كتاب نقد التفكير الديني

حسن الحسيني

 

المقدمة

 

غدا التفكير الديني مهووساً بنقل التراث بحذافيره دون معالجة لهُ ،وتسليط لعوامل التعرية الفكرية عليه ،ومن ثم أضحى مصدراً للحقوق ،والواجبات ،والالتزامات ووو الخ ؛ ولم نستطع أن نعالج فكرة دفع النصوص الأولية ،أو الثانوية عن الباحثين فيه ،مما جعلها مصدراً مهماً في اختزال الثورة المعرفية التي أحدثها العقل البشري .

وصرنا نعتمدُ على بدائل ثقافية متعالية لا تخضع لتطورات المعرفة، وأضحت من بعدُ مصدراً لفهم النصوص الدينية وتراثهِ ؛ ومن أمثالها : أصول الفقه ،والفقه ، والتفسير ،واللغة ،وعلوم القرآن ، وعلم الكلام ، الخ؛ وهذه المعارف كلها أصبحت بديلاً ثقافياً من جرائها تحول النص الديني إلى مادة مقروءة ليس لها علاقة بالوحي ،أو النص بل إن البديل الثقافي تحكّم بها مما جعلنا على سبيل المثال- نتحكم بالنص الديني من حيث قراءته فصرنا نقدم قراءة على قراءة أخرى[1].

ولا أعتقد أننا سنقول :إن العلاقة بيني وبينه هي علاقة وحي ،أو علاقة نص،لأن البديل الثقافي حكّم نفسه ،ووضع أصوله ولا يمكن تفسير نص دون مراجعة لأصولهِ المقدسة ،والتي تنتهي بأصول الفقه والتفسير واللغة ووو..الخ ؛ ولا عجب أننا نرى بعض التفاسير تصنف في دائرة التفسير الفقهي أو الكلامي أو اللغوي .

إذن، إذا كان هذا حال البديل الثقافي فلما نصرُّ على أن العلاقة بيني وبين النص الديني هي علاقة لا زمنية ولا مكانية ولا يصح لي دفع الأحكام التي جاء بها ،أو أعادتها إلى موروثها الاجتماعي.

أخالُ أننا وضعنا تصورات لاهوتية مكان التصورات المعرفية ،ولننظر على سبيل المثال- إلى فكرة المعجزة وكيف أصبحت فكرة متعالية فوق أدراك البشر؛ بيد أن البحث الحداثي يفرِّق بينهما من خلال تحليل المستوى الأيديولوجي والتحليل العلمي النقدي الأدبي ؛بيد أن النقد الأدبي في التفكير الديني مرفوض ؛لأن المرجعية ما زالت سيبيويه،والشافعي، والطوسي.

وما زال البديل الثقافي مستنداً في جميع أحكامه إلى هذه المرجعيات الثقافية ويأخذ عنها ويـتـزود فيها بالحق، والحقيقة، والدوغمائية المتحجرة؛بيد أن البحث النقدي يوسع من هذه المرجعيات ويُدخلُ علوماً أنتجها البشر دون تفوق غيبي لكي يُعيد الإنسان إلى وضعه الطبيعي في خريطة العلم وما زال البحث النقدي يدخل على خلاف المنطق اللاهوتي ومارتيني ودي سوسير وتشومسكي وبيلومفد ،ولا يكتفي بالتأصيل بل يقوم بالتحليل،والتفكيك، ومن ثم يُعيد بناء النص على ضوء معطيات الدراسات الألسنية ،والأنثروبولوجية،والتاريخية،والاركيولوجية ..الخ؛ لا على ضوء وجهةٍ قدمها التراث وانتهى .

إن مهمة الباحث أن يكشف عن واقع النص وفكرة الأسطورة،من أجل صياغة العقل البشري لكي يأخذ مكانه، مكان النص المتفرد بالعاجل والآجل؛ وتبقى المرجعية الوحيدة في هذا العالم التي لها حق أن تقرأ،وتدرس،وتبحث،وتنظر،وتفسر،وتضع حكماً مكان حكم آخر دون الحكم عليها بتكفير،أوردة،أو ضلالة؛ تجعل مفهوم الأنسنة مفهوماً شاملاً في صناعة الحياة؛بيد أننا لا ننكر دور الدين وقراءةُ من حيث الاستفادة من أحكامه الإصلاحية وصناعته الإيمانية ،لكن على ضوء معطيات :العدل، واحترام الآخرين، والمساواة ،خاصة إذا طبقنا المنهجية التاريخية.

لقد دارت الحقيقة في الفكر الديني بصورة لا تصدق حيث أصبحنا نملك الحق في أن نقول: هذا مسلم ،وهذا كافر ؛ دون أن نضف الآيات ،وسياقها في دائرة العلاقات التي كشفت عنها الألسنية ،خاصة تلك الدراسات التي قدمها دي سوسير،والتي وضعت منهج العلامات،والتي بدورها تتحكم بكل خطاب لاهوتي.

ومن المهم أن نلاحظ أن القرآن على سبيل المثال- يفرق بين الإيمان،والإسلام ،ويجعل من الإيمان مصدراً عالياً يندمج الإنسان بهِ في الله كما في قوله تعالى : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[2]؛ وهذه الآية تجعلنا في معزل عن تصنيف الآخرين بتسميات تخالفيه وفي النهاية نحن نسعى أو نشترك في صفة الإيمان؛بيد أن التفكير الديني عجز عن ذلك وجعل الإيمان كرسيّ يجلس عليه المسلم واصّل القواعد على ذلك .

وبجانب ما ذكرناه فإننا نرى التفكير الديني لم يعتمد على آلية تفسير النص على ضوء معطيات تاريخية، لأن التاريخية تجعلنا نتخلص من عقدة اللاهوتية المحلقة.

إذن، لا بد من اعتماد المنهجية التاريخية من أجل فتح نافذة على الإسلام ،من أجل أن يُعيد قراءة لزمنه من دون تدخل غيبي وهذا ما تسعى إليه التاريخية مع كل المعطيات والمنجزات التي كشف عنها العقل البشري وأدوارها مهمة،لأنها تُعيد النص الديني إلى بيئة  فرضت عليه أن يتحدث أو يحكم ، أو يصور على هذا القدر من الأساليب المتنوعة والتي لا نستطيع فهمها دون الوصف التاريخي لها كما يقول السيد محمود القمني ذلك : وفهم تاريخية النص الديني ،وربط الآيات بأسبابها لاشك يوقف الاستخدام النفعي والانتهازي والمصلحي والارتزاقي للدين فحيث أن عملية جمع القرآن زمن الخليفة عثمان ،قد جمعت الناسخ إلى جوار المنسوخ فقد دفع ذلك أكثر الصحابة علما وفقها إلى التنبيه على تلك التاريخية طوال الوقت ،وهو ما يمثله قول علي بن أبي طالب  لأحد القضاة وهو يحكم بين الناس : (( هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟)) فقال:لا، فقال علي: (( إذن فقد هلكت وأهلكت)).

وفي عصور التخلف ،واستخدام الدين لخدمة توجهات أصحاب السلطان ،ثم وضع قاعدة فقهية تقول :إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب،هو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام الاستخدام الانتهازي الصريح لنصوص الدين .ومن أمثلة ذلك الاستخدامات القريبة ما مر في تاريخنا المعاصر ،من تبرير رجال الدين لتوجهات الحكومات على تناقضها التام ،فعندما كنا نحارب إسرائيل وجدنا آيات لا حصر لها تؤيد تلك الحرب وتدعو إليها ،وعندما قررنا عقد السلم معها وجدنا آيات أخرى تدعو إلى السلم وتطالبنا بالجنوح إليه،وعندما اعتمدنا المنهج الاشتراكي في الزمن الناصري اكتشفوا لنا أن رائد الاشتراكيين وإمامهم هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما قررنا الأخذ بنظام الاقتصاد الحر قدموا لها كشفا على النقيض تماما ،يجعل الناس درجات وطبقات .

وهكذا وجد القائمون على شؤون الدين بناء على تلك الفقهية ،مكاسب دائمة تبرر للسلاطين عبر العصور آراءهم واتجاهاتهم بل ونزواتهم ،الدين ونصوصه تأسيسا على إنكار تاريخية الوحي والقول بثباته الأزلي في لوح محفوظ للعمل بالناسخ وقت الحاجة ،وللعمل بالمنسوخ عند تغير الحاجة حسب التوجهات المطلوبة والانتهازية .

والقول بأزلية النص إنما يجافي العقل والمنطق والنص نفسه ،حيث يحوي النص أحداثا وقعت إبان حياة الرسول لا يمكن فهمها إلا في ضوء تاريخية النص ، ولا يمكن فهم الآيات المتعلقة بها إلا بربطها بتلك الأحداث الحادثة وليست الأزلية أو القديمة ،وهي تتعدد بتعدد آيات القرآن الكريم ذاته ،وإلا كيف نفهم نصاً قديما يحدثنا عن واقعة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش ليحل إشكاليتها ؟! أو كيف نفهم في ظل الأزلية النص يحدثنا عن أولئك الذين نادوا النبي من وراء الحجرات ،أو كيف نفهم سماع الله لتلك المرأة التي جاءت إلى النبي تجادله ..الخ، والنماذج أكثر من أن تحصى [3].؛ ومع التاريخية نرى ضرورة احترام السياق والذي يشكل دوراً مهماً في صياغة الكثير من الآيات في وصف خاص[4]؛ لأن النصوص الدينية ترتبط بقرائن حالية ومقاليه[5]،ولا يصح لنا الفصل بينهما والاعتماد على مفردة دون أخرى ؛لأننا بحاجة إلى كليهما  .

ومن الضروري أن نرى السياق وكيف يحدد طرق تفسير الآيات ويجعلنا نصلُ إلى مادة معرفية مختلفة عما طرحهُ الأرثوذكسيون- فعلى سبيل المثال- إننا نرى أن قوله تعالى :{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}[6]، لم تكن في سياق إثبات حجية النص الثانوي[7]،بل في سياق إثبات القران نفسه؛ ومن ثم نزحزح إمكانية تأصيل الأحكام المأخوذة من السنة على هذه المفردة القرآنية ،وهي مفردة النطق دون هوى ولكن النص من خلال سياستهِ يرتبط بمادة تخصصه بمرتبة غيبية ذات ميزة .

وما تحدثنا عنهُ كلهِ سببهُ انغلاق التفكير الديني ودخوله في عصر النص وتأويلاته ومفسريه وآلياته القديمة دوت التفات للمنهج الحديث ، أو التفاتٍ إلى عقلانية قديمة :عقلانية المعتزلة ،أو عقلانية ابن رشد ؛ بيد أنهما أصبحتا كافرتين تريد أن تشوه الفكر الديني ،ومن ثم فإننا نلاحظ عقلا متيبساً بحيث أنهُ جعل الخطاب الأفغاني مثلاً عالياً لتفكيره.

وإننا في هذا الكتاب لنقوم بمراجعة نقدية لأسباب هذه العفونة المتردية على مدى قرون وإن البحث لبسيط بمرور الوقت نردفهُ إنشاء الله- بأعمال أكثر عمقاً  والهدف من كل ذلك هو تنقية العقل الإسلامي من هذه النظرة المتخشبة اتجاه الآخرين ،وبجانب ذلك فإننا نريد أن نتعاطى مع التراث بطريقة علمية دون وصف كهنوتي يضعهُ آية الله ،أو شيخ الأزهر أو..الخ.

 

حسن الحسيني

24/4/2006

 

مقدمة المقرر

 

كثير من المفاهيم لا تزال تنخر في عقول البشر،والتي أدت دور السرطان في هذه العقول،وقد تراكم على البعض منها غبار الزمن فأصبحت بريشة الفنان الإلهي –سواء كان العالم الفقهي أو المفسر أو غيرهم- ذات دور صحي في دورة حياة الإنسان.

إن هذه التشوهات التي تراكمت تحتاج إلى إعادة جدولة وتحقيب لها؛وعملية النقد هي الكفيلة بهذه الجدولة والتحقيب فهي كالنار التي يستخدمها الصائغ في إخراج الأشياء الغير جيدة من الذهب.

وهي بلا شك تثير حفيظة المتأسلمين في بقاع البلاد الإسلامية،وكذا من يراهن على الإسلام كسيف يضرب بهِِ الآخرين لا كدعوة سلام إنسانية؛جاءت لا لكي تميز وتفرق،وإنما لتكّمل وتجمع الجميع.

ففي هذا الكتاب يحاول المؤلف إيضاح أن هناك خلل في عملية إستخدام بعض الآليات التي تفسر النص ومن ثم أدت إلى نتائج مخيفة؛نتائج القتل المبرر باسم الفتح الإسلامي،والدفاع عن بيضة الإسلام،أو المذهب الحق؛-ولا يخفى على القارىء إنه القسم الأول من السلسلة،وسوف يردفه المؤلف بكتاب آخر يشير فيه إلى تلك المفاهيم التي سيطرت على ذهنية المسلم- هذا من جانب؛ومن جانب آخر يوجد تعملق أسطوري متمثل في دولة الرسول وحكم الإسلام والجهاد والأراضي المفتوحة عنوة والإماء التي يدفع من أجلها 275 الف دينار،وغيرها من المشاكل[8] .

فهنا يتكلم المؤلف عن تداخل الثقافات الشعبية للأمم ودورها في تشكل النص على مستوى الكتب الثلاث،وهذا التراث الشعبي يمكن أن نصطلح عليه الأسطورة التي كان لها الدور البارز في تحديد بدايات الخلق وتشكل الحياة الأولى وهذا الفهم ليس مرفوض من قبل النص كما وضح المؤلف وإنما المرفوض هو كما يقول: إن الأحلام،والخيال،والأسطورة ليست مرفوضة في القران،أو بالنصوص الأخرى،بل المرفوض،وجود خيال يعقد الإنسان ليجعله خائفا من كل شيء حتى تتحول حياته إلى إله في حله وترحاله،ففي القسم الأول من هذا الكتاب يركز المؤلف على مراجعة الفكر اللاهوتي،والإيمان بالحقائق التاريخية،وعدم الرضوخ لفكرة أن النص فوق البشر،ويقدم في هذا القسم وثيقة لعالم من علماء المسلمين ممن يشار له بالبنان وهو ((ابن خلدون))حيث ينقل عنه قوله بعدم وجود تحريف في الديانات الثلاث،وهو رأي لم يقدم من أي باحث متخصص في دراسة ابن خلدون- على حد علمي- وأيضا يشير ابن خلدون إلى باب دراسة اللاهوت المقارن.

ونحن نريد أن نطبق أيضا كيفية تداخل الأسطورة مع النص بحيث أنه صاغ بعض المفاهيم بما يتناسب ومستوى ثقافة الشعوب وخير دليل هو قضية عيسى وأسطورة ابن الله.

وفي القسم الثاني من هذا الكتاب يتناول المؤلف إنجازات الألسنية،وكيف يمكن الاستفادة منها في النص الديني.

وفي القسم الثالث من الكتاب يتناول المؤلف تطبيق هذه الأمور على الأعمدة الثلاث التي يعتمد عليها الفكر الديني متمثلة بالفقه،والأصول،والتفسير.

ولكي لا نطيل عليكم،ورغبة منا في توضيح المراد من الأسطورة في هذا الكتاب،وعلى أي معنى نريده نحن استخدام الأسطورة،نقدم هذه السطور المتواضعة للقارىء لتوضيح المراد.

الأسطورة

(عيسى مثالا):

الأسطورة  في اللغة :الخرافة و- الحكاية ليس لها أصل .(ج) أساطير[9].قد يكون هذا التعريف للأسطورة هو الذي دفع الكثير من الباحثين ينظرون -بنظره- لمن يتكلم عن وجود أساطير في النصوص الدينية بكتبها الثلاث- نظرة ازدراء،واتهامهِ بأنه خارج عن دائرة الإيمان الضيقة،والجزم بأنه يريد القول أن هذه الكتب ليست من الله،والسبب:هو ارتباط الأسطورة بالخرافة،أو كما يقولون أصحاب المعاجم بالحكايات التي لا أصل لها .

ونحنُ بلا شك لا نتفق مع هذا التعريف للأسطورة ولا نتبناه ،لأننا نقول أن الأسطورة هي النسيج المكون للتراث الشعبي لكافة الأمم ،بحيث أن هذا النسيج اختلطت فيه حكايات الأنبياء،وأقاويل الحكماء،مع قصائد الشعراء[10]،فكونت لهم مفهوم معين عن الغيب،وعن الإله،وعن الأشياء الغير محسوسة سواء قُصد بها الملائكة،أو الجن،أو الشيطان،بحيث أصبحت هذه المفاهيم مع مرور الزمن هي الحقائق التي يعتمدون عليها في تفسير كل ما أُبهم عليهم.

وحين جاءت الكتب السماوية لم تسلط الضوء الكثير لتميز ما هو موقفها من هذه الأساطير أهو الضد منها؟

بحيث أنها ترفض كل ما جاء بالأساطير ؟أم أنها تأخذ وتصدق بعض ما جاء فيها كما حدث مع التوراة حين ضمنت في طياتها حادثة خلق الدنيا في ستة أيام،وقضية سفينة نوح،وقصة آدم وهي أشياء كانت موجودة قبل التوراة في الألواح السومرية .

ولقد أختلف موقف القدماء من الأسطورة فبينما نرى الفيلسوف طاليس ينتقد الأسطورة وكذلك أرسطو لأنه كان يعتقد كما هو في التعريف الذي نقلناه من أنها قصص لا أساس لها ؛نرى أفلاطون له موقف مغاير بحيث أنه استغل المجازية فيها في حواراته.

ولم تحظ الأسطورة بالاهتمام إلا مع القرن التاسع عشر:أي مع بروز العلوم الإنسانية إلى الساحة بحيث أصبح ينظر لها من منظار آخر وهو المنظار العلمي فيقول محمد اركون:إن العقل الحديث الذي تبنيه علوم الإنسان والمجتمع اليوم لم يعد يرمي الأسطورة في ساحة الخطأ أو الخرافات الشائعة اللامتماسكة ،أو المتخيّل الساذج والصبياني .على العكس أصبح يعترف بإمكانية التعايش والتداخل بين المعرفة الأسطورية والمعرفة الأكثر عقلانية[11].

إذن فنحن اليوم ملزمون بالحفر الاركيولوجي، لهذه الأساطير حتى نستطيع  معرفة تأثيرها على الواقع الديني،وحتى نستطيع فصل ثقافة السماء الخالصة؛عن ثقافة الأقوام التي حاول النص الديني تهذيبها لأنها كانت تمثل للشعوب في حينها واقع معاش،وكان لها تأثير عليهم في حياتهم.

المشكلة التي تعاني منها الدراسات التي تتكلم عن الأسطورة،أنها كانت تنقل عن الأسطورة أنها  مجموعة من الطقوس والحكايات التي كانت السحرة تفعلها،أو أنها تراث فلكلوري،ولم تتكلم عنها في جانب تهيئة الأرضية الخصبة للديانات السماوية بمفاهيمها المتسربلة؛هذا من جانب ،ومن جانب آخر كيف أثرت الأسطورة على صياغة فهم خاص عن الديانات السماوية بحيث أصبح النبي السماوي إله يعبد أو ابن لإله.

فنحن نواجه في قضية عيسى مشكلة العودة إلى التصور الأسطوري ،لذا يتحتم علينا قبل البدء في الكلام عن هذه القضية معرفة الأرضية التي تقبلت المسيح إله في الأرض.

فالمسيح كلمة آرامية عبرانية مشتقة من الفعل الثلاثي مَشَحَ الذي يعني كما في العربية اللمس هو الممسوح والتمسيد الرفيق بالكف، وبالمعنى الطقوسي التوراتي فإن المسيح هو الممسوح بزيت المعبد المقدس من أجل تبريكه وإسباغ طابع القداسة عليه[12].

وهذا التعريف فيه إشارة إلى لغتين آرامية ولغة عبرية ،فالآرامية كانت اللغة التي يتكلم بها المسيح ،أما العبرية فهي اللغة التي كتبت بها الكتب(التوراة،الزبور،الكتاب المقدس) فهنا مسألة مهمة نستطيع الاستفادة منها للتدليل على كيفية تحكم الأسطورة في التفسير الديني فقد ذكر الباحث الأمريكي الأستاذ دانييل إي باسوك بقوله:ففي حين لا تعني هذه اللفظة بلغة المسيح واللغة العبرية أكثر من معنى مجازي يدل على أن صاحبها بار متق محبوب من الله اجتباه الله واصطفاه لنفسه،تحمل عبارة ”ابن الله” في اليونانية القديمة ـ لغة الآباء العظام ـ معنى حرفياً لتعني الابن المولود فعلاً أي المنبثق من الله و الذي يكون من نفس جوهر و طبيعة الله ـحيث أن ثقافة اليونان الوثنية كما ذكرنا كانت مليئة بالاعتقاد بآلهة لهم أولاد ولدوا منهم على نحو حقيقي![13].

فهنا دليل واضح على أن اللغة اليونانية القديمة أثرت في تغيير المعنى المفهوم من كلمة(ابن الله) ،وهذا التغيير لم يكن بداعي التحريف أو بداعي الحقد من قبل اليهود على الديانة المسيحية،وإنما بداعي الثقافة الأسطورية التي كان الشعب اليوناني يخضع لها فهي كانت تؤمن بتجسد الإله في صورة الإنسان ،فالفترة التي سبقت ظهور المسيح،وإلى الفترة المعاصرة له؛ كانت هذه هي ابرز سمات الشعب اليوناني ويؤكد ذلك الباحث الأمريكي أيضا بقوله:دعونا نرجع في تاريخ " الشرق الأدنى " القديم إلى العهود التي سبقت ظهور عيسى المسيح و إلى الفترة المعاصرة له، لنــرى كيف كـانـت " التجسُّــدية " Incarnationism (أي مذهب أو فكرة تجسد الآلهة و هبوطها للأرض بصورة بشرية) في تلك الفترات الزمنية.
مبدئياً،كان الاعتقاد بوجود نسب وقرابة بين بعض الناس و الآلهة،اعتقادا مألوفا ومنتشرا في عالم الشرق الأدنى القديم،نراه في صورة أساطير دينية،حيث كانت أساطير آلهة اليونان والرومان تستخدم للتعبير عن إحساس بانتماء بعض عظمائهم،لعرق أسمى وعالم آخر،فكان إطلاق ألقاب مثل: " ابن زيوس "  أو " ابن هليوس " على بعض العظماء إطلاقا شائعا جداً.وهي ألقاب كانت تستمد جذورها من الميثولوجيا القديمة خاصة من أسطورة هِرَقْلوس[14].

ولم يكن الأمر مقصوراً في إدعاء الألوهية على الأنبياء ،فقد أدعى تلاميذ فيثاغورس أن أستاذهم كان الإله.

والغريب أن قصة ولادة افلاطون بشكل معجز خارق للطبيعة (من غير أب)- موجود أيضا لدى كاتب السير اليوناني بلوتارك وكان هذا بلوتارك في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي:أي كان معاصراً  لزمن تأليف كتاب العهد الجديد.

ويقول الباحث الأمريكي أن فكرة ابن الله هي قديمة قبل المسيح:من المعروف أن فكرة إطلاق لقب" ابن الله "على بعض الرجال، فكرة قديمة في اليهودية،ففي كتاب العهد القديم،أطلق على الملك داوود وعلى الملك سليمان وعلى بني إسرائيل لفظ " أبناء الله ".
و كل من كان مطيعاً لإرادة الله كان يسمى ابناً لله، و لذلك كان بنو إسرائيل يعتبرون أنفسهم أبناء الله،و بناء عليه فالمسيح المنتظر،الذي كان اليهود ينتظرون خروجه ليؤسس مملكة الله على الأرض،كان سيعتبر بلا شك ابناً بارزاً لله.و هذا المسيح المنتظر كان يتوقع أنه سيكون ملكاً أرضياً و من ذرية داوود،و عندما كان ملوك يهودية([53])القدامىـالذين هم من نسل داوود ـ يُمْسَحون بالزيت خلال مراسم تتويجهم،كانوا يعتبرون أبناء الله،و لعل العبارة التالية من مزامير داوود: " إني أخبر من جهة قضاء الرب،قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك " (مزمور 2 / فقرة 7)، قيلت في حفلة تتويج ذلك الملك[15].

 إذن هذا المجتمع حين تُطرح عليه فكرة ابن الله كان مرحب بها بسبب الخزين الأسطوري عن تلك الثقافة التي كان يعتقد بها،وهي ثقافة الإنسان الإله.

ويجب أن لا ننسى أن المجتمعات التي كانت تعتقد برؤية الإله مثل هذه الثقافة تؤثر حتى على تصورات أنبيائهم والدليل هو طلب نبي الله موسى رؤية الله لأنه كان أمر مستساغ،وطبيعي في تلك المجتمعات أن يرون الإله،وبقي هذا الخزين الأسطوري إلى زمن ظهور الإسلام الذي حول الرؤية إلى الآخرة وليس في الدنيا.

 إذن إلى زمن ظهور الإسلام وهذا الخزين يؤثر في طبيعة السؤال عن رؤية الإله؛فهل الجواب الذي يأتي يكون مراعيا لما في الذهن ؟

وهذا الأمر تكلم عنه الكثير ومن ضمنهم المؤلف في هذا الكتاب وفي غيره ،أن خطابات الوحي كانت نابعة من الحالة الثقافية للمجتمع وتراعي تلك الحالة فعلى هذا المبنى يكون استخدام النبي لبعض الأشياء الموجودة في الكتب المتقدمة،أو في الأشعار- أن صحت هذه الأقوال[16]- ليس بمنقصة وإنما يدل على باع النبي في التعامل الساسيولوجي للمجتمع،ومراعاة الحالة الثقافية له .

أذن فنحن في هذه الصفحات أردنا أن نوضح أن مقصد المؤلف من الأسطورة في هذا الكتاب :هو ذلك المخزون الشعبوي في زمن ما قبل،وما بعد النص؛الذي أثر على تصوراتهم عنهُ.

فنحن ننشد الإنسانية دين يجمع كل أطياف البشر،دون تمييز،لأننا جميعاً بشر؛وأن الذي ميزني عن الآخر هو البيئة التي لا دخل لي،ولا لهُ بها؛فلو ولدتُ في أمريكا ما كنت لأكون شيعياً أو سنياً ولا حتى مسلماً؛وكل الذي اعرفه عن الله أتلقاه في يوم الأحد في الكنسية؛فهذه الأشياء التي هي فوق طاقة الجميع ليست محل لتمييز الإنسان وتفضيله على الآخر؛وإنما محل التفاضل والتمايز هو في الأشياء التي يشترك فيها الجميع،وليس الأشياء التي نختلف فيها معهم.

وهذا الكتاب هو محاولة يكشف فيها المؤلف عن مواطن الاختلاف التي لا يجوز فيها تفضيل فئة على فئة أخرى،ويحاول فيها المؤلف نقد هذه المواطن التي فرقت الجميع بحجج واهية،ثم يحاول تسليط الضوء على نقاط الاشتراك التي تجمع البشرية من دون تمييز لدين على دين آخر.

فنحن على أعتاب محاولة ثانية،لمحاربة العنصرية الدينية التي فرقت المجتمعات أيّما تفريق وأنتجت حروب دينية فضيعة باسم الحروب الصليبية،أو الفتح الإسلامي.

 

زهير الشيخ

30/4/2006

 

نقد

التفكير الديني

 

القسم الأول

 

((   وأقول إن الإسلام لم يعط لا للخليفة ولا للقاضي ولا للمفتي ولا لشيخ الإسلام أية سلطة في مجال العقيدة أو سن التشريعات فمهما كانت السلطة الممنوحة لأي منهم:إنها سلطة مدنية يحددها الشرع الإسلامي ومن غير المقبول أن يقوم أي واحد فيطالب لنفسه بحق الرقابة على العقيدة أو على إيمان الفرد أو يطلب إليه أن يدافع عن شكل تفكيره   ))

 

محمد عبده

 

مناشىء نقد التفكير الديني

 

أزمة التراكمات الديـنية

 

السقيـفة مظهر ديمقراطي وصيغة

متميـزة لو تطورت وبقيت خارج

 المسجـد لكان ذلك أمراً جيدا جداً

رضوان السيد

 

لقد مر التفكير الديني بعدة مراحل حتى وصل إلى ما هو عليه،وهو قد توسط بمراحل معرفيةٍ أثرت كثيراً؛على تصوره للعالمِ،وللكونِ،والإنسانِ،وكان تصور-بلا إشكال-مشوباً بحالة من رفض الآخر،ومن ثمّ تحول ذلك إلى منهج قاسٍ في طبيعته الأيديولوجية[17].

بيد أن التفكير الديني يخفي ما لديه من مفاهيم،وتصورات وهي بحاجة إلى مراجعة من خلال النصوص الدينية التي يحتمي بها،والتي تكّون لهُ تفكيراً لا يمكن مناقشتهُ؛ومهما حاولنا جاهدين أن نقوم بزعزعتها؛فإنها قادرة على الثبات،بسبب طبيعة النص،وكذلك بسبب الثقافة الدينية المنتشرة،والتي تساعد على إبقاء النصوص الدينية معلقة فوق التصور الثقافي.

 لكن الدراسات الجادةَّ يمكن أن تكون رائدة الإصلاح الفكري إذا نَظَمَت نفسها في إطارِ البحثِ الثقافيّ ،والأركيولوجي دونَ تجاوزِ الآخرين،وتكوينهم المعرفي،والميثولوجي (الأسطوري).

 لكنّ المشكلة في البعد النقدي الذي يتجاوز الآخرين بحجة التخلفّ؛مع وصف نفسه بحال تفوق على الآخرين،وهذا المنهج أدى بالنهاية إلى فجوة ثقافية بين القديم،والحديث،وأثر –بطبيعة الحال- على منطق الحداثة،التي لم تأتِ بطريقة معالجة الماضي،ولكن باتهامهِ بالتخلف، وهذه مشكلة يجب فهُمها،لأنًّها تساعدُ على الاندماج الثقافي مع الآخر.

 لكن مع ذلك لا يجب أن نكون طوباويّين،لأن ثمة أشخاصاً نصيّين،ليس باستطاعتهم أن يكونوا جزأً من النقد،أو جزأً من الدراسات الجادة -على أقلّ تقديرٍ-ونقصدُ بها تلك الدراسات التي تعالج النقاط في التراث بطريقة معرفية،وأن كانت تنطلق من منشأ أرثوذكسيّ، وهي باحثةُ عن الجديد؛ومن أمثال بحثها البحوث المتعلقة بمقاصد الشريعة،وبحوث الاجتهاد، والثابت والمتحول،والفراغ التشريعي،وثمة جوانب أخرى تتعلق بالديمقراطية،وحقوق الإنسان، وهذه كلها تساعد- على أقل تقدير-في تحريك الذهنية الجامدة،والمتحجرة،وهي بذلك تساهم في التقبل الحداثي أن استطعنا أن نأخذ بالمنهج المعرفي،وأن لم نهتدِ إلى ذلك سبيلا؛فإن التفوق النصي سيبقى ثابتاً لا يمكن زحزحتُهُ،وقد رأينا ضعف نتائج الجيل التنويري من أمثال جمال الدين الأفغاني،ومحمد عبده،وطه حسين،الذين أرادوا أحياء الفكر العقلاني بيد أنهم لم يستطيعوا، من جراء سيطرة الفكر ألاجتراري،والتكراري،على معظم العالم الإسلامي،فهم حاولوا القضاء على الفكر القديم من تجربة لم يُمهَدْ لها،وكانت النتيجةُ رفض هذه التطورات،والحكمَ عليها مسبقاً؛لعدم تقديم نتائج تمّكن من قبولها،بسبب أن الفكر الديني يمنع التجديد،والبحث، والتنقيب عن تراثه بصورة نقدية،أو بصورة حداثية،وما زالت بحوث المقاصد غير مقبولة عند الكثير ممن تطلق على نفسها أسم المرجعية الدينية،أو الزعامة العلمية،ذلك أن الفكر الديني أصبح مقدساً مليئاً بالعقول المقدسة،وهذا التشنج الفكري هو في الحقيقة مَعْلَمُ من معالم التحجر المعرفي عند دعاة المعرفة الدينية ومن هنا بدأت الحاجة ملحةً لقيام دراسة علمية،لنقد أصول الفكر الديني ومحطاته الثقافية المتنقلة وعن النتائج التي قدمها لمريديه.

وهي تعدُّ أساساً فكريّاً،ومعرفيّاً يتمسكون بهِ؛فيجاهدون من أجله،وينازعون الآخرين،وهذه كلهّا في رهانِ الأفضلِ والأحق بالشريعة الخالدة المنجية من التهلكّة،وأصبحت هذه الأصول مناراً لطالبيها،وهي في الحقيقة جهداً بشريا خاض هذه التجربة من خلال تفكيره،وقواعده التي اعتمد عليها،بيد أن الفكر الديني لا ينفك يربط هذه الأصولُ،والنتائج بمجال المقدس،لأنها تستشهد بالنصوص الثابتة والقطعية،دون أن يلتفتوا للدراسات الألسنية التي نفت وجود نص ديني ثابت[18].

 وهذه المشكلة الكبرى في الفهم الديني بحاجة إلى مراجعة معرفية شاملة لكل أصل ديني قابل للمناقشة، ومحاط بدرجة ثقافية،ومعرفية وبذلك:يرتبط النص الديني بكل هذه الأفاق ولا يتجرد عنها،لأنها أساس يجب الاعتماد عليه إذا أردنا العودة إلى ميدان النقد،والممارسات العلمية دون مماحكات جدلية لا تنذر بخير،بل بالشر كلّهِ على العالم.

 وهذا ما جنيناه بعد مدةٍ طويلة من تدجين مفاهيم الجهاد،والانغلاق،ورفض الآخر،وتطبيق الشريعة،ومفاهيم تقديس السلطان،وأصبحنا ننازع أنفسنا للخروج عن المأزق المعرفي بالتماس: نصوص دينية تدعو للمسامحة،مع أنها له تاريخ لا ينطبق على معرفتنا.

 وليس هذا بحل؛لأن النصّ الديني يمكن أن يدجن بطريقتين:طريقةِ العنف،وطريقةِ المسامحة،بيد أن الحل كائنُ في المراجعة لأصولنا المقدسة المبتعدة عن صراعها الثقافي،والذي كان المتقدمون أدرى بهِ منا،وقد عَّبروا عن ذلك بأسباب النزول.

نعم إن النصيّة الدينية والحداثية قائمتان على قدم،وساق ولن نمر عليهما من دون نقد لكليهما.

ومع ذلك فإن الفكر الحداثيّ لا يبقى جامداً،بل يتحرك ويندفع ويتفوق لماذا؟؛لأنه يجيب عن الجديد بطريقة لا تجد فيها فجوةُ ثقافية،ولا إلى سراً مجهولاً،ومطلقاً كما تعتمد عليها الدراسات الدينية الجامدة؛التي تتخذ من ألقابها سنداً لفرضِ تصوراتهاِ على المخالفين بأسماء الكافرين، والمشركين،والظالمين؛ونسيت أن الإيمان له تاريخ[19] كما أثبتت الدراسات الألسنية والنصوص لها تاريخ أيضاً؛إذن؛لا يحق لهم أن يفرضوا تفسيراتهم على علم الله؛من أجل تسويق القتل،أو الجزية؛لأن كلّ شيء له تاريخ.

الفكر الديني باختصار بحاجة إلى مراجعة لأنه تشكّل قبل خمسة عشر قرناً وتكوينه الثقافي لا يتطابق مع تكويننا الثقافي،ولسنا بقادرين على الرجوع إلى الفلسفة العربية التي تطلق النصوص فوق الزمكان بحجة الإعجاز.

 يجب أن نحترم العقلُ وكذلك النص الديني،وأن لا نوقع فجوة فكرية في الخطاب الديني،وهي فجوة حاصلة،بسبب التفوق الأزلي لشروح النص على العقل،ومن ثمّ،فالنص الديني،شروحه أيضاً بحاجة إلى مراجعةِ ثقافيّة من خلال الدراسات الألسنية،والأنثروبولوجية،والدراسات اللاهوتية المقارنة وو..الخ؛وكذلك لابدّ من مراجعة أصولنا في التفكير الديني التي حددت لنا التعامل مع النقد من قبل علم الفقه الذي ابتكرهُ (الشافعي) الذي كوّن لنا أصولاً فكرية تحدد العلاقات بين النص،وعقل الإنسان.

وليس بصحيح ذلك،لأن هذه الأصول كانت تليق بزمن من أبتكرها،ولا يجب أن تبقى خالدةً أزليةً؛كما يفعل الأصوليون النصيون،بل على العكس يجب أن نقدم البديل للموائمة بين نسيج الإنسان،وظروف النص،وفي الغالب هي تتعلق بنسيج أسطوري،أو ثقافي تعيس؛ومن ثمّ نتخلص من أزلية النص وحكمتهِ المطلقة كما يذكر السيد القمني ذلك بقوله:ويبقى الحل بالقراءة الزمنية المكانية (التاريخية)للآيات هو الأمثل لأنه لا يرد الآيات ولا ينسخها لأنها كانت صالحة في زمانها متوافقة مع واقعها منسجمة مع محيطها ،لكن تطبيقها اليوم يصبح عزفاً نشازا يفتئت على الله وعلى قرأنه ومن ثم تظل الآيات معبرة عن زمن قد سبق وحدث في تاريخ المسلمين،فيه تاريخ فيه عظات،فيه حكم،فيه بطولات،لكن ليس فيه ما يطلب مني اليوم كراهية أهلي في الوطن لأنهم غير مسلمين.لأن لهم دينهم ولي دين،وأن الله لا ينهانا عن برهم والإقساط إليهم أبدا تعالى عن ذلك،أما كونهم كفروا أولم يكفروا فنحن المسلمين في نظر كل أديان العالم كفار،وهو أمر ليس محلا للفعل واتخاذ المواقف بسببه،وتدمير البلاد والعباد واستعداء العالم ضدنا ونحن في الدرك الأسفل لسلم تطور الإنسانية،فهذه هي الجريمة،ويضاعف جرمها استخدام الله وسيلة وهو الغاية العظمى[20]،ونُعيد وضع النصوص الدينية بصورة متزامنة مع الظروف الاجتماعية مما يسهل علينا أن نقرأها دون أن تبقى أزلية فوق عقلانية البشر.

والمنهج التاريخي له دورُ مهم في أثبتت النص الديني في الإيمان ووالخ.

 ومن هنا جاءت أهمية نقد التفكير الديني ونحن الباحثين- يجب علينا أن نعتمد على أصول علمية،ومعرفية إذما أردنا أن ننقد الفكر الديني؛ولا بد من تكوين أصول معرفية قادرة على طرح الأسئلة المعرفية العميقة دون تردد،ومن هنا وجب علينا الأخذ بمنهجية دقيقة من أجل الوصول إلى نتائج مقنعة للباحث والقارئ على حد سواء؛ويجب علينا أن نلتزم بالمنهج الموضوعي لكي نقدم مجالاً معرفيا يُحتذى بهِ ومن أهم الأمور التي يجب أن نلتزم بها ما ذكرها البرفسور محمد اركون فهو يقول:

1-  انه يصرح بمواقفه المعرفية ويطرحها للبحث والمناظرة ويلح على ما لا يمكن التفكير فيه وما لم يُفكر فيه بعد في المرحلة التي ينحصر فيها بحثه ونقده للمعرفة.ثم بحدود هذه المرحلة من الناحية المعرفية أو محدوديتها فكل مرحلة تاريخية لها محدوديتها الفكرية لا محالة.

2-  أنه يحرص على الشمولية والإحاطة بجميع ما توفر من مصادر ووثائق ومناقشات دارت بين العلماء حول الموضوعات التي يعالجها ولا يقنع بالمصادر المتوفرة في لغة واحدة وإنما يهتم بالإلمام بالإنتاج العلمي في سائر اللغات وبقدر الإمكان.ويشير بإلحاح إلى كل ما هو جديد أو متمم أو مصحح أو مخالف لما أتى به العلم في كل مدرسة من مدارس البحث وهذا الموقف ينافي التشبث بتفوق أمة أو سنة أو اتجاه أو لغة أو عصر أو دين أو فلسفة على غيرها،من حيث التعلق بقيمة العلم وطرق إنتاجه لا سبيل مثلاً إلى أن نتعرف على الظاهرة الدينية إذا جهلنا وأهملنا مناهج التاريخ المقارن للأديان والإلمام بما تقوله كل أمة عن دينها وفي لغتها .

3-  إن العقل المنبثق حديثاً يعتمد على نظرية التنازع بين التأويلات LeConflit des interpretations بدلاً من الدفاع عن طريقة واحدة في التأويل والاستمرار فيها مع رفض الاعتراضات عليها حتى لو كانت وجيهة ومفيدة لا يصح مثلاً أن نختار عقلانية ابن رشد ضد الغزالي أو ابن سينا أو العكس.بل يجب أن نتفهمها كلها ونحسن تفسيرها ونقارن فيما بينها حتى نستخرج نقاط الخلاف ورهان التنازع.ثم نقّيم مدى تقبلها من قبل الناس أو مدى رفضها،ونتتبع أسباب التنازع رواجها أو فشلها في العصور اللاحقة والبيئات المختلفة وهذا المنهاج ينقذنا من السياج الدوغمائي المغلق ويحررنا من مبدأ ((الأمة الناجية ))و((الأمم الهالكة)) الذي أنبنت عليه كتب الملل والنحل .

4-  إن العقل المنبثق حديثاً كلما حاول أن يؤصّل نظرية أو تأويلاً أو حكماً يكتشف أن الأصول المؤصّلة تحيل في الواقع إلى مقدمات ومسلمات تتطلب بدورها التأصيل والتأييد والتحقيق.وهكذا يتواصل البحث إلى ما لا نهاية حتى نكتشف استحالة التأصيل ثم نكتشف تاريخية كل تأصيل،أو ما اُتخذ أصيلا في منظومات معرفية سابقة مُقلَّدة.وقد اكتشف القدماء صعوبة التأصيل أثناء مناقشاتهم حول الإجماع والقياس (أنظر مثلاً مواقف ابن حزم مثلاً واسأل لماذا فشل مذهبه واحتكر المالكيون عملية التسيير التأصيلي للشريعة في الغرب الإسلامي ؟).

5-  يحذر العقل المنبثق الجديد من التورط مرة أخرى في بناء منظومة معرفية أصيلة ومؤصلة للحقيقة لماذا؟لأنها سوف تؤدي لا محالة إلى تشكيل سياج دوغمائي مغلق من نوع السياجات التي يسعى هو بالذات للخروج منها وبالتالي فهو يرفض خطاب المنظور الوحيد لكي يبقى المنظورات العديدة مفتوحة .كما أنه يحرص على ممارسة الفكر المعقّد  ompiexeأنه يحترم تعقيد الواقع ويتبناه ويذهب في ذلك إلى تجريب الفكر الأفتراضي لكي يفسح المجال لجميع أنواع ومستويات التساؤلات والإشكاليات.

6-   ليس من الإنصاف اتهام العقل المنبثق بتفضيل التعقيد على التبسيط والتفكيك على إعادة البناء والإصلاح والتجول في فضاءات البنيات المعرفية وبحور الأفهومات المجردة على التلقين التدريجي للمعلومات الأساسية في لغة سهلة متداولة بين الناس ! هذا ما يتهمونني به.وكثيراً ما يتردد هذا التشكي في صيغة التحسر أو التشوق إلى الاطلاع والاستفادة أو التنديد بعلم بعيد عن الواقع الثقافي والفكري للمجتمعات الإسلامية ليس هنا مكان الرد على هذه الاعتراضات والاحتجاجات التي تعبر عن حقيقة لا تُنكر وعن دور ما لا يمكن التفكير فيه وما لم يُفكر فيه بعد في الفكر العربي الإسلامي المعاصر وتحيل كذلك إلى ما لم يُعبر عنه بعد إلا نادراً وفي خطابات متفاوتة الدقة والمطابقة في اللغة العربية في إننا نحتاج إلى مجلات عديدة متخصصة في كل علم من العلوم الإنسانية والاجتماعية ونحتاج إلى كتب موثوقة في نفس المجالات وتكون متوافرة في الأسواق والمكتبات حتى يسهل اقتناؤها ويزداد عدد قرائها ومناقشيها ويقتبس منها الأساتذة والصحافيون وكل من يساهم في التعليم والتثقيف وتعميم المعرفة عندئذ سيجد العقل المنبثق الأطر الاجتماعية المستعدة لتلقي إنتاجه واتجاهاته .ثم لتأييد أو تصحيح وإثراء المواقف التجديدية والتحريرية البناءة التي وصفناها.

7-  عند ذاك سنتخلص من الاتهامات العقيمة والاحتجاجات الفارغة والجدالات الباطلة المستمدة من البنيات العقائدية الموروثة والثنائيات المتناقضة المسيطرة على التفكير الأنطولوجي اللاهوتي- المنطقي وعلى التفكير التاريخي المتعالي واللاهوتي السياسي بمعنى السياسة الشرعية[21].

وأنا أضيف كذلك على هذه النقاط فكرة طرح الأسئلة العميقة على التراث،والفكر الديني، لكي نصل إلى نتائج عالية لا تتوقف على فكرة دون أخرى،ومن أهمية هذه النقطة أنها تتجاوز الطابع الأيديولوجي الموضوع من قبل التراث أو مُفكريه،بل بطرح أسئلة يمكن أن تصل بالباحث إلى فهم عميق من شأنه أن يحدث ثورة لاهوتية،ويمكن أن نصل إلى حقيقة الأديان المتمسكة بالحقيقة،ويمكن كذلك أن نصل إلى واقع الدين،وما هي قيمته الدينية،والتشريعية، وكذلك الوصول إلى الأطر الثقافية التي تحيط بهِ،والوصول أيضا إلى النقاط المشتركة بين الأديان،والتي بدورها تضرب الشُّقة بين الأديان المتخالفة،مع أنها ذات مصدرٍ واحدٍ وهذه الأمور كلُّها تجيب عنها المفاهيم العميقة،والتي بدورها تصل إلى حقائق يعجزُ الأرثوذكسي عن الوصول إليها،ومن ثمّ تأتي أهمية الدراسات الحداثية،والنقدية التي تخرج الفكر الديني من عزلته الثقافية، وتصوره للعالم،والكون والإنسان.والفكر النقدي هو الذي بمقدوره أن يعيد الحياة إلى هذا الفكر لأنه يمارس عملية زعزعة لكل أصوله التي تقبل المس والتي تحولت بمرور الزمن إلى أصول ثابتة يعتمد عليها الفكر الديني ولا يجوز مناقشته،ثم تحولت هذه الأصول إلى أشخاص مرتبطين بخدمة لاهوته،ونصوصه الدينية ؛وما هذه الأشياء إلا لتكديس المفاهيم،وتدجينها، لتخدم بعد ذلك الفقه السلطاني،ومن ثمّ تـتبكتر  إلى فقه رافضٍ خاصةً إذا أرتبط بعقلنة الدولة، وأصبحت الدولة تتحكم بمساراته الفكرية.

 ولننظر إلى الحكومة الإيرانية -على سبيل المثال -وكيف تمارس العملية الأيديولوجية بحجة تطبيق الشريعة،أو الدولة الموعودة،ومن جراء هاتين الخصيصتين،فإن الكراهية وصلت إلى التخمة ،وحصلت أزمة في داخل إيران بين الخطاب الديني والواقع الثقافي،والدليل على ذلك ظهور الإصلاحيين.

 نعم؛أن الفكر الديني في الإسلام ليس هو الوحيد الذي بحاجة إلى مراجعة نقدية،ولكن الحقيقة كل الأديان؛لأنها تعتمد على أصول ثابتة،وغير قابلة للمناقشة،وخصوصاً الفكر الديني الإسلامي،واليهودي،ولم ندخل الديانة المسيحية،لأنها قد نقدت نفسها خاصةَ في اعترافها بالأديان خارج الكنيسة وهذا إنجاز لاهوتي كبير لم يتم إلا بواسطة العقلانية الأوروبية التي اهتمت بالحداثة،وأسسها،وتكونت لديهم فلسفة حداثية بإمكانها أن تدخل إلى صميم الأصول كما حدث هذا الأمر لدى لوثر الإصلاحي الذي أعاد الإنجيل إلى الناس[22]،وبذلك تقدم اللاهوت المسيحي كثيراً ولكن اللاهوت اليهودي ظل مرتبط بفكر أسطوري،وهو جعله مقتنعاً بما لديه ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد نقد بل على العكس،فإن اللاهوت اليهودي يوجد فيه نقد أكثر من اللاهوت الإسلامي الذي ما برح مرتبطاً بمنهجية الأرض الموعودة في قوله:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون}[23]،وقوله تعالى:{ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}[24]، وفي قوله تعالى:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}[25].

 وبسبب هذا الوعد هو غير قابل للمراجعة الفكرية اللاهوتية،ولا يؤمن بالحقائق التاريخية،بل يتجاوز كل ذلك بواسطة النص المعجز الذي هو فوق البشر،ومن هنا تأتي أهمية الحداثة في اللاهوت الإسلامي المنعزل عن لاهوت الديانات الأخرى،بل الغيب المفكّر فيها،وهذا الأمر عاد عليه في النهاية،فأصبح يكدس مفاهيم اللاهوت في داخله،فأصبح التفكير الشيعي يكّفر السني والسني يكّفير الشيعي وغدا مفهوم الفرقة الناجية أصل تفكيره وتجديده،ولسنا في معرض الحديث عن فجوتهِ الثقافية؛لأنها أمرُ مخجلُ.

ومهما يكُ من أمر،فإننا بحاجة لمراجعة أصولنا اللاهوتية في ما يخص الأديان من كفر اليهود، وصلب المسيح،وكلمة ابن الله التي أتخذها المسيحيون،واليهود،والمجادلات اللاهوتية التي تنتهي- كما هو معروف- إلى تحريف الكتب،وعدم احتفاظها بصورة الوحي؛ومن ثم تظهر التفوقات الغيبية المرتبطة بطبيعة الحال- بنصوص متنوعة.

والحال هذا يجري في الأديان كلها،ولو لاحظنا الوثيقة التاريخية التي قدمها عثمان،لوجدنا ذلك موجوداً وهو يتسامى- ويتعالى-،ومن ثم غصّت كُتب التراث،والتفسير بجدلٍ لاهوتي كبير فيما يخص تحريف الأديان؛بيد أن ابن خلدون خرج عن بُوتقه الجدل اللاهوتي،والصراع الديني التيولوجي برأيٍ لا يقل شأناً عن الدراسات الحديثة؛لما فيه من عقلانية متجاوزة الهدف الأيديولوجي،للفوز برابطٍ سماوي لهذه الجماعة،أو تلك وذلك من خلال عرضه لفكرة التحريف مقرونة ببحث تاريخي،وهو رأي فيه جِدة لا تكثر على صاحب المقدمة،حيث عد فكرة التحريف خارجة عن التعمد وإنما هي داخلة في ظرف تاريخي،وطبيعي،واعتمد على ما ذكره البخاريمستنداً إلى ابن عباس بقوله:وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام وإسرائيل وشعوب الأسباط ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه.والنسب والقصص أمرُ لا يدخله النسخ.فلم يبق إلا تحري النسخ الصحيحة والنقل المعتبر.وأما ما يقال من أن علماءهم بدّلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم فقد قال ابن عباس،على ما نقل عنه البخاري في صحيحه أن ذلك بعيد،وقال معاذ الله أن تعمد أمّة من الأمم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه قال وإنما بدّلوه وحرّفوه بالتأويل.ويشهد لذلك قوله تعالى { وعندهم التوراة فيها حكم الله}( سورة المائدة الآية 43) ولو بدّلو من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التي فيها حكم الله.

وما وقع في القرآن من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فإنما المعني بهِ التأويل اللهم إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط وتحريفُ من لا يُحسنُ الكتابة ينسخها فذلك يمكن في العادة،لا سيما ملكهم قد ذهب،وجماعتهم انتشرت في الآفاق ،واستوى الضابط منهم وغيرُ الضابط،والعالم والجاهل.ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديلُ وتحريفُ غيرُ معتمد من علمائهم وأحبارهم.ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك البحث عنه[26].

وهو رأي مدهش،ومتين وفي غاية التحقيق خاصة إذا لاحظنا أن ابن خلدون مطمئن إلى عدم التحريف في التوراة وهو قد استخدم كلمة (اللهم إلا أن يطرقها التبديل )وكلمة( اللهم) معروفة أنها تدل على ضعف الرأي وبذلك نطمئن إلى أن ابن خلدون ما كان يقصد بكلامه وجود خلل أو غفلة في تدوين الكتب الدينية المتقدمة،وبجانب آخر علينا ملاحظة أن ابن خلدون هو أول من فنح باب الدراسات اللاهوتية المقارنة وجعل منها نافذة لمعرفة صورة النص الديني المفقودة؛وليس ذلك افتراء عليه،بل أن قوله واضح لا يحتاج إلى تدعيم وذلك بقوله: ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك البحث عنه،وهذا يجعلنا نفهم لماذا اعتمد ابن خلدون ومن قبله الإمام الطبري- على سبيل المثال- على الكثير من الأخبار الواردة في التوراة،ولقد صرح ابن خلدون بأنه يعتمد على النصوص التوراتية خاصة فيما يتعلق ببدء الخلق ولا يسع الباحث أن يستنكر لهذا العالم بدعوى أنه كان يعمل بالإسرائيليات؛ومن غريب الأمور أن نجد باحثاً من أمثال الدكتور نصر حامد أبو زيد يعنف الإمام الطبري في أخذه من التوراة بحجة أنها مليئة بالأساطير[27]و بالخرافات الشعبية والباحث كما هو معروف عنه يعتمدُ على منهجية تاريخية صارمة وهي إحدى محاسنه وهو على دراية أن الرواية الشعبية المكونة للأسطورة[28] بطبيعة الحال يجب علينا دراستها معتمدين على وصفٍ تاريخي صارم،وإننا لنرى فيها أهمية في اختزان ذاكرة الأجيال لها،وقد ذكر حامد نصر أبو زيد ذلك بعد نقده لطبري بقوله:بل لعل حضور المعقول إلى جانب اللامعقول وسيطرته عليه هو الذي يجب أن يكون محل إعجابنا وتقديرنا لتراث الأباء أما أن يؤدي الإعجاب غير المشروط والذي يصل إلى حد التقديس –إلى أن نجد تبريراً لكل ما هو غير معقول يجعلنا نقبله بوصفه معقولاً لمجرد أنه ورد إلينا في التراث- فهذا هو الجناية الحقيقة التي نرتكبها لا ضد أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط، بل ضد هذا التراث أساساً وإذ نفعل ذلك نكون مثل الوريث الأحمق أو الثري السفيه،كلاهما يبدد دون استثمار أو إضافة فيبوء باللعنة ويقع في الخسران ولكي نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق والعظيم فلا بد لنا من أن نعمق ((المعقول))  ونحيل ((اللامعقول)) إلى دائرة دراسة الحفيريات[29].

وأريد أن أذكر للقارئ :أن الكثير من الاصطلاحات الدينية النسخ ،التحريف وو ..الخ لم نجد لها تحقيقاً عند هؤلاء،وكان الأحرى بهم بمثل ما قدموه للفكر النقدي من غناء أن يقوموا بعملية فتح لكل الاصطلاحات الدينية،من أجل قيام منهج يقوم على أسس تفكيكية .

ومهما يكن من حال؛فإننا يجب أن لا نؤمن بالنصوص التكفيرية وننسى أن ثمة نصوصاً تدعو للمسامحة،معترفاً بحقوق الآخرين اللاهوتية وإن كان المنهج التاريخي يضعهُ في تصورها المتزامن مع بيئة المجتمع،ومن أمثال الآيات قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}[30]،وفي قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[31]،وقوله تعالى:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ}[32]،وهي تعطينا بعداً جديداً في فهم الأديان وما مدى قرابتها منا واشتراكها في الرؤيا التوحيدية،ويجب كذلك أن نفهم العلاقات اللغوية وما مدى تأثرها بالمفاهيم الأسطورية الأيديولوجية التي استثمرها الوحي والتي بدورها أصبحت مَعْلَمً من معالم الأديان ليست الثلاثة فحسب،بل كذلك البوذية والهندوسية والكونفوشيوسية وهذه أمور مهمة لمعرفة الأثر الذي خلفه الوحي في الأديان الأخرى،وما مدى ارتباطه في مفاهيم الأسطورة التي كانت تؤثر على الأقوام،وبذلك نعيد بناء أصحاب الكهف،وعصا موسى،وناقة صالح،وخسف قارون؛بما يليق بالفهم الأسطوري المحيط بعقولهم التي تجنح إلى المعنى والخيال أكثر من المحسوس، وهذه الأمور من واجبات الباحث اللاهوتي لأنها تدرس بطريقة المقارنة،وليست بطريقة أيديولوجية كما تدرسها الأديان المختلطة ومهمتنا أن نتخلص من الفرق الناجية أو {أن الذين عند الله الإسلام}،لأنها تجعلنا لا نحترم الإنسان،ولا عقله،ولا ميزانه الثقافي،كما حدث هذا الأمر في الجهاد على الغرب الكافر،كما في لغة الأصوليين.

إن لدينا مهمةً يجب أن نقوم بها:وهي مهمة عسيرة،ووعرة،لأنها تنال أصولا دينية أرثوذكسية متحجرة،لم تنلها الأذهان خصوصاً الإسلامية منها،ومهمة الباحث يجب أن يقضي على هذه الأفكار المتشنجة،من خلال الاستعانة بالدراسات اللاهوتية المقارنة،والتاريخية،لكي نعيد بناء لاهوت ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين يليق بعصر العولمة،والعقلانية.

إن اللاهوت الإسلامي المنغلق هو لاهوت يليق بالقرون الوسطى يليق بعصر قتل الثلثين لإصلاح الثلث كما جاء في مذهب مالك وهذه الأفكار التي تُنسب إلى الله ما هي إلا توجهات أيديولوجية بحاجة إلى مراجعة،لأنها تقضي على الحياة فلو نظرنا إلى الفكر الشيعي في زواج السنية:لوجدنا الحرمة ثابتة إذا كانت تؤدي إلى انحراف في العقيدة لأنها: تؤدي إلى انحراف في العقيدة عندهم وحدث بعد ذلك كلِّه الأمرُ الفظ حيث تشبثت هذه المذاهب والأديان بخصوصيتها الأيديولوجية مما جعل أبناء هذا المذهب يدخلون إلى الجنة،وأبناء ذاك المذهب يدخلون إلى النار،والعكس صحيح،وأصبح الفكر الديني مجرد توجهات لاهوتية حمقاء لا تنتمي إلى وحي الإنسان وامتزاجه وأصبح الوحي منجم للتكفير،بدل أن يكون مكان للتنظير والاحترام،ومن هنا بدأت الحاجة ملحة لإعادة التقييم المعرفي،والفكري للتفكير الديني على العموم.

وبدأت تأخذ شكلاً مباركاً من الخالق -وهي بطبيعة الحال التي ستتحول إلى توظيف لاهوتي قاسٍ كما في الجهاد عند المسلمين،والذي استخدم بطريقة أيديولوجية بحتة،ومعقدة يجب دراستها لأنها تكشف عن الخلل المعرفي في لاهوت المسلمين،والذي يعبر عن تراكمات معرفية صاحبتها انتكاسات ثقافية، وسياسية،وليس ببعيد عن هذا الأمر جهاد الحسين[33]،أو جهاد اليوم،وسنتحدث عن التجربة الفكرية لولادة هذه الأفكار،وبذلك وجب علينا العودة إلى أصول الفكر الديني لتخليصه من الصبغة المطلقة،وهذه الصبغة موجودة في الأديان جميعها،وكذلك الفلسفة تتميز بأصول مقدسة كما ذكر ذلك الدكتور هاشم صالح قائلا: فالواقع أن العقل لا يستطيع أن يشتغل إلا إذا كان يرتكز على أسس أو أصول معينة.وهي أسس يعتبرها ثابتة ،وأصول يراها خالدة لا يعتريها الشك أو الوهن.أنظر نظرة المسلم لأصوله أو اليهودي لأصول دينه أو المسيحي لأصول العقيدة المسيحية.وبإمكانك أن تمس كل شيء ما عدا الأصول التي ترتكز عليها العقيدة لأنك إذا مسست بها انهارت العقيدة كلها من هنا خطورة نقد الأصول أو الأسس ولكن الحداثة تشكلت أيضا على أصول معينة،هي أصول العقل الديكارتي والكانطي.وهذه الأصول بحاجة الآن إلى تعرية وتفكيك،مثلها في ذلك مثل أصول العقل الديني الدوغمائي والمتحجر.فهل سنتوصل قريباً إلى أصول جديدة أكثر اتساعاً من كل ما سبق؟ أقصد الأصول التي يرتكز عليها عقل ما بعد الحداثة [34]  إذن مراجعة اللاهوت أمر مهم للغاية، فبها يتحول هذا العالم إلى عالم مليء بالعقلانية،والتفكر، والمسامحة،ومن ثمّ وجب أن نكون دقيقين في هذه المراجعات،وأن نميز بين الفكر اللاهوتي بوصفه نصاً دينياً،والنصوص الشارحه لهُ بطريقة التفسير،والشرح،والتعليق،أو بطريقة النص الملحق في السنة،كما ذكر الدكتور نصر حامد أبو زيد:وفي مجال علم ((تحليل الخطاب)) الذي هو مجال انشغال الباحث –ثمة تفرقة في النصوص بين (( النص الأصلي)) و((النص الثانوي)) النص الأصلي في حالة التراث الإسلامي وهو ((القرآن الكريم)) باعتباره (( النص)) الذي يمثل الواقعة الأولى في منظومة نبعت منه وتراكمت حوله، والنصوص الثانوية تبدأ بالنص الثاني ، وهو نص السنة النبوية الشريفة ، إذ هي في جوهرها شرح وبيان للنص الأصلي الأول .

وإذا كانت السنة نصا ثانويا ثانيا،فان اجتهادات الأجيال المتعاقبة من العلماء والفقهاء والمفسرين تعد نصوصا ثانوية أخرى من حيث هي شروح وتعليقات إما على النص الأصلي الأول أو على النص الثاني الثانوي ولا يجب أن يفهم من وصفنا للسنة بأنها نص ((ثانوي)) إن ذلك تقليل من شأنها ، لان المصطلح مصطلح وصفي لا يتضمن أي حكم قيمي.وعلى ذلك يمكن الحديث عن (( النصوص الدينية)) .والسياق وحده هو الذي يتحدد على أساسه المقصود من النصوص الدينية ، هل هي النصوص الأصلية ؟أم النصوص الثانوية الشارحة؟

في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية تحولت النصوص الثانوية إلى نصوص أصلية أي تحولت –بفعل عوامل ومحددات اجتماعية تاريخية – إلى نصوص تمثل إطارا مرجعيا في ذاته وقد حدث ذلك في كل مجالات المعرفة تقريبا،وفي مجال علوم التفسير والفقه بصفة خاصة،حيث تحولت اجتهادات الأئمة إلى  نصوص أصلية يدور حولها الشرح والتفسير وكذلك انحصر مجال الاجتهاد في فهم تلك النصوص الثانوية والترجيح بين الآراء والاجتهادات الواردة فيها وتراجع بشكل تدريجي التعامل المباشر مع النصوص الأصلية،وهذا هو الذي قصده الباحث حين يُشير إلى تحويل النصوص الثانوية إلى نصوص أصلية،وهذا هو المقصود بالقول:إن العقل العربي الإسلامي ظل يعتمد سلطة النصوص .

وهذا ينقلنا إلى شرح المفهوم الذي يحيل إليه مصطلح(( صياغة الذاكرة)) في الحديث عن

التراث العربي الإسلامي في عصر التدوين،وهو القرن الثاني الهجري على وجه التقريب والمصطلح مشتق من نظرية (( الاتصال الثقافي )) التي تتعامل مع الثقافة الجمعية –ثقافة الأمة والشعب أو ثقافة جماعة بعينها – بوصفها وعاء يمثل ما تمثله (( الذاكرة)) بالنسبة للفرد،إنها الذاكرة التي تحفظ للامة وعيها بذاتها من جهة وبعلاقتها بما حولها من جهة أخرى. وكما يمكن لذاكرة الفرد أن تعتمد على الحفظ والتكرار وتستند في عملها إلى آلية الاسترجاع والترديد كذلك يمكن لها أن تتجاوز تلك الحدود وتُنمي فعالية الاستنتاج والتفكير اعتمادا على مبادئ كلية وأصول منهجية ويتوقف الأمر في كل حال على نمط التربية ونوع التعليم الذي يتلقاه الفرد.مثل الفرد يمكن صياغته ذاكرة الأمة وعقلها –آي صياغة ثقافته – بواحدة من الطريقتين،ويحدث ذلك عادة في مرحلة انتقال الأمم و الشعوب من مرحلة الشفاهية إلى مرحلة التدوين.من هنا يعتبر عصر ((التدوين))

بمثابة عصر تأسيس الأصول في تاريخ الأمة،وهو العصر الذي ينتسب أليه خطاب الشافعي والذي شهد صراعا بين الاتجاهات الفكرية المختلفة حول تأصيل الأصول في كل المجالات المعرفية تقريبا [35].

هذا التفريق مهم للتميز بين النص الديني،وعلاقات البشرية التي اندمجت بهِ قبل قرون ولا يختص هذا الأمر في اللاهوت الإسلامي فحسب،بل هو مستمر في كل الأديان فأهمية المراجعة تأتي في التفريق والفصل بين استخدامات النص في ظروف ثقافية،وسياسية،واجتماعية،وبين شرحه بالطرق المتعددة،وبذلك يمكن أن نصل إلى النص الأول بطريقته المنفتحة على الأديان كلها؛وفي الحقيقة إنه لا يوجد نص ديني منفرد بنفسه عن النصوص الأخرى،وليس بإمكاننا أن نصدق أن اللاهوت اليهودي،والمسيحي ليس لها علاقة باللاهوت الإسلامي،ولا يمكن أن تصدق أن اللاهوت الإسلامي ليس لهُ علاقة باللاهوتيين المتقدمين ذكرهما،وبذلك يمكن أن نرى أهمية النص الديني العام الذي لا يخصص بيئة إلا في حدود خصوصيته اللغوية،والاجتماعية ولكن لا يمكن أن نصل إلى نتيجة تقول أن النص الديني ناسخ لما قبله ما هذا إلا افتئات على الوحي[36].

إن كلمة الوحي ببساطة تعني أن الإنسان جزءُ من واقعه الاجتماعي المرتبطُ به،وسيرتبط بهِ أكثر فالنص الديني العام لا يمكن لنا أن ننظر إليه بصورة مقطعه؛لأنه إذا نظرنا إليه بصورة مقطعة: فان الإنسان سيبقى تواقاً إلى معرفة المزيد اللاهوتي،واندماج النص الديني الواحد سيسهّل على طالبي المعرفة الدينية الكثير من الأجوبة،ولكن يجب أن لا نكون منحازين إلى اللاهوت وننكر أن اللاهوت العام قد يكون قاصراً على الإجابة عن كثير من الأسئلة،وبذلك يمكن لنا أن نستعين بالعقلانية،ولها دورُ في فهمهِ متماشياً،وعلوم (الأنسنة)،لكن الفهم الأيديولوجي يحاول مراراً،وتكراراً أن يوجد فاصلة بين الأديان،وفي المذاهب كذلك؛مما أدى  إلى وجود لاهوت مقيد،وليس بغريب أن يكون جهادياً؛أنا أؤمن أيمانا جازماً بأن اللاهوت العام هو الذي يسهل على الإنسان معرفة الله،وبذلك لا بديل عن المقارنة،ومهما حاولنا أن نجاهد أنفسنا لربط الديانة بالله،-وباستطاعتها أن تجيب عن الأسئلة-فإن الفشل هو نهايتها لأننا دخلنا بعقلانية منحسرة ليس لها قدرة على السبر،بل السبر فيها ممنوع،وهذا ليس بغريب على أدبيات الفقه الإسلامي التي تحرم بيع كتب الأديان الأخرى بحجة أنها كتب ضلالة،وبعد كل هذه التشوهات إذا أردنا الخلاص من ذلك:يجب أن نؤمن أن اللاهوت لا يختص ببيئة؛لأن كل بيئة عليها بصمة لاهوتية مختلفة ترتبط بخالق،ومخلوق؛وبذلك يمكن لنا أن نسعى لإقامة جسر يمتد إلى النصوص القديمة، والمتوسطة،والحديثة؛ولا ضرر في ذلك إذا قمنا بدراستها وتخلصنا من مفاهيم الأسطورة؛التي تسيطر أيّما سيطرة على ذهننا،ويمكن لنا أن نتصالح مع المسيح في صلبه[37]،وابن الله في وجوده [38]،وبعد ذلك يمكن أن نأخذ المجال اللاهوتي إلى صورة أخرى تمتد لإقامة أسس عقلانية تمتزج مع واقع البشر؛خاصةَ إذا نظرنا إلى فكرة ثبات الأخلاق وتطورها،وما مدى علاقتها بالديانات السابقة،وما مدى تأثرها بواقع الإنسان وهي فكرة يمكن الوصول إليها من خلال دراسة اللاهوت المقارن فضلا عن ذلك سنتخلص من العرين الكبير الذي يحتمي بهِ النصيون وسنوجد ثقافة تعتمد على الحوار،وعلى منطق العولمة كما هو منطق العصر ويكون لنا الخلاص من اللاهوت المعتمد على سلب الآخرين هويتهم الإنسانية كما حدث ذلك في أدبيات الفقه الإسلامي في فكرة الجهاد الابتدائي وحقوق المرأة ونجاسة أهل الأديان الأخرى،وهذه كلها نتائج الانعزال الثقافي الكبير الذي أمتد في الفكر الإسلامي إلى أكثر من 1500 سنة وضرب جذوراً ثقافية،وأصولاً دينية بحاجة إلى مراجعة معرفية،واجتماعية،وسياسية لأنها أصبحت بعد ذلك دوامة لترديد الأفكار وهذه الدوامة أصبحت جزأً من الأصول الدينية وليس بغريب عنا أن الفقه الإسلامي مَلئُ بتكفير الأمم؛بَلْهَ المذاهبَ التي تنتمي إلى ديانة واحدة.

اللاهوت الكبير أراد أن يمتزج مع الثقافة،ولكن لم يرد أن يوسع هذه الثقافة إلى ثقافة أخرى -وهذه مشكلة أخرى لابد أن يفهمها اللاهوتيون-وهي بذلك اندمجت مع سلوك الأشخاص ومعرفتهم،لكن اللاهوت المقارن يمتزج مع كل هذه الأفكار لكي يعطي بعداً معرفياً من أجل خلاص اللاهوت السجين،وتحويل أصوله إلى مجموعة من الأفكار الممتدة وليس مجموعة من الأصول الممتدة وهذه مهمة يجب أن تكون جزأ منها:أن اللاهوت أراد أن يوجد مجموعة من الأفكار وليس مجموعة من الأصول وبالدراسة المقارنة يمكن الوصول إليها،خاصة إذا نظرنا إلى مشكلة الحلال والحرام،أو ثبات الأخلاق ولقد ذكرنا سابقاً أن النص الديني يختلف تماما عن شروحه وهو أمر مهم إذا أردنا أن نكّون لاهوت مقارن وقد حاول المغرقون في اللاهوت الديني أن يخلطوا بينهما،وقد وصفوها تفسيراً مقدساً كاملاً بمجموعة من النصوص الدينية الصحيحة والتي هي- بلا إشكال- غير قابلة للمراجعة،وقد أعتمد في ذكائه على مجموعة من النصوص المذهبية، وهي ثابتة النص،والدلالة مما جعلها متعلقة،وبذلك أصبح التفكير مندمج بالنص الديني من خلال بداهته،وكان لهُ التقديس بفصّه،ونصّهِ ويمكن لنا أن نقول:أن اللاهوت تحول إلى ممارسة بشرية لها الحق الوحيد في تفسير النص الديني ودونها هرطقة كما سأل توما الاكويني عن الهرطقة فأجاب:أنها المخالفة للحقيقة،وليس بغريب أن تتحول هذه الفكرة إلى محاكم تفتيش أو قتل المرتدين لأنها منغلقة تمام الانغلاق،وليس بمقدورها أن تفرق بين النص الديني،وتفسيرها البشري ومن هنا وجدنا أن أول مخالفة لتفسير النصوص الدينية وهي مخالفة تكريم الله الإنسان ،وقراءة الإنسان للأديان جميعا وأنا لا أصدق أن الدين قد سلب حقوق الأفكار،وكذلك لا أصدق أن الدين حرم قراءة الأديان خاصة إذا كان فيها فكر،وعقلانية،ولا اصدق أن الدين حكم على الآخرين بالخطأ،كما يحلوا أن يصف المسلمون بأنها منحرفة،ووجوب التخلص منها؛ وهذه مشكلة عويصة لم نستطع حلها إلا بقراءة النص الديني في محتواه الثقافي،والأسطوري وبهذا نتمكن من إعادة ردم الفجوة التي حدثت بين الأديان والتي وجدت بطريقة تفسيرها  والتي اعتمدت على بعض النصوص التي تدعو الحكم على الآخرين بالكفر؛وإذا أردنا  أن نلتمس كفراً في هذا الدين أو ذاك فهو موجود،ولكن إذا أردنا أن نصف الأديان أنها تكفيرية أنا أعتقد أنه تجناً على اللاهوت العام،ومهما حاولنا أن نكون متجنبين للتكفير،فإننا سنكون ابعد ما يكون عن اللاهوت العام،ويجب علينا أن نعطي اللاهوتيين أمراً مهماُ:لماذا اللاهوت أوجد فجوة بين الأديان أليس هو الذي دعا إلى وحدة الخالق ووحدة المخلوق؟ألم يصدق بما جاء بهِ؟ ألم يدعو إلى الإيمان بكتبهم بَلْهَ الصحف؟ألم يحكم بصدق ما جاء بهِ الأنبياء؟ أليست هذه أسئلة بحاجة إلى توقف وتمهل للإجابة عنها؟أليس من حق اللاهوت أن يقول أين اللاهوتي؟أين عقيدة الله الواحد؟أين المسامحة؟ألم نجعل في مكانها تضليل،وتهميش،وتكفير،ومذهبية مقننة،وأديان متخالفة؛وهي كلها تنادي باسم لاهوت الرب.

 ما هو الحل؟أليس الحل في دراسة هذا اللاهوت والخروج من مأزق التحصن بنصوص دينية؟ أليس من حقنا أن ننقد التفكير الديني؟أليس التفكير الديني هو سبب الخطأ؟ألم يعتمد على نصوص تكفيرية وغمط حق نصوص أخرى؟ألم يقم حاجزاً بينه،وبين الأديان الأخرى وأقام بناءاً وطيداً له دعائم منتقات من نصوص دينية.

هذه كلها لم يستطع أن يواجهها الفكر الديني لأنه ببساطة يؤمن أنه على حق ويحكم على مخالفيه بالزندقة،والهرطقة وهذه هي أساس المشكلة،لقد أوجد بعداً زمنياً،وثقافياً بينه،وبين العقلانية،أو-على أقل تقدير- بينه،وبين الحراك الثقافي،ولا يريد الفكر الديني أن يفكر بطريقة الحراك الثقافي لأنه كما يظن ستزول منهُ السلطة،ومن ثم ستزول عنهُ الأموال وهي تشكل عماداً أساسيا لقوت هؤلاء النصيّين،فإذا سئلت عن منطق التخلف،والظلم،والاضطهاد أجابَ بأجوبةٍ أسطوريةٍ تجعل الناس يعتقدون بها لأنها من تكوينهم الثقافي وليس بغريب عنا أن الكثير من الأبطال الأسطوريين في الفكر الديني سيملئون أرض الله عدلاً،وقسطاً،ويبقى هذا الظلم الثقافي بحاجة إلى معجزة ثقافية،وبذلك يتخلص التفكير الديني من هذا السؤال بهذا العمق الأسطوري ،بل قد يتحول هذا العمق الأسطوري إلى مادة دعاء يثاب عليها الفقيه،أو المفكر النصي ويوصف بأوصاف كثيرة،وهي في النهاية تعود كما ذكر جرجي زيدان  إلى الفقر الثقافي[39]، ويمتد الفكر الدين بأفكاره إلى مجموعة أساطير لا يمكن الخلاص منها،إلا بإيجاد منطق جديد يكون في القراءة الجديدة،هذا المنطق هو قائم على تقارب الشعوب،واندماجها،وعلى وحدة الأديان،والتئامها؛وهو منطق يدعونا إلى قراءة الثقافة البشرية في سياق أفقي وليس بسياق عمودي.

 إن مهمة المنطق اللاهوتي الحديث أن نتخلص من فكرة النص الديني القديم،والمعجز كما في فكرة الاشاعرة التي تقول بقدم القران وقد ذكر بعض الباحثين إن قول الاشاعرة هو تضحية بالعقل[40] ،وقد حاول الفكر اللاهوتي أن يقيم بناءً عموديا وهو بهذه الحالة قد أضاف حقوق الله على حساب حقوق البشر وأصبح الفكر الدين يعتمد على منطق العلة والمعلول ولكنهُ لا يعتمد على منطق التنبيه التي هي أساس البناء الحضاري وليس بغريب عنا أن نجد المعتزلة قد أقاموا فكرة خلق القران لأنها ببساطة تعني:أن الوحي هو عبارة عن واقع لما يحدث،وليس لهُ تصور غيبي،وفكرة القران هي مادة مهمة للحداثي،وكذلك للفكر الديني الذي يعتمد المقارنة ومن هنا سنقرب الشق بين النصوص المختلفة لأن فكرة خلق القران ما هي إلا اندماج الوحي بخصوصية الإنسان الثقافي،والأسطوري،وليس بغريب عنهُ أنهم أوجدوا التفويض الذي أوقع الفكر الإسلامي في ضيق الجبر وفكرة الأمر بين أمرين[41]،وبذلك أعادوا للإنسان وثيقته المليئة بالإرادة، والتي نهبت من الأفكار وصح لهم أن يعتمدوا على نصوص وان يقرءوها بطريقة تقرب بين اللاهوت،والواقع كما ذهب إلى ذلك ابن جني في قوله تعالى (وعذابي أصيب به من أشاء)  وذكر ابن جني أن القراءة الشاذة أقوى من القراءة المتواترة وقد قريت (وعذابي أصيب به من أساء )[42]،وهذه كلها تدل دلالة على منطق الحداثة الاعتزالية،والتي لم تنتصر وكانت يجب أن تنتصر لأنها اعتمدت على العقل،ومنطق الإنسان،والوحي؛وهذه مهمة التفكير الديني التي تخطاها بطريقة نصية متزمتة.

 

التفكير الديني والمنطق اللاهوتي

 

سعى الفكر الديني إلى إقامة علاقة بينه،وبين اللاهوت،وهذه العلاقة الهدف منها إقامة أصول دينية لاهوتية ترتبط بالوحي ،وبذلك يكون لهُ صبغة لاهوتية مجيدة، ومتعالية،ويكون لهُ التخلص من الإشكال المعرفي التي طالما تبحث عنه العقول لكي تصل إلى منهج لاهوتي واقعي يتخلص من صبغة الإطلاق؛ولكن الفكر الديني أتخذ صفة النص لكي يتمكن من أن يقيم ما أسلفنا ذكره من؛محاكم تفتيش،وقوانين ردة على مخالفيه لأن المخالفة تعني ببساطة مخالفة الخالق الذي لا يأذن للخلق أن يخرجوا عن قوانينه وإلا إنهم في النار يسحبون،هذه المنطقية بكل بساطة قام الفكر الديني من أجل تحصيلها؛لأنها سبب في سيطرته،ويكون له ما طلب من تحقيق الاستهلاك المطلوب،وتبدأ بذلك مرحلة التسطيح الفكري؛في صلب المسيح،وخروج البطل الأسطوري،وهذه كلها مرجعية منطقية صارمة تعتمد بالأساس على منطق أرسطو المجرد،والذي يعتمد على مبدأ العلة والمعلول؛فإذا أقام الفكر الديني هذه العلاقة قامت فكرة العلية؛وتتحول هذه  الأفكار إلى قوانين ثابتة على أساس مفاهيم أسطورية (العلة والمعلول) ويعتمد الفكر الديني بإقامة هذه العلية على النصوص؛التي ما ينفك يستشهد بها لأنها بكل بساطة تزوده بعسكره كبيرة مرتبطة بالوحي،؛ ثم الاتصال بمبدأ المعرفة (الله)؛ثم تأتي مرحلة التكرار حتى تتحول  المفاهيم إلى فكرة متعلقة لا نفاد لها؛لأنهالم تنُتقد وهي ما برحت تستشهد بالنص الديني الثابت في لفظه ودلالته،وهذه هي المنطقية (ألا منطقية) التي تحولت بعد ذلك (دون استغراب ) إلى مذاهب تحتوي على مناهج فكرية دينية ما لبثت كّفرت إحداهما الأخرى؛ والنتيجة الدخول في عصر من الهرطقة،والزندقة،والحكم على مخالفيهم بالتهميش،والتضليل،وما فتئ بحثهُ عن سقطات هذا المذهب،أو ذاك وبطبيعة الحال كل مذهب لا يخلو منها ثم تتحول هذه السقطات إلى محطات للخروج عن الدين،وهذه كلها بحاجة إلى مراجعة لأنها تشكل بعداً استئصالياً للأخر،وهذا ما قامت بهِ المذهبية الدينية عندما عسكرت فتاوى استئصالية بسبب مخالفتها لأهل العصمة والعدالة،أو لأهل السنة والجماعة،ونحن لا نقفز في حديثنا ولا نستشهد بأقوال؛لأنها ثابتة تراها في كل مكان هذا هو المنطق الديني الذي قلما أرتبط بالعقلانية،وطالما أرتبط بلاهوت ممتزج بكم هائل من التهميش،وما هي النتيجة فشل ذريع لنظامه الفكري العقدي.

وعلينا أن نكون في مستوى المسؤولية وأن نكون قادرين على إقناع أنفسنا بالمنهج المعرفي الذي يتجاوز العقل التكراري،والاجتراري ولسنا بقادرين على ذلك؛من دون مراجعة الحكمة التي ألقاها إلينا الرب ومراجعة شكلها الأسطوري،وبذلك نعُيد تقييم النص واللاهوت معا،وعلينا أن نكون جزأً من صراع اللاهوت،بل جزأً من تقاربه ودعوته إلى حقيقة الإنسان التي استمد منها الوحي حقائقه كما يذكر رضوان السيد ذلك حين نقل قول أبي حنيفة:إن رسل الله لم يكونوا على أديانٍ مختلفة،ولم يكن كل رسولٍ يأمر قومه بترك دين الرسول الذي كان قبله لأن دينهم كان واحداً فالدينُ لم يبدل ولم يُحولُ،والشرائع قد غُيّرت وبُدلت ولو شاء الله لجعل (البشر)أمةً واحدةً(أي في الشريعة)وهكذا فإن رسالة الإسلام في العالم ودائما كما قال أبو حنيفة أنه رحمة ((أرسل به رسوله ليجمع الفرقة وليزيد الأُلفة ،ولم يبعثُه ليفرق الكلمة،ويحرش الناس بعضهم على بعض[43]،ولا بد أن نقول أن الوحي قد أنزل حقائق على الإنسان لأن هذا غير مقنع وليس لهُ دليل يرقى إلى مستوى المناقشة فمشكلة الفكر الديني هي أنه يسعى إلى تكوين جناح خاص بهِ،وليس بقادر على أن يفهم أن الأخر لا بد منه ويكتفي بذلك من تكرار المشرك،والكافر،ويُعيد بناء الإنسان الأخر،وهذه الفكرة غابت عن تفكيره لأنه أراد أن يكّون تشكيله لاهوتية لكي يفوز بالخلق،والخالق طراً والنتائج التي حصدناها مذهلة وهذا التخلف العلمي،والعقلي حتى تمكنت بعض المفاهيم الأيديولوجية من أمثال تطبيق الشريعة،ودولة الإسلامية،وغير ذلك كثير نعجزُ عن أدراك كنهِ التخلف عند أهل التفكير الديني،أنا لا أسعى إلى توضيح الخلل الفكري في ما تقدم ذكره لأنه مطبق علينا ( ولا يراه اثنين إلا أحول العينين) فعلينا أن نقوم بقطيعة معرفية بين التراث التكفيري،والعقلانية المبدعة،وعلينا أن نتواصل مع أفكار ابن خلدون،وابن رشد،وابن مسكويه،وأبي علاء المعري لكي نكون جزأً من العالم المنظم،ومع ذلك فإن هذه الفكرة بعيدة أيّما بعد لأننا دوماً نسعى إلى التوفيق بين أفكارنا اللاهوتية لكي نفوز بالجنة أو ندخل النار يا لهُ من مشهد عظيم !!

هذا المشهد مألوف وهو قد حقق المنطق المزعج، والفظ (الجهاد في سبيل الله)، إنه منطق بحاجة إلى مراجعة،بل بحاجة إلى استئصال لأننا نؤمن أن الجهاد للوحي،بل هو جهاد للإنسان وعلينا بعد هذا كله أن نراجع تقسيم الدار عن الإمام الشافعي،ومهدوية الطبري التي طالما نادى بها هو وشيعة أهل العصمة والعدالة،وأن نرى ما شكّله من ضرر على الشعوب،والعقول التي استهلكت ايّما استهلاك حتى جدبت العقلانية بحجة وجود وعد إلهي،نعم:إن فكرة الجهاد بحاجة إلى مراجعة ألسنية،وثقافية،واجتماعية في القران،وكذلك علينا مراجعة تقسيم الدار عند الشافعي -كما تقدم التي انفرد بها- وهي حققت ما كانت تصبوا إليه من القضاء على التسامح وإيجاد نصوص أخرى لا تقل شأن عن شأن النص الأول،وهي موجودة حتى الآن بدأ الإمام الشافعي فكرة تقسيم الدار؛وهو قد خالف بذلك من الفقهاء يقول الدكتور رضوان السيد ويظهر ذلك في الأدبيات المبكرة حول  لجهاد فكما هو معروف تقليديا،ينقسم العالم في نظر الخلافة الإسلامية والفقهاء إلى دارين:دار الإسلام ودار الكفر.ومنذ الإمام الشافعي ( 204هجري/819م) قيل إن علة القتال أو مبرر الكفر.والجهاد فريضة باقية إلى قيام الساعة والسلطان المثالي هو الذي يحجُّ عاماً ويغزو عاماً، إلى أن يصل في قوله،يقدم الفقيه الكبير،والمؤرخ الأشهر محمد بن جرير الطبري (310هجري/ 922م) للحديث عن الجهاد في الكتاب المخصص لذلك من موسوعته في ((اختلاف الفقهاء)) بإيراد ثلاث آيات توضح رؤية الفقهاء للعالم،ودور الإسلام فيه،مطلع القرن الرابع الهجري:الآيات هي:{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}و{ولتكن منكم أمةً يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ،وأولئك هم المفلحون}و{هو الذي أرسل رسولهُ بالهدى ودين الحق لُظهره على الدين كلهُ ولو كره المشركون}،لقد رأى الطبري ومعاصروه من الفقهاء أن الأمة الإسلامية مكلفة بحكم إسلامها بأن تكون شاهدة ومهيمنة على الأرض التي أورثها إياها الله عز وجل،وعلى البشر الذين استخلفها الله عليهم[44].   ففكرة الجهاد شكلت أرضية في الدخول لاستئصال الأمم،لأننا قمنا بربط لاهوتي فكري، وأصبحنا لا ننفك نتحدث باسم المشروع الديني؛ونحن ابعد الناس عنهُ،ويجب أن لا نلوم الأصولية،وليس بغريب ذلك على فقهاء التكفيرية،لأنها تبنت هذه الأرضية المنطقية الحادة في تفكيرها،وليس بغريب ذلك على الفقهاء الذين يرون تفضيل الله لهم ولأمتهم وهنا نقف على المحطة الأساسية التي تحتاج إلى مراجعة لأنها شكّلت المادة المذمومة لاستهلاك أكبر قدر ممكن من الناس،وفي عصرنا هذا الرجال الذين يبحثون عن التنوير يُحاربون لأنهم جاءوا بالبدعة المذمومة لأن البدعة عندهم على قسمين مذمومة وممدوحة،يا لهُ من تفكير استهلاكي هكذا يتحكمون بنا بواسطة تفكيرهم اللاهوتي المحرم على الناس،ولا أظن نفسي أنني سأقدم برهان على سقوط فكرة البدعة المذمومة،لأنها من الأساس تخلط التفكير على قارئها ولا أحسبُ نفسي أنني سأكون من البدعة الممدوحة،ولا أخالُ نفسي أنني سيحكم عليّ بأنني من أصحاب البدعة الممدوحة،وهذه المنطقية في التقسيم أصبحت مشروعاً لقبول بعض الأحكام أو لرفض أحكام أخرى،وما هو السبيل لذلك هو الاهتداء إلى مواطن هذه الجماعة أو تلك نعجزُ عن الحديث لأننا سنكون جزأً من الحديث المذموم وأنا ذاكر لك في ما يتعلق في هذا البحث وهو أمر طالما أرتبط ببحث التفكير الديني،ولاهوته ذلك هو أمر اللغة الذي كثير ما بحث المتقدمون والمتأخرون عنه،فقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه المزهر في علوم اللغة أقسام الخلاف في ما يتعلق بأصل اللغة قائلاً:النظر الثاني في الواضع:الألفاظ أما أن تدل على المعاني بذواتها،أو بوضع الله إياها،أو بوضع الناس،أو بكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس،والأول مذهب عباد بن سليمان،والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن ألاشعري وابن فورك،والثالث مذهب أبي هاشم،واما الرابع فإما أن يكون الابتداء من الناس والتتمة من الله وهو مذهب قوم أو الابتداء من الله والتتمة من الناس وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني[45]،    وفي ما يتعلق ببحثنا هذا نذكر،أن اللغة قد ارتبطت ارتباطا وثيقاً بفكرة النص الديني،وبذلك نحقق ما كنا تحدثنا عنهُ سابقاً أن ثمة علاقة بين النص والتفكير ولنذكر لنا قول أحمد بن فارس صاحب كتاب (الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب) فقد أخبرنا هذا العالم عن اعتقاده:بأن اللغة توقيفية في جانبها المنطوق،والمكتوب وهو بذلك يعدوا واحداً من أكبر المنافحين عن هذا المنطق المتوارث منذ الحضارة اليونانية،وهو يكرر هذا الخلاف مستندا إلى العلاقة اللاهوتية بين فكرة التوقيف،والنص الديني فكما أستند آلية المتقدمون من حكماء اليونان الذين آمنوا بالأسطورة،وما مدى تأثيرها على واقع ما تمر بهِ وعجزهم عن تفسيرها،وقبل أن ندخل في هذا المنطق نذكر لك نصين يؤكدان ما ذهب إليه النص،الأول يتعلق بتوقيفية المنطوق ويحدثنا عنها في كتابه الصاحبي بقوله:أقول :إن لغة العرب توقيف[46]،ودليل ذلك قوله جل ثناؤه((وعلم آدم الأسماء كلها))،فكان ابن عباس يقول :علمه الأسماء كلها ،وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وارض وسهل وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .

وروى خُصيف عن مجاهد قال:علمه اسم كل شيء.وقال غيرهما إنما علمه أسماء الملائكة وقال آخرون :علمه أسماء ذريته أجمعين.

والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس ،فان قال قائل:لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال :ثم عرضهن أو عرضها فلما قال:عرضهم علم أن ذلك لاعيان بني أدم أو الملائكة،لان موضوع الكناية في كلام العرب أن يقال لما يعقل عرضهم ولما لا يعقل عرضها أو عرضهن قيل له:إنما قال ذلك- والله اعلم- لانه جمع ما يعقل ومالا يعقل فغلب ما يعقل وهي سنة من سنن العرب اعني باب التغليب وذلك كقوله جل ثناؤه- ((والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق ما يشاء أن  الله على كل شيء قدير)) فقال:منهم تغليبا لمن يمشي على رجلين ،وهم بنو أدم .

فان قال:أفتقولون في قولنا:سيف وحسام وعضب إلى غير ذلك من أوصافه:انه توقيف حتى لا يكون شيء منه مصطلحا عليه؟ قيل له:كذلك نقول،والدليل على صحة ما نذهب إليه . إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه.ثم احتجاجهم بأشعارهم،واو كانت اللغة مواضعه واصطلاحا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج بنا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق[47].

  والنص الثاني يتعلق بالكتابة وما ذكره في كتابه الصاحبي أيضا:نظره ابن فارس والذي نقول فيه:إن الخط توقيف وذلك لظاهر قوله-عز وجل- ((أقرا باسم ربك الذي خلق،خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم،الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)).                               

وقال جل ثناؤه- ( ن والقلم وما يسطرون) وإذا كان كذا فليس بعيدا أن يوقف أدم ع- أو غيره من الأنبياء على الكتاب ،فإما أن يكون مخترع اختراعه من تلقاء نفسه فشيء لا نعلم صحته إلا من خبر صحيح.

وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها وانهم لم يعرفوا نحوا ولا أعرابا ولا رفعا ولا نصبا ولا همزا.قالوا:والدليل ما حكاه بعضهم عن بعض الأعراب انه قيل له :أتهمز إسرائيل؟فقال:إني لرجل سوء قالوا: وانما قال ذلك .لانه لم يعرف من الهمز إلا الضغط والعصر وقيل لأخر تجر فلسطين؟فقال:إني إذن لقوي وسمع بعض فصحاء العرب ينشد

                               نحن بني علقمة الأخيارا

فقيل له : لم نصبت بني ؟ فقال ما نصبته،وذلك انه لم يعرف من النصب الا اسناد الشيء .قالوا:وحكى الأخفش عن إعرابي فصيح انه سئل أن ينشد قصيدة على الدال فقال:وما الدال ؟ وحكى أن أبا حية النمير ي سئل أن ينشد قصيدة الكاف فقال:

    كفى بالنأي من أسماء كاف                       وليس لسقمها:إذ طال شاف

قلنا:والأمر في هذا بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء،ومذهبنا فيه (التوقيف) فنقول:إن أسماء هذه الحروف داخلة في الأسماء التي اعلم الله جل ثناؤه- انه علمها أدم ع- وقد قال جل وعز-(علمه البيان) فهل يكون أول البيان إلا علم الحروف التي يقع بها البيان؟ولم لا يكون الذي علم انا أدم ع- الأسماء كلها هو الذي علمه الألف والباء والجيم والدال انا لم نزعم العرب كلها-مدرا ووبرا- قد عرفوا الكتابة فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة وأبو حية كان أمس،وقد كان قبله بالزمن الأطول من يعرف الكتابة والخط ويقرأ وكان في أصحاب رسول الله كاتبون- منهم أمير المؤمنين علي- رض وعثمان وزيد رض- وغيرهم [48].

وفي الحقيقة أن فكرة ولادة التوقيف في اللغة،والكتابة كانت بالأساس تعتمد على العجز في تفسير الأشياء والمنطق يقول(( إذا عجز الإنسان عن تفسير الأشياء أنتقل إلى قوة غيبية وكّون بذلك فكرة أسطورية تتمكن وتتحول إلى حقيقة علمية لا نفاد للتأصيل عليها،وهذا مذكور في البحوث الأنثروبولوجية،والتي تعنى بالعقلية البدائية،وبذلك يمكن لنا أن نفهم كيف تحدث احمد بن فارس عن هذا المنطق من التوقيف،واسند اللغة،والكتابة إلى الله من خلال استمرار تلك العقلية البدائية التي ما انفكت تتردد في أمسنا،ويومنا ولقد ذكر العلماء أسباب لهذا العجز تشارك ما ذهبنا إليه فذكر صاحب كتاب الفكر النحوي عند العرب أسباب هذا العجز والنسبة إلى قوة غيبية:لقد أقام ابن فارس حكما على مقدمة واهية ناسيا الحجر الذي وضع على متابعة تطور اللغة بعد عصر التقعيد النحوي،ولهذا يمكن أن يكون ما اعتلَّ به حجة عليه لا له،لأن اللغة لو كانت توقيفاً لما حصل فيها ما حصل من خلاف سواء في اختلاف المتكلمين في بيئاتهم المتعددة أو في اختلاف النحاة في تفسير الظواهر اللغوية،ولعلنا نستطيع أن نرجع أصول القول بالتوقيف إلى أسباب ثلاثة،الأول:نفسي تعصبي،فقد نظر النحاة إلى العربية فوجدوا لها الغلبة على سائر اللغات التي دخل أهلها الإسلام أو اللغات المجاورة بعد أن تم التفوق السياسي واتضحت معالم النهوض القومي العربي القائم على روح الإسلام حيث كانت اللغة عنصراً مهماً في التعبير عن هذه المعالم،ولما ورثه النحاة من مادة أدبية غزيرة سجلتها هذه اللغات وكانت معياراً للفخر القبلي في الحقب السابقة،جنباً إلى جنب مع معيار الصفات الحميدة والخلق الحسن فنرى من النحاة من فضل العربية على اللغات كلها وربما تنبهوا إلى أن هناك أدلة وإثباتات صوتية تبرهن على أولية اللغة العربية فأبجديتها كاملة لا ينقصها حرف من الحروف اللازمة ولا يرهقها حرف من الحروف النافلة.

الثاني:فلسفي اجتماعي يتمثل في أن الإنسان يجنح دائما حين يعجز عن الوصول إلى قناعة تامة في تفسير الظواهر،إلى إرجاعها إلى قوة أو قوى عظمى مسيطرة لا قبل للإنسان بمعرفة ماهيتها أو كيفية تنفيذ مشيئتها،وبهذا يتخلص الإنسان من الدخول في المسائل العقلية المعقدة التي قد تدخله في متاهات لا يستطيع الخروج منها،ولهذا يلجأ إلى أسهل الحلول في تفسير حقائق الكون ومن ضمنها اللغة.

الثالث: ديني،ويبدو في هذا المبحث كأنه السبب الرئيس،ونعني به التأثير الخارجي للدين المتمثل بمؤشرين :

ا- ما أسبغه نزول القران الكريم بالعربية من قدسية عليها رفعت من شأنها لدى الدراسين وأكسبتها لديهم شرفا فوق اعتزازهم القومي بها وهو أمر دفعهم فيما يبدو إلى وكما دفع غيرهم من أهل اللغات التي نزلت بها كتب مقدسة إلى القول إن لغتهم هي ام اللغات لأنها لغة أهل الجنة بل لغة المولى تعالى .

ب- ما احتج به النحاة القائلون بالتوقيف من قوله:{وعلم أدم الأسماء كلها}، ولعل النظر الفاحص إلى الآية الشريفة يتبين انه ليس فيها ما يشير إلى أن أدم عليه السلام كان قد عرف المفردات جميعها ما كان منها وما سيكون،فلقد قال سبحانه وتعالى{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}،وليس فيها كما يبدو أنه عرف النظام اللغوي وأساليبه في اللغات جميعها وإن كان أبو علي الفارسي قد أشار إلى مثل هذا يروي أبن جني ومبدأ التوقيف في اللغات جميعها قال به عدد من الفقهاء والمتكلمين قبل النحاة ،وقد حاولوا تأييد ذلك بمقدمات ذهنية منطقية قادتهم إلى القول بقدم الكلام على تعليم آدم إياه بمعنى أنها متقدمة على خلق الإنسان [49].

هذا التعليل فكرة ولادة العجز عن تفسير الله وبعد