|
|
|
|
|
القصة |
الصفحة |
|
العاصفة.................................... |
1 |
|
الثلج
الأحمر................................ |
8 |
|
ضاعت
أنالينا............................... |
15 |
|
حذاء
الرئيس............................... |
21 |
|
كريستيانيا.................................. |
26 |
|
الصقر
المتوحش.............................. |
31 |
|
الأسود
الناصع.............................. |
36 |
|
هذا
البلد وطني.............................. |
41 |
|
حرية
… حرية …......................... |
50 |
|
إعـاقة................................... |
58 |
|
صراخ
الصمت............................. |
65 |
|
الكعك.................................... |
72 |
|
بكاء
ملك.................................. |
77 |
|
هيفاء
سابقا................................. |
81 |
|
قطار
الحرية................................ |
87 |
|
اقتلوا
الجوال................................. |
90 |
|
منحتموني
الغدر فسقيتكم السم............... |
98 |
العاصفة
رجعت
أنا وزوجتي من العمل متأخرين. منهكين ورغم ذلك دخلنا سويا إلى المطبخ،
نهيأ أكلا سريعا ،ونسمع في نفس الوقت حصاد اليوم من الأخبار. كان الجو عاصفا، ظل هكذا ساعات
قليلة بدت كأنها الدهر كله. صوت الرياح القوية كأنه أزيز كل نحل العالم تجمع في المنطقة . حافلات مالت عن طريقها،
وأشجار تكسرت أغصانها أو انقلعت من جذورها. هدوء مطبق بمنطقة (هاوجسون) التي أصبحت
وكأنها خالية من السكان. برد محمل برذاذ ثلجي، لم أكن معتادا عليه طوال السنوات التي
قضيتها في المنطقة. نظرت من خلال النافدة إلى قمة الجبل، خيل إلي أن هذه الريح
ستظل محملة بالثلوج إلى ما لا نهاية. ليلة ولا ككل الليالي، شديدة البرد والثلج
والظلام. عاصفة واقفة بشموخ وعناد على تلك الصحاري البيضاء. تشعل نارها على سعف الثلج
وصوتها الوحشي منبعث من كل الجهات. تهيل على ضفاف النفس خوفا ورهبة معلبة في الصدور.
هدأت
العاصفة، كنت حينها وزوجتي نأكل وجبة العشاء ونسمع حصاد اليوم من الأخبار. أخبار عن
العاصفة في منطقتنا. فجأة انقطعت الكهرباء. أوقدت زوجتي الشموع. لم تصدق أن ليس هناك تلفاز يشغلني عنها. فتحت فاها
وبدأت في الكلام من غير توقف وأنا أنظر إليها من حين إلى آخر، متظاهرا بالاستماع إليها
ولو أن نصف كلامها كان يخرج من أذني الثانية. طال حديثها فشردت بعقلي أتخيل
هذه المرأة التي جمعني القدر بها لتكون شريكة حياتي وتكون جهاز الراديو الذي لا
يطفئه عاصفة ولا يعرف انقطاعا كهربائيا. جهاز خاص فقط بأخبار الفيتنام ومشاكل
الفيتنام واقتصاد الفيتنام والسفر إلى الفيتنام. لعنت الساعة التي سافرت فيها إلى
الفيتنام وتزوجتها هناك. كنت أنظر إلى شفتيها تتحرك وتتمطط وأحيانا تبتعد عن بعضها ثم
تنطبق بشدة وأحيانا ترتخي، وأنا أتحدث في نفسي لا أسمع ماذا تقول!!
عجبت
من أناس يحبون الكلام، يجترون الكلام، يشربون الكلام، بطنهم يستوعب كل الكلام ، أو ربما كل الكلام لم يلفظوه بعد ....!!
كلام،
كلام، يخرج من فمها، يتطاير في الهواء، تستنشقه، تزفره، يدخل أذني، يقضمها، ينزل
على رأسي يشقها وغالبا ينزل على معدتي ويؤلمها.
حسبي
الله في زوجتي التي من يوم أن تزوجتها وأذني لا تعرف الاستراحة من سماع الكلام. يا إلهي كم كنت مفتونا ب (تي فو)
سحرتني بادئ الأمر بشرقيتها وأنستني (كاريانا) المتعجرفة، المتكبرة. (كاريانا)
التي تخلت عن أنوثتها وجعلتني أنفر منها رغم جمالها الأخاذ. طلقتها وها أنا الآن
ضائع بين سحر الشرق وجمال الغرب. كل منهن يتباهى من أعالي أنوثة مجهولة وأنا
بينهن وحدي على شجرة الحلم طال انتظاري على كالحات الدروب وبين الكلام والفلسفات مازلت
أبحث عن السحر والجمال الحقيقيين في كل منهما.
- حبيبيتي( تي فو)، اسمعيني من فضلك.
ما
زالت تتحدث ولم لا؟! فهي لم تفرغ من الكلام. ضربت بقبضة يدي على المائدة، قفزت من
محلها ، اصفر وجهها أكثر مما هو عليه.
- نعم، حبيبي.
- سأسافر إلى تونس.
- ماذا .....! وتتركني لحالي!؟
- أنت لست وحدك! الكلام معك في كل مكان. في المطبخ، في
الصالون، في غرفة النوم. كما أنني سأمكث فقط أسبوعين من الزمن لأمضي
عقود شركتنا مع شركة تونسية.
- لكن، لماذا أنت بالذات الذي اختاروك يا (طوماس)
- لم يختاروني، أنا الذي اخترت نفسي. سأذهب إلى
النوم الآن. تصبحين على خير.
- تصبح على خير حبيبي.
تركتها
وذهبت إلى غرفة النوم، فارا إلى السرير، مستنجدا بوسادتي، كنت أسمعها تغني في المطبخ وتنظفه وأحيانا تتحدث لحالها.
ضحكت
بامتعاض ضحكة خرجت من قلب سئم الكلام، كره الكلام، فأصبحت أتمنى أن أكون أصما علني أوفر على أذني كلاما وكلام.
بعد
يومين، سافرت إلى تونس، وفي الحقيقة لم يكن هناك عمل ولا عقود ولا شركات ، وإنما فقط
أريد أن استلقي على رمال مدينة (جربة)، تلك المدينة الجميلة بطبيعتها، وبرمالها وبحرها، أشجار النخيل ، رمال ممتدة وشمس
دافئة. استلقيت على الشاطىء، وضعت نظارات سوداء ودهنت جسمي بمرهم ضد أشعة الشمس
ثم أغمضت عيني.
- يا اللــه !! ما أجمل الدفء والهدوء وما أجمل الحرارة
والسكون! ما أجمل البحر والرمال وما أجمل النخيل والبعد عن ( تي فو)...!!
ابتسمت
وأغمضت عيني وجريدتي على صدري أستمتع بصوت الأمواج التي تتكسر
على الشاطئ. أفيق في كسل مع الفجر الرطيب والشمس خجلى من وراء الأفق رانية إليّ، تنشر أشعتها على
جسدي فتسري حرارة دفئها في كل مساماتي. تلفني أشجار نخيلها بثوبها الزاهي فنسيت كلام زوجتي ونعمت بسكون صمتها... تضمني
على مهل وتمشي على ساقين من شمس والعصافير من حولي تزغرد على نغمات
أمواج البحر التي تحضن الشاطئ ثم تنام على صدر الرمال.
أغمضت عيني، أريد أن أحس وأشم وأتذوق كرم
الطبيعة. كم هي كريمة عندما تجود بسخاء! أحسست بنشوة، برعشة، بسعادة تملأ قلبي
رقة وابتسامة. لا أعرف لماذا تذكرتها وهي هناك، شرسة غاضبة، باردة، تلسع من دون
رحمة، تزمجر ، تحطم، تكسر. ها هي الآن
عاشقة، جميلة تزين الحياة، تضفي عليها جمالا بسحر هضابها الحسن وبرموش غابتها كلوحة من ظلال.
تغدي الروح وهي هادئة، تنعش الفؤاد، تروي العين وتطفئ العطش كالشراب الزلال.
فجأة
أسمع صوتا يقول لي باللغة الإنجليزية:
- Hi ....do you speak English?
عدلت
جلستي ورددت السلام محييا.
- نعم، هل من مساعدة؟
- لا فقط أريد الترحاب بك في مدينتنا. اسمي سمير. إن أردت أية مساعدة فأنا رهن
الإشارة.
شكرته،
أخذت جريدتي وبدأت أتصفحها. اختفى سمير وما هي إلا لحظات حتى رجع، وفي يده قنينتين من عصير الليمون. مد إلي واحدة. لم
أطلب منه ذلك. كي لا أحرجه أخذتها شاكرا. تطلع يمنة ويسرة ثم قال لي بصوت منخفض:
- هل تحب النساء؟ أعني هل لديك رغبة في النساء؟ يمكنني أن
أهيأ لك ما تريد
وحسب ذوقك.
ضحكت
قائلا في نفسي " هربت من (تي فو) وسمير يريد أن يحضر لي (تي فوات).
- لا يا صاح ، شكرا. أنا لا أحب النساء.
نظر
إلي بدهشة. ارتبك، بدّد بصره، اقترب مني أكثر وقال بصوت هامس:
- طيب إن كنت لا تحب النساء يمكنني أن أذهب معك ولكن، بشرط
تسقيني قنينة من
الوسكي.
- تذهب معي إلى أين ؟ ولماذا أسقيك قنينة وسكي؟
احمر
وجه سمير.
- لأنني لا أستطيع إلا وأنا سكران.
- تستطيع ماذا؟
بعدها
استوعب عقلي البطيء الفهم لكثرة امتلاءه بالكلام.
ضحكت
عاليا قائلا بلغتي:
اللهم
( تي فو ) وكلام (تي فو) عن هذا السمير وقنينة الوسكي.
ذهبت
إلى المطار، استقليت طائرتي إلى النرويج، إلى بيتي، إلى زوجتي التي فاجأها رجوعي
السريع . وضعت حقيبتي في المطبخ، جلست حول المائدة، وضعت إبريق القهوة على الطاولة.
جلسنا نحتسي القهوة، لم تسع (تي فو) الفرحة لرجوعي وبسرعة فتحت فاها الكبير، ثم
انطلقت في الكلام وأنا أستمع إليها إلى أن سمعت شيئا وقع بشدة على الأرض، تلته صرخة
مدوية. قفزت من مكاني.
- ما هذا يا تي فو؟
توقفت(
تي فو) عن الكلام. قفزت من مكانها مسرعة كالبرق إلى الطابق الفوقي حيث الحمام. لحفتها ، فتحت غرفة الحمام فإذا بأمها
عارية مستلقية على الأرض ونصف جسمها أزرق أحمر من جراء الوقعة. غطتها (تي فو)
بسرعة بمنشفة. أما أنا فكنت كالمخدر بلا جسد ولا روح. كلماتي معتقلة في سري كأنني
أسلمتها للموت. ماذا تفعل حماتي هنا؟! إنها أكثر كلاما من ابنتها. هل ستقضي عندنا
شهرا بأكمله كعادتها كل سنة. لكن لم يمر على مجيئها إلا أربعة أشهر. يا إلهي كيف
سأتحمل ثرثرتها وانتقاداتها شهرا كاملا!
ألف
(سمير) ولا( تي فو) وأمها.
ماما:
هل أنت بخير؟
نعم،
الحمد لله لم يتكسر ضلع من أضلاعي.
نظرت
إلي وقالت: سمعت صوتك، نهضت من الحمام بسرعة لأراك وأسلم عليك فوقعت
على الأرض.
قلت
بامتعاض: حماتي، عزيزتي، لديك شهرا كاملا لكي تسلمي علي وتحدثيني عن ألف ليلة وليلة بالفيتنام.
عدلت
جلستها على أرضية الحمام، رفعت عينيها تنظر إلي وقالت مبتسمة: هذه المرة
جئت للسكن معكم إلى الأبد. وأنت يا (طوماس) وراءك عمل كبير. ستذهب إلى إدارة الأجانب وتقدم
طلب إقامتي، ثم لا تنسى أن تخبر صديقك المحامي، ما اسمه؟ تحاول أن تتذكر ....
المحامي
الذي زارك بالبيت السنة الماضية، ترفع يديها ملوحة، المحامي الذي أعجبه طبخي. هل
تذكر؟ و(تي فو) أيضا فتحت فاها موجهة كلامها إلي أيضا: حبيبي (طوماس) ستنام أمي
بالغرفة المجاورة لغرفة نومنا. سنأتي بالخزانة التي في المستودع لتضع ملابسها. كم أنا
سعيدة يا (طوماس) ...
أختلط
كلام (تي فو) بكلام أمها وسط بخار الحمام المتصاعد وأصبح ينزل على رأسي هذه المرة
ليس كالرشاش وإنما كقنابل( الميركافا). لم أخرج من الحمام وكيف لي أن أفعل و(تي فو)
وأمها مازالا يتحدثان في آن واحد.
الثلج
الأحمر
في
تلك البقعة من الكرة الأرضية، يشمّ ُ الإنسان رائحة الجفافِ والفقرِ والجوع...
ويسمع جرس الإنذارِ ... إنذار الموتِ ... الموتُ الذي سببته كل مخلفات الجهل
وقساوة الطبيعة. أرضُ ُ جرداء أصبحت عاقرا لانقطاع المطر عنها. حروب من الداخل
وأخرى من الخارج، السكان جائعون، أميون، متمردون، ناقمون على الطبيعة، حاقدون على
الحياة ...
انتشر
بعضهم كالغبار الذي تقذفه الرياحُ من غير رحمة إلى البلدان المجاورة والبعيدةِ
أيضا. كان إسماعيلُ وفاطومة من ضمن من ساقتهم الأقدارُ من ذلك القحطِ إلى النرويج،
حيث الطبيعةُ الخلابة ُ وحيث النعيمُ والرغدُ بكل أنواعهِ والسلام و الغنى
... وكلّ ُ شيء .... منحتهم الدولة حق
اللجوء الإنساني وعاشا في جنة من الطمأنينة وهدوء البال، بعدما كانا في جهنم الحرب
والجوع والقتل والبطش والإغتصاب ... إغتصاب الأجساد باختلاف جنسها وأعمارها...
أجساد رخيصة ... محتقرة ... لا تساوى شيئا ...
لم
يكن اسماعيلُ مؤهلاً لعمل أي شيء في النرويج لكثرة الأمراض النفسيةِ والعضوية التي قدِمَ بها من ذلك الوطن اللاوطن
... ولم يستطع بطبيعة الحال استيعابَ لغة البلد. أما زوجتُه فكانت مثقلة ً بثلاثةِ
أولاد مع أنها لم تتعدى العشرين من عمرها. التقى بها (رجب) وهي في دكان بـ(جرولاند) تشتري الخضر.
تبادلا التحية وتلك الأسئلة التقليدية التي أمست جزءا من حوارنا، نتعاطاها بدون
ملل عندما نلتقي ببعضنا، بمن لم نره منذ مدة طويلة أو قصيرة. كيف حالك ... كيف حال
الأولاد ... كيف حالك مع الدنيا ...ماذا تعمل..أين تسكن..هل أنت مرتاح في البلد..
ستة
أشهر مرت منذ أن رآها آخر مرة. وكأنها كبرت عشر سنوات ... صوتُها أكبر من سنها. أحس
بكثير من المرارة في أحرفها وألمٍ عميقٍ في كلماتِها التي كانت تخرجُ رُغما عنها،
محدثة حشرجة في حلقها. كان ينظر إليها خلسة من أخمص قدميها حتى رأسها وكأنه
يحاول الإجابة على أسئلة محظورة. تتوقف
عيناه على يديها، عروقُ ُ خضراء متورمة على ظهر كفها، يظهر على أطرافها تجعدات لا
تبرز عادة سوى على يد عجوز داست عليها حوافر الأيام من غير رحمة. سألها بعفوية
وسذاجة.
- كيف حال زوجك أما زال
كسابق عهده ... أما زال يضربك؟
أطرقت من غير أن تنبس ببنت شفة. شعر ذلك الشاب بالندم
لطرحه ذلك السؤال. كان يتألم إذ كان يحبها كثيرا، لكن والدها رفضه بسبب شجاره مع
أبيه. حقد عليه لحقده على أبيه. كان الشاب يعشقها لذكائها وخلقها وهدوئها ورزانتها
وعفتها. مد إليها بطاقة عنوانه ثم قال:
- إن احتجت أي شيء يا أختي فلا تتردي للإتصال بي.... الله معك.
غادرها
وتركها تنظر إليه وعيناها مغرورقتان، محدثة نفسها: كم هو جميل ووسيم، كريم وشهم
... كنت سأكون زوجته لولا أباه الذي كان يتشاجر مع أبي. لماذا ندفع نحن الأبناءَ
الثمن! بلعت ريقَها ورجعت إلى شقتِها الصغيرة.
- لماذا تأخرت أيتها
الوغدة؟ تركت لي أطفالك ... سأجن ... خذيهم عني وهيئي الطعام لأنني جائع. أفهمت
ماذا قلت؟
وضعت
فاطومة كيس الخضار في المطبخ ثم أخذت الأطفال إلى الغرفة الثانية ... أخرجت اللعبة
الوحيدة التي يملكها أطفالها لتنهي صراخههم وضجيجهم، لكن ذلك لم يزدهم إلا صراخا
أكثر. كل يريد اللعبة له. هوت عليهم بالحزام وأقفلت عليهم الباب، ثم توجهت لتهيء الطعام.
لم تبال ببكائهم ... أو ربما كانت تبالي... فاكتفت بدموع تنهمر كالنزيف من قلبها.
لو تزوجت رجب لما كانت حياتي جحيما هكذا! كانت تهيء الطعام بعصبية وضعت الماء يغلي
لطبخ المكرونة وبينما تقطع اللحمَ كانت تفكر في رجب، ذلك الحبيب الأول ... لماذا
يا ربي قدري هكذا ... لم تكمل كلامها وبلا شعور هوت بالسكين على سبابتها التي بدأت
تنزف. لم تحس بالألم في تلك اللحظة بقدر ما كانت تتألم وتتحسر ناقمة على قدرها
الذي وضعها في هذا الوضع.
أما
زوجها فكان يجلس على الأريكة العتيقة التي أصبح لونها يميل إلى السواد لكثرة
الأوساخ ... السعال لا يفارقه حتى وهو في
لحظات نومه وهدوءه. يفتح علبة الدواء
السائل المر المذاق ... لطالما كره أن يشربه ولكن لا مفر. نصيحة الطبيب له، توقفك
عن تناول الدواءك معناه صحتك ستزدادُ سوءاً ... ابتسم بسخرية على أنفاسه المتجمدة
والمتمردة، منذ متى كان يهتم بحياته؟ منذ متى كان يعتبرُ نفسَه، إنسانا له كيان
... وجدان ... مشاعر ....
بدأ
يتطلعُ حواليهِ وهو يسعل ... ينظر إلى ديكور الغرفة الحزين ... جدران لا لون لها
خالية من الصور عدا آية الكرسي التي كانت معلقة في وسط إحدى الجدران وقريبة من
السقف. تلفزيون قديم ينطفئ غالبا وحده ولا يفتح حتى يضربه بخف رجليه. سجادة بنية
اللون بالية مليئةُ ببقع الشاي والقهوة وفتات الخبز... كان يحرّكُ قدميه بعصبية
ويشد على أصابعه محدثا طرطقات لا إرادية ويتزايدُ سعالُه ويهتز جسمُه النحيلُ
الأسمر الذي ضاق ذرعاً بحمله معه أين ما حلّ. فجأة تدخل عليه زوجتُه مستاءة، حزينة
ثائرة والدم ما زال يسيل ساخنا من سبابتِها. غضب بركاني بداخلها، لم تستطع أن
تفجره خارجا خوفا من ردّة فعله. قالت خائفة ُ ُ بنبرة مستاءةٍ منخفظةٍ ومتحفظة:
- أريد أن اشتري حفاظا
للطفل.
- ألم أقل لك استعملي
خرَقا من الثوب لأن ذلك يُوفّر علينا نقودا كثيرة.
اقتربت
منه وكأنها تريد أن تنقض عليه، ثم ابتعدت
خوفا من أن يفترسَها بضربه كالعادة وقالت:
-لم أر نقوداً كل ما
تدخره من نقود تحوله لأهلك. هذا المال حقي وحق أطفالي. أليس في قلبك رحمة؟ أحتاج
إلى غسالة كهربائية أيضا.
لم
يكن يؤلمها الجرح بقدر ما ألمها تطلع رجب إلى تجاعيد يديها بشفقة وحزن.
وقف
مُزمجرا وبدأ يلُوحُ بكلتا يديه ووجهه يكادُ يلتصق بوجهها واللعاب يتطاير من فمه،
صارخا غير مبالٍ بالنزيف في أصبعها، فالدم صار منظراً مألوفا تعود على رؤيته في
وطنه.
- منذ متى كنت تغسلين بالآلات الكهربائية؟ منذ متى كنت
تتحدثين عن يديك وحساسية جلدِك؟ من غيرّك أيتها القحبة؟ هل تعتقدين أنك ستفلتين من
يدي. إن النرويج ايتها النساء أعطتكن حقا أكثر مما لكُنّ. مثلك أيتها الغانية لا
يليق بها إلا قطع الرأس بالساطور. هل تعتقدين أن وجودَك بهذا البلد سيحميك مني؟ لا
والله! لا أحد في هذا العالم يستطيعُ ذلك. هل فهمت. غادرت فاطومة إلى المطبخ تندب
حظَها. أما هو فجلس على أريكته يزمجرويسب ويلعن ... لا يعرف بمن يبدأ لعنته...
بوطنه المليء بالانقلابات والمذابح والمرض والفقر والتعذيب، أو يلعن النرويج التي
ظن نفسه سيجد فيها ضالته من الراحة والهدوء والإستقرار وسينعم بهدوء واسترخاء دون
أن يقطعَ نومَه صوتُ القنابل والقذائف التي كانت تنهال على مدينته ليلَ نهار ...
كان يحلم أنه سيأكل بهدوء وسيعمل بهدوء ... وربما وفر بعضُ المالِ ليرسلُه
لوالديهِ واهله في وطنه. كلّ شيء كان حُلما فقط ... حلما يؤنس به نفسَه. كان ينظر
إلى نفسه فيراها هي أيضا مجرد حلم ، طالما يتوق للتهرب منه ومن أطيافِه وساديتِه
التي تطارده في صحوه ومنامه، لائذا بهوة سحيقة وحصينة ضد قدرِه المعلق في سماء
العدم، وآمالاُ تسبح في ماض وحاضر ومستقبل غامض، خوفِ من المجهول، ماض ومستقبل لم
ير فيهما حبا ولا حياة ولا وطناً... بداخلي فراغ ... ليس فيه شيئ ...
تطلع
إلى باب الصالون، وذهب بفكره إلى زوجته، وأولاده الثلاثة. نزلت قطرات ساخنة من
عينيه، وهطل وابل من التساؤلات التي لم يجد لها حل ... تساؤلات كانت تنزل على عقله
محدثة له صداعا حاداّ في رأسه ...
بلدي
... وطني ... لو كان لي وطن .... مثل
النرويج، لما جئت إلى النرويج ... لو كان ببلدي سلام .... لما كنت على ما أنا عليه
الآن ...
ضحك
عاليا ضحكا ممتزجا بالبكاء ... حروبنا ... وجوعُنا ... وفقرنا ... وذلّنا...
وتخاذلنا ... قتلنا ونحن أحياء ... أينفع العيش بعد هذا الموت الذي نعيش فيه ...
تطلع
إلى نفسه وكأنه يفحصها أو كأنه يريد أن يتأكد من ذلك الجسد العليل الذي يلبس روحه
المريضة، المستاءة، فوجد الاثنان عليلان، سقيمان ... ماتت روحه وتبعها الجسد. عرف
أخيرا أن هذا الجسد قد أنهكه المرض، واستوطنته
جرثومة خبيثة ... هذا الجسد آن له أن يستريح من حياة الذل والدونية والوحدة...
وحدة في كل مكان ... منذ هروبه وأهله وتسللِه إلى النرويج ... إلى أوسلو.
زوجتي
... أولادي ... ما ذنبُهم ... ما ذنبي أنا؟ إنه ذنب القدر الذي يعطي بسخاء بعض
الناس ويحرم الآخرين بقسوة. تمر أيامنا وشهورُنا وسنينُنا ونحن لا نجد الراحة ...
كيف لنا أن نعيش ونحيا وكل من حولنا يمقتنا ويمقت وجودنا؟ حثالة ألقت بنا خارج
بلادنا . كرهت نظرات الإستعطاف والشفقة ونظرات التأفف والإستياء.
صراخ
الأطفال مازال يرج تلك الشقة ُ الصغيرة ... وصراخُ برأسه مازال يقع عليه بدون رحمة
كالضرب بالمطرقة. وقف متجها إلى المطبخ ليرى لماذا زوجته لم تهدىء من بكاء وصراخ
الأطفال. فإذا به يسمعُها تتكلم هاتفيا. تبكي وتشكي إلى رجب ذلك الذي كان يحبها
يوما ويحلم ببيت وأطفال معها. تطلب منه أن يساعدَها في إيجاد حل لها ولزوجها الذي
أصبحت الحياة مستحيلة معه. أظلمت الدنيا في عيني إسماعيل ... لم يعد في باستطاعته
أن يميز بعقله وبعينيه وببصيرته شيئا. كل
شيء صار أسوداً. يداه ترتجفان كباق جسمه، كله أصبح يرتجف روحه وعقله ، بل كل الشقة
ترتجف من حواليه. فتح باب المطبخ الذي كان نصف مغلق واتجه إلى الجارور وأخرج
ساطورا. كانت زوجتـُهُُ في تلك اللحظة ألقت بسماعة التلفون على الأرض من صعقة
المفاجأة ... تسمرت رجلاها في الأرض... حمل إسماعيلُ السماعة فإذا به يسمع صوت رجب
... " حبيبتي سأبذل كل ما في وسعي لمساعدتك ومساعدة الأولاد. فقد إسماعيل
صوابه وقال بصوت مرتفع:
- سأريحك وأريح الأولاد
وأريح نفسي ... أليس هذا الذي تريدين؟ ألا تريدين أن تخلدي للراحة؟ هوى على رأسها
بالساطور ثم أسرع إلى حيث الأولاد وهوى عليهم بساطوره لكل واحد منهم ضربة
واحدة، فأصبحوا طريحين أرضاً والدماءُ
تسيل كالنهر، يمشي بتثاقل والندم ينزف روحه المنتزعة التي تحتظر من علة الزمن...
ثم ألقى بنفسه من النافدة فلون بدماء مأساته الثلجَ الأبيضَ فصار أحمرا.
ضاعت
أنالينا
خيوط
الشمس المشرقة تداعب الأشجارالمكسوة بالثلج. بياض الثلج لامع يمتد على تلك البيوتِ
الخشبية المطليةِ بلون عسلي غامق، و نوافدها الكبيرةِ الزجاجية الشفافة تُظهر
جمالَ وأناقة َالبيوت النرويجية ، وعشقَ سكانها للورود الدائمة الخضرةِ حتى في فصل
العواصفِ والثلوجِ. رائحة الدخان تتصاعد من المدافئ توحي إليك أن الحياة نابضة
بتلك الضيعة الصغيرة غرب النرويج. دق جرسُ الكنيسة، كانت عائلة (أندرسن) تتوسط
بيتَ الله في احتشام ووقار وسيدة رائعة البهاء واقفة بقرب زوجها ببدلته الأنيقة
السوداء، يتحدثان مع المدعووين وبعد لحظات جلس كل شخص في مكانه.
وقفت
أنالينا أمام القسيس بقامتها الهيفاء وشعرها الأشقرِ الطويلِ، تحدّق في جدران
الكنيسة ، تحاول قراءة ما هو مكتوب على الجدران من أزمنة قديمة بخطوط مزخرفة
من الصعب قراءتها وهي حول رسومات كنسية غامضة، تحتاج إلى خبير لفك طلاسمها . ترتدي
فستانا أبيض طويلا، كانت يوماً ما أم جدتها تلبسه يوم تمّ تعميدها . بدت لي
أنالينا للحظة كآلهة الجمال والحب بوقفتها الملوكية وشموخ رأسها أمام
القسيس. وبينما أسترق النظرَ إليها، رأيتها أبهى عذوبةً من النهار الطالعِ على
قريتها في فصل الربيع، حيث يسعى الفلاحون مع مواشيهم على أديم الأرض المرصعة
بالحقول والخضرة والماء والطيور، وأغنيات الصباح الصداحة، وحكايات العشقِ
والمحبين. بدأ القسيس طقوسه ليعمدها. كانت تبدو مرهقة والوسن يطرزعينيها بالذبولِ.
تشعرُ وكأنها على تخوم الفراغ أو قريبة من حافة هاويةٍ لا قرار لها. سأحدثه وأسأله
بوضوح وبساطة ومن دون خجل. لن أدعه يصطادني . سئمت من السباحة في بحر غامض فوقه
سماء ضيقة، لم أعد أبصرُها كاملة ومزركشة بالنجوم. لن أتعمد مادمتَ لا تريد أن
تشرحَ لي هذا المثلث الغامض.
شهق
كل من في الكنيسة وبدأت همهمات وهمسات تتداخل فيها الخرافة بالحقيقة والوهم
بالواقع، تسبح في فضاء التخمين لحل ألغاز كنسية ، اعتاد المؤمنون منهم على أخذها
على محمل اليقين دون مناقشتها ودون أن يفهموها.
-
ابنتي هذا سر لا يناقَش ولا يشرح، علينا الإيمان به لأنه عقيدتُنا.
-
إنني أبحث عن الحق و لن أؤمن به إلا بعد قناعتي الكاملة . لا أريد الغرق في الفراغ
الذي تمارسونه كلكم. أنا أبحث عن الحقيقة التي توصلني وكل من حولي للعيش بسلام ،
أما هذا الفراغ اللامرئي لن يوصلني إلا للضياع.
غادرت
أنالينا بكل هدوء القسيس الذي ظلّ واقفا مندهشا من هذه الصدمة التي لم يصادفها
طوال عمله الكنسي ، حيث عمّد ألاف من الشباب والصبايا ، وكلهم يستمعون له إيمانا
أو تأدبا أو خجلا ، إلا هذه المتمردة أنالينا التي هزت قناعاته الكنسية، دون أن
يتمكن من غرس هذه القناعات في عقلها ، فإذا هو في مأزق أمام الحضور، متخوفا أن
ينتقل تمرد أنالينا إلى غيرها . وعندئذ لا فائدة للماء الذي بسلطانيته الفضية ،
ولا لكؤوس النبيذ المعتق التي يتجرعها المصلون ، معتقدين أنها تجلب لهم الراحة
والطمأنينة ، اعتمادا على ما قرأوه منذ الصغر (قليل من النبيذ ينعش القلب) .
أصوات تمتد من هنا وهناك في الكنيسة، تمتزج ببعضها، تتلاحم، تنصهر وبخارها يصعد
إلى السقف مشكلا همهمات و همسات وشوشات ، حول ما فعلته المتمردة أنالينا ،
وعائلتها تغرق في بحر من الخجل والحرج أمام القسيس والأصدقاء الذين جاءوا
خصيصا لحضور مراسم التعميد التي تنتظرها العائلات المؤمنة ، فهي تأتي مرة واحدة في
العمر.
من
باب الكنيسة خرجت أنالينا بهدوء، خطاها تخترق ثرثرة الكائنات، تجرها بعيدا عن منفى
الفلسفات. رحلتها لم تكن سهلة وحقيبتها مجنونة تتشابك فيها أسئلة تهدهدها الظنون.
عذابها نار يجلد روحها، ودربها طويل يبحث عن الجواب..."هل سأحرث هذا الكون
البور بنفسي؟" . تسير ومازالت في طريقها تخطو على أشواك البحث عن الحقيقة
وتتعثر فوق صخور ضياع لا حدود له. فهل يطلع بعد العتمة نورالفجر؟! ذهبت أنالينا
عند شهود (يهوه) تبحث عن الحقيقة، تتحرى الكون وترسمه حسب منطقها. لم تكن تراه إلا
رماديا. مكثت إثنتا عشرة سنة تشتغل معهم وتبشر مثلهم. سافرت من بلد لآخر ولم تجد
في ذلك الدين ما يشفي غليلها. فتنة في الظنون ودعوة للجنون، تتأرجح بين ثنايا الضلال،
تغدو تائهة ضائعة، لا تعرف إلى أين ومن ستقصد.
سافرت
إلى الهند والصين حيث تعرفت على البوذيين والهندوسيين، تأثرت بطقوسهم الروحية التي
ترقى بالإنسان إلى عالم المثل. عندما يحل الليل، تفيق لتجاهربأسئلتها اللامتناهية
. في عينيها أهازيج البحر وثورتَه. عيونٌ غامضةٌُ كالبحر، تستعذب خلوتهَا،
تمدّ ُ الكونَ شراعاً وترحل بأفكارها في ملكوت الأشياء وتفسرها كيفما تشاء . تمادت
في زهدها تتأمل ما بين السماوات وما فوقهما، ذلك الفضاء المليء بالأسرار،
تعدّ ُ خطاها حين تعود من غيبتها متشحة بالشوق وتبحث بعينيها الغارقتين عن الحب.
تساقطت الأعوام عليها كأشباح الموت. كل شيء تركته وراءَها ، أهلها وعشيرتها. وضعت
الدنيا بما فيها في كفيها وغربلتها فتسربت من بين أصابعها رماداً وهي هناك تصلي.
تمنت لو تستطيع قراءة ما في الغيب من أسرار الحب والموت. كل الجهات مطوقةٌ بالغموض
، ورغم ذلك ظلت تبحث عن زاوية للصمت تلوذ بها، وعن جهة هادئةٍ تركن إليها. ما عاد
قلبها يحتملُ غربتها البعيدة عن الأهل. لم يعد الغيمُ يظللُ قلبها ليقيهِ الإصطلاء
بنار الحياة ولا زرقةُ السماءِ تصفي روحها. قررت أن تشد الرحال أو تحترق كالفراشة
في نار عابسة. قررت أنالينا أن ترجع إلى النرويج، وفي طريقها إلى وطنها تعرفت على
شاب علماني، كان يجلس قربَها في الطائرة. أحبته، تزوجت به، تأثرت بفكره وفلسفته في
الحياة . أنجبت منه طفلتين ثم سافرت لأول مرة عند أهلها غرب البلاد.
كان
يغمر فؤادها الشوق للقاء والديها بعد هذه السنين الطويلة. غادرتهم فتاة
يانعة، متمردة وهاهي الآن صارت أُمّاً وفي طريقها إلى أهلها تسترجع الماضي، تتذكر
حالها وهي صغيرة تلعب بين المروج وتشكل صوراً وأشكالا ثلجية. تتذكر عندما كانت
ترشق أباها بكرات الثلج وتلك الضحكات التي كانت تخرج بصدق. ذرفت عينيها الدموع،
ارتعش قلبها، كم ستكون الفرحة مسكونة بالحزن والفرح بعد غيبتها الطويلة. حتما أمي
ستنفجر بكاء للقائي. كانت الطريق طويلة وكأن ليس لها نهاية وأخيراً وصلت عائلة
(أنالينا) الصغيرة إلى منزل الوالدين. لم يتغير شيئ، مازالت الضيعة كماهي ومازال
سكونها رفيقا لها كما ان باب بيتنا مازال على شكله. كل شيء مازال على حاله. رنت
الجرس، تتطلع لزوجها، ترتبك، تشد على اصابعه، تحدث طرطقات، تتطلع لإبنتيها وتبتسم.
فُتح
الباب. لم يكن اللقاء حاراً كما كانت تنتظر . دخلت (أنالينا) إلى المنزل غير
منتظرة الإستئذان، تبعها أطفالها أما زوجها فكان واقفا أمام الباب الذي ظل مفتوحا
والأم تنظر بعينين حزينتين ساخطتين إلى ابنتها وتارة تسرق النظر إلى ذلك الزوج
الأسمر مشمئزة.
-
كنا نترقب منك كل شيء إلا اعتناقك الإسلام والزواج بأجنبي من هناك.
أضاف
الأب:
-إننا
في غاية الحزن والغضب.
-
لكن يا أمي أنا سعيدة ،سعيدة جدا في حياتي الزوجية.
-
انهم ارهابيون يا ابنتي. يضربون النساء ويفرضون عليهن الحجاب في لبسهن
وعقلهن ويختنون البنات. يتزوجون أكثر من امرأة ويدفنون جثثهن بالأرض تاركين
الرأس عارياً.
انفجرت
الأم تبكي.
-
كفى يا أمي! كل ما تقولينه عبارة عن هراء وافتراء. انظري إلي ماذا يعيب
لباسي؟ هل ابنتي مختونتين؟ حرام عليك. جئتكم لأعرفكم على أرحامكم.
اقتربت
الأم من ابنتها محدقة في عينيها، مزمجرة وشرر من الغضب يتطاير.
-
لقد وضعت حدا بيننا، وضعت حدودا لا يستطيع أحدنا اختراقها. لم تعودي منا ولن نكون
مثلك. انفجرت باكية . ضمّها زوجها إلى صدره وفي نفس الوقت ينظر إلى ابنتيه بحزن
صامت . أما انالينا فقد اصابها الذعر من موقف اغتيل فيه الأمل للسلام. التفتت إلى
زوجها الذي كان يختنق في شحوبه المقطب بالخجل، يخلع حزنه وصمته محبطا لا يستطيع
الدفاع عن النفس في تلك اللحظة الحرجة الصادمة له ولزوجته.
قال
الأب:
-
كفى ما حدث قد حدث. ابنتنا رجعت إلينا بعد طول الغياب. علينا أن نفرح بها
ونحتفل.
ابتعدت
الأم من زوجها نافرة، تتكلم وتثرثر وسط هيجان عاصف ، تتأرجح بين الإستسلام
والكبرياء .
-
لا ابنتنا لم ترجع إلينا. لقد أصبحت من أتباع المتعصبين المتخلفين. لقد صارت منهم
يا (أرلنغ)، أصبحت واحدة من حريمهم. ضاعت ابنتي ... ضاعت أنالينا.
كانت
أنالينا تشد بكلتي يديها على كتفي بنتيها اللتين كانتا تبكيان لبكاء أمهما. وقالت
بحزن وحسرة:
أنتم
ترونهم إرهابيين، متطرفين وهم يرونكم أيضا مشركين وضالين. الكل يظن نفسه هو الأصح
والموعود بالجنة. لقد أسأتم فهم العقيدة ورفعتم راية الصهيل الملتهب ضد بعضكم،
يحيل خلفه جهنما من اللهب المتأجج والكره المستديم. كلّ يحرّف حسب رغباته
ونزواته وكل يريد احتكار الله الواحد له. أنتم الضائعون يا أمي ولست أنا. لا أريد
أن أتيه معكم في جهلكم وتعصبكم، إلا أنني اخترت بعقلي كيف أتواصل مع خالقي وأتعامل
مع غيري رغم اختلاف الدين أواللون. بالحب الحقيقي الذي في إنسانيتي اطمئن قلبي.
أمسكت
يدي ابنتيها، التفتت إلى زوجها الذي كان متجمدا في مكانه مشدوها من تلك الحفاوة
والترحاب. رحلت أنالينا عن عائلتها، وأغلق والداها الباب.
حذاء
الرئيس
وأخيرا
أخيرا جاء فصل الشتاء بلياليه الطويلة السوداء وبفجره النائم الكسول... بهدوئه ...
بسكونه .... ببرده القارس... بنهاره القصير. وحبيبات الثلج تتطاير كالغبار، تحمل
رائحة الثلج و تدخل أنفي، فأحس بأوجاع في كل مكان في جسدي. أحس بعطش إلى الشمس و
بشوق إلى الحرارة. فصل طويل يتسرب في عروقي لدرجة أن روحي تصبح باردة ... متجمدة
... و ما إن يأتي ذلك الصيف القصير وتلك الشمس القطبية، شمس منتصف الليل، حتى أحس أن
روحي ستزهق أو زهقت. يذكرني هذا الفصل القصير بشمس وطني، بدفء حرارته، بحرارة
ناسه، بطبيعته المتنوعة، بجباله وصحرائه وهضابه وسهوله...
آه!
كم أتذكرك يا وطني عندما يأتي الصيف في النرويج. وكم أتوق إليك عندما يحل البرد
هنا، ويغطي أسلو رداء أبيض من الثلج، كما يغطي قلبي بخمار أسود من الحزن عليك يا
وطني ...!! أاقسو عليك أو على نفسي... ؟! أاكرهك أو أكره نفسي...!؟ تركتك كارها
والرجوع إليك مستحيل... ابكي عليك كل يوم، وأبكيك كل صباح حين أغادر بيتي إلى
عملي. أرثيك للثلج وللأشجار... ماكان الثلج يحس بي ... وما كانت الأشجار
لتسمعني...
ها
هو عيد الميلاد اقترب موعد مجيئه، وبعده مباشرة، تأتي سنة جديدة، ويليه عيد ميلاد
آخر... وسنة أخرى، وبيني وبينك مسافات مستحيلة يا وطني. ضحكت عاليا غير مبالية
وأنا أمشي بين شوارع أسلو، غير مكترث للاكتظاظ الهائل: سيارات ... قافلات ...
ترامواي ....تمشي باستمرار في الشوارع على مدار الساعة. ترى الناس في كل مكان. في
المطاعم، في البارات، في المحلات.... محلات مليئة.. مكتظة... طوابير طويلة ...
الكل ينتظر دوره لدفع ثمن هدية عيد الميلاد. الكل يريد أن يفاجئ حبيبه ... صديقه
.... أخاه .... ابنه ... زميله في العمل... زوجته ... الكل ينتظر تلك الليلة التي
يلتقي فيها الأهل والأحباب... ....
من
سأفاجئ ... ولمن سأشتري هدية ... لمن سأعطيها.....؟ ومن سيفرحني ولو لسويعات
قليلة..!؟
مازلت
أمشي إلى أن دخلت مركز ( أوسلو سيتي). سمعت عجوزا تقول لزوجها، وفي يدها أكياس من
الهدايا: " عيد الميلاد من دون سقوط الثلج ليس عيدا"
ضحكت
في نفسي..." فليتأخر أو لا يأتي على الإطلاق يكون أحسن."
مررت
بمركز (جينريوس) وقعت عيناي على دكان شرقي مليئ بالأكسسوارات والملابس العربية ...
انشرح صدري .... فسرح عقلي إلى يوم العيد، في وطني. لمحت فساتين نسائية شرقية،
فتخيلت أمي وأخواتي يرتدينها، وهن يحمن في البيت كعادتهن .... ينظفنه ... يزينه
ويصنعن الحلوى بمناسبة العيد ... إقتربت من الدكان ... دخلته .... شممت رائحة
جميلة ليست بغريبة علي.... جعلت روحي تطير إلى وطني ... تبعت الرائحة، وكلما اقترب
إلا والرائحة تزداد عطرا وشذى... وعندما وصلت إلى منبع تلك الرائحة، وقعت عيناي
على علب البخور، فحملني عبق عطرها إلى المسجد يوم العيد في وطني. يا إلله! ماذا
أرى...!! علب الحلوى ... حلوى (جبان كلبان) ... الحلوى التي كان الكبار يعطونا
إياها يوم العيد ... سبع وخمسون سنة مرت، ومازلت كما انت يا جبان كولوبان ... لم
تتغيري أبدا ... سأشتريك وأوزعك على الأطفال هنا ... سأوزعك كما يوزع بابانويل
هداياه ... أكيد إن الأطفال هنا لايعرفونك ... لكنهم سيحبونك، لأنك (حلوى) وهم
(أطفال)...)...
اشتريت
العلبة، واشتريت معها قناع بابا نويل ... وضعته على رأسي وكلما أشاهد طفلا صغيرا
... أخرج من العلبة قطعة أمدها له، وأقول له جبان كلوبان وسنة سعيدة ... يبتسم
الطفل ويجيبني: شكرا... فرغت العلبة قبل أن أغادر المركز التجاري ... ولم يعد هناك
شيئ أوزعه.... يجب أن أذهب إلى إحدى المقاهي في محطة القطار، علني أجد أحدا أعرفه
وأدعوه ليحتسي معي فنجان قهوة... وفي طريقي إلى المقهى، أرى شجرة عيد ميلاد كبيرة
تصل السقف ومزينة بالأضواء... وحشدا من الناس على شكل دائرة وأسمع صوتا مرتفعا
ينادي من يشتري ... إنه المزاد... استغربت لأول مرة أرى مزادا بمحطة القطار.
اقتربت من الحلقة ودفعني الفضول أن أتوغل بين المتجمهرين لأرى ماذا يباع.
ملابس
نسائية وأحذية للمشاهير في النرويج وصاحب المزاد يرفع صوته عاليا لكي يسمعه الجميع
حاملا بيده ميكرفون وعيناه تبرقان بفرح العيد ... بفرح اقبال الناس عليه ... كل
يريد أن يشتري من خصوصيات المشاهير، والنقود سيرصد لمساعدة الأطفال
"هناك"....بدأ صوت البائع في المزاد يعلو وفي يده حذاء لإحدى الممثلات
النرويجيات. حذاء جميل يليق بصاحبته... حذاء داس السرايا والقصور.... حذاء دخل
أرقى الحفلات وشارك في أجمل المهرجانات... حذاء ينم عن أناقة صاحبته وغنجها. يتطلع
البائع إلى الناس ... ثم يتطلع مرة أخرى إلى الحذاء يتغزل به وبصاحبته، و يضيف....
يا ما دخل هذا الحذاء قصر الملك، وربما حظي بدعسة من حذاء الملك..
ارتفعت
الأسعار، كل يزيد في السعر إلى أن حظيت به امراة في الخمسينيات. ثم حمل بيده حذاء
رجاليا وابتسم وهو يتطلع إلى الحذاء. حول نظره للحشد وابتسم ثم فتح فاه صارخا:
حذاء
رئيس الوزراء.... من يشتري حذاء الرئيس... 500 كرونة ... يتطلع إلى الناس مرة أخرى
ولكي يزيد في السعر قال: يا ما وقع الرئيس أهم القرارات وهو يلبس هذا الحذاء. نطق
واحد من الجمهمور 600 كرونة، تطلع البائع مرة أخرى إلى أعين الناس يتفحص اهتمامهم،
وأضاف : حذاء الرئيس... هذا لبسه عندما وقعت معاهدة أسلو... علت أصوات من هنا
وهناك والأرقام تتطاير من شتى الجهات بتلك الحلقة: 750 كرونة.... 900 كرونة....
1500 كرونة ... 2000 كرونة، ثم توقف الجمهور عن الكلام أما البائع فنظر مرة إلى
الحذاء وقال: حذاء يدخل البرلمان كل يوم والقصر الملكي كل يوم خميس ... حذاء يعرف
صاحبه السلام وينادي بالسلام ... توقف عن المدح ..... نطق واحد نرويجي: كم رقم
الحذاء؟
أجاب
المزادي: 42
وقال
النرويجي 2000 كرونة
قفزت
من مكاني صارخا ثلاثة ألاف كرونة.
بدأ
الكل يتطلع إليّ و حماسي المفاجىء غير مبالية بأحد إلا بالحذاء ... دفعت الثمن ثم
انصرفت وفي طريقي إلى بيتي كنت أتمعن في الحذاء. تطلعت إلى يميني وشمالي ... اختلس
النظر إن كان أحد ينظر إلي... خلعت حذائي... لبست حذاء الرئيس... أحسست بزهو ...
وبخطوات غير خطواتي... أمشي وكأني طائر على بساط الريح ... تخيلت حالي في قصر
الملك أناقشه مشاكل الرعية... تخيلت حالي مدعوا في القصر، للاحتفاء بملك من الملوك
غير المغضوب عليهم ولا من الضالين... تخيلت نفسي ... تخيلت نفسي أوقع معاهدات
السلام من الشرق إلى الغرب ... أدعو إلى التحالف الإنساني... تخيلت نفسي أرقص مع
ابنة الملك..
شعرت
بنقمة عليك يا وطني .... أرى فيك بقايا عمري وأوهامي... عن شعب ينام حتى الصبح
بسلام
آه
عليك يا وطني ...! هناك المرء يمنع من الإقتراب من بيت الرئيس، والا يقاد بسلاسل من
حديد ويرمى في سجون الصحراء للكلاب والعنقاء.... منعتني أرى رئيسي... لكنني هنا
ألبس حذاءه، ضحكت عاليا وأنا مازلت أمشي.... في طريقي إلى بيتي، أخطو بزهو و في
رجلي حذاء الرئيس....وكدت أن أهتف عاليا: بالروح بالدم نفديك يا حذاء الرئيس!!!.
متذكرة هذا الهتاف الأبدي في أوطان العرب..نفس الهتاف ولكن بدون كلمة حذاء....
كريستيانيا
الطقس
بارد والمدينة مغطاة برداء أبيض ناصع، يبرق بريقا جميلا مع أشعة الشمس. وقف (غريب) بأعلى
منطقة ب(هولمن كولن). رفع عينيه إلى السماء يبحث عن غيمة أو سحابة أو ربما أمنية
تتحدر عبر سماء من الحلم. سرح ببصره المحتار إلى فضاء المدينة. وجوه متعددة
الألوان، بعضها تشع حيوية، أخرى ترتعش بجنون، وجوه هشمتها تجاعيد لزمن طويل من
الغربة والأسى، للبعد عن الوطن ووجوه ممسوحة من الملامح ممسوخة لاتعرف
هويتها.
من
تلك التلة كان (غريب) يفترش قلقه المضطرب، على بساط الثلج، يجوب حذرا على أعقاب
الزمن الذي أجهض أحلاما، ولوث رغبات. آمالا مزقتها انفجارات الوعود المبتل بالسراب
وأخرى التهمتها أمواج سحبتها تيارات لتنتهي في بطون حيتان "الخلاص".
نزلت قطرات شاحبة على وجنتي غريب اللتين أصابهما الجفاف. قطرات تحترق حسرة وترتعش
بالجنون لذاكرة الماضي والحاضر الذين يجمعهما حضوره المدثر بالوجع القديم والخوف
من الآتي. كان يلملم هدوء سكونه المفتعل في صمت، جاثيا وكأنه يصلي لحلم مخنوق،
يبحث فيه عن سكينة تمسح عن روحه دموع المنفى وشرود العزلة القاتلة. تطلع إليها والحزن
يرشفه، تصنع ابتسامة تفضح استياءه المتراخي
على جسده المثقل بلا شيء . أحس أنها تعيش فيه كل يوم ويعيش فيها. تسجنه
بسحرها الغامض. هي كريستيانيا التي أوقعت الكثيرين في حبها وتضاربت آراء عشاقها
بالمد والجزر، هناك من ذاب في كأس ثمالة عشقها فرمى حقيبة الماضي بكل ما فيها من
متاع وآخر أحبها بصدق فأعاد بها اختلاق نفسه.
آخر أحبها بأنانية لم يكن يريد إلا إشباع غرائزه التي كانت مقموعة في زمن
ومكان، فانتهت خطواته متسكعة بتثاقل في شارع الفشل. آخر أحبها كبديلة تنسيه الحب القديم الفاشل فصار يرثي الحب الأول الذي
اغتاله الظلم هناك وأبعدته المسافات، وأصبح يصب جام غضبه على كريستيانيا التي
احتوته دون تفكير ولا ميعاد، لتطوي الأيام سنين حياته معها فيتركها فجأة ويختفي من
حيث أتى يوما مقطوعا شريدا، ليرجع مرة أخرى إليها مرغما نادما نافرا من ذلك الماضي
الذي لم يتحرك. تذكر غريب كل شيء وهو واقف
في تلك التلة، بين الأشجار ينظر إليها ولا يعرف إن كان سيوصل رسالته إليها وهو
الذي حاول كغيره الوصول إلى قلبها. يحاول أن يكشف لها عن شيء، أن يصور لها إحساسه
بصدق، عن ذلك العصفور الجريح الذي جاء طائرا لها يوما تاركا عشه الذي لم يعد يأويه
بعد أن هشمته الصقور. صمت هنيهة دون تفكير وكأنه جسد بلا روح أو روح بلا جسد.
أتعبه المشي مرغما عبر مسافات الترحال بلا أمل للوصول إليها رغم أنه معها الآن وفي
هذه اللحظة بالذات واقف على التلة بين الكون والوجود وثرثرة الرياح. يمدّ يديه
إليها لتفتح له المغلق، ليعرف المجهول. ينجلي طيفها أمامه بوضوح، تقترب من بعثرته
فوق الثلوج، تضمه كما العادة بكل رفق وحنان. يشعر بحرارة يديها التي تنبضان بالحب
عبر المدى. أما هو فترك رأسه ساكنا على صدرها يبكي الغياب والحضور، ولوم وعتاب
يعانقان ظمأ الشوق في جنة الجرح ليضمد ما تبقى من أمل.
ما
أروعك يا كريستيانيا وما أجملك! قد تظنين
أنني أجاملك لكن، هكذا تراك عيني. لم أحبك أول لقائي بك. كنت باردة جدا وبرودك كان
يشل جسدي ويجمد روحي. لكن، مع مرور السنين وعشرتك وجدت نفسي أحبك يوما بعد يوم.
بقدر ما أفهم لغتك أشعر بالانجذاب إليك أكثر وصرت لا أستطيع الإستغناء عنك.
كريستيانيا، لا أحب في الدنيا سواك. أنت عروسي وملاكي، قمري وشمسي. أحببتك بدون
وعود ولا قيود، أشعر معك بالوجود، بالحرية، بالصدق، بالود. لا أبالي ما سيقولون
عني وعنك ولا تهزني الظنون. مازال رأسه ساكنا في تجويف صدرها يتكلم كمن يهدي. وجدت
فيك حضنا وقلبا كبيرا وجدت نفسي فيك وأورقت روحي التي كانت مكبلة يوما ولساني الذي
كان يوما مقطوعا انطلق فصاحة. ظلت صامتة، قطب غريب، لم يعجبه ذلك السكون المتصدع
يتهاوى على نزيف ألمه. اسمعي كريستيانيا كم كنت أظن أن حلمي سيتححق معك بوقوفك
بجانبي، بتشجيعي وكنت أظن أننا سنبني معا أسرة تنشأ على المحبة. احترام عاداتك
ولغتك وفكرك ونظرتك للحياة واحترام عاداتي وقناعاتي. كنت أعتقد أن روحينا ستنصهر
ببعضها وتذوب في سماء الحب. لكن، أحسك وكأنك تنفرين مني أحيانا. لماذا؟ ألم تسألي
نفسك يوما لو لم أحبك وارتاح إليك لما كنت هنا معك؟ ألم يقل لك ضميرك أن سفينتي
تعبت من الإبحار ومصارعة الأمواج الكاسرة على كل الجهات.!!
دمعت
عيني غريب ورغم تلك القطرات التي اندرفت على خديه ابتسم وكأنه يلتمس منها عذرا
لأنانيتها، مدركا أهمية الهدوء الذي يشع مشاعرا مجنونة. يتأملها كأنه يصلي في خشوع أو يبحر في دعاء. التزم
الصمت هنيهة، محاولا فك العقد التي تتمايل في عقله. ألست أنا الذي أحببت
كريستيانيا ...؟! ألست أنا الذي لجأت إليها لتضمني إلى صدرها؟ لقد أحببت واحدة قبلها سابقا،
ومن أحببت كانت العلاقة بيني وبينها مبنية على الإرتباط بالإنتماء. تعلمت أن أحبها
منذ طفولتي وتعلمت أن أخلص لها وأن أعشقها وأضحي من أجلها. كلامنا ولغتنا واحدة.
إلا أن كلانا يسبح في فضاء خاص به. أما كريستانيا فإنني أرى فيها وداعة شفافة
ووفاء أبيض. كريستيانيا احتوتني بينما الأولى طردتني وكريستانيا وهبتني السلام
بينما الأولى شنت حربا في روحي وفي عقلي. كريستيانيا وهبتني الأمان بينما الأولى
وهبتني الغدر وعدم الإطمئنان. آه يا كريستيانيا! لا أطلب منك شيئا إلا أن
تفهمينني. قهقه عاليا في ذلك الفضاء والدموع تدرف من غير توقف.
أما هي فكانت هادئة غامضة يغريها ذلك الصمت المفعم بالتأمل والإنصات الحالم إليه وكأنها تكتشف أعماقه. إسمعي كريستيانيا، سئمت إبحار سفينتي مصارعا أمواج بحرك، أتمايل بين تياراتي وتياراتك، أيجب أن أنسلخ عن ذاتي لكي ترضي عني؟! أقول لك صراحة أنا أنا !! لن أكون مثلك ولن تكونين أنت مثلي، لكن، لم لا نتعايش في وئام؟ هل أنا مخطئ نحوك حين يستعصي علي فهمك؟ أحسك تغضبين مني لأنك لا تريدين فهمي. تعالي كريستيانيا ، ضعي يديك في يدي ولنأخذ من بعضنا الجمال فقط لأن غير الجمال ليس من شيمتك