الجزء الثاني من كتاب امل وحرب المخيمات الفلسطينية

 

الفصل الخامس

المبحث الأول

الصدر والمجلس الشيعي الأعلى

ليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن شيعة لبنان وحركة أمل .. ففي كتابي الأول (وجاء دور المجوس)(1) تحدثت عن نشأة أمل، وعن تاريخ مؤسسها الرجل الغامض الإيراني موسى الصدر، وكيف منحه حكام لبنان النصارى – أقطاب النهج – الجنسية اللبنانية في وقت كانت تحجب فيه هذه الجنسية عن غير النصارى، وأمثال موسى الصدر من اللبنانيين الذين جدوا منذ عشرات السنين على أرضهم قبل ضمها إلى ما سمي (بدولة لبنان الكبير) إثر الاحتلال الفرنسي عام 1920م.

ونجح الصدر وأعوانه في عام 1969م شق المجلس الإسلامي الأعلى الذين يضم كل مسلمي لبنان وتأسيس (المجلس الشيعي الأعلى) الذي أصبح رئيسًا له.

واستفاد الصدر من التناقضات التي تعج بها الساحة اللبنانية، فارتبط في بداية طريقه مع زعماء النصارى في لبنان – الشهاديين -، ثم تحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورفع شعار تحرير فلسطين، وقدمت له المنظمة مقابل ذلك المال والسلاح وقامت بتدريب عناصر أمل عند بداية تأسيسها .. وتنكر الصدر لوعوده وعهوده عندما وقع الصدام بين النظام النصيري من جهة ومنظمة التحرير الفلسطينية والقوات الوطنية اللبنانية من جهة أخرى، ولعل هذا الأمر من أهم الأسباب التي دعت النظام الليبي إلى قتله أو احتجازه في 31 أغسطس 1978م ومعه الشيخ محمد شحادة ويعقوب والصحفي الشيعي عباس بدر الدين صاحب وكالة أخبار لبنان.

وفي هذا الفصل سأعود من جديد إلى الحديث عن شيعة لبنان وحركة أمل وظاهرة الصدر لأعرض أدلة أخرى تؤكد صحة النتائج التي توصلت إليها قبل بضع سنين، وسوف أجيب على عدد من الأسئلة التي يكثر طرحها.

كلام مهم لكامل الأسعد:

كامل الأسعد أحد زعماء الشيعة التقليديين في لبنان، وقد ترأس المجلس النيابي اللبناني مدة طويلة من الزمن، وله في المجلس كتلة عدد أعضائها تسعة، وورث زعامة الطائفة عن أبيه، ونجح في تقديم خدمات جلى لأبناء طائفته .. وقد أجرت مجلة الحوادث اللبنانية مقابلة مع كامل الأسعد في عددها بتاريخ (3 يناير 1975م) تحدثت فيها عن خلافه مع موسى الصدر، وكان مما قاله:

(سأتحدث أولاً عن علاقاتي بالسيد موسى الصدر، هذه العلاقات مرت بثلاث مراحل: مرحلة العهد السابق – عهد الرئيس حلو -، ومرحلة الفترة الأولى من العهد الحالي، والمرحلة الأخيرة.

ففي أثناء العهد السابق، الذي تلا العهد الشهابي، أبدى أقطاب النهج، الذين كانوا وراء مطالب إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تحبيذهم لتعيين السيد موسى الصدر رئيسًا للمجلس. والسيد موسى الصدر يعرف والنواب الشيعة، أنه لو كانت كتلة الأعضاء التسعة التي انتمى إليها، لم تؤيد فكرة إنشاء هذا المجلس، لما كان أنشئ أصلاً، ولما أصبح السيد موسى الصدر رئيسه. ولكني وافقت على إنشاء المجلس وتعيين السيد موسى الصدر رئيسًا له، على الرغم من التحذيرات التي تلقيتها من عدد من الأصدقاء وعدة مصادر، بأن وراء هذا التعيين خطة لمحاربتي شخصيًا على صعيد الجنوب وعلى مستوى الطائفة الشيعية أيضًا.

وقد قبلت تلك المخاطرة لأني كنت مقتنعًا بأن تلك الفرصة المواتية لإنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لن تتكرر.

والجميع يذكر كيف كان السيد موسى الصدر، خلال تلك الفترة التي امتدت عدة سنوات، تابعًا للعهد ولزعمائه.

والجميع يذكر موقف العهد بإزاء الشيعة بوجه عام، وجنوب لبنان بوجه خاص. كانت هناك مؤامرة على الجنوب كل يوم: تجميد مشروع الليطاني، محاولات للتفرقة بين الفلسطينيين واللبناني، وإرهاب فكري ونفساني للمواطنين في كل ما يفعلون. واقتصرت حركة موسى الصدر وقئتذٍ على الدعوة إلى الإضراب.

ووجه نداء من بيروت داعيًا أهالي الجنوب إلى احتلال القصور في العاصمة.

ولا حاجة إلى إيضاح العواقب التي كانت تترتب على تلك الدعوة لو أن أهالي الجنوب هاجروا فعلاً إلى بيروت ليحتلوا القصور والشوارع، وتحولوا إلى لاجئين فعلاً في العاصمة.

والعجيب أنه في ذلك اليوم بالذات، أخذ التليفزيون، الذي هو مؤسسة حكومية رسمية، على عاتقه إذاعة نداء الإمام إلى التظاهرة).

ويتساءل كامل الأسعد فيقول: (والآن ماذا يريد السيد موسى الصدر؟!.

لقد عرض لائحة بالمطالب. وكان أهم مطلبين فيها:

1- تأمين العدالة للطائفة الشيعية بشأن الوظائف العامة.

2- تنفيذ مشروع الليطاني.

المطلب الأول: تم تحقيقه خلال التعيينات الأخيرة، وأصبحت المناصب المعطاة لأبناء الطائفة الشيعية متناسبة وعددهم. أما فيما يتعلق بالمطلب الثاني [أي مشروع الليطاني] فقد كنا نحن، وليس هو، من لاحق المشروع من أجل تنفيذه. ولن نسمح أبدًا بأن يؤخر تنفيذه أكثر مما أخر.

فالاعتمادات متوافرة، والمسح الجوي للأرض ستتولاه إحدى الشركات أو الجيش.

وقد طرحت دراسة النفق الرئيسي والقناة في مناطق عامة، وحدد حزيران سنة 1975م موعدًا لبداية العمل فماذا يبقى من مطالب الإمام؟!.

التنقيب عن النفط؟ هل هناك نفط في الجنوب للتنقيب عنه؟).

وسئل الأسعد عن مدى قوة التيار الذي يمثله الصدر في لبنان، فأجاب بقوله: (إن قوته ليست مستمدة من مركزه كرجل دين. فلا يهم أن يعتمر العمة أم لا. إن قوته مصدرها المال الذي يبعث به المهاجرون إلى المجلس الشيعي الأعلى والمعونة المالية التي تقدمها الدولة إلى المجلس. فهو ينفق هذا المال في شراء الرجال واستقطابهم. وقوته تأتي أيضًا من قدرته على تجميع المعارضة في الجنوب وحشدها في عمل موحد ضدي كما فعلت عائلتا عسيران والزين عندما اتحدتا ضدي أثناء انتخابات النبطية.

إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها السيد موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان والخارج). انتهى كلام الأسعد.

 

أقوال الأسعد في الميزان

1- ماذا يريد النصارى من إنشاء المجلس الشيعي الأعلى؟!

يقول الأسعد بأن أقطاب النهج النصارى كانوا وراء مطلب إنشاء المجلس الشيعي الأعلى!! وإنشاء هذا المجلي يعني شق الصف الإسلامي رسميًا لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث.

ويعترف الأسعد أيضًا بأن النصارى كانوا وراء تعيين موسى الصدر رئيسًا لهذا المجلس. ومما يجدر ذكره أن أقطاب النهج النصارى كانوا – ولا يزالون – من ألد أعداء الإسلامي والمسلمين، وكانوا يتعاونون مع الشيطان من أجل تمزيق الصف الإسلامي.. فكيف نجمع بين دعمهم لموسى الصدر وبين قول السذج من قيادات أهل السنة:

لقد كان الصدر مخلصًا، وكان من دعاة التقريب بين السنة والشيعة، وكانت له علاقات وثيقة مع علماء أهل السنة.

وكامل الأسعد – مع اعترافه بأن أقطاب النهج النصارى كانوا وراء هذا المجلس – لا يتبرأ من إنشاء المجلس الشيعي الأعلى وإنما يؤكد بأنه كان من الداعين له لأن في إنشائه مصلحة للطائفة، ومصالح الطائفة فوق خلافاته مع الصدر وغيره. وهذا هو مصدر القوة في تصريح رئيس المجلس النيابي اللبناني السابق.

2- تعاون الرافضة مع الموازنة:

ويقول الأسعد: (والجميع يذكر كيف كان السيد موسى الصدر، خلال تلك الفترة التي امتدت عدة سنوات، تابعًا للعهد ولزعمائه ..).

وقد صدق الأسعد فيما قالعه وردده مرات ومرات، ولكن هل كان الصدر نشازًا في تاريخ الشيعة الحديث؟!.

لا لم يكن نشازًا فالرئيس كامل الأسعد من المتعاونين مع الموازنة، وكذلك كان أبو أحمد الأسعد، وصبري حمادة في الشمال، وكاظم الخليل في الجنوب وكذلك كان غيرهم من زعماء ونواب الرافضة في لبنان.

ومن يقرأ التاريخ يدرك عمق الروابط بين الرافضة والموازنة، وبشكل أخص في الحروب الصليبية، وفي ظلال استعمار فرنسا لبلاد الشام.

وتكشفت لكل ذي بصيرة علاقات المحامي نبيه بري – تلميذ الصدر – مع الموازنة، ويقوم النظام النصيري في دمشق نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بتوزيع الأدوار بين الشيعة والموازنة والدروز، وسوف يأتينا بالأخبار من لم نزود عن أبعاد المؤامرة وفضائح حركة أمل.

3- جنوب بيروت للشيعة أم للسنة؟!

قال الأسعد: (إن الصدر وجه نداءً من بيروت داعيًا أهالي الجنوب إلى احتلال القصور في العاصمة.. والعجيب أنه في ذلك اليوم بالذات، أخذ التلفزيون، الذي هو مؤسسة حكومية رسمية، على عاتقه إذاعة نداء الإمام إلى التظاهر).

ونحن نختلف مع الأسعد في تفسيره لنداء الصدر، وإن كنا نشاركه في تعجبه من موقف السلطة اللبنانية.

والذي حدث أن عددًا كبيرًا جدًا من شيعة الجنوب قد احتلوا المباني والقصور .. ولكن في مناطق أهل السنة وفي ضواحي بيروت الجنوبية بالذات..

ومما ينبغي التأكيد عليه أن بيروت من مدن أهل السنة المشهورة، وغير السنة دخلاء على المدينة، وازدادت هجرة الشيعة إلى بيروت في الستينات، وسكنوا في ضواحي العاصمة الجنوبية بعدما نشأت فيها مؤسسات صناعية جديدة، وكان العمال الفلسطينيون قد سكنوا هذه المناطق بعد عام 1948م، كما سكنها العمال السوريون، وأطلق عليها فيما بعد (حزام البؤدس). وتتألف الضاحية الجنوبية من المناطق التالية:

الشياح، الغبيري، حارة حريك، بئر العبد، برج البراجنة، حي السلم، الليلكي، صحراء، الشويفات، الأوزاعي.

ويغلب على ظني أن استيطان الشيعة في بيروت في الستينات وقبها كان عفويًا، أما بعد الستينات فكانت أهدافهم واضحة، وكان موسى الصدر مهندس هذه الخطة ومن ورائه النهج النصراني، ومن الأدلة على ذلك أن العمال والموظفين القادمين من الجنوب والبقاع والشمال كانوا يبنون منازلهم في جنوب بيروت على أملاك الغير، وكان ذلك يحدث تحت سمع السلطة وبصرها، بل وكان أصحاب الأراضي من أهل السنة يطالبون الأجهزة المسئولة بوضع حدٍ لهذا العبث، ورغم ذلك فالسلطة تترك قطاع الطرق يفعلون ما يشاءون .. ولو كان هذا الذي يحدث في بيروت الشرقية أو في أي منطقة من مناطق النصارى لما صمت قادة الموازنة لحظة واحدة.

وتضاعفت هجرة الشيعة خلال الحرب اللبنانية أضعافًا مضاعفة، واحتلوا المنازل والشقق والقصور كما أمرهم إمامهم، والسلطة تحرضهم وتشجعهم على مثل هذه الأفعال الشنيعة.

وهكذا قامت أحياء في الضاحية الجنوبية وكأنها أحياء متقطعة من بعلبك، أو أحياء أخرى وكأنها متقطعة من صور أو النبطية، وفي هذا الحي يقطن نبيه بري، وفي ذاك الحي حسين الحسيني رئيس المجلس النيابي وأمين عام منظمة أمل سابقًا، وفي الحي الثالث عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري الممتاز.

ويضاف إلى ما سبق ذكره أن المغتربين الشيعة الذين يعملون في الخليج أو إفريقيا أو الأمريكتين راحوا يشترون الأراضي في بيروت، ويقيمون المؤسسات والمشاريع الاقتصادية في العاصمة، وأصبحوا من أصحاب الفاعليات الاقتصادية فيها.

وعندما سأل الصحفيون نبيه بري عن الأسباب التي دفعته إلى احتلال بيروت الغربية أجاب: (بيروت الغربية عاصمة لبنان وملك لجميع المواطنين وليست حكرًا على أهل السنة).

ومن المؤسف بعد هذا كله أن تصور أجهزة الإعلام المحلية والعالمية تصور جنوبي بيروت وكأنه ملك الشيعة منذ بضعة قرون، وتصور الفلسطينيين وكأنهم قطاع طرق مع أنهم أقدم من الشيعة في هذه الأحياء والمخيمات ولعبوا دورًا مهمًا في تطور مدينة بيروت بل في تطور لبنان كله.

حقاً إن الزحف الشيعي على بيروت يذكرني بالزحف النصيري على طرابلس والساحل السوري وحمص ودمشق، كما يذكرني بابتلاع إيران لشرقي الخليج العربي وابتلاع اليهود لفلسطين، والنصارى للأندلس وما أكثر المصائب والمآسي في عالمنا الإسلامي.

4- ما لم يصرح به الأسعد:

سئل الأسعد عن مدى قوة التيار الذي يمثله الصدر في لبنان. فأجاب: (.. إن قوة الصدر مصدرها المال الذي يبعث به المهاجرون إلى المجلس الشيعي الأعلى، والمعونة المالية التي تقدمها الدولة إلى المجلس)..

وليس فيما قاله الأسعد جديد، وأنشطة الصدر ونفقات مؤسساته كانت تتجاوز مثل هذه المساعدات.. غير أن الأسعد يقترب من الحقيقة بعض الشيء في قوله: (إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها السيد موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان والخارج). اهـ.

ولا أعتقد أن الأسعد لا يعلم أبعاد الخطة التي ينفذها الصدر ولا المصادر التي تموله فليبيا نشرت قليلاً عن هذه المساعدات [انظر كتابنا الأول ص454]، ونشرت الصحف بعد اختفاء الصدر شيئًا عن مقدار المساعدات التي قدمتها ليبيا لشيعة لبنان، ناهيكم عن مساعدات منظمة التحرير، وقادة الدولة اللبنانية من الموازنة، وقد نشرت صحف لبنان بعض أخبار هذه المساعدات عندما قام الصدر بتسليم حي النبعة للكتائب.

وقصارى القول لم يقل الأسعد كل ما عنده من معلومات عن الصدر رغم أهمية ما أفضى به.

 

المبحث الثاني

نظرات في مواقف قادة أمل وتصوراتهم

1- حركة أمل تدعو إلى العلمانية:

قال المحامي نبيه بري: (إن حركة أمل ليست حركة دينية، وميثاق الحركة الذي تمت صياغته في عام 1975م، من قبل 180 مثقفًا لبنانيًا، معظمهم من المسيحيين، يدعو إلى إلغاء النظام الطائفي في البلاد وإلى المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز.

ومؤسس الحركة الإمام موسى الصدر، لم يكف عن تكرار أنه تم تأسيس حركته للدفاع عن الطبقات المحرومة).

ووجهت الصحيفة إلى نبيه بري السؤال التالي: لكن بتأييدك لإقامة نظام حكم متحرر من الطابع الطائفي، ألا تخاطر بمواجهة ثورة من قبل زعمائكم الدينيين؟!

فأجاب: (لا لأنهم لا يستطيعون أن يدعوا أنهم ملكيون أكثر من الملك، أو أنهم مسلمون أكثر من الإمام موسى الصدر .. وعندما ندعو إلى العلمانية فنحن نراعي حساسية المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وهذا لا يعني على سبيل المثال أننا سنفرض الزواج المدني.. ويجب أن يصدر قانون لمنح فرصة للزواج الديني أيضًا لجميع المواطنين..)(1).

وصدق بري فيما نسبه إلى موسى الصدر، قال الأخير في المهرجان الكبير الذي عقد في الأسبوع الأخير من شهر مارس 1975م: (لأننا نريد أن يبقى لبنان طنًا لجميع أبنائه، ولأننا أقسمنا اليمين أربع مرات بألا نهدأ طالما يوجد في لبنان محروم، شيعيًا كان أم غير شيعي، تصرفنا بحكمة ومرونة وحزم ودقة، وما قطعنا طلب الحوار لحظة واحدة ولا سحبنا يد التعاون ولا أغمضنا عين الواقعية خلال هذه المرحلة)(2).

وقد عدت إلى ميثاق أمل الذي وضعه الصدر وغيره من المثقفين فوجدت أنه ورد التأكيد فيه على أن حركة أمل ليست طائفية، ولا تهدف إلا تحقيق مكاسب فئوية، بل هي حركة المحرومين جميعًا .. وجاء الميثاق خاليًا من المعاني الإسلامية التي تدعو إلى وجوب تحكيم شريعة الله في لبنان.

وفي قوله بري [وميثاق الحركة الذي تمت صياغته في عام 1975م، من قبل 180 مثقفًا لبنانيًا، معظمهم من المسيحيين] دليل على أن نصارى لبنان كان لهم دور بارز في تأسيس حركة أمل كما كان لهم دور في تأسيس المجلس الشيعي الأعلى.

ومن جهة أخرى ففي صفوف أمل عناصر كثيرة ليست متدينة وعلى رأسهم أمينها العام نبيه بري، ورغم ذلك فحركة أمل طائفية شيعية، وهي ليست لجميع المحرومين كما زعم الصدر وأعوانه من قادة الحركة .. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف نجمع بين طائفية الحركة ووجود بعض العلمانيين في قيادتها؟!.

وقد أجبنا على هذا السؤال في موضعين من كتابنا الأول:

الموضع الأول في المبحث الأول من الباب الثالث (أصول لابد من معرفتها).

والموضع الثاني عند حديثي عن بازركان، وقطب زاده، وبني صدر.

وفي نهاية هذا الفصل سأعود إلى الجواب على هذا السؤال بشيء من الإيجاز إن شاء الله.

2- أمل والقضية الفلسطينية:

جاء في ميثاق أمل – أي دستور الحركة -: (6- فلسطين، الأرض المقدسة التي تعرضت، ولما تزل، لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وأن السعي إلى تحريرها أول واجباتنا وأن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، خصوصًا أن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان، وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاءٍ، وأنها ترى في لبنان – بتعايش الطوائف فيه – تحديًا دائمًا لها ومنافسًا قويًا لكيانها)(1).

وفي السادس من سبتمبر 1975م حدد الصدر أهداف حمل السلاح في قوله الذي نشرته الصحف: (إن على أبناء الطائفة أن يحملوا السلاح في مواجهة ثلاثة احتمالات هي: تصفية المقاومة، التقسيم، واحتلال الجنوب).

وبعد مرور بضعة أشهر على هذا التصريح كان الصدر يهاجم منظمة التحرير ويتهمها بالعمل على قلب النظم العربية الحاكمة وفي طليعتها النظام اللبناني، ودعا الأنظمة العربية إلى مواجهة ما أسماه بالخطر الفلسطيني .. ولم يقف عند هذا الحد إنما تجاوزه بكل لؤم وخبث وناصر النظام النصيري ونصارى لبنان ضد المسلمين في لبنان(1).

وبعد قليل من الزمن تناسى الفلسطينيون غدر (أمل) وخيانتها، واعتبروا اختفاء الصدر عام 1978م مؤامرة إسرائيلية ضد زعيم وطني ناصر القضية الفلسطينية .. وراح قادة أمل يضللون الفلسطينيين من جديد، سئل النائب حسين الحسيني أمين عام حركة أمل في 18 فبراير 1980م عن علاقات أمل بمنظمة التحرير فأجاب: (الذين ينظرون إلى أوضاع الجنوب من بعيد، يراهنون على صدام جنوبي – فلسطيني لعدم توفر المعلومات الدقيقة والعميقة عن حقيقة الوضع، فالجنوبي قد أعطى القضية الفلسطينية كل ما عنده، حتى كاد أن يكون العربي الوحيد في كل هذا العالم العربي، وعطاء الجنوبي ينطلق من قناعته وتبنيه للقضية الفلسطينية سواء أكان هناك شعب فلسطيني ومقاومة فلسطينية أولم يكن فالجنوبي يعتقد بوجوب تحرير الأرض الفلسطينية المقدسة كما يعتقد بحتمية زوال إسرائيل، وهذا ما أكدته حركة أمل مرارًا بل أكثر من ذلك فإنه إذا كان في المقاومة الفلسطينية من يعتقد بإمكانية قيان وطن قومي فلسطيني على جزء من أرض فلسطين وهذا ما تسعى المحافل الدولية إليه، فإننا لا نعتقد بصواب هذا الرأي لأن أي صلح مع إسرائيل ومهما تعددت الجهات التي ترضى به، ليس من شأنه أن يبدل وصف الوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية وطالما هناك استحالة تبديل الوصف فإن إسرائيل زائلة حتمًا، ولا يلزم العرب المسلمين أي توقيع مهما كانت أهمية الجهة التي توقع)(2).

وعندما أصبح المحامي نبيه بري أمينًا عامًا لحركة أمل ظن الفلسطينيون أنهم حققوا انتصارًا رائعًا في لبنان لأن بري – على حد زعمهم – وطني قومي تقدمي، وكتبوا عشرات المقالات في الثناء عليه والإشادة به، وراح بري من جهته يطلق التصريحات الثورية التي تندد بإسرائيل وعملائها في لبنان وتدعو إلى عمل وطني موحد.

سئل بري عن موقفه من القضية الفلسطينية فأجاب بما يلي: (جاء في الميثاق الأساسي لحركة أمل: على العنصر الذي سينضم لحركة أمل، أن يحفظ الشعب الفلسطيني، وأن يقدس مقاومة الشعب الفلسطيني، وأن يعتبر تحرير الأرض الفلسطينية واجبًا دينيًا وطنيًا عليه)(1).

ومما يجدر ذكره أن هذا التصريح جاء بعد معركة جرت بين حركة أمل ومنظمة فتح وسقط فيها عدد من القتلى والجرحى.

وعند الاجتياح الإسرائيلي للبنان صنعت منظمة التحرير من بري بطلاً، وكان في طليعة الذين ودعوا ياسر عرفات وزملائه عند مغادرتهم بيروت.

وبعد خروج المنظمة من بيروت بدأ نبيه بري يُعلن عن مواقف أخرى مناقضة للأولى ولم يذكر الأسباب التي دعته إلى تغيير مواقفه من القضية الفلسطينية ومن أصدقائه في منظمة التحرير ومن ذلك قوله:

(إن على القضية الفلسطينية تفهم الواقع الجديد وهم مضطرون اليوم لقبول كل ما يؤدي إلى التصفية النهائية لقضيتهم)(2).

ثم توالت تصريحات بري: فتحرير فلسطين قضية عربية وليست قضية لبنانية، ولا يجوز استخدام الجنوب لهذا الغرض، ومنظمة أمل مسئولة عن حفظ للأمن في الجنوب.

ولا يجوز تسلل الفلسطينيين المقاتلين إلى بيروت أو الجنوب لأنهم من أنصار ياسر عرفات العميل وداعية الاستسلام للعدو الصهيوني، وأصبح عرفات ذريعة لمنع كل فلسطيني مقاتل من العودة إلى بيروت والجنوب ولو كان من المنتسبين لما يسمى بجبهة الإنقاذ.

ومن شاء من الفلسطينيين زيارة أهله وذويه في مخيمات بيروت عليه أن لا يحمل أسلحة، وأن يرتدي ملابس مدنية، ويحصل على تصريح من أمل يسمح له بموجبه في البقاء في العاصمة مدة تتراوح بين يومين وشهر .. ورغم كل القيود التي فرضتها أمل على الفلسطينيين في الجنوب فقد تم منع كبار قادة جبهة الإنقاذ من دخول بيروت أمثال (أبي صالح)، و(أبي موسى) وأحمد جبريل(1).

وكان العدوان على المخيمات وما رافقه من حقد ووحشية آخر مواقف بري وحركته التي تحدثنا عنا في هذا الكتاب.

3- التعاون اليهودي الشيعي:

تعاون الشيعة مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان حقيقة ثابتة وليس أسطورة: اخترعها خصوم الرافضة.

لقد تحدثت الصحف ووكالات الأنباء المحلية والعالمية عن هذا التعاون، ولمسه المسلمون والنصارى في الجنوب لمس اليد، واعترف به الطوفان: الشيعي واليهودي. اعترف به اليهود عبر أجهزة الإعلام، واعترف به الشيعة من خلال تبادل الاتهامات فيما بينهم.

فزعيم منظمة أمل الإسلامية حسين الموسوي اتهم حركة أمل – بري – بالتعاون مع العدو الصهيوني، في خطاب ألقاه في يوم القدس في بعلبك يوم 19 يوليو 1982م(2).

وسئل نبيه بري عن الجيش الشيعي الذي أنشأه اليهود في الجنوب فأجاب: (محاولات إنشاء جيوش .. وخاصة [الجيش الشيعي] الذي هو أبعد ما يكون عن الإسلام والشيعة تحت ذريعة وجود القوات اللبنانية).

وسئل عن موقف حركته من هذا الجيش فأجاب: (سنقاوم ما يسمى بالجيش الشيعي وسنقاوم كل محاولة لإقامة كانتونات طائفية أو دويلات)(3).

والصحيفة التي أجرت لقاءً مع بري كانت تعلم بأن الجيش الشيعي الجنوبي فصيلة من فصائل أمل كما صرح بذلك حسين الموسوي، وما كانت الصحيفة تنتظر من بري الاعتراف بتعاون حركته مع العدو الصهيوني، ولكنها أرادت تسليط الأضواء على المشكلة من كافة جوانبها .. وحسبنا هنا أن نبيه بري وحسين الموسوي لم ينكرا تعاون العدو الصهيوني مع الشيعة في الجنوب .. وإذا كان هذا التعاون قديمًا فسوف نذكر فيما يلي شواهد جرت بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982م.

- نشرت مجلة (الأيكونومست) البريطانية في عددها الصادر في نهاية الشهر السابع من عام 1982م أن 2000 مقاتل من عناصر أمل الشيعية انضمت من قوات مليشيا سعد حداد، وتوقعت المجلة أن ينضم عدد أكبر منهم إلى الحرس الوطني) الذي ترعاه إسرائيل في جنوب لبنان.

- وقالت وكالة رويترز في تقرير لها من النبطية في 1 يوليو 1982م أن القوات الصهيونية.، التي احتلت البلدة سمحت لمنظمة أمل بأن تحتفظ المليشيات الخاصة التابعة لها، وبحمل جميع ما لديها من أسلحة.

وصرح أحد قادة مليشيا منظمة أمل ويدعى حسن مصطفى أن هذه الأسلحة ستستخدم في الدفاع عنا ضد الفلسطينيين.

وبعد أن أعلنت إسرائيل عن عزمها على الانسحاب من لبنان ضاعفت منظمة أمل من مطاردتها للقوات الفلسطينية في بيروت الغربية والجنوبية وفي جنوب لبنان، وكانت ادعاءات إسرائيل ضد منظمة التحرير تشبه ادعاءات أمل فهل تتم مثل هذه الأمور بشكل عفوي بين الطرفين؟!.

- تجيبنا على هذا السؤال صحيفة (الجروزاليم بوست) في عددها الصادر بتاريخ 23 مايو 1985م: (إنه لا ينبغي تجاهل تلاقي مصالح أمل وإسرائيل التي تقوم على أساس الرغبة المشتركة في الحفاظ على منطقة جنوب لبنان وجعلها منطقة آمنة خالية من أي هجمات ضد إسرائيل.

إن إسرائيل ترددت حتى الآن في تسليم أمل مهمة الحفاظ على الأمن والقانون على الحدود بين فلسطين ولبنان، وإن الوقت حان لأن تعهد إسرائيل إلى أمل بهذه المهمة).

كما يجيبنا على هذا السؤال رئيس الاستخبارات العسكرية اليهودية – أهود براك – حيث يقول: (إنه على ثقة تامة من أن [أمل] ستكون الجبهة الوحيدة المهيمنة في منطقة الجنوب اللبناني، وأنها ستمنع رجال المنظمات والقوى الوطنية اللبنانية من التواجد في الجنوب والعمل ضد الأهداف الإسرائيلية)(1).

- ويجيبنا على السؤال أيضًا وزير الخارجية السويدي [بيير أوبيرت] الذي أكد في جنيف في24 يونيو 1985م أنه نقل رسالة من رئيس حركة أمل نبيه بري إلى القيادة الإسرائيلية.

ونسبت وكالة الأنباء الكويتية [لأوبيرت] قوله للصحفيين: إن تبادل الرسائل بين رئيس حركة أمل والقادة الإسرائيليين جرى يوم الجمعة الماضي – أي في 21 يونيو – إلا أنه رفض إعطاء تفاصيل أخرى(1).

- ونختم حديثنا عن التعاون بين العدو الصهيوني وحركة أمل بنقل فقرات من المقابلة التي أجرتها مجلة الأسبوع العربي في عددها 24 أكتوبر 1983م مع [حيدر الدايخ] أحد قادة حركة أمل في الجنوب.

قالت المجلة: وصلنا إلى معسكر حيدر الرايخ الذي أقيم عند مدخله حاجز كان يوقف السيارات ويدقق في الهويات، وكانت عناصره ترتدي الثياب العسكرية وتحمل أسلحة [الكلاشنكوف]، بعضهم لم يتجاوز العشرين من عمره، وبعضهم الآخر أطلق لحيته، فأدركت عندئذٍ أن هذه العناصر هي من أفراد الجيش الشيعي وأن إسرائيل هي التي تدربهم خصوصًا عندما شاهدت على بعد أمتار قليلة من المركز الذي نصبت فيه ست خيمات، [فيللا] فخمة يتمركز فيها الإسرائيليون بعد أن اتخذوها مقرًا لهم، وكان أحد الإسرائيليين بين الحين والآخر يرفع منظاره إلى عينيه ويحدق في الوجوه الباردة بفعل الأمطار المتساقطة، وإلى الجنوب معسكرًا آخر تابع للقوات الفرنسية كان أحد أفرادها هو الآخر يراقب بمنظاره جماعة [الدايخ] والإسرائيليين.

اقتربنا من حيدر الدايخ، إنه شاب أشقر لم يتجاوز الأربعين من عمره يلبس الثياب العسكرية، ويضع في وسطه المزنر بالرصاص مسدسًا.

ويصف الصحفي [جوزف فرج] ثكنة الجيش الشيعي فيقول: (وفي وسطها رفع العلم اللبناني، بينما كان أحد العناصر يقوم بإصلاح إحدى السيارات العسكرية الموجودة في الثكنة إلى جانب عدد آخر منها، وقد كتب على إحداها قوات كربلاء، وسألنا حيدر عن سبب التسمية فقال: موقعة كربلاء لها مدلولات كثيرة بنظري. هي مأساة الإمام الحسين الذي اشتهر بمحاربة الظلم، ونحن نحارب الظلم، برأيي أن لبنان كله يمر بكربلاء حاليًا، لأن موقف لبنان مثل موقف الحسين بكربلاء، أعداء الإمام كثيرين والأصدقاء تخلوا عنه، هكذا لبنان، لذلك نسترشد بالإمام الحسين ونمشي على خطاه.

وسأل الصحفي خليل عيساوي – أحد عساكر الدايخ – عن سبب حمله السلاح، فأجاب: (إن سبب حملي السلاح يعود إلى المخاطر التي تتعرض لها الطائفة الشيعية وإلى التفتت الذي قد يعترضها في المستقبل).

وسأل الصحفي قائد الثكنة [حيدر الدايخ]: هل تعتبر أن تسميتكم الجيش الشيعي تعود إلى أن عناصركم هي من الطائفة الشيعية؟!.

الدايخ: نحن في منطقة شيعية، وجميع عناصري (أولاد الجنوب اللبناني) هم من الطائفة الشيعية، لكن هذا لا يعني أننا طائفيون، بل ليس لدينا أي بعد أو تفكير طائفي، يا أخي، إذا كنا شيعة، ماذا نفعل هل نغير هويتنا، هل نغير طائفتنا كي نرضي بعض الناس؟ نحن لا يمكن أن نتخلى عن هذه الهوية ولا يمكن أن ننكر بأننا إسلام.

الأسبوع العربي: ما رأيك بالتعليقات السياسية التي صدرت وتندد بإنشاء الجيش الشيعي في الجنوب؟!.

الدايخ: أولاً نحن (مش قد السياسيين) ولا نعمل في السياسة، ولا نهتم بما يقال عنا من السياسيين، والتاريخ اللبناني سيحاسب وأعتقد أن حساب هؤلاء السياسيين سيكون عسيرًا لأنهم هم الذين أوصلونا إلى هذه الحالة المتردية، وليس الشعب اللبناني، واتفاقية القاهرة التي بموجبها منح الفلسطينيون أرضًا لبنانية من وقعها؟! إنهم هؤلاء السياسيون وليس أولاد الجنوب والشمال أو أولاد بيروت.

إذن لنترك التاريخ يحاسب الناس التي أخطأت بحق لبنان.

ويؤكد الدايخ مرة أخرى فيقول: (كل الناس تعلم والحكومة أيضًا بأننا نحمل السلاح منذ بداية الأحداث وخضنا المعارك ضد الإرهاب الفلسطيني وضد التجاوزات التي كانت تحصل في الجنوب).

ويثني على إسرائيل فيقول: (.. كنا نحمل السلاح قبل دخول إسرائيل إلى الجنوب، ومع ذلك فإنها فتحت لنا يدها وأحبت أن تساعدنا، فقامت باقتلاع الإرهاب الفلسطيني من الجنوب وغيره ولن نستطيع أن نرد لها الجميل ولن نطلب منها أي شيء لكي لا نكون عبئًا عليها).

وعن الرائد سعد حداد قال: (أحب أن أقول بأن الرائد سعد حداد هو إنسان لبناني يحمل الهوية اللبنانية ونكن له كل احترام وتقدير [ويا ريت كل الرواد في الجيش اللبناني مثل الرائد حداد] لأنهم لو عملوا عمل حداد لما كان بقى غريب على أرض لبنان. وأتساءل هل يعتبر عميلاً الإنسان الذي يحمي بلده، إذا كان هذا هو مفهوم العمالة فإنني أول عميل من أجل حماية وطني، العمالة تكون لأولئك الذين باعوا وطنهم للغرباء).

الأسبوع العربي: كيف تصف العلاقة بينكم وبين حركة أمل الشيعية؟!

الدايخ: أنا كشيعي، أؤمن بأن حركة أمل هي الممثل الوحيد للطائفة الشيعية، وأؤمن بأن توجهات حركة أمل ليست توجهات طائفية. لأن الإمام موسى الصدر الذي أنشأها كان ينصر المحرومين، جميع المحرومين، وعلى أية حال، حركة أمل ليست حاجة إلى شهادة حسن سلوك من حيدر الدايخ أو غيره، إنما كشيعي أحاول أن أعبر عن رأيي في حركة أمل التي لها ظروفها في أن تقف المواقف التي تقفها حاليًا، ولكن عتبي على بعض المسئولين فيها الذين يصفوننا بأننا أناس عاطلون عن العمل، هوايتنا حمل السلاح والتعاون مع إسرائيل وخلق فتنة في الجنوب، وإنني آسف أن يكونوا نسوا ما فعله هؤلاء الشبان وحيدر الدايخ بالذات من أجل حركة (أمل) وهذا ليس بمنة لأننا أولاد طائفة واحدة وعلينا أن نساعد بعضنا البعض ونحترم بعضنا البعض، والأيام ستعطي كل إنسان حقه، علمًا بأن كل شبابي هم من حركة (أمل)، يجب أن تتوقف هذه المهاترات، ساعة يقولون عنا أننا مرتزقة أو منشقون عن (أمل) أو جيش شيعي، المهم قناعتنا التي لن تتغير نحن أولاد الجنوب الذين يدافعون عن وطنهم وحياتهم وأرزاقهم وإيماننا بأرضنا ووطننا ورئيسنا.

الأسبوع العربي: ما رأيك كانتون شيعي في الجنوب؟!

الدايخ: نحن كأولاد الجنوب لا نرضى عن الدولة بديلاً وشعارنا رفع الظلم والحرمان عن المواطنين، ونرفض أي كانتون على الأرض اللبنانية، إن كان شيعيًا أو درزيًا أو مارونيًا. انتهت الأقوال التي اخترناها من المقابلة الصحفية مع قائد الجيش الشيعي حيدر الدايخ.

وأول ما يلفت النظر ما زعمه (الدايخ) عن إقتدائه بالحسين t الذي اشتهر بمحاربة الظلم .. ثم يشن هجومًا شديدًا على الفلسطينيين في عدة مواضع من المقابلة في الوقت نفسه الذي يطنب في الثناء على سعد حداد وعلى القوات الإسرائيلية .. إن الحسين t بريء من هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا.

 

نعم إن ابن بنت رسول الله r بريء من هؤلاء العملاء المجرمين الذين يوالون أعداء الله اليهود.

ومن جهة أخرى فأقوال الدايخ لا تتعارض مع تصريحات بري وغيره من قادة أمل، فهو يزعم أن جيشه ليس شيعيًا، وأنهم ليسوا من دعاة الطائفية والكانتونات.. ويسعون من أجل عودة الشرعية وسعادة المحرومين والبائسين.

وعندما سئل المجرم دايخ عن أعداد أفراده أجاب بأن عدد النظاميين سيصبح 500 بعد انتهاء مدة الدورة .. وقال أيضًا: الجنوب كله سيهب إلى مناصرتنا إذا تعرضنا لأي مشكلة أمنية.

ومن جهة ثالثة فيقول الدايخ بكل وضوح وصراحة: إن كل شبابي هم من حركة أمل.

* * *

وإذن: لقد ثبت لكل منصف بعد هذه الشواهد التي عرضتها أن شيعة الجنوب وحركة أمل بالذات متورطون مع العدو الصهيوني، وليس في ذلك غرابة لأن تاريخهم يعيد نفسه.

4- أضواء على شخصية نبيه بري:

أصبح نبيه بري – فجأة – من أبرز الذين يصنعون القرار في لبنان المنكوب، واستحوذ أمين عام حركة أمل على اهتمام أجهزة الإعلام المحلية والعالمية.

فكيف أصبح بري زعيمًا لشيعة لبنان مع أنه ليس عالمًا كبيرًا من علمائهم ولا آية من آياتهم الصغرى أو الكبرى، كما أنه ليس نائبًا من نواب الشيعة أو ابن عائلة مشهورة، وفوق هذا وذاك فليس بري من القادة العسكريين الذين اكتووا بنار الحرب الطائفية في لبنان. لقد ولد في (سيراليون)، وعاش معظم سني عمره بعد تخرجه من الجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن (ديترويت) جاء أو جيء به ليكون الرجل الأول في لبنان.

لقد اطلعت على معظم ما كتبته الصحف ووكالات الأنباء عن شخصية نبيه بري، فزادني هذا الإطلاع شكًا به، وارتيابًا من الدور الذي يؤديه أن الدور المطلوب منه أن ينفذه، وكان الصحفيون المطلعون على كثير من خفايا الأمور يكتبون عن سيرة الرجل لكنهم يعترفون بأن شيئًا من الغموض يكتنف حياته .. وسوف أنقل فيما يلي تقريرًا كتبه الصحفي إبراهيم البرجاوي في مجلة التضامن الصادرة في لندن، وقد وجدت هذا التقرير من أوفى وأدق ما كتب عن بري.

يقول البرجاوي: (.. بري كغيره من شباب الشيعة بدأ في فترة شبابه الأولى يتطلع نحو الأحزاب العقائدية اليسارية التي استطاعت في الخمسينات والستينات استقطاب الطائفة الشيعية لما رفعت من شعارات تحقق تطلعات هذه الطائفة التي عاشت شظف الحرمان من التعليم والمراكز العليا في الدولة وحصر أبنائها في الأعمال اليدوية المضنية في المدن كعمال أو في القرى كمزارعين لأرض قاسية جرداء على الرغم من توافر خيرات المياه المجاورة التي لا تصلها إلا بمشاريع ري لم يرصد لها حكام البلاد الأموال اللازمة.

ومن قريته [تبنين] جاء نبيه بري مع عائلته إلى بيروت وتلقى في مدارسها العلم، وفي الصفوف الثانوية شده الأستاذ [إنعام الجندي] معلم اللغة العربية كما شد كثيرين غيره إلى مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي فانضوى تحت لوائه، وعرف فيه زملاءه الحزبيون منذ كان مناصرًا للحزب حماسته وشجاعته واقتحامه حلقات الحوار ما بين البعثيين والشيوعيين، أو البعثيين والسورييين القوميين والاجتماعيين، أو البعثيين وحزب التحرير الإسلامي، أو البعثيين وحركة القوميين العرب، التي كانت تصدر نشرة [الثأر] ويتزعمها جورج حبش، ووديع حداد ومحسن إبراهيم، ومحمد كشلى. وهذه الأحزاب كانت هي الوحيدة التي تستقطب الشبان المسلمين في الخمسينات والستينات.

وكما في المناقشة، كان بري أيضًا في التظاهرة دائمًا في المقدمة يحب المواجهة ويتنطح للواجهة ويعشق الخطابة وهو فيها مميز وإن كان ذلك على حساب لغة سيبوبه. وفسر ذلك زملاءه ورفاقه بالحماسة.

وعلى هذا الأساس دعموه وعاضدوه ورشحوه رئيسًَا لاتحاد الطلاب الجامعيين ضد جميع ممثلي الأحزاب وذلك بعدما استطاع أن يفوز برئاسة لجنة طلاب الحقوق في الجامعة، وكان انتصاره انتصارًا للبعث والخط القومي إجمالاً ونكسة لليساريين واليمنيين ومنهم الشيوعيون والكتائبيون.

تخرج نبيه بري محاميًا وانكفأت أخباره وتردد أن حماسه قل بعدما واجه الحياة العملية مما أدى إلى ابتعاده عن النشاطات الحزبية والسياسية ثم قيل أنه سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد إلى [ديترويت]، حيث تنزل جالية شيعية لبنانية كبيرة [حوالي 70 ألفًا] تعمل في شركات صناعة السيارات وهناك تعرف إلى فتاة لبنانية شيعية كانت قد حصلت على الجنسية الأمريكية بحكم طول إقامة عائلتها الثرية في البلاد وتزوج منها وأنجب ثلاثة أولاد، وبفعل هذا الزواج استطاع المحامي الشاب تكوين ثروة لا بأس بها يشاع حسب مصادر صحافية أمريكية رددتها مجلة [النهار العربي والدولي] اللبنانية أنها مكونة من بعض المحطات لبيع البنزين.

ولما ترسخت زعامة بري على [أمل] وأصبح بحكمها أحد أعمدة السياسيين في لبنان، اضطر إلى تغيير إقامته ونقلها إلى ببيروت، وخالفته زوجته في ذلك فطلقها، ثم تزوج كريمة صاحب [دار الآداب للنشر] وهي من عائلة عاصي وأنجب أول أولاده منها بنتًا عمد إلى تسميتها [ميس] نسبة إلى بلدة [ميس الجبل] المجاورة لمسقط رأسه في بلدة [تنين]. ولكن نبيه بري كان يتردد دائمًا على بيروت، وعرف في وقت ما أنه كان مقربًُا من الرئيس كامل الأسعد الزعيم الشيعي الجنوبي المعروف نجل الزعيم الإقطاعي أحمد الأسعد، ثم كانت علاقة أعجب بالإمام موسى الصدر وقد تعود بري على مناداته بعبارة [مولانا] حتى أصبح ترديد هذه العبارة أثناء حديث بري مع أي كان عادة يأخذها عليه بعض منتقديه من أصدقائه.

ولاقى هذا الإعجاب عند الإمام الصدر تجاوبًا لما يتحلى به هذا الشاب من إقدام وحماسة وجرأة قد تصل أحيانًا إلى حد الوقاحة بالنسبة إلى خصومه، وقرب الإمام بري منه وضمه إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ثم إلى حركة (أمل)، وأصبح بري كظل الإمام لا يفارقه أبدًا.

وفي الحركة استطاع أن يكوكب حوله شبانًا مراهقين يشاركونه حماسته، وأعجبوا بقوة شخصيته.

ولاحظ أثرياء الشيعة من المغتربين هذه الصفات القيادية لدى المحامي الشاب فتقربوا منه، وكثرت دعواتهم له لزيارتهم في بلدان الاغتراب، وأملوا فيه تحقيق مصالحهم ومصالح الطائفة الشيعية والدفاع عنها، وما لاحظه هؤلاء لاحظه أيضًا الحكم اللبناني وأجهزته والمقاومة الفلسطينية وقيادتها والسوريون ومخابراتهم، وبدأ كل طرف من الأطراف الأربعة محاولة جذبه إليه.

وما بين هذه الأطراف الأربعة استطاع نبيه بري إتقان اللعب على الحبال فنال رضاها كلها مما حقق أحلامه في الزعامة والقيادة وهو على قناعة بأنه في ذلك إنما يخدم طائفته وخطه القومي ووطنه(1).

وتبوأ بري قيادة [أملٍ] وكل طرف من الأطراف الأربعة يظنه له، وأغدقوا جميعًا عليه السلاح والدعم حتى قويت حركته وزعامته لها، وبدأ خلافه في بادئ الأمر مع الفلسطينيين، فقيل إنه على حق لأن تجاوزات بعضهم لا تحتمل، ولكن الفلسطينيين اتهموه بأنه (عميل) للمكتب الثاني اللبناني [جهاز المخابرات].

وفي الاجتياح الإسرائيلي حارب نبيه بري إسرائيل في بيروت وضواحيها، ولم يهاجمها في الجنوب، ووقف إلى جانب السوريين في كثير من المواقف كما عارضهم في كثير من المواقف(2) حتى أنه رفض الانضمام إلى جبهة الإنقاذ التي ألفتها سوريا من جنبلاط وفرنجية وكرامي لمحاربة الاتفاق مع إسرائيل المعروف باتفاق 17 أيار بل أكثر من ذلك زار الرئيس أمين الجميل في القصر الجمهوري وقال إن المعارضة يجب ألا تكون من خارج الحدود بل من داخل النظام.

وقيل إنه لم يكن معارضًا متحمسًا للاتفاق مع إسرائيل، وقيل أيضًا أنه وسط الرئيس صائب سلام حتى يقنع الرئيس الجميل بإشراكه في الحكم.

وقيل الكثير عن تقلبات تحالفاته السياسية وهو يفسر ذلك بأنه كان دائمًَا يبحث عن مصلحة طائفته، ثم بلاده، ولكنه كان دائمًا يحفظ خط الرجعة مع الجميع، ولا يقطع شعرة معاوية نهائيًا مع أحد، وتردد أنه على الرغم من علاقاته مع المقاومة الفلسطينية كان أحد القلائل الذين نالوا مساعدة مادية كبيرة من هذه المقاومة عندما ودع ياسر عرفات عند باخرة الترحيل في بيروت، وسياسته هذه بحفظ خط الرجعة كان أكثر ما يحرث علها في نهجه مع سوريا إلى أن وصل ليكون رجل سوريا الأول. وفي هذا استفاد كثيرًا عندما قطف ثمار انتفاضة السادس من شباط والتي لو لم يضرب جيش أمين الجميل الضاحية الجنوبية، لما قامت أو كانت). انتهى ما اخترناه من تقرير إبراهيم البرجاوي الذي نشرته التضامن في عددها الصادر بتاريخ 20 يوليو 1985م.

وكتبت الصحف والمجلات العربية كاملاً مماثًلا لما جاء في هذا التقرير ومن جهة ثانية فإن ممارسات بري على الساحة اللبنانية تؤكد صحة هذه المعلومات، وهو بعد ذلك لا يخفى أنه غير متدين، ومعظم الباطنيين كذلك وعلى كل حال هذه المعلومات – رغم خطورتها – لا تساوي شيئًا أمام المعلومات التي ذكرناها في هذا الفصل – وفي الفصول السابقة – من هذا الكتاب عنه وعنه حركته (أمل).

5- أمل على خطي الكتائب:

سلك قادة (أمل) الطريق نفسه الذي سلكه الكتائبيون قبل بداية الحرب اللبنانية وخلالها عندما سيطروا على مليشيات النصارى كلها بعد عدة معارك مع قوات فرنجي وقوات شمعون، ثم تحالفوا مع إسرائيل من جهة والنظام النصيري في دمشق من جهة أخرى، وسيطروا على مقاليد الأمور في لبنان – على المستوى الرسمي على الأقل -.

وقطع قادة (أمل) مسافة شاسعة في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والمفاجآت، وسوف أذكر على سبيل المثال لا الحصر أشهر المعارك التي خاضتها حركة أمل من أجل السيطرة على الساحة الإسلامية في لبنان:

- تم تصفية عشرات الشباب الشيعة لأنهم رفضوا التخلي عن انتماءاتهم الحزبية المناهضة للطائفة.

-  اشتبكت حركة أمل مع حزب البعث العربي الاشتراكي المؤيد للعراق في منطقة الشياح في 23 أبريل 1980م وفي 8 مايو 1980م.

وسقط في هذه المعارك عدد كبيرة من القتلى والجرحى، واستخدام الطرفان كافة أنواع الأسلحة.

- في 13 أبريل من عام 1980م اجتاحت قوات أمل الشيعية اثنتا عشرة قرية في الجنوب اللبناني، وخاضت معارك شرسة مع وحدات من الحزب الشيوعي، ووحدة من حزب البعث المؤيد للعراق، ووحدة من الاتحاد الاشتراكي العربي المؤيد لليبيا .. وفي الوقت نفسه هاجمت (أمل) منظمات حزبية يسارية ووطنية في بيروت، وحاولت استدراج الفلسطينيين لكن رئيس المنظمة ياسر عرفات ظل محايدًا، وسقط في هذه المعارك عدد غير قليل من القتلى والجرحى، ووقف المجلس الشيعي الأعلى إلى جانب أمل حيث صدر القتلى والجرحى، ووقف المجلس الشيعي الأعلى إلى جانب أمل حيث صدر بيان باسم نائب رئيس المجلس محمد مهدي شمس الدين يديه في منظمة التحرير والحركات اليسارية والوطنية لأنها اعتدت على طائفته على حد زعمه.

- هاجمت قوات حركة (أمل)، والقوات الدرزية – أي ما يسمى بالحزب التقدمي الاشتراكي – بيروت الغربية في أواخر عام 1983م، وقامت بتصفية تنظيم (المرابطون)، وتنظيم (كمال شاتيلا) الناصري، ونشرت القوات الدرزية والشيعية الذعر في سائر أنحاء بيروت الغربية.

- في عام 1983م وقعت معركة طاحنة بين قوات (أمل) والجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية، وقد أسفر عن هذه المعركة خسائر فادحة في الأموال والأرواح، وانضم اللواء السادس الشيعي إلى قوات أمل.

- أما معارك (أمل) مع قوات منظمة التحرير فكانت لا تنقطع في الجنوب وبيروت والبقاع، وقد توجت هذه المعارك بمجزرة المخيمات التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة.

- خاضت حركة (أمل) معارك متعددة مع القوات الدرزية – الحزب التقدمي الاشتراكي – وكان آخر هذه المعارك (معركة الأعلام) في بيروت الغريبة التي كادت تتحول إلى كارثة لولا الضغوط التي مارستها سوريا على الطرفين.

وقصارى القول: فقد حاربت (أمل) جميع الأحزاب والحركات في لبنان، وأصبحت عدوة للجميع .. أما نبيه بري فقد أصبح زعيمًا لبنانيًا مرموقًا، ولكن هل نجح في السيطرة على الساحة الإسلامية، كما سيطر بشير الجميل على الساحة الصليبية؟!

وهل أصبح الناطق الرسمي باسم جميع المسلمين في لبنان؟!

لقد نجح بري بالتعاون مع سوريا النصيرية ومع الدروز في توجيه أشرس الضربات للمسلمين السنة، ومع ذلك فقد فشل في تحقيق حلمه الذي يحلم به أعني أن يكون ناطقًا رسميًا باسم جميع المسلمين، وحتى دمشق لا تقبل بهذا فهي تتعامل معه ومعه جنبلاط ولا تزال المخيمات وبيروت الغربية والدروز وصيدا سدودًَا في وجه بري وطموحاته، ولا ندري إن كان مصيره سيكون كمصير بشير الجميل؟!

 

المبحث الثالث

صراع مراكز القوى

أولاً – أطراف الصراع:

الصراع بين مراكز القوى داخل كل طائفة في لبنان ليس مستغربًا، ذلك لأن مصالح السياسيين تختلف باختلاف اتجاهاتهم وأهواءهم ..

والعقلية التي يفكر بها القادة السياسيون تتعارض مع العقلية التي يفكر بها رجال الدين .. وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة – وبشكل أخص بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م – عن صراع مراكز القوى داخل الطائفة الشيعية، وسارعت الصحف والمجلات ووكالات الأنباء إلى نشر ما يعرفون عن أسرار هذا الخلافات، كما سارع الصحفيون إلى إجراء مقابلات مع زعماء هذه الأطراف المتصارعة، وتحدث قادة هذه الأطراف عن أسباب خلافاتهم مع الآخرين، وسوف أعرض فيما يلي أهم هذه الأطراف والاتجاهات:

1- حلفاء الموازنة:

1- في أوائل تشرين الأول من عام 1983م وقعت معركة بين الجيش اللبناني وحركة (أمل) في الضاحية الجنوبية، وتحدثت صحيفة (العمل) الناطقة باسم حزب الكتائب عن خلاف حاد بين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ورئيس مجلس قيادة حركة (أمل) المحامي نبيه بري، ونقلت الصحيفة عن رئيس جمعية علماء الدين الشيعية، وعضو الهيئة الشرعية العامة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ أحمد شوقي الأمين قوله:

(إذا كان موضوع المهجرين موضوعًا ذا أهمية يستحق كل عناية وإعطاءه قدرًا كبيرًا من الاهتمام والدراسة بالنسبة إلى حساسيته وخطورته، فقد أوليناه بالغ توجهنا وكذلك فعل فريق كبير من رجال الحكم والدين والسياسة والقانون، حيث طالبنا مرات عديدة بإعطائه الأولوية ووضع الدراسات الجادة والحلول المناسبة والملائمة لوضع المهجرين الصعب. كما طالبنا بحل هذا الموضوع حلاً سياسيًا وإنسانيًا حتى ولو اقتضى الأمر سن تشريع جديد له.

وأضاف: وبالطبع فإننا لا نرضى أن يكون هذا الموضوع الإنساني والوطني غطاء للمزايدات السياسية ولاتخاذ المواقف التجارية التي تتلاعب بعواطف الناس وأرزاقهم وأرواحهم لجني مكاسب وهمية وصفقات مالية على حساب الوطن والمواطنين.

وحسبنا هذه السنون العديدة التي خسرنا فيها كل شيء. وقد آن الأوان لنا أن نبدأ مسيرة الإنقاذ، مسيرة التعويض عما فات لبناء المواطن والوطن على أسس سليمة ومواقف أخلاقية مسئولة.

وقال العلامة الأمين: أما التعرض للجيش من قبل بعض الفئات وضرب المؤسسات الرسمية، فهو موقف غير مسئول ويقتضي شجبه سواء كانت دوافعه وخلفياته مشبوهة، وإنها لكذلك، أو كانت كما يدعي المحرضون مجرد رد فعل، لأنها في كلتا الحالتين تصب في خانة عرقلة الجهود المبذولة لتحرير الوطن وتوحيد الطاقات، ودعم المؤسسة العسكرية كمواقف صلبة لإعادة بناء المؤسسات)(1).

ومن زعماء الشيعية وأحزابهم الذين صدرت عنهم بيانات ضد أمل (نبيه بري) في هذه المناسبة وغيرها من المناسبات:

- رئيس المجلس النيابي السابق وزعيم ما يسمى بالحزب الديموقراطي الاشتراكي (كامل الأسعد) الذي كان يعد من أبرز خصوم ورئيس المجلس الشيعي الأعلى موسى الصدر.

- النائب (كاظم الخليل) أحد أعمدة حزب كميل شمعون، وكان وزيرًا سابقًا وله نفوذ واسع في الجنوب وبشكل أخص في أوساط الشيعة، وطروحاته لا تختلف عن طروحات زعماء الموازنة.

- العائلات الإقطاعية المشهورة أمثال: آل عسيران، وآل الأسعد، وآل الزين، وآل حمادة.

- حركة (أمل) في الجنوب اللبناني، التي أُطلق عليها (الجيش الشيعي) والتي كانت تتعاون مع العدو الصهيوني وجيش سعد حداد، وتتعاطف مع كاظم الخليل، وقد تحدثنا عنها في الصفحات الماضية من هذا البحث.

2- رجال الدين الرسميون:

ويمثلهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، والشيخ عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري الممتاز.

وهما طرفان في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في دار الفتوى، والذي يضم السنة والشيعة والدروز، وكان أول لقاء لزعماء هذه الطوائف قد تم في نهاية عام 1983م، وأجرت مجلة المستقبل – في عددها الصادر بتاريخ 15 أكتوبر 1983م – لقاءً مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وجهت إليه أسئلة كثيرة كان منها هذا السؤال:

المستقبل: سبق أن صدر عن مؤتمركم الإسلامي الذي عقدتموه في دار الفتوى ما سمي (بثوابت) المواقف الإسلامي. ولكن حتى الآن فإن هذا الموقف بثوابته لم يُعطِ الفعالية المطلوبة بالتأثير على مجرى التطورات؟!

شمس الدين: هذه الثوابت أوجدت حقيقة سياسية إسلامية كانت مفقودة، لم يكن هناك قبلها موقف إسلامي بل كان ثمة موقف لهذا السياسي أو ذاك أو موقف لهذه الطائفة أو تلك.

وأول إنجاز لهذا العمل أنه أوجد هذه الرؤيا التي حظيت باستجابة واسعة وعميقة في صفوف المسلمين جميعًا الشيعة والسنة. هذا الموقف لا أزال أوافق على أنه لم يغير حتى الآن شيئًا على الأرض، ولكنه غير بالتأكيد عناصر المواجهة السياسية على الأرض وأوجد حالة سياسية تجعل أي عمل وأي إجراء تحت أي شعار يهدد وحدة لبنان موضع الاتهام وموضع الحذر من المسلمين وتحملهم للوقوف في وجهه.

هذا الموقف الإسلامي القائم على (الثوابت) أوجد لأول مرة خطًا سياسيًا إسلاميًا يتجاوز الحالة الطائفية للمسلمين.. هذا الموقف ينمو الآن وستنشأ مؤسساته وأدواته التعبيرية ليكون قوة أساسية في تغيير المعادلات وفي صنع مصير لبنان لا باتجاه طائفي إسلامي وإنما باتجاه وطني بتجاوز الحالات الطائفية. وحينما قلت إن هناك فرصًا وآمالاً لإنقاذ الوضع ففي الحقيقة إن أحد أكبر المرتكزات هذا الموقف الإسلامي) اهـ.

ونشرت صحيفة القبس في عددها بتاريخ 7 فبراير 1983م ما يلي: (نقل راديو [صوت لبنان الكتائبي] أن المكتب الخاص لنائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى أعلن أنه منذر شهر إبريل الماضي لم تعد للقيادة الحالية لحركة أمل أي علاقة مع سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وقد أبلغت القيادة الحالية لحركة أمل بهذا القرار في حينه.

ورد بيان باسم رئيس مجلس قيادة حركة أمل المحامي نبيه بري بأن شرعية الحركة مستمدة من جماهيرها ومنهجية قائدها الإمام موسى الصدر وأن توجهات الحركة تصب في تحرير الوطن واستعادة سيادته مهيبة بالجميع في الظروف الراهنة الابتعاد عن الدخول في المشاحنات الخاصة).

وجملة القول: فتصريحات شمس الدين تختلف عن التصريحات الصادرة عن نبيه بري، فالأول ينطلق من شرعية النظام، وما أسماه ثوابت المؤتمر الإسلامي، ويزعم أنه ضد الهيمنة الطائفية وضد العنف والإرهاب، أما نبيه بري فيتظاهر بعداوته للموازنة، ويزعم أن حركته علمانية وطنية وليست دينية طائفية، ويمارس أبشع أنواع العنف والإرهاب، وله صلات وثيقة جدًا مع النظام النصيري في دمشق، أما شمس الدين فليس له مثل هذه الصلات ولا تصدر عنه تصريحات ضد سوريا أسد.

3- الحركات الموالية لإيران:

من أشهر هذه الحركات: حزب الله، وحركة (أمل) الإسلامية التي انشقت عن (أمل) نبيه بري.

وأبرز زعماء هذه الحركات: محمد حسين فضل الله، وصبحي الطفيلي، وحسن نصر الله، وإبراهيم أمين، وحسن نصر الله.

ويعد محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي لهذه الحركات ويوصف بأنه خميني لبنان، أما إبراهيم أمين فهو المسئول السياسي في حزب الله، وحسين الموسوي زعيم أمل الإسلامية، وصبحي الطفيلي هو مرشد حزب الله في البقاع.

ولا أدري  لماذا لا يتم دمج الحركتين في حركة واحدة لأنه لا خلاف بينهما ويبدو أن حزب الله أُعِدَ ليكون فخًا لأهل السنة من اللبنانيين والفلسطينيين، فظاهره جهاد أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وحقيقته احتواء من يخدعون شعارات الرافضة، أما (أمل) الإسلامية فهي خاصة بالشيعة.

ويعلن قادة هاتين الحركتين أنهم دعاة إلى حركة إسلامية عالمية ينتزعها إمامهم الخميني في طهران ولا يهمهم لبنان إلا من خلال اهتماماتهم الإسلامية ككل.

والمصادر المصرفية اللبنانية تقول: إن إيران قدمت عام 1985م لهذه التنظيمات عبر مؤسسة أبناء الشهداء [30 مليون دولار] وهناك مساعدات يقدمها نظام خميني عبر المجلس الثوري للشيعة الدولية الذي يتبنى تمويل وتوجيه الحركات المؤيدة لإيران في العالم.

ومر معنا في الفصل السابق قول الشيخ سعيد شعبان: (وفي حزب الله مثلاً في بيروت يوجد سنة وشيعة، ونحن نعتبر حزب الله جزءًا منا، وأكبر دليل على ذلك أننا كنا في وفد واحد في مفاوضات دمشق .. كان هنالك حزب الله، وأمل الإسلامية وعناصر من السفارة الإيرانية يشكلون معنا وفدًا واحدًا لنؤكد للمسئولين السوريين أننا في لبنان أمة واحدة). وهذا من القرائن التي تدل على أن حزب الله فخ نصبه الرافضة لأهل السنة في  لبنان، كما أشرت قبل قليل.

4- حركة (أمل):

تحدثنا عن حركة (أمل) في الصفحات الماضية من هذا الفصل وفي كتابنا الأول، وبينا كيف نشأت، ولماذا أطلق عليها موسى الصدر حركة المحرومين وزعم أنها ليست طائفين وإنما هي لجميع الفقراء والبائسين.

ولا يزال قادة هذه الحركة يمثلون دور الناطق الرسمي باسم الشيعة في لبنان، ومعظمهم شباب الطائفة يقاتلون في صفوف الحركة، أما زعيمها المحامي نبيه بري فهو أحد أعمدة الحكم في لبنان، وقد شارك في معظم المؤتمرات ابتداءً بمؤتمر الوفاق الوطني، ومرورًا بمؤتمر لوزان، وانتهاءًُ بمؤتمر اللجنة الثلاثي في دمشق الذي جمع بين بري وقائد القوات اللبنانية (إيلي حبيقة)، وكان مؤتمر الوفاق الوطني قد جمع بينه وبين بشير الجميل أثناء الاجتياح الإسرائيلي.

وقد قلب نبيه بري ظهر المجن لجميع حلفائه وأصدقائه في لبنا ماعدا النظام النصيري في دمشق فلا يزال ينفذ أوامرهم في لبنان دون تردد أو تذمر.

وقصارى القول فحركة أمل طرف من أطرف الشيعة المتصارعة بل هي أهم هذه الأطراف.

ثانيًا – حقيقة هذا الصراع:

السذج والمغفلون أو أصحاب الأهواء والمنافع من أبناء السنة صدقوا المزاعم التي يروجها أعضاء حزب الله وحركة أمل الإسلامية عن موقف أسيادهم في طهران وقم من حركة (أمل) التي يتزعمها بري، ومن النظام النصيري في دمشق.. ويقول الذين ينتشرون هذه المزاعم: (إن حركة أمل التي يتزعمها بري حركة علمانية مشبوهة، وأتباعها في الجنوب كانوا يتعاونون مع العدو الصهيوني ومع جيش حداد ولحد..

كما أن قادتها في بيروت يتعاونون مع الكتائب ومع الأحزاب العلمانية الكافرة).

أما عن المخيمات وطرابلس فيقولون: (إن الحكومة الإسلامية في إيران اتخذت موقفًا حاسمًا، ولولا هذا الموقف لسحقت حركة أمل المخيمات، ولتم تدمير مدينة طرابلس على أيدي قوات الجيش السوري).

وفي طليعة الذين يرددون مثل هذه الأقاويل سعيد شعبان ومن نحا نحوه في لبنان.

أما أصحاب العقول من أبناء المسلمين الذين يعرفون كيد الرافضة في القديم والحديث فيسألون: هل صحيح أن هناك خلافات بين الرافضة في لبنان، وهل صحيح أن إيران الخميني أدانت عدوان أمل على المخيمات، وعدوان النظام النصيري على طرابلس الشام؟!.

ونحن من جهتنا مع أننا لا نستبعد وقوع خلافات بين الرافضة وذلك لأنه حتى الذين يدعون إلى الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله قد يختلفون فيكف لا يختلف الذين يدعون إلى الباطل والهوى؟!

ومع أن جوابنا على هذا السؤال لا يكون دقيقًا إذا ما قلنا: إننا نستبعد اختلافهم. أو: إنهم اختلفوا فعلاً. أو: إنهم لم يختلفوا.. ولكن الإجابة تتضح إذا ما تتبعنا الأمور التي يدعون أنهم اختلفوا عليها:

1- حركة (أمل) وآيات قم:

إن الإيرانيين هم الذين أنشئوا حركة (أمل)، وكان من أبرزهم: الإمام موسى الصدر تلميذ الخميني وصهره، والدكتور مصطفى جمران وزير دفاع نظام خميني الذي أهلكه الله في حادث سقوط طائرة، ونائب رئيس وزراء نظام خميني الدكتور صادق الطبطائي ابن أخت موسى الصدر وصهر الخميني. وقادم أمل كلهم من تلامذة الصدر وأخص بالذكر:

نبيه بري، وحسين الحسيني قائدها السابق الذي استقال، وحسين الموسوي قائد (أمل) الإسلامية الذي انشق عن بري وليس بين هؤلاء من ينقد موسى الصدر أو يهاجمه، ولا يزال كل منهم يستمد شرعيته من أقوال الصدر وأفعاله وحتى الحديث عن علمانية حركة (أمل) فقد نسبه نبيه بري إلى الصدر، وقد صدق في ذلك.

وخاضت حركة (أمل) عدة معارك مع حزب البعث المؤيد للعراق نيابة عن نظام خميني، ونجحت أمل في القضاء على هذا الحزب في بيروت والجنوب والبقاع.

وفي الشهر الرابع من عام 1982م أعلنت حركة (أمل) عن مبايعتها للزعيم الإيراني آية الله خميني إمامًا للمسلمين في كل مكان(1).

وفي 9 سبتمبر 1985م تبادلت حركة أمل وحزب الله الاتهامات لأن أمل منعت وفود الحزب من الوصول إلى مدينة صور، وقد تم إلغاء هذا الاجتماع الذي كان سيعقد بمناسبة الذكرى السابعة لاختفاء الصدر.

ولم يصدر عن قادة حركة (أمل) ما ينقض بيعتهم لإمامهم الخميني .. قد يقولون: إن إيران قطعت علاقاتها مع الحركة، أو قد يصدر عنهم بيان ينددون فيه بتصريحات أدلى بها (خلخالي) عن اختفاء الصدر، أو قد يهاجمهم سفير إيران في بيروت بسبب موقف من المواقف.. لكن مثل هذه المواقف قد تحدث بين زعماء في حزب واحد ولا تتجاوز إطار الحزب ومؤسساته التنظيمية.

2- قواسم مشتركة:

هناك قواسم مشتركة ثابتة تجمع بين الأطراف المتصارعة.. ومن أشهرها:

أ- التعاون مع سوريا: فحركة أمل خاضت معارك مع جميع الأحزاب والمنظمات في لبنان إلا النظام النصيري في دمشق لم تختلف معه ولم تتمرد عليه.. أما حزب الله وحركة (أمل) الإسلامية فعندما كان المنتسبون إلى هاتين الحركتين يخطفون طائرة أو مسئولاً كان نظام دمشق وحده القادر على التفاهم معهم .. بل لقد قدموا خدمات جلى لنظام دمشق، وازدادت الولايات المتحدة الأمريكية ثقة (بأسد) بسبب هذه الخدمات.. أما نظام طهران الذي يزعم بأنه إسلامي فلا يزال النظام النصيري في دمشق من أهم حلفائه وأعوانه في العالم.

ب- موقفهم من منظمة التحرير: رغم هذه الصراعات فأطراف الشيعة في لبنان، ونظام الآيات في قم، وأسد النصيرية .. هؤلاء جميعًا لهم موقف واضح من منظمة التحرير.

لأن عرفات يبحث عن حل سلمي مع العدو الصهيوني، ويبطشون بالفلسطينيين من الأطفال والنساء والشيوخ بسبب عرفات، وحتى ما يسمى بجبهة الإنقاذ لم تسلم من شرورهم بسبب عرفات رغم كل ما قدمته هذه الجبهة لأسد وللرافضة ضد أهلهم وذويهم.

ومما لا شك فيه أن الرافضة جميعًا يعلمون حقيقة أسد النصيرية ومفاوضاته مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن هذه البوابة دخل لبنان، فكيف يكون عندهم بطلاً وطنيًا، ويكون عرفات خائنًا مستسلمًا؟!.

3- الرافضة لا يصدقون:

نقلت صحيفة العمل الكتائبية في عددها الصادر بتاريخ 17يوليو 1983م استنكار المجلس الشيعي الأعلى  لموقف أمل من الجيش اللبناني، ونقلت عن نائب رئيس المجلس الشيخ محمد مهدي شمس الدين قوله:

(إن المجلس قد شكل لجنة خاصة برئاسة المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان، لمتابعة الاتصالات، واتخاذ التدابير التي تحول دون توظيف هذه المشكلة في غير إطارها الصحيح).

وفي 27 فبراير 1983م أعلن المكتب الخاص لنائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى أنه لم يعد للمجلس علاقة بحركة أمل.

وفي 8 أكتوبر 1983م أعلن عبد الأمير قبلان – المفتي الجعفري الممتاز – باسم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي: (إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن ما تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، وبالتالي فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة)(1).

ومما يجدر ذكره أن تصريح قبلان نسخ التصريحين السابقين لأنه جاء بعدهما .. وهذه هي أخلاق الرافضة ومواقفهم في القديم والحديث.

4- موقف الرافضة من أهل السنة واحدة رغم اختلاف فرقهم وتباين وجهات نظرهم:

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

- في عام 1981م دمر النظام النصيري الباطني في سورية معظم أحياء ومباني مدينة أبي الفداء وهدم أكثر مساجدها، وقتل عددًا كبيرًا من العلماء والدعاة إلى الله، وهتك أعراض المسلمين .. فما الذي فعله نظام خميني ومن على شاكلته في لبنان؟!.

هل أرسلوا قوات للدفاع عن مدينة حماة؟! هل قطع خميني علاقاته الدبلوماسية مع جزار سورية .. هل وقفت أجهزة إعلام طهران إلى جانب المسلمين في حماة المجاهدة؟!.

لم يفعل الخميني شيئًا من هذا، بل فعل نقيضه. لقد أعلن نظامه عن تأييد للمجرم حافظ الأسد ضد من أسماهم عملاء إسرائيل؟!.

- وفي شهر رمضان المبارك من عام 1405هـ أعلنت منظمة (أمل) الشيعية حربًا على سكان المخيمات الفلسطينية في بيروت .. واستخدموا في عدوانهم كافة أنواع الأسلحة، وقد عرضنا فيما مضى من هذا الكتاب صورًا من الفظائع التي ارتكبوها بحق الضعفاء والمحرومين من أبناء فلسطين ؟!

لقد استمر عدوانهم شهرًا كاملاً، ولم يتوقف إلا بعد استجابة الفلسطينيين ورضوخهم لكل ما يريده الحاكم بأمره في دمشق – حافظ الأسد – ووكيل أعماله في بيروت – نبيه بري -، فأين الخميني وحزب الله وأمل الإسلامية مع أن ضحايا هذه المجازر: الشيوخ، والنساء، والأطفال، والمدنيون الآمنون، وليس ياسر عرفات وغيره من قادة منظمة التحرير؟!.

- وجاءت مجزرة طرابلس الشام بعد مذبحة المخيمات بثلاثة أشهر، وهدم أسد ونصيريو (بعل محسن) أكثر من نصف مؤسساته ومباني المدينة .. واستمرت معارك طرابلس أكثر من أسبوعين .. ثم جاءت وساطة الخميني .. ونجحت الوساطة ولكن متى ؟! نجحت بعد استسلام الشيخ سعيد شعبان ومن معه وقبولهم بجميع الشروط التي فرضها النظام النصيري.

فأين هذه المواقف المشرفة التي وقفها خميني وأتباعه من لبنان مع أهل السنة؟!.

ولو كان المعتدى عليهم من الشيعة لما قبل حزب الله ومؤيدوه بغير التدخل بديلاً، وهذا ليس افتراضًا نفترضه، ففي عام 1983م وقف حزب الله في خندق واحد مع (أمل) بري ضد الجيش اللبناني، بل ومن الذي يصدق أن قوات أمل واللواء السادس يتلقون أوامرهم من نبيه بري وحده، وليس لهم أية علاقة بحزب الله أو بأمل الإسلامية أو بإيران الخميني؟!.

من يصدق مثل هذه المزاعم فإنه لا يعرف شيئًا عن الرافضة وعلمائهم، ودور هؤلاء العلماء في صنع القرار.

ومن الأمور الجديرة بالاعتبار والتأمل أن حزب الله وحركة (أمل) كانا على حافة الاصطدام لأسباب لا علاقة لها بأهل السنة ثم صدرت بيانات عن الطرفين تدعو إلى ضبط النفس والصبر حتى يضيق الصبر ذرعًا، وكل طرف كان يؤكد بأنه يخشى من الفتنة الكبرى أي القتال بين أبناء الطائفة(1) .. أما قتال الفلسطينيين في مخيماتهم، وقتال الآمنين في بيروت الغربية، وقتال سكان طرابلس .. هذا كله فتنة لأن المعتدى عليهم ليسوا مسلمين في نظر الرافضة.

5- لماذا يستغربون تعاون (أمل) مع الموازنة:

زعم قادة حزب الله وأمل الإسلامية أن من أهم أسباب اختلافهم مع حركة (أمل) تعاون هذه الحركة مع الموازنة عملاء العدو الصهيوني عليهم من الله ما يستحقون .. لقد كانوا يعملون مع موسى الصدر، وكان الصدر يتعاون مع الموازنة ومع النصارى بشكل عام، وكانوا يقدمون له المساعدات المادية والمعنوية، وهم الذين منحوه الجنسية وجعلوا منه زعيمًا .. فكيف يكون تعاون الصدر مع الموازنة مشروعًا ولا يعترضون عليه، ويكون تعاون نبيه بري غير مشروع، علمًا بأن الأخير حقق مكاسب للطائفة عجز الصدر عن تحقيقها.

أما ما قاله زعيم أمل الإسلامية حسين الموسوي عن تعاون عنصر (أمل) بري في الجنوب مع العدو الصهيوني فصحيح والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

لقد كان هذا التعاون منذ أواخر السبعينيات فلماذا سكت عنه الموسوي طوال هذه المدة ولم يستنكره إلا بعد اجتياح الإسرائيلي 1982م وبعد اختلافه مع بري؟!.

ومن جهة أخرى فالعالم كله يعلم تعاون نظام خميني في إيران مع نظام العدو الصهيوني، وأن الأخير قدم مساعدات عسكرية لإيران في حربها ضد العراق، فأين اعتراضات الموسوي واستنكاره لموقف أسياد في طهران وقم؟!.

بل أين استنكاره لتعاون نظام خميني مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا؟!.

 

 

المبحث الرابع

سياسة توزيع الأدوار

تبين لنا من خلال المبحث السابق أنه ليس بين أطراف الشيعة في لبنان خلافات: لا في الأصول والتصورات، ولا في التخطيط والغايات.

وليس بينهم من انتصر لأهل السنة الذين ظلموا واستباح أعداء الله دماءهم وأرواحهم.

ويبقى هناك تساؤل: كيف نفسر تبادل الاتهامات بينهم، ولماذا يقف بعضهم مع الإسلاميين من أهل السنة، وبعضهم مع الدروز وآخرون منهم مع الموازنة واليهود؟!.

يجيبنا على هذا التساؤل كاتب سبر غور لعبة الطوائف في بلاد الشام، وكشف كثيرًا من أسرارهم ومناوراتهم. قال الأستاذ محمد عبد الغني النواوي:

(إذا نظرنا إلى تركيبة الحكم في بلاد الشام منذ هدم الخلافة الإسلامية وحتى يومنا هذا، نرى مساهمة غير المسلمين في كل نظام، بل وسيطرتهم عليه في معظم الأحيان).

لقد تسلم مقاليد الحكم في سورية ضباط عسكريون، فكان معظمهم من غير المسلمين – اللهم إلا عهد أديب الشيشكلي – ثم توالت الانقلابات العسكرية فكان لغير المسلمين نصيب الأسد فيها، وبين الحين والحين كانت تأتي أنظمة ديموقراطية برلمانية، فإذا مركز الثقل فيها لغير المسلمين. وفي تعليل هذه الظاهرة نلاحظ التزام غير المسلمين بالخطة التالية:

يتسللون إلى قيادة كافة الأحزاب الجاهلية الحائدة عن منهج الله، ويقفون من النظام الحاكم مواقف مختلفة:

- فقسم منهم يؤيد النظام، ويشارك في اقتسام الغنائم.

- وقسم ثاني يعارض النظام القائم، وهؤلاء قلة، ويعرفون من أين تؤكل الكتف، أعني أنهم يعارضون من منطلق قوي ومن أحزاب وتنظيمات مرشحة لوراثة الحكم القائم.

- وقسم ثالث يصفقون لأي حكم ويدعمون أبناء طائفتهم، وهم أكثرية الطائفة.

وهذه الخطة حققت لغير المسلمين الفوائد التالية:

1- يجد كل نظام نفسه أسيرًا لغير المسلمين، فهم الذين يصفقون له، وبهم يبطش، ومنهم يستمد قوته وديمومته.

2- يتوسط أبناء الطائفة المشاركون في النظم لأبناء طائفتهم من أقطاب الحكم المنهار فلا يصابون بأذى، وقد يعللون توسطهم بقولهم:

ليس من المصلحة إثارة حساسية الطائفة من أجل حفنة من الانتهازيين.

3- تشارك كل طائفة في قيادة الجيش وفي الوزارة ومختلف أجهزة الأمن والإعلام والتخطيط والتعليم والاقتصاد.

4- يستخدم غير المسلمين كل نظام في حرب الدعاة إلى الله، والتنكيل بهم ومتابعة أخبارهم .. ورغم العداوة الشديدة التي يكنها النصيريون للدروز فهم يعتمدون عليهم، وعلى النصارى في أجهزة الأمن والمخابرات المكلفة بتتبع الإسلاميين.

وفي حالات قليلة تصطدم طائفة من الطوائف مع النظام، فيهب لنجدتها معظم الأحزاب والطوائف الأخرى والشخصيات السياسية التي امتهنت النفاق، فيسقط النظام، ويتحول النظام الجديد إلى دمية بيد الطائفة المنتصرة، وما مثال أديب الشيشكلي عنا ببعيد.

وقد يظن السذج من الناس في بلادنا – وما أكثرهم – أن مثل هذه الأمور تتم مصادفة ومن غير تخطيط مسبق، غير أن تاريخ غير المسلمين وواقعهم يؤكدان أن لهم قيادة، وتتألف قيادة كل طائفة من رجال الدين ومن زعماء العائلات المشهورة فيها، وهذه القيادة مسئولة عن جميع أبناء الطائفة.

وقد مر معنا(1) عند حديثنا عن [الدروز] أن حسن الأطرش زعيم الجبل سنة 1936م، كان على صلة مع سلطان الأطرش المنفي في الأردن – الكرك – وكان لا يقطع أمرًا مهمًا دون أن يسأل ابن عمه ويأخذ رأيه فيه .. كما مر معنا أن الدروز ثاروا سنة 1925م من أجل إقدام الفرنسيين على نفي زعماء آل الأطرش [عبد الغفار وحمد ومتعب] رغم كونهم عملاء للفرنسيين، والذين قاد هذه الثورة ابن عمهم [سلطان]، وكانوا يتعاونون حينًا، ويفترقون حينًا آخر دون إراقة دماء أو دون أن يعلن أحدهما الحرب على الآخر.

ويشاركنا الرأي الكاتب الدرزي [فؤاد الأطرش] فيقول عن توزيع الأدوار بين أبناء الطائفة:

(.. ومن الخطأ أن نحلل الموضوع تحليلاً خاصًا فنصفي على ثورة سلطان باشا صفة التقدمية، وعلى رسالة الأمير سليم صفة الرجعية، والحقيقة أن الرسالتين لهما معنى واحد هو الحفاظ على الدروز في مجتمع الحقد والكراهية .. وبهذا المعنى التوحيدي يمكننا أن نفهم اشتراكية كمال جنبلاط الذي جسد مبادئ التوحيد في أنظمة سياسية محاولاً إخضاع الفكر لتلك القوانين الروحية العامة).

وبناء اتفاق وجهة نظري [ الكلام لا يزال للنواوي] مع رأي أحد أبناء قادة الطائفة نذكر فيما يلي أبرز زعماء الدروز ودور كل منهم الذي مثله أو مازال يمثله:

- سلطان باشا الأطرش: قائد الثورية السورية، ورمز الوطنية والتضحية، والرجل الذي قدم كل ما يملك في سبيل استقلال بلاده، ولم يشارك غيره في اقتسام الغنائم بعد جلاء الفرنسيين عن البلاد.

وقد بينا فيما مضى زيف هذا الادعاء، وسلطنا الأضواء على ثورة سلطان المشبوهة.

- حسن الأطرش، مجيد أرسلان، فضل الله جربوع .. وهؤلاء من زعماء الأحزاب اليمنية الديمقراطية كحزب الشعب في سورية، والأحزاب النصرانية في لبنان.

- برز في الحركة الناصرية: جادو عز الدين، وفهد الشاعر، والأخير أصبح بعثيًا