراريس . كما أصدر بعدها
مجلة { النقطة } ومجلة { فراديس } كما أصدر عدة مجلات باللغتين الفرنسية
والانجليزية ، وعدة انطولوجيات بالفرنسية للتعريف بالشعر العربي ، منها " Le Poème arabe moderne
التي
ضمت 96 شاعرا منذ بدء الخمسينيات وحتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي . ترجم من
الفرنسية الكثير من المختارات الشعرية { الأفعى بلا رأس ولا ذيل } وبعض الدراسات
المهمة وأصدر عدداً من المجموعات الشعرية منها { في هواء اللغة الطلق } و {
مرح الغربة الشرقية } و { حياة ما بعد الياء } وله سيرة { تربية عبدالقادر الجنابي } دار الجديد 1994 .
تمت ترجمتها الى أربع لغات { الفرنسية ، الالمانية ، الاسبانية والكاتالانية }.
يحاول من حين الى آخر الكتابة بالانكليزية وله كتابان في هذا المضمار : Stance in the
desirt الذي يضم معظم قصائده بالانكليزية و The Nile of
Surrealism الذي يحتوي على دراستين : الأولى
محاضرة ألقيت في جامعة فانكوفر حول الحركة السوريالية المصرية ، والثانية نقد
للسوريالية العالمية المعاصرة . عبد القادر الجنابي شاعر
سوريالي بامتياز وهو بشهادة أغلب الذين بحثوا وأرخوا للسوريالية في الأدب العربي .
يعتبر الشاعر الأول للسوريالية ومنظرها في أدبنا العربي . { أغلب كتاباته المنشورة
التي جمعت لاحقاً في كتابه : معارك من أجل الرغبة الاباحية . تكاد تكون توضيحاً
لوظيفة الشعر التخريبية . لكن ثمة خلاصتين لهذه الوظيفة الطالعة من جوهر اللغة }
أقدمهما هنا الى القارئ وهما { رسالة الى الشعراء العرب } و { مفاتيح } وهي شهادة
تلقي الضوء على رؤيته وتجربته الشعرية . حين مغادرته العراق ووصوله الى لندن انخرط
مع الفنانين والأدباء المهمشين في ممارسات احتجاجية ضد الأوضاع السياسية والثقافية
ويقول في { تربية عبد القادر الجنابي } : { عليك أن تجازف بكل تقاليدك وأعرافك ، وليس سوى
طريقتين : التسول أو السرقة . لكن التسول يحتاج الى أناس لهم قدرة الخنوع واستشفاق
الاخرين ، أنا شخص لا تلين قناته لغامز ، ولدت متمرداً . الصراع من أجل البقاء
السليم يقتضيني الآن أن أسرق } . ويقول في مكان آخر { في هذه البارات يمكن للمرء
أن يخالط الانجليز وعشت معهم في أعلى طوابق بناية مهجورة ، اتخذوها مأوى يحرق فيه
كل مساء بخور ذو رائحة طيبة حتى مطلع النهار مشبع بدخان الحشيش وملغوم بحبوب د.أس.
ل . والماريجوانا . في باريس باشر
للمرة الأولى كتابة الشعر ، فكانت النتيجة محاولات شبه دادائية ضمها كراس صغير في
ذكرى مرور 6 سنوات على حرب حزيران : { كيف أعاودك وهذا أثر فأسك } 1973 . وبما أن
أيّ نشاط دادائي يفضي بالضرورة الى السوريالية فقد أسس في كانون الأول من العام
1973 مجلة الرغبة الاباحية لسان حال الحركة السوريالية العربية ، ثم توالت من
بعدها مجموعة من كراريس التحريض والشعر : { 1- الله يُستَر ولا يَستُر . 2- ثمة
موتى يجب قتلهم . 3- مصرع الوضوح . الخ
نشر مجموعته الشعرية الأولى { في هواء
اللغة الطلق } بباريس عام 1978 ولعب دوراً أساسياً في فروع الأممية السوريالية عبر
مجلاتها ومعارضها من عام 1972 وحتى عام 1986 عندما وجه نقده للسوريالية الى جميع
المنتمين الجدد ، لافتاً انتباههم الى انه :
{ ما ان يصبح الابتكار نهجاً تقليدياً ، حتى يتحول ليس فحسب الى
مادة مومسة يُحسن ويساء استعمالها ، بل انه أيضاً يعمي بصيرة المرء عن رؤية العنصر
الحيّ الكامن في الابتكار ، وهذا يُبتر استمرارية الطبيعة الابداعية والتأويلية
المتأصلة في التناول السوريالي للمواد المعطاة . هذا يعني أن العنصر الحيّ نفسه
مهما صمد في السوريالية ، فقد تم طمره تحت الأرض منذ زمن بعيد ، ذلك أن الرغبة
لاحيائه تحتاج الى شباب متجدد ومتحرر من التمسك الديني بالمبادئ ومستعد للشك حتى
في المُثل العليا التي ناضل من أجلها ، أيّ شباب قادر على قتل الأب . له عين لا
تزال خام وأكثر افتراساً من آكلي لحوم البشر ، الى حدّ انها تقوى وبلمحة خاطفة على
رؤية مسار تاريخ السوريالية بأكمله ، لتقف عند محطة جوهرية لم ينتبه اليها أحد في
ذلك التاريخ نفسه . عين بلا ذاكرة تقوى على تحريرنا من أية هالة تحيط بالتراث
والأمكنة القديمة ، وإلاّ فاننا أسرى جمال الماضي المزيّف الذي يتخذ شكل بيت
عنكبوت ننظر منه في غالب الأحيان الى غد جوّال . ومع ذلك فان الغد يبقى الأمس
الأسوأ ، وبالطبع فان الأمر يتطلب انقطاعاً عن لغة التخريب التي كانت لزمن مضى لغة
الأحرار ، وهي اليوم كما قال جورج حنين صائباً : ذات مصداقية توازي التأكيد على
أظلم الممارسات المجحفة بحق البشرية } . الجنابي شاعر سوريالي متمرد على كل
الأشياء الزائفة في الشعر والسياسة والحياة . يكتب قصيدته ويواصل مشروعه الابداعي
منذ سنوات طويلة . معرى إلاَّ من اخلاصه لجوهر ووظيفة الشعر ومغامرته السوريالية الفردية وجهوده
الكبيرة في خلق عالم وقصيدة تتوسل اللذة الخالصة والخلاص من قبح وظلمة الواقع .
من المعلوم أن النقد العربي المتنطع
والمهموم في القضايا الاجتماعية والاكاديمية في العالم العربي والمحاباة المفضوحة
لشعراء القطيع والسلطات ، قد أساء مجمل المشروع الشعري السوريالي المغاير للجنابي
، وبسبب الإرث الكبير لتخلف الثقافة والفكر العربي الذي تهيمن عليه وتسيّره
الثوابت الدينية والسياسية منذ قرون طويلة . فأن السوريالية لم تترسخ في الثقافة
والشعرية العربية . واذا كانت هناك { تنظيرات وتطبيقات للسوريالية ظهرت مشوهة هنا
وهناك ، كما هي محاولة أدونيس في كتابه { الصوفية والسوريالية } ، فهي عند الجنابي
امتداد حقيقي وعميق لجماعة { الفن والحرية } التي أسسها في النصف الأول من القرن
الماضي الشاعر والكاتب المصري جورج حنين الذي تعرف اليه الجنابي في باريس قبل موته
في عام 1973 . تقول الباحثة الالمانية سيبيلا كراينيك مؤلفة كتاب { السوريالية في
الأدب العربي } * . صدر عن منشورات رايشرت ب 130 صفحة وهو من أهم الدراسات التي
تناولت السوريالية في الأدب العربي ممثلة في أحد أبرز شعرائها ومنظريها في المنفى
عبد القادر الجنابي : { قدمت جماعة الفن والحرية السوريالية كرفض وتمرد على الواقع
العربي القائم آنذاك ، ولم تقدمها كنظرة أدبية فقط وانما وسيلة احتجاج ضد السياسات
عبر الأدب والفن . لقد ربط الجنابي في السنوات الأولى لمغادرته العراق بين
السوريالية والماركسية ، حيث يكتب في { تربية عبد لقادر الجنابي } : { أن
الماركسية كامنة في السوريالية . وأن النضال السياسي لا يختلف عن النضال الشعري }
. كان أوضح تعبير لفهم هذا الربط هو جهود الجنابي المحمومة عبر مجلته الأولى {
الرغبة الاباحية } التي صدر عددها الأول في عام 1973 . لقد كانت مغامرة الجنابي
الفردية جبارة في محاولته تحقيق ما فشلت في تحقيقه جماعة { الفن والحرية } في نقل
السوريالية الى الأدب والثقافة العربية .
اذن كان المشروع السوريالي في البداية عند
الجنابي اختياراً سياسياً ضد البؤس والقبح في الواقع الثقافي والسياسي العربي ،
لكنه بعد نقده الذي وجهه الى المنتمين الجدد للسوريالية وفي نهاية الثمانينيات ،
بعد سنوات أنفقها في ترجمة بول
تسيلان ، حاول الابتعاد عن تقديم السوريالية كالتزام سياسي ، من دون أن يصمت عن
ادانته واحتجاجه وفضحه للسياسات الغبية المتخلفة في العالم العربي ، ومنظوماتها
الفكرية والأدبية التي لم تستطع في يوم ما التخلص من أوامر ووصايا السلطات الحاكمة
وكلاب صيدها المدربة في أجهزة المخابرات والمؤسسات العسكرية القمعية . كان الاصرار
على كتابة قصيدة النثر منذ البداية . يمثل المفهوم السوريالي للكتابة الشعرية عند
الجنابي الذي يرفض بعنف كل التقاليد والأساليب والأشكال المتخلفة والراسخة في
الشعرية العربية . شعرية الجنابي هي { شعرية الفرد في مقابل الشعرية العربية التي
عملت وتعمل على تغييبه دائماً } . اللغة عنده في ازاحتها للأنساق البلاغية
وأنماطها القديمة . جارحة ، استفزازية وعنيفة ، لكنها شفيفة كالمرايا وتصعق
القارىء عبر اختراقاتها لأنظمة الخطاب والعلامات ، وتبدو الكثير من نصوصه ،
وخصوصاً نصوص مجموعته { حياة ما بعد الياء } عبر رؤيتها المتعددة للكينونة وتحولات
وصيرورة الطبيعة والعالم . شبيهة بمتاهة تغذيها شمس الصيف وتراجيديا الوقائع
الحياتية وتجارب الماضي . وعلى الرغم من تلاعبه الحاذق بالكلمات ونحته لها وجعلها
ذات خصوصية واضحة لصيقة بفهمه لوظيفة اللغة الشعرية الجديدة ، فأن الصورة
والايماءة والاشارة تجذب القارئ وتحرره من الفهم المنغلق على ذاته وتحرر القوى
الشاغرة في ذاكرته ومخيلته .
كتب الجنابي { رسالة الى الشعراء العرب }
باسم مجموعة الرغبة الاباحية احتجاجاً على اخلاقية الشعراء العرب بجعل الشعر وسيلة
للتكسب ، وعلى انحطاط الشعراء العراقيين خاصة بالتفافهم حول النظام الحاكم في
العراق إبان ما سمي في حينه { الجبهة الوطنية والقومية التقدمية } . وزعت هذه
الرسالة في باريس على شكل بيان وأرسلت الى جميع الصحف في ديسمبر عام 1974 ، وقد
نشرتها مجلة { الحوادث } مبتورة في كانون الثاني عام 1975 .
رسالة مفتوحة الى الشعراء العرب :
أيها الشعراء
يبدو أن الخيانة قد أطبقت على أنفاسكم
المتقطعة دون أن تقووا على التحرر منها . أين هو الشاعر ؟ بؤرة الكلمات المتقدة
مستقبلاً ، معبرة عن مواقفه إزاء أيّ خنق اجتماعي قائم . مواقفه ؟ إن هي إلاّ جذوته الشعرية . عندما يكتب
الشاعر ، أي عندما يطلع على لعالم شاعراً مأخوذاً بأحلام عينيه لتدمير بنية الواقع
القائم وتحويله الى واقع يطاق العيش فيه ، تتأمل الثورة مملكتها . مملكة الحرية .
سمة مستقبل الانسان الرئيسية . إلاّ أن ما نرى فيكم الآن ، كالأمس ، هو شعراء همهم
تفادي الثورة ، ويتجسد ذلك بطلوعكم
{ شعراء } فخورين بقدرتهم على خداع لسلطة وتمويه فهمها لشعرهم عبر التواري وراء
أقنعة { الرمزية } أو ما يسمى { الغموض } . هذا في الوقت الذي يتأمل عدو
الثورة ، أيّ الأنظمة العربية
الحاكمة بلا استثناء . تحييدكم في حال نشوب الصراع .
تجنبوا السقطة لكي لا تتجنبوا الثورة
يقيناً ، اننا ندرك بأن لكل حقبة تاريخية .
لكل واقع معطى ، مزبلة . كيف يمكننا تسمية أحدكم شاعراً وهو يشيد ب { انجازات
ثورية } مزعومة لنظام قمعي طبقي مكشوف بكل صراحة ؟ أو يعقد صفقة ثقافية { محضة على
حد قوله } بحجة تأمين عيشه ؟ يا للوحل . ان خطر السقطة الذي يحيق بشاعرنا اليوم .
يتأتى من جهله بقانون التجربة الشعرية المفيد بأن الانتصار الوحيد الذي يحققه
الشاعر ، عبر كل هزائمه وانتصاراته . هو أن تكون أعماله شاعداً خالداً على صراحته
. يتأتى هذا الخطر من عدم انصياعه لفكره الحقيقي . مختبر مخيلته . من كونه قابعاً
في ظلال موازنة الصمت ، بينما الدنيا الآخرة التي هي ليست سوى التاريخ المنعكس في
مرآة شعره ، تطالبه بالاختيار .
جسد المستقبل أم جثة الماضي ؟
افتحوا صمّامات مخيلتكم ضد كل ما يعمل
النظام القائم على ترسيخه من قيم وأخلاق وأفكار . رفض { معونات } الأنظمة الحاكمة
شكل من أشكال الانحياز الفعلي الى معسكر الثورة . اذا تحرينا الأسباب والمعاني
التي اعتمدها { النظام العراقي مثلاً } في طبع كراسات ودفع المبالغ الضئيلة لكتّاب
أشيع عنهم بما يفضلون تسميته بالالتزام الثوري ، نتحقق انه يعبر عن المرمى الذي
ينشد النظام وصوله ، في كل حروبه
المجرمة ضد مصالح الطبقات الكادحة ،
وهو اسكاتكم . تعطيل الرنين الاجتماعي الذي ينبغي أن تمنحوه لشعركم من خلال ممارسة
صريحة لما يطمح اليه هذا الشعر . الطموح ، إن هو إلاّ الثورة الاجتماعية ، نَفس كل
شعر . أن ما يرمي اليه النظام في عمليته هذه وحتى في السماح لكم بالنشر في صحفه ،
هو استئصال أنفاس معارضتكم لأية خيانة طبقية يقوم بها . حتى لو كانت هذه الخيانة
واضحة الى حدّ الصفاقة . وسيؤدي هذا الاستئصال الى تلطيخ شعركم بالوحل . أيها {
الشعراء } ، الشعر الذي يسمو على الأوضاع من أجل المعمور ، أهذا هو مصيره : ركام
من المزابل ؟ يا لهول القذارة .
الصراحة ليست الشعر المباشر
أن الشعر لهو بهجة المخيلة وهي تتأمل
حقوقها متحققة . انه الفعالية المشحونة بالأهواء . فكر الفرد . فمثلما يُذهب
الشاعر عنه رجس الدين بتحرير صور الرغبة ، فانه يكافح من دون هوادة الآلهة الشالة
الواقفة وقفة العنيد لابقاء الانسان على عبوديته حيال القوى الاجتماعية والالوهية
المتضافرة والمكتملة . أن يكون المرء صريحاً ، أي شاعراً . لا يعني بتاتاً انه
يمكّن الوعي الزائف أي { الآيديولوجي } من التغلب على رؤياه الشعرية . لا يعني أن
يبتدع طموحاته على شكل قصيدة مباشرة – منشوراً سياسياً حيث بؤس الشعر يتجسد . كلا
، انما عليه أن لا يتورع عن اظهار احتقاره وسخطه لكل جرائم النظام الطبقية . هنا
يكمن معنى الصراحة . أن يعاقر الشاعر مخيلته ، ولا ينجم عن ذلك أن الشاعر يرغب في
جعل الشعر في خدمة عمل سياسي ولو كان ثورياً . لأنه يناضل في كل ميدان . ميدان
الشعر بوسائل خاصة بالشعر ، وفي ميدان العمل الاجتماعي دون أن يخلط أبداً ميداني
العمل وإلاّ أعاد الالتباس الذي ينبغي تبديده ، ومن ثم يبطل أن يكون شاعراً ، أي
ثورياً ‘لى حدّ عبارة شاعر السوريالية بنجاما بيريه . ذلك أن الأزمة الابداعية
بقدر ماهي جانب من الأزمة الاجتماعية ، ولا يمكن أن تجد حلاً جذرياً ضمن اطار
الوضع السائد مالم ينفجر بركان الثورة الاجتماعية الشاملة ويقصم ظهر هذا الاطار ،
فان الشروط الاجتماعية للابداع هي ممارسة استقلاله لشامل بكل حرية . ولهذا السبب
يتجنب الابداع على الدوام ، السقوط في شرك التحاور والسباق مع نجوم الثقافة
السائدة . متاريس فكر الطبقة الحاكمة ، لأن مهمته ليست انتاج الركام ابريراً على
جدارته بالصدارة الثقافية ، بل هي تقويض هذه الثقافة السائدة وتحقيق ذات بحَثّ
الخطى الرامية الى خلق عالم أفضل .
لا مجال للاطالة ، أو بالأحرى لا داعي لها
إنّا لا نتورع من التلذذ باظهار احتقارنا
الشامل لما تفعلونه من محاولات التذبذب والكذب ليومي الصريح والمساومة مع كل شيء
سائد حتى سقوطكم العلني في وحل الماضي . لذا اهيلوا التراب على أدمغتكم المجثثة
ولن تكون هذه كلمتنا الأخيرة } .
{ في الخامس من كانون الاول 1973 صدر العدد
الاول من الرغبة الاباحية مطبوعاً بالاوفست . ذلك النهار شربنا البيرة حتى مآخير
الليل متجاذبين أطراف العربدة والمجون في مقاهي الحي اللاتيني المكتئبة بوجوه
الحزبويين من كل شاكلة . حجر اللغة المهدد كثيراً ما القيناه في مسامع لاوعيهم
:" سنجعل من أحشائكم وعظامكم وأفكاركم أحذية لشتاء مقبل . كنا صلفين ،
الشراسة عينها . وكنا ، اذا تجرأ أحدهم على السؤال عن ثمن النسخة ، نجيبه : خمس
فرنكات ، حقير }. من كتاب { تربية عبد القادر الجنابي }
. ظلت الشعرية العربية مدة طويلة أسيرة
الفهم المشوه والتنظيرات المبتورة لأدونيس وأنسي الحاج في ما يخص قصيدة النثر عبر
اعتمادهما كتاب سارة برنار { قصيدة النثر منذ بودلير الى أيامنا } حتى جاءت أخيراً
جهود الجنابي الحقيقية عبر تضلعه في اللغة الفرنسية وثقافته العالية لينقل الى
القارئ العربي شروط ومفهوم وشكل وأسلوب قصيدة النثر الصحيحة بعيداً عن البتر
والتشويه ، وقد مثلت مختاراته المهمة { الأفعى بلا رأس ولا ذيل } أفضل فهم لقصيدة
النثر عبر ترجمته للكثير من القصائد الفرنسية والروسية والأمريكية ، ويقول عبده
وازن في مقال له نشرته صحيفة { الحياة } أن الجنابي { اعتمد مراجع حديثة ومنها
مثلاً كتاب ايف فاديه { قصيدة النثر . الصادر في عام 1996 } وكتاب ميشال ساندراس {
قراءة قصيدة النثر . الصادر في عام 1995 } علاوة على اعتماده على مختارات مهمة مثل
مختارات موريس شابلان التي تعتبر أول انطولوجيا لقصيدة النثر الفرنسية ، وقد صدرت
في عام 1946 وكذلك مختارات لوك شابلان التي أعادت اصدارها دار سيغير في عام 1984 }
مفاتيح
{ شهادة }
ثمة قصائد لا يمكن اعادة كتابتها . ثمة
قصائد ليست إلاّ ملاحظات أولية . تخطيطات تعود قصائد . ما أن تدوَّن القصيدة على
الورق ، حتى يبدأ فعلاً ، الشغل الشعري .
***
كلُّ
شاعر هو في طور النمو ، كلُّ قصيدة هي وثيقة بأنه لا يزال ، كلُّ ادعاء بأن ثمت {
صيغة نهائية } للقصيدة ، ماهو إلاّ مرآة ينعكس على سطحها بعبع { شعراء بالصدفة } ،
شعراء يتغيرون وفق العوام .
***
القصيدة
غرفة . بيوت الشعر فيها موجودة وجود الأثاث . من حين لآخر ، لابد ّ من نفض الغبار
. اعادة تركيب . رمي مارثَّ منه ثم الاتيان بغرض جديد . القصيدة فعل منتهٍ . علّة
وجودها : أن تكتب دوماً ، للمرة الأولى .
***
{
مامن تحسين يُجرى على النص } كما يوضح ادورنو ، يمكن أن يعُتبر قليل الشأن . من
بين مائة تعديل قد يبدو كل واحد طفيفاً أو متحذلقاً بحدّ ذاته ، لكنها مجتمعة ،
تستطيع أن ترفع النص الى مستوى جديد ؟ على المرء ألاّ يبخل بالشطب . طول النص ليس كثير
الأهمية ، والخوف من أن ماهو مكتوب على الورق غير كافٍ لهو خوف طفولي . لا ينبغي
اعتبار أيّ شيء جديراً بالبقاء لمجرد أنه هناك ، بعد أن دوَّن . بعدما تبدو عدة
جمل وكأنها تنويعات على نفس الفكرة ، فما ذلك إلاّ لأنها محاولات مختلفة للقبض على شيء لم يقيّض للكاتب أن يمسك به تماماً .
يفضل عند ذلك اختيار أحسن صيغة والعمل على تطويرها . من مقتضيات تقنية الكتابة ،
قدرة العزوف عن الأفكار ، وحتى عن أخصبها أذا ما تطلب البناء ذلك . لأن ثراءها وحيويتها سيعودان بالنفع
على أفكار أخرى لا تزال مكبوتة .
***
القصيدة
. مهما كانت نوعيتها . وليد تفطمه رغبة التعاشق الحرّ مع الكلمات الناهضة . قضية
في مستوى اللغة . لغة في مستوى القضية .
***
الى
أيّ مدى تلبي هذه القصيدة أو ذاك النص ، هذا الادعاء ؟ هذا أمر متجه أصلاً الى
عُرض التاريخ الذي ليس له في أغلب الأحيان شأن عند ساحل اللحظة .
***
في
عالم علمانيته – التي هي سورة من سور المقدس – استنفدت كل شكل ومضمون حديثين . لم
يعد الشعر في حاجة الى تحديث . شروط الشعر اليوم هي أن نعي و- بعمق تكاد تنفطر فيه
النفس – لا تكمن في مُعاركة العقل ، أو احالة الواقع صوراً سردية تزعم اشاعة نشوة
التغيير في روح القارئ . ليس للشعر من رواد وبالتالي من متجاوزين . رجال انشاء
يفكرون بأبيات يعشش فيها المبتئسون كأنهم غربان { منفية } تستمد صرختها من ضوء
المزابل . { الشعر ضد للأدب فهو يتحكم بالأوهام الواقعية وبأوثان كل نوع . انه
لحسن الحظ ، يغذي الالتباس القائم بين لغة الحقيقة ولغة الخلق 1 .
***
ان
تحديث أدوات المعرفة وآلات الحدس بالسرعة التي يتم فيها . خلّف الشعر كله في ليل
ساهر حيث تفزع الاستعارة الى ومضة التصوير : تملي فكرة المستقبل وهي تشفُّ ، حتى
تبدر عنها بواطن المشاريع الوهمية . هذا الطائل الذي يكمن وراء كل نص . الشعر سرّه
الانغماس في أمداء التنحي المطلق ، انه تأمل الفرد الذي يغسل اللغة غسلاً في مخدع
اليومي . ضد أيّ اسلام في مرآة الطريق المسدود ، حتى تفصح القصيدة عن شهوة العين
باختراق المعيون . عن قطب تدور عليه رحى التنوير ، فيتصالح الانسان مع الطبيعة .
وهاهو الفعل الشعري اللهٌ 2 اذ يموت . تولد كل الأشياء وكل تلك الشروط التي تريد
الشاعر أن يمرّ بسيرورة التطور الشامل الحاصل في حياة الكتابة وبيئة الألفاظ ، الى
حدّ أن تلسعه المحنة لسعة لا شفاء منها . تجعل ذاكرته تلبّ بكل ماهو حيّ عنيد ،
ويكون لنوعه بدء آخر ، وإلاّ كان كل ما يكتبه مصيره العربنة ، أيّ التكرار المدقع
بما قد بلي من صور وأشكال اجترحها الشعر عند حافر الحضارات .
1.
ملاحظات في الشعر . نص مشترك لاندريه
بروتون وبول ايلوار , انظر { فراديس } العدد 2 .
2. التنوين ، هذا الخطأ النحوي ، مقصود .
قصائد مختارة لعبد القادر الجنابي
مهاجرو الداخل
ما نريده
ليسَ مصعداً في مبنى الأسماء
ساحة لجنديّ مجهول
مقصاً ينتظرُ قصيدة
خرجت على القافية
بلا ثياب .
قد يذهب الرجل الى
لا رجعة
قد يأتيها في ثنايا الليل
قد ينتفض
فتكون عيناه
صحو البديل .
نريد
ظهيرة في منتصف الليل
قمراً في حضن الشمس
غرفاً لا يثكلُ فيها
ضوءُ النهار
وكتلة هذا النديد
لتزويق القشعريرة
وندبة الخوف
ما نريده ،
أصلاً في الأرض .
شكٌ وميثاق
شهادات نحملها معنا
إلى العالم الآخر
صوبَ الأحياء :
ليس الرأس
ولا اليد ،
ولا الذراع
ولا حتى ذاك التراث
وإنما خُصلة تاريخ
في مهب الأوراق
يسرّحها مشط الاختلاف .
حُلُم
"... بهذه الطريقة يدخل البطلُ الغابة
. لم ينتبه الى أن المخرج أنأى من هذه الكواكب المندثرة في طمي السماء . توقف عند
أوّل شجرةٍ انتصبت أمامه بكل ذكرياتها المليئة بابطال أشدّ بأساً منه . أخذ ينظر
اليها ، رأى عصفوراً جد صغير يحاول أن يحط على أحد أغصانها الذي يَغزو الى السّحاب
. والساعات تسري زفرات في الأعالي مختلطة بطشيش الهواء الذي تحدثه عصابة الطير وهي
تبرق خلل الشجر . على أنّ سنوات عمره تعبر فيلماً في وحشة الغاب . وكأن أشجاراً
ترْدفه بأشجار أخرى ؛ بأزمنة لا متناهية ، تصيّره إشارة برّاقة في قلب الشيء ،
يتكثف حتى تصير أشياؤه زمناً شعرياً لا نهائياً . أوراق تتساقط من رحلته . طفق
يَنفـذ بعينيه الى أدق التفاصيل . وبِخطفةِ البرق راح حَمار العين اليمنى يصبغُ
الغابة كلها ، بينما يتطاير شررٌ من العين اليسرى ، فيحرق صورة غابةٍ معلقة
بشكلٍ مضبوط جداً في غرفة طفلٍ صغير . "
صناعة الشِّعْر
مِنْ ضلع الأفعال تنبجسُ الأسماء ، ومن عين
الأسماء تنبجسُ الأفعال درجة في سلّم الخلق : " فليكن ..." وها هي ولادة
جديدة للكون . كان المبنى خالياً عندما انفتح ثقبٌ صغير يؤدّي الى دائرة
السلّم . إنها ساعة الغروب ، على انه في اللحظة التي ارتقيت فيها السلم ، بين
النائم واليقظان ، كان الرجل الذي يعيش في الطبقة العليا مع الجنّ والملاك ، قد
وصل الى الدرجة الثالثة نزولاً ، بينما رجلي اليمنى بلغت الدرجة الرابعة صعوداً .
لكن كلما تمر ثانية ، أشعر بأن الدّرَجات تأخذ بالازدياد . وكلّما يُسرى بي ، أسمع
صوتاً يفيد بأن ربَّ البيت سيرسلُ دابّة يُقالُ لها البُراق ، دون البغل
وفوق الحمار ، يصعد بي الى سدرة المبنى . كان مجموع درجات السلم ستّ عشرة
درجـة . أنّى ينزل أصعد ، أنّى أصعد ينزل : مباراة في القدرة على بلوغ الغاية
! وما ان بلغت ، حتى تراءت الدرجات وكأنها زحافات يجهش اليهـا الايقاع ! طفق الرجل
يتوقد فيتأجّج وكاد يُشطّر بعضُه عن بَعض من أجل نزلةٍ أخرى ؛ فاصلة مشدودة الى
وتِد بعيد يمكّنه من الثبات . غير أن علة جعلته يتهاوى كتلة نورٍ ترتطم بأسفل
السلم فتتشظّى الى شعل صغيرة سرعان ما
يكتنفها رجالُ الارصاد الطالعون من حوائط المبنى .
الله في كلمة
العجوزُ التي تعيش في الغرفة المقابلة
لشقّتنا ، والتي كثيراً ما كانت تتأمل ، في مرآةٍ مشروخة ، أحناء جمالها المترهل ،
العجوزُ هذه ... لا أظنّها إلاَّ قد ماتت . منذ ثلاثة أيام وغرفتهـا في ظلام يثير
أسئلة جدّ متضاربة في أذهان نُزلاء البناية التي أسكن . لكن ...، لِم هذا الشعور
المتشائم بأنّ كلّ غيابٍ هو موتٌ نهائي ؟ العجوز هذه ، إمّا انزوت عن أنظارنا
لغرضٍ إبداعي { ألـم تقل لنا أنها تنادم الكتابة أياما لكي تتخلص من الصور التي
جعلتها ضريرة } وإمّا ذهبت الى بلد آخر للاستراحة ، للتأمل : ربّ هواءٍ صحيح يتسرب
من نافذة - ذاكرة بعيدة ... انّها عجوز قبل كلّ شيء . غيرَ أنَّ ليلة أخرى قد مرّت
والظلام هو إزاءُهُ ؟ " فليكن "، صرّح أحدُ النزلاء : " ما دام ليس
هنالك من مَعلَم يؤكد لنا موت عجوز . البابُ مبهمٌ فحسب ".
إنّهُ على حق : " مبهمٌ فحسب ".
اذن ،
شيءٌ ما يسري .
هذا الصباح ، ليلٌ يتوهّج
هذا الصباح ، ليلٌ يتوهّج
قُم اطلع أيها الشاعر :
كم من سماءٍ
تتجعدُ جبهتُها في الهاوية ،
تُرْدِف أشعارَكَ المتظاهرة بالحياء ،
وأنت تريد أن ترتعي في خبز الشهرة .
أين لحنُك .
ذرِ الذينَ ...
تِه بالمجهول مسحورا
إلقِ بخبزك في المياه الراهفة :
فليس من مثوى .
القصيدة رسمٌ في بؤبؤ التنحّي :
بين الفوهة والهدف ،
السرّة وبثور العيش ...
كم من عالم يتراءى في شُقة القول
كِسرة فردوسٍ تَسْفكُ كلَّ ما فيه
وبشرخ لحظة
يَنْدُرُ في متحف وهميّ ،
ممدّدًا بلا هرير ،
لا يُكشّرُ حتى عن هَمهمةِ ضوءٍ
يستوقدُها منبوذون في أطواء المدينة .
قم أيّها الشاعر :
إنّك لست إلاّ...
بهذا
أو مت .
ليت الحصانَ كان وحيدًا
الى محمود درويش
القضيّة ينزُُّ من شفتيها الدم
متمددة على رمل النسيان
يدلك ظهرَها شعاعٌ من الحنين
يوقظُها أدنى الذكريات
القضيّة شلال من الأوراق
آتٍ بلا مجيء
في لمح البصر
يتلاشى
بين أرجل الشعارات
وحجر الصّوان
القضيّة حصان
أنْ يخرجَ
ذات يوم كالطفل
من حمّام الجميع .
" يمضغ الريحَ "
" ويؤنس البيتَ "
فتُسْجَر آبار
فيها مَصْحاة
من سُكْر التي واللتيّا
القضيّة ، ذا هي ...
كيلومترات
نجمٌ بَليلٌ
في موجهة البرد ،
في لجّ سلام
تلحسُ الحربُ ضفافَه .
الشكل والمضمون
حتّى الآن كان اللّيل جذراً يمتد في
العوالم الأرضيّة ، يغشى البحر والجبال . يمشي فوق الكون متثأْللاً بالنجوم ، وما
سيكون كائنٌ ، في جبته ، أصلاً . الليل ، عالم الما وراء ، تتناغم في هيولاه
الأضداد . كان ، وحتى الآن ، قبراً مفتوحاً تخرج منه الأرواح مثلما تخرج النار من
فم التنين . يلعب في العين البصيرة ، ينام مع السجناء عندما ينام النور في بياض
الأرض ، حارساً البئر الذي أُلقيت فيها الحقيقة . من فجر الزمن الى منتهى الدهر ،
أمام الليل المطلق ينحني الظلام... الليل كان على وشك الحلول... حتى الآنَ المجدُ
فيه .
بين السطور ، يسفك الشاعرُ دمَ شيطانه
الدّم ، وفقاً سائل أحمر يجري في الأوردة
والشرايين وينقلُ العناصر المغذية والنفايات المختلفة لجميع خلايا الجسم ، تنقله
الشرايينُ الى مختلف أجزاء الجسم وتعيدهُ الأوردة الى القلب الذي يقذفُ به الى
الرئتين . القصيدة جزء من جسم الشاعر: لها حصتها في كل ما يتلقى هذا الجسم من دم .
ديدان
عشرات من الديدان تنخر في النص ، تأكل
حروفَ الجر ، الأسماءَ ، الأفعال . عشرات من الديدان تنبثق من كلّ زوايا شاشة
الكومبيوتر ، تنخر الناصبَ والمنصوب ، الاسم والمصدرَ وشواذ الإدغام ، تنخرُ في
الجامد والمشتق . المجرد الثلاثي ، الرباعي والمزيد من ديدان ننتجها في جملة النخر
الدائر طوال كينونة لا يدركها إلاّ هذا الليل البهيم يؤول اليه مصيرُنا حيث لا
بسملة ولا حوقلة ، انما نخرٌ على الدوام في قرائح المصير .
حياة
في ساعة لا شكل لها، يترامى نبأُ موته
وكأنه يريد مرّة أخرى أن يدعك الحُجُرات بشمس الأرق ؛ يترنّحَ بين القلم والكأسِ ؛
يحرثَ التسكّعَ في يوم النّاس... كَمَن يختصر سنوات الخمر الضوئية مخالبَ ينشبها
في جلد الحياة ... كَمَن يترامى من شواهق العصيان ليستقر بين مآبر الأطباء سيان
عنده الذاكرة والنسيان !
هكذا مات علي بن عاشور* تاركاً كلَّ شيء يزفرُ في
ظلمة خضراء .
· توفي علي بن عاشور في الثاني والعشرين من شباط 1997. وبعد أن بقيت
جثته في معرض الجثث أكثر من اسبوعين دون أن يطالب بها أحد ليجعلها تستقر بين أنامل
التراب ، برزت وصيةٌ تفيد انّه نذر جثتَه الى مدرسة الطب التونسي للاستفادة منها
في عمليات التشريح . النثر هذا كتب بعد وفاته بيومين .
فاتورة
في المطعم ، ذات مساء ، يطلب الزبائن
طعاماً لا يشتهونه بالضرورة . المرأة التي تجلسُ زهائي ، غرق تفكيرُها في لائحة
الطعام . لم ينتبه الخادم الى ما قد طلبته . نظرته كانت تزوغ في القرار . جاءها
بفخذِ دجاجة مشوية ، قدح من النبيذ ، ملعقة وشوكة من الذكريات .
الكتابة مطلقا
الى رؤوبين سنير
الفجرُ واقفٌ فوق الجبل .
أشبه بدجاجةٍ ، ينتفشُ ريشُ الليل والبُومة تفتحُ عينيها .
لن ينتظرنا أحدٌ . فنحن كالشيوخ الحكماء
شاخصو البصر في قرى الجواب الى نجم سُرعان ما يغيب . نتحدث الى أنفسنا بذهن صاف .
لبياض أعيننا صرخةٌ عشواء ضد بياض الأرض . الغدُ يطرقُ مسامعنا متهدّلاً وكأنّه
لسانٌ جسيم يخرج من حلق الأفق .
لا أحد سوانا . النافذة مُلطّخة بالغبش .
من محلول المشابهة ظلٌّ يسهر للحراسة .
نُساري أبراجاً بعيدة تتعاقبُ بانتظام ،
ننهش في جسد الظلام حتى يداهمنا مطرٌ شديد ما يجعل الصمتَ يحمل مظلّته ويمضي الى
شقة القول . وفجأة ينشقُّ القمرُ ، فتشرب السماءُ من ماء كلِّ ما أسودّ باصقةً
إيّاه في مجاري الكلام .
" بيت الكائن "
الى صديقي الشاعر الاسرائيلي امير اور
وحيدٌ في السهل ، قرميديُّ اللون . مُسيَّج
بملتويات الحواس ، الضباب والظلال المائلة عند مدرج الألفاظ . غرف متلاصقة واحدة
بالأخرى . تسيرُ الأفكارُ وحائطه ، تتجاسد وإيّاه بسخامها الحلمي في صالة الاعجاز
. كم هو غريبٌ غناءُ الداخل ! هذه المنائرُ ، الجوهرُ ، وهذا الطائر .
ثابتٌ كالذكرى . وحيدٌ في السهل يُضيئه النّجمُ الصامتُ وعيناه تحدّقان في كل
بهائم الأرض .
فلسفة البؤس
في كلِّ نهار ، ظلٌّ من الليل ينظر الى
الأسود بعين ملؤها الحسد .
مشاعر مختلطة
باكراً ، أنهض من الفراش . أدخل الحمّام .
أفطر . أتّزِرُ أمام المرأة . هذيانٌ ينطبعُ على مائها ، يستوقفُ نظري : الشارع
الذي أقطعه كلّ يوم ، الكتاب الذي لم أنته منه ، المطبخ ، السجادة ، أنا ، الباب ،
كلُّ هذا سيُجبَل من جديد . واذا في مُستَل الاشباه ، أعثر على توازني .
من ضلع الشّجر الأخضر ، أُقتُطِعَ الأوّل
في ليلٍ .
الآلهة السبعة
For Elesheva Greenbaum مشظّى بالنجوم . ذا هو يشدُّ
بعنف شَعرَ الثاني المتهدّل من سماء الصورة ، بينما الثالثُ تذرفُ من الرَّهْز
عيناهُ ، والرابعُ يحتلمُ في الأرض الرّطبة حيث يَفضُّ القمرُ أغلاقَ الشمس ،
ينحلُّ في المياه النشوانية ، والخامسُ يُحرَقُ بتهمة الزّندقة .
السادسُ جَرحته المفاجأةُ وظلَّ حيّاً .
السابع مِكْسالٌ قطعَ يد البحر وطار مع الغريبة .
الأفق شعرة
في ذكرى يوسف الخال
أمّا الشاعرُ المولعُ بالصّور والتعاويذ ،
فإنّ مناماً يبهره الى الكتاب . لحظةٌ بيضاءُ تشرقُ فيه . تَتنفّسُ سطورَ اليد
وتقاطيعَ الدماغ . وها هو الضبابُ آخذٌ بالانقشاع تحت أشعة الشاعر المتوهجة في في
مسالك النّور حيث آثار لا براهين .
ما أنفذ حَرفَه الى قلب المتلقّي ، وخيالُهُ - منعكساً في ماء النّسوة اللواتي حملن
ثلج الشيء الى حنايا الجبال - سهوبٌ من النّسلِ .
ذي هي النبوءةُ تفيضُ مفلولة الحرف .
فكلُّ قصيدة ضمير .
وكلُّ ضمير جيل .
نقد الذات
رجلٌ تطير العصافير من معدته ، صوب عينيه ،
تخترق بؤبؤه ، تحلق في بياضه . من فُوهة مثبّتة في دماغه ، تنطلق رصاصةٌ : الطيور
تسقط في الهاوية ، والرجل يجد نفسه عاريا أمام ماضيه .
القطيعة
في حجرة لا باب لها ، كان رجل ، ربطة في
عنقه ، يبحث عن ماضيه الثقافي في ديار المخطوطات . وفي زاوية قائمة بين الأطلال ،
تذكر أن المفتاح الذي في يديه بلا جدوى . أيموت على حوافي المعلقات مغطى برغوة
التأويل ، أم يطيش الى وهج التغيير ، تاركاً الذباب تتهافت على " نور"
أطفأته الأحداث . بضربة واحدة ، كسر قفل النوم ، وشربَ الأفق بكأس نظرةٍ . غَداة
غدٍ ، تتعالى الحان النّاي !
موت
والآن بعد أنْ حلَّ المساءُ ، وطفِقت طيور
الشارع تأمنُ الى أعشاشِها ، عليّ أن أقعد هنا ، وأترسَّمَ الساعةَ وأنا بمَسْمَع
من الموسيقى . أخذَ ضجيجُ الآخرين يخفّ شيئاً فشيئاً . الكتابُ مفتوحٌ على صفحةٍ
جاء في نهايتها : " كلُّ الأشياء الحيّة ، الشجرةُ ، الصحراءُ ، ميلادُ
الكلمة في القلب ، اللمعانُ في الخارج ، لها رائحة العدم ". نهضتُ لآتي بقلمٍ
وورقةٍ . فرأيتُ ما كنتُ أحسبه جملاً مفيدة ، أطيافاً تحملُني الى السفح الثاني من
الحياة ؛ الى زرّ كان يكفي أنْ أضغطه فينطفئ الضوء .
حزينةٌ هي الظلال ، في حجرة الغياب الطويل . تبحث وحدها في قمامة العتمة عن غبار
النجوم .
* أدين هنا في هذه الفقرات ببعض الأفكار
للسيد رشيد بوطيب
* شاعر
من العراق يقيم في السويد
Nasif_nasiry@hotmail.com