![]() |
الباب الأول
التجربة
البدايات
في إبريل/نيسان ، نشرت الصحف اللبنانية ما سمي
سيناريو الحرب القادمة ، بين العدو الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية علي الأرض
اللبنانية ، كما قدم في برنامج تليفزيوني أمريكي ، شارك فيه خبراء من المعاهد
الإستراتيجية الأمريكية . وقد طرح هذا السيناريو عدة إحتفالات لهذه الحرب ، تطرق
بعضها إلي إمكانية وصول القوات الإسرائيلية إلي (الدامور) ، وربما إلي مشارف بيروت
. وضاعت الإحتمالات الواردة في السيناريو وسط صخب حياة بيروت وسياراتها المفخخة ،
التي كانت تآكل الحياة والجماد . كانت السيارة قد أصبحت خصما استراتيجيا للمواطن
في بيروت الوطنية ، فهو لا يعرف متي تأكله سيارة جميلة متوقفة في زاوية أو شارع .
كنا نخرج إلي أماكن عملنا ، دون التأكد من إمكانية الوصول ، فكل سيارة متوقفة ،
يحتمل أن تكون مفخخة ، تخبئ في أحشائها الموت والدمار . أصبحت بيروت الوطنية غابة
يتجول الموت في أحيائها ليلا ونهاراً . أصبحت حقل تجارب للموت المنظور وغير
المنظور .
وفي الرابع من يونيو/حزيران 1982م ، بدأ العدوان
الصهيوني علي لبنان في منطقة الجنوب . اشتبكت معه القوات المشتركة الفلسطينية
اللبنانية سمعنا بأنباء الحرب والصمود البطولي للقوات المشتركة . وكنا قد نسينا
السيناريو السابق ، لذلك اعتقدنا أنه اشتباك محدود ، يشبه ما سبقه من احتياجات في
السنوات السابقة ، يستمر ساعات معدودة ، ما يلبث العدو أن يعود ثانية إلي خلف
الحدود مع فلسطين المحتلة . لذلك استمرت حياتنا الثقافية في بيروت كالمعتاد .
الصحف والمطبوعات تصدر كسابق عهدها . اللقاءات والإجتماعات مستمرة في مقر الأمانة
العامة لإتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينين . الجدل والنقاش يحتدم حول أبعاد
العدوان وصمود المقاتلين في وجهه ، والموقف العربي والدولي .
*ويوم الجمعة ، الرابع من يونيو/حزيران 1982م
الساعة الثالثة عصراً ، كانت أمورنا تسير طبيعية ، ومنطقة الجامعة العربية ، حيث
الشارع الأخير للثورة ، تعج بالحركة والنشاط . المسلحون في كل زاوية . حركة نقل
الأسلحة و الأمدادات مستمرة . القلق علي كل الوجوه . وفجأة هدر صوت الطائرات
المعادية ، حلقت أسراباً أسراباً ، علت في السماء مرة أخري ، تراكضنا في كل إتجاه
. ولعلعت أصوات الدوشكا والمقاومة الأرضية ، ثم عادت الطائرات في تشكيلات متتالية
لا تقل عن أربعين طائرة ، تغير بعنف وشراسة علي المدينة الرياضية ، حيث بعض
المخازن والمراكز التابعة للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية . استمرت
الغارة حوالي ربع ساعة ، وكنا من تحت جسر الكولا ، نشاهد معركة غير متكافئة بين
طائرات العدو المغيرة ، وبين المقاومات الأرضية للمقاومة .
كان منظراً شجاعا وشريفا من الصحفيين والمراسلين ، أن يهرعوا نحو المدينة
الرياضية أثناء الغارة ، لتغطية أخبارها . ومن بينهم كنت أميز الزميل جمال المصور
التليفزيوني لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفـــا) . كان يقترب من أسوار المدينة ،
يتعلق بالسماء حينا ، وينبطح علي الأرض حينا آخر ، يصور تصويرا حياً همجية العدو
ووحشيته . واستمر علي هذا الحال . في كل الغارات والمعارك ، حتي لقبه الزملاء
بالفيديو المقاتل .
انتهت الغارة ، فبدأ صفير سيارات الأسعاف ، وهدير
عربات المطافئ . تراكض جمع غفير من المواطنين ، يسهمون في إطفاء الحرائق وإنقاذ
الجرحي ونقل الموتي . وأثناء القيام بهذا الواجب ، عادت الطائرات ثانية ، تغير علي
المدينة الرياضية ، فجرح زميلنا الصحفي سمير درويش ، رئيس تحرير الطبعة الأنجليزية
من مجلة (إلي الأمام) . ومالبث أن توفي في المستشفي ليكون أول شهيد من الكتاب
والصحفيين في هذه الحرب.
وفي السابعة من مساء اليوم ذاته ، ورغم إحتمالات
الإغارة المعادية ، عقدنا في مقر وكالة الأنباء الفلسطينية وفا إجتماعا للجنة
القياة بالوكالة، ضم ..
زياد عبدالفتاح ـ مدير الوكالة
فهمي حسين ـ نائب المدير
سليمان إبراهيم ـ مدير التحرير
جابر سليمان ـ رئيس قسم التوثيق
أحمد أبومطر ـ رئيس تحرير حولية الثقافة
الفلسطينية
رشيد الخالدي ـ مدير تحرير الطبعة الأنجليزية
تدارسنا في الإجتماع طبيعة العمل في الوكالة في حالة الطوارئ ،
والاستعدادات اللازمة في حالة الغارات المعادية ، وبالذات لان مقر الوكالة يقع في
منطقة الجامعة العربية المستهدفة دائما من العدو ، وحددنا مكاتب للطوارئ في مناطق
أكثر أمنا ، كما قررنا إلغاء سفر الزميل زياد عبدالفتاح إلي المغرب ، كان سيشارك
في مؤتمر للوكالات العربية ، علي أن يسافر بدلا منه الزميل فهمي حسين.
.. كانت الحياة ـ رغم أجواء الحرب ـ مازالت شبه
طبيعية في العاصمة بيروت ، فيما عدا الأمر بدوام طوارئ في مكاتب ومؤسسات المقاومة
، بعد أن أصبحت منطقة الجامعة العربية ومايجاورها مستهدفة من طيران العدو بشكل
دائم . فالتجول في المنطقة يكلفك حياتك في اي لحظة ، ورغم ذلك كنا نتشبث بالحباة
في المنطقة ذاتها . كان الفرار موتا
ـ هكذا قال شهيدنا غسان كنفاني . نتوق للحياة دوما . نحلم بفلسطين محررة من البحر إلي النهر . هذه ال(فلسطين)
أصبحت خلية من خلايا دماغنا ننطق بها ونموت من أجلها ، رغم أن أغلبنا لم يولد علي
ترابها ، وعرفناها من كتب التاريخ والجغرافيا ، وحكايات الامهات والأباء . فلسطين
هذه هي التي تجعلنا صامدين في أماكن الخطر والموت ، دون خوف أو رهبة .
قالوا ..
أن طيران العدو لا يغير ليلا . قالوا .. إبتعدوا عن المنطقة نهاراً قدر
الإمكان ، وسيروا أعمالكم ليلا . وفي السابعة من مساء الأثنين 7 يونيو/حزيران
1982م ، هدرت الطائرات المعادية من جديد وصبت حممها النابالمية والعنقودية
والإنشطارية علي كلية الهندسة بجامعة بيروت العربية ، وكانت من أعنف الغارات .
كسرت كل الموازين والاحتمالات . فالعدو يغير نهاراً وليلاً . والعدو لا يميز بين
أهداف عسكرية ومدنية . لا يفرق بين دور العبادة وأماكن العلم , إنها حرب إبادة
شاملة .
زج العدو بكل ثقله العسكري في الجنوب . مقاومة
عنيدة شرسة وبالذات مخيم ـ عين الحلوة ـ للاجئين الفلسطينين . قاوم فقراء المخيم
كما يقاوم الأبطال الأسطوريين ، فهم ملح الأرض ، ووقود الثورة . خسروا كل شيئ لذلك
لا يخافون علي شيئ . أفرزت معارك المخيم ظاهرة حيرت قادة العدو ، لذلك أطلقوا
عليهم اسم (أطفال ال..آر . بي . جي) . أطفال دون الخامسة عشر حملوا هذا السلاح
الصعب ، يدمرون به دبابات العدو ومدرعاته ، يوقفون زحفها أياما ، دفاعاً عن تراب
الوطن . هذا الوطن الذي جعلهم رجالات قبل الأوان ، من البر والبحر و الجو ، ينهال
الجحيم المعادي علي كل المواقع في الجنوب ، ويتقدم جيش العدو وسط الصمود البطولي
والمقاومة الأسطورية . لم نقرأ في الكتب . ولم نشاهد في الأفلام ، هذا الجحيم من
النيران والقذائف ، المدافع من البر والبوارج من البحر . والطائرات من الجو . لم
نسمع عن غارات جوية متواصلة لمدة أربعة عشرة ساعة إلا في هذه الحرب ، قال
المراقبون العسكريون الغربيون في بيروت .. أنها هيروشيما جديدة ، يحققها العدو علي
مراحل متقطعة . قال مراسل صحفي فرنسي .. كنت مراسلاً عسكرياً في أكثر من جبهة ،
هذه الحرب الوحيدة التي أشاهدها بدون قواعد ولا قوانين ، القصف العشوائي ، التدمير
الشامل .. معاهد العلم ، الكليات الجامعية ، المساكن المدنية ، المستوصفات
والمستشفيات ، الجوامع والكنائس ، كل ما هو ساكن ومتحرك في بيروت ، لم يسلم من
الدمار والحرائق .
عند هذا الحد ، أدركنا أن هذه الحرب مختلفة ، هذه
الحرب طويلة وتستهدف العاصمة بيروت . فقد تمكنت قوات الغزو من الوصول إلي منطقة
الدامور ، وتحاول إختراق محور خلدة ، بعد أن كان العدو قد أدعي أن حربه تستهدف
مسافة أربعين كيلو متر ، كي تصبح مستوطناته في شمال فلسطين المحتلة ، بعيداً عن
مرمي قذائف ومدافع المقاومة . هذه الحرب مختلفة وأصبحت العاصمة تحت مرمي العدو ،
وهو يزج بقوات إضافية ، محاولا إحتلال خلدة ، كي يبدأ في قطع الطريق الجبلي المؤدي
إلي الجبل ثم دمشق .
وهنا كان السؤال .. مادور الكتاب والمثقفين في
هذه الحرب ؟ ماذا نفعل؟ أو ما بوسعنا أن نفعل ؟ . هل يمكن أن تكون في مستوي الحدث
؟ وكيف ذلك ؟ أسئلة .... أسئلة ..
وبحثاً عن الأجوبة ، دعونا إلي عقد إجتماع مساء
الجمعة 18 يونيو/حزيران 1982م ، في مقر الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين
الفلسطينين ، كان صعبا توصيل الدعوة إلي عدد كبير من الكتاب والمثقفين فالقصف
مستمر ، وتقدم قوات العدو يضيق دائرة الحصار علي العاصمة ، والكهرباء مقطوعة .
ورغم ذلك تمكنا من توصيل الدعوة إلي عدد من الزملاء ومنهم إلي مجموعة أخري .. هكذا
.. وفي موعد الأجتماع ، أوقفنا زميلا علي باب المبني ليخبر الحضور ، بأن الأجتماع
سيعقد في مقر العلاقات الخارجية ، وذلك لأسباب أمنية ، ولوجود محرك كهربائي ،
مكننا من إنارة المكان ، لنتمكن من إدارة الأجتماع .
ماهو دورنا في المعركة ؟ كان هذا السؤال هو جدول
أعمال الأجتماع وقد طرح الحضور العديد من التصورات
، أهمها ..
ـ ضرورة الإسهام الفعلي الجاد في هذه الحرب .
ـ الأنتشار بين الجماهير والمقاتلين ، وحثهم علي
الصمود .
ـ توضيح الأبعاد الأساسية لهذه الحرب .
ـ القيام بتسيير سيارات تبث شعارات التعبئة ،
وتوضح لكل قطاع دوره في الحرب .
ـ إعداد الملحقات الجدارية وتوزيعها علي شوارع
العاصمة .
ـ حمل السلاح والتوجه إلي محاور القتال .
ـ توجيه بيان إلي الجماهير في بيروت وخارجها.
ـ إصدار نشرة يومية ، تقوم بإدارة المعركة
الأعلامية من أجل الصمود والتعبئة .
ـ رفد الجرائد ووكالات الأنباء والأذاعات الوطنية
، بما يلزمها من كوادر إعلامية وإذاعية .
وتم الأتفاق علي عقد إجتماع آخر ، لبحث هذه
التصورات ، ووضعها موضع التنفيذ . ومن المفيد هنا أن نثبت ملاحظتين مهمتين ..
الأولي
أهمية المبادرة التي أدت إلي عقد الأجتماع ،
وإتمامه في المكان المرشح للقصف والدمار في أية لحظة ، وفي ظروف صعبة ..
الثانية
تمت المبادرة لعقد إجتماع بشكل فردي ، قادها ودعي
إليها عدد قليل من الكتاب ، بمعني غياب المؤسسة التي تنتظم في صفوفها الكتاب و
الصحفيين الفلسطينين ، ويمثلها في بيروت الأمانة العامة للاتحاد والهيئة الأدارية
للفرع .
ومن المهم رصد هذه الظاهرة بموضوعية ، لأن أغلب
المؤسسات النقابية الفلسطينية ،
غابت عن المعركة كمؤسسات ، وكانت المبادرات الفاعلة لأفراد هذه المؤسسات ، أن هذا
الوضع يشمل النقابات والاتحادات الفلسطينية كافة ، وتعود أسبابه إلي البنية اللا
ديمقراطية التي بنيت عليها هذه المؤسسات ، التي أفرغت الأتحادات والنقابات من
مضمونها العنلي ، الممارس بفعل مؤثر ، في المجالات كافة وبالذات وسط الجماهير ،
ونقلت الإهتمام الكلي إلي تحقيق ولاءات تنظيمية داخل النقابات . وقد نتج عن هذه
السياسة صعود عناصر معينة لقيادة هذه النقابات والإتحادات ، موزعة حسب ولاءات
تنظيمية ، مما جعل الهدف ليس العمل داخل المؤسسة ، بقدر ما هو الحفاظ علي نسبة
عناصر كل تنظيم داخل النقابة أو الإتحاد . إن هذه الأوضاع اللا ديمقراطية ، أوجدت
حاجزاً شاسعاً بين قيادة كل نقابة وقاعدتها وحولت النقابة إلي فرع خدمات للتنظيم
الأكثر سيطرة في قيادتها ، وسجل غياب النقابة الكامل عن قاعدتها وجماهير شعبها ،
فيما عدا بعض الأعمال الهامشية الضرورية لتقرير المؤتمر القادم ، هذه البنية جعلت
النقابات والإتحادات الفلسطينية ليست في مستوي اللحظة التاريخية ، التي بدأنا
نعيشها مع الغزو وإستمرار تضييق الحصار .
اللقاء الثاني
عقدنا اللقاء الثاني مساء السبت 19 يونيو/حزيران
1982م ، في المكان ذاته ، وسط ظروف أصعب ، نفسياً وعسكرياً ، وحضره عدد أكبر من
الكتاب والصحفيين . ناقش المجتمعون بحدة وعصبية مجموع الإقتراحات والتصورات ، التي
طرحت في الإجتماع الأول ، كانت سمة الإجتماع العامة ، الرغبة في عمل ما يدعم
المعركة والصمود ، رغم اليأس الكامل الذي كان يسيطر علي بعض الكتاب ، علي إعتبار
أننا لا نملك ما ندعم به المعركة ضد العدو ، وقد تبلور النقاش حول أمور ثلاثة ،
يتكثف من خلالها ، جهد الكتاب والصحفيين لدعم الصمود.
1 ـ الألتحاق بخطوط القتال لمن يرغب من القادرين
علي حمل السلاح واستعماله .
2 ـ رفد القنوات الإعلامية ، ووكالات الأنباء ،
والأذاعات الوطنية ، بالكتابات والتعليقات .
3 ـ إصدار جريدة يومية ، تكون مهمتها التعبئة
والحث علي الصمود ، وتوضيح الأبعاد السياسية للحرب ، ويتم توزيعها علي المقاتلين
والمواطنين واتفق علي أن يكون أسمها ـ المعركة ـ وشعارها ـ المجد للمقاومة ـ .
كان تنفيذ الأمرين الأول والثاني لايحتاج إلي
إعداد . فقد التحق بمحاور القتال والمتاريس من كان قادراً علي حمل السلاح ويحسن
استعماله . كما التحق بإذاعة الثورة الفلسطينية ، وإذاعة صوت لبنان العربي ،
ووكالة الأنباء الفلسطينية ـ وفا ـ ، كل حسب قدراته ورغباته وخبراته . أما إصدار
الجريدة الجديدة ، فلم يكن سهلا ، فهو يتطلب تأمين أمور عديدة ، ليست سهلة في
الظروف العادية ، وتبدو مستحيلة في ظروف الحرب والحصار . لذلك تشكلت لجنة مصغرة
لاعداد مايلزم لإصدارها ، فإتفقت علي ..
1 ـ تشكيل هيئة تحرير تشرف علي جميع المواد ،
وتوزيع التكليفات ، وتلقي الأخبار والتقارير ، والعمل التنفيذي للصدور.
2 ـ تحديد مكان إجتماع هيئة التحرير .
3 ـ توفير المطبعة التي ستقوم بطباعة الجريدة .
4 ـ توفير الورق والمازوت للمطبعة ، حيث انقطعت
الكهرباء ، وخيم الظلام علي العاصمة المحاصرة ، وشحت كل المواد .
اتخذت هيئة التحرير مقراً لها في مكتب التوزيع
التابع لمركز الأبحاث الفلسطينية ، في منطقة كراكاس ، وأبلغ المكان للكتاب
والصحفيين ، وتحدد ظهر كل يوم موعداً للقاء من يرغب من المثقفين والكتاب
والصحفيين، وبدأ تذليل الصعوبات واللوازم الأخري .
ـ ـ الصدور الأول
في صباح الثلاثاء 22 يونيو/حزيران 1982م ، صدر
العدد الأول ، من جريدة المعركة ـ نشرة تصدر عن الكتاب والصحفيين اللبنانين
والفلسطينين والعرب في بيروت ـ وعلي الجانب الأيسر من الصفحة الأولي ، كانت كلمة
أراجون شاعر المقاومة الفرنسية .. اللعنة علي المحتل ليدو الرصاص دائما تحت نوافذه
، وليمزق قلبه الرعب .. كان حدثا
مهما ومفرحاً لنا ، صدور العدد الأول ، خاصة أنه يصدر في ظروف صعبة .. حياتية
وعسكرية . ظروف الحياة اليومية قاسية ، والحصار حول بيروت أصبح محكما وشاملا .
وكان القصف والدمار مستمراً ، وطوق الحصار يضيق يوميا ، فيجتمع المواطنون
والمقاتلون في رقعة أصغر ، يصبح ضربها من العدد أسهل . وقد عكس العدو الأول الصورة
القاتمة للأجواء والظروف ..
كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولي .. لا خيار
سوي الصمود والقتال .. أما الأفتتاحية .. كلمة المعرقة .. فقد عبرت بألم وعذاب
كبيرين عن جو الحصار ، كانت بعنوان ... هكذا نفك الحصار .. وجاء فيها ..
بيروت من الخارج ، محاصرة بالدبابات الإسرائيلية
، وبالحرب النفسية ، وبالشلل العربي الرسمي .
بيروت غارقة في الظلام والإبتزاز ، بيروت تعطش .
ولكن بيروت الداخل ، بيروت من الداخل ، تعد
حقيقتها الأخري ، تمتلك إرادتها وتصوب بنادقها لتحافظ علي إشراق معانيها .. عاصمة
الأمل العربي .
بشعار إنقاذ بيروت الجهنمي السلس القاتل كالسم ،
يراد لهذا الأمل أن ينزوي في زاوية اليأس والإنتحار في مسادة عربية منقولة عن
الذاهبين إلي إنتحارهم في أوج إنتصاره موالشرط الوحيد الذي يضعه مبتكرو لفظة
الإنقاذ .
هو الإستسلام .
استسلام تاريخ من المعاني المسقية بالدم .
استسلام كامل الغضب .
استسلام كل السلاح .
استسلام بلا تكاليف .
ولكن ، هل يعرف خبراء صناعة الإبتزاز ما معني هذا
اليأس ، ما نتائج هذا اليأس؟
لا ، لا نمارس ابتزازاً مضاداً ، ولا نهدد بسقوط
الهيكل علينا وعلي أعدائنا يارب ، ولكن نشهر حربتنا الوحيدة علي مائدة هذه
المفاوضات .. أن نقاتل ..
وأن من يقصف بيروت هو الذي يتحمل المسؤولية .
وبيروت هي قلعة الإحتمالات ، وليست زاوية اليأس الضيقة
.
بيروت ليست رهينة في يد الغزو الصهيوني ـ
الأمريكي ، ونحن فيها خلف متاريسنا ، لا نرهن حياتنا إلا للمستقبل ، ولتجدد دورة
الدم في عروق كل الأجيال . إذ لا خيار لنا إلا الإحتفاظ بشرط حياتنا الحاضرة ..
السلاح .. السلاح الذي يعني تجريدينا منه تجريدنا من الحضور ومن الحياة ومن حماية
الشعلة التي أوقدناها بغابة من أشجار دمائنا . وتجريدنا من السلاح يعني إلغاء
وعدنا الكبير وهو الإستمرار في إيقاظ القارة العربية النائمة تحت قمع الأنظمة ،
وإستقطاب غضب الناس علي أي شئ.
إن صمودنا في قلعة بيروت ، غير القابلة للتدمير ،
هو الأداة الوحيدة لتحريك العملاق العربي الممتد ما بين شاطئ محيطين ، وهو الأفق
الوحيد الذي يطل من فوهة بندقية ومن ثقب جزمة مقاتل ومن جرحه المضئ في هذا العصر
الأسود .
هذا خيارنا الوحيد .. أن نصمد وأن نقاتل في قلعة
بيروت التي يبدو أنها القلعة الأخيرة حتي الأن .
وهكذا نفك الحصار عن بيروت ، وعن غضب الملايين .
وهكذا تكون صورة بيروت من الداخل نقيض بيروت من
الخارج.
ـ ـ نداء .. نداء .. نداء ..
ومن ضمن مواد الصفحة الثانية من العدد الأول ،
كان البيان الذي أصدره تجمع الكتاب والصحفيين اللبنانين و الفلسطينين والعرب في
بيروت ، جاء فيه ..
المعركة ولا خيار سوي المعركة
من متاريس عاصمة الأمل العربي .. بيروت .. من
شظايا الأجساد والقذائف من ساحة الإمتحان الأخير للجدارة بالأرض والحياة والمستقبل
، يعلن الكتاب والصحفيون الفلسطينيون واللبنانيون والعرب .. أن لا خيار لنا سوي
المعركة وأن لا لغة للتعامل مع الغزو الصهيوني الذي يمثل أحط أشكال العنصرية
والصلف ، سوي لغة الدم والرصاص فمن هنا ، من هذا الحائط البشري المرصوف بالسواعد
المقاتلة والأرادة الحرة ، يتحدد المصير ، وتحدد البدايات بدايتها الدائمة في
معركة الأنصهار الكامل بالمعركة .
لا خيار لنا سوي المعركة .
والمعركة في ذروتها في كل مكان . لا ضباب ولا
أوهام ولا خداع . هنا تعجن البطولة اليومية ، البطولة العادية من فرط تراكمها ،
لتحول كل متر من الأرض إلي مأثرة أو معبد .
هنا تكسر الجماهير تاريخا من غرور العدو الصهيوني
ومن تأرجح الأنظمة العربية علي جبال السراب وتحفر تاريخها المستقل بأظافرها
وبنادقها وصمودها الأسطوري ، هنا لا وقت للمساومة ولا مساحة إلا للبندقية التي
صارت التوأم النهائي للمقاومة والكرامة والحرية . هنا ، يكتب مقاتلونا الأبطال
اللبنانيون والفلسطينيون ، فاتحة التاريخ العربي الحديث.
ولا خيار سوي المعركة .
ليس وراءنا إلا البحر أو الصحراء . وليس أمامنا
سوي النصر ، ولا شيئ غير النصر ، ومن هنا من هذه القلعة ، قلعة الخلاص والصمود ،
ننادي الدم العربي المحبوس في العروق ، من المحيط إلي الخليج ، للمساهمة في ولادة
هذا الفجر الذي تحبل به جراح مقاتلينا وثقوب أحذيتهم الشريفة ، فهنا ، هنا المحك ،
ولعله المحك الأخير في هذه الحقبة من الزمن ، محك المعادن البشرية ومحك جدوي
حياتنا . من هذه المعركة ، وفيها يُصاغ كل شيئ من جديد .
لا .. لا خيار سوي المعركة لأن ماعداها إنتحار.
ومن دخاني سيطلع النهار.
كان العدد الأول ، علي الرغم من طباعته السيئة ،
وورقه الردئ ، يحمل تصور الكتاب والمثقفين لأبعاد المعركة ، وكان مجرد صدوره
قراراً ذاتياً بأننا جزء من المعركة ، بل نحن طليعتها الواعية المثقفة القادرة علي
توعية البندقية وتوضيح خلفيتها السياسية ، كان التوقيع علي الكتابات والتعليقات
بالاسم الحقيقي من مدينة يحاصرها العدو دليلا علي .
إننا لا نرهب أحدا ، وأن حياتنا ترخص في سبيل
الوطن ودحر الغزاة ، وكنا في إجتماعتنا التمهيدية ، قد ناقشنا هذا الأمر ، وكان
فيه وجهتا نظر..
الأولي
تري أ، تكون كل الكتابات بدون توقيع ، أو موقعه
بأسماء وهمية ، لأن العدو يدق أبواب العاصمة ، ويتقدم كل يوم ، والعاصمة لا تخلو
من عملائه المحليين والأنعزالين وعدم إعلان الأسماء فيه ضمانة وأمن للكتاب.
الثانية ..
تقول بأن حياتنا أثناء المعركة وبعدها ، ليست
أغلي من حياة المقاتلين ، حملة السلاح في محاور القتال وخطوطه الأمامية ، ومن
ناحية ثانية ، كي يعرف المقاتلون أننات معهم بأقلامنا ، نصد الغزو والعدوان ، خاصة
أن العديد من المواد ستكون ميدانية ، نسجلها من تجارب المقاتلين في محاور القتال .
وقد تغلب الرأي الثاني ، لذلك كانت أغلب كتابات
الجريدة توقع بأسماء كتابها ، فيما عدا بعض المواد ..
كلمة المعركة ، كان يكتبها الزميل زياد عبدالفتاح
.
والمحرر السياسي ، الزميل حنا مقبل .
إجتمع عدد من الكتاب والمثقفين ، ظهر يوم
الثلاثاء 21يونيو/حزيران 1982م في مقر هيئة التحرير ب(كراكاس) ، وبدأنا تصفح العدد
الأول الذي صدر صباح اليوم المذكور . ناقشنا مواد العدد الصادر ، وإقتراحات العدد
القادم ، وفي الوقت ذاته ، كان الجحيم ، كل الجحيم ، يصب علي مناطق بيروت كافة ،
اليوم هو العشرون .. من أيام معارك الصمود والتحدي وكم كان رائعا ومبهجا لنا ،
الخبر الذي طيرته وكالات الأنباء..
.. هاجم الثوار الفلسطينيون أمس باصاً إسؤائيلياً
علي مشارف مدينة صور بينما كان يقل مجموعة من الجنود المجازين العائدين من جبهات
القتال ، وقد إعترف الإسرائيليون بقتل وجرح العديد من جنودهم ..
رفع الخبر معنويتنا ، وكان العدو يحاول التقدم في
الجبل علي منطقتي عالية وبحمدون من محاور متعددة ، بقصد السيطرة علي مناطق الجبل ،
بعد أن تم تسلله إلي شمالها من المنطقة الشرقية للعاصمة ، بعد وصوله إليها وإلي
الحدث و بعبدا . ورغم القصف البري والبحري والجوي الشامل ، إرتفعت حدة النقاش بين
الحضور ، وبالذات حول الموقف السوفيتي من الحرب . وكانت الغالبية في موقع اللوم
والعتب الشديدين ، والقلة تري أن الموقف السوفيتي يحتاج إلي وقت كي يتبلور ويتضح
.. لذلك تقرر أن تكون إفتتاحية العدد الثاني حول هذا الموضوع ، دون نقد أو تجريح .
في المساء ، جاءتنا بلاغات الناطق العسكري بإسم
القيادة المركزية للقوات المشتركة ، موردة تفاصيل القتال من صباح هذا اليوم حتي
المساء ، ومع وصول بلاغات الناطق العسكري ، كانت مواد العدد الثاني قد إكتمل جمعها
إلا أن العنل التنفيذي لإصدار العدد ليس سهلا ، فالقصف مستمر علي الجبل ومناطق
العاصمة المحاصرة . والكهرباء مقطوعة . والوصول إلي المطبعة ليس سهلا ، إحتجزنا
القصف ساعتين في ملجأ بناية الحمراء ، حوالي التاسعة ليلا ، تمكنا من إيصال المواد
إلي المطبعة لصفها ، وعادت إلينا منتصف الليل ، ليبدأ الإخراج والتنفيذ ، الذي كان
يستمر حتي الرابعة والخامسة صباحاً ، ثم يرسل الماكيت إلي المطبعة ثانية لتصويره
وطبع العدد ، الذي يكون جاهزاً في الثامنة صباحاً .
حمل العدد الثاني علي صفحته الأولي ، البلاغات
العسكرية ، والإفتتاحية التي اتفقنا أن تعالج السوفيتتي ، وكانت بعنوان .. مطلوب
من السوفيت الإمساك باللحظة التاريخية .. وجاء فيها ..
حبيب ودرايبر وديلون كانوا مجتمعين في بعبدا ،
الولايات المتحدة تضغط بكامل ثقلها السياسي من أجل التسليم الفلسطيني اللبناني
الوطني ومن أجل تحقيق كل ما تضمنه السيناريو الأمريكي الذي كان الغزو
الإسرائيلي حلقة مركزية له ومفصلا
أساسيا من مفاصله .
وحول بعبدا وفي سماء بيروت وعلي أطرافها من
الشويفات حتي عرمون وفي البحر تضغط إسرائيل بكامل ثقلها العسكري مواكبة الثقل
السياسي الأمريكي ضغط سياسي علي الطاولة في بعبدا وضغط عسكري في السماء وفوق الأرض
وفي البحر علي بيروت ، وسباق مع الزمن لفرض التسليم قبدون هذا التسليم الفلسطيني
اللبناني الوطني لا يمكن الوصول إلي النهاية المطلوبة للسيناريو بل أن هذا
السيناريو يكون قد فشل في أن يحقق أيا من أهدافه علي الأطلاق وهي أهداف طموحه
تبتدئ من حدود التصفية الفلسطينية اللبنانية الوطنية وتنتهي عند تركيع المنطقة تحت
القدم الأمريكية الإسرائيلية .
ولا نعتقد أن مثل هذا الأمر خاف علي أي من الدول
العربية ، كما أنه ليس بخاف علي الإتحاد السوفيتي الذي هو ، بصراحة ، أكثر من أي
وقت مضي فرس رهان الثورة الفلسطينية والقوي الوطنية اللبنانية ، بل وكل القوي
المناضلة والمحبة للسلام في هذا العالم .
إن إجتماع ديلون وحبيب ودرايبر اليوم علي لجنة
الإنقاذ لتحقيق الشروط الأمريكية الإسرائيلية ، يعكس النزق الأمريكي وسباق الزمن
الذي تخوضه الدبلوماسية الأمريكية من أجل تحقيق هذه الشروط .
من هنا فإن أمام السوفيات تحديدا الإمساك بهذه
اللحظة التاريخية ، ولا أحد يطالب الأصدقاء السوفيت أن يلجأوا إلي أسلحتهم السحرية
، كل ماهو مطلوب التدخل بحجم ولو أقل بمراحل من الحجم الأمريكي ، فنحن قررنا
الصمود ... والمراهنة علينا هي مراهنة علي الجماهير التي تستطيع أن تصنع المستحيل
.
المطلوب هو محاولة التوازن وليس مطلوبا أن يقاتل
الآخرون عنا ، والفرصة مازالت قائمة مع الأخذ في الأعتبار سباق الزمن .. ونحن
صامدون ..
كان العدد الثاني متطورا عن العدد الأول ، رغم
صعوبة الظروف التي صدر فيها .. تحولت الجريدة ـ دون مبالغة ـ إلي غرفة عمليات
إعلامية إستقطبت غالبية الكتاب والمثقفين ، فقد ضم العدد الثاني مقالات وتعليقات
لكل من .. زياد عبدالفتاح ، غالب هلسا ، أحمد أبومطر ، شعيب ملحم ، يوسف غانم ،
عدلي فخري ، معين بسيسو ، رشاد أبوشاور ، زين العابدين فؤاد ، وغانم زريقات . في
العدد نفسه ، بدأنا نقدم خدمات ميدانبة للسكان الصامدين وسط القصف والدمار والحصار
. فقد جاء في نهاية الصفحة الرابعة التعليمات التالية ..
ـ ما العمل في أعقاب الغارة الجوية أو القصف
المدفعي ـ ؟
لايقتصر خطر القنابل التي تلقيها طائرات العدو
الصهيوني أو مدفعيته الثقيلة علي ما تحدثه من خسائر فورية في الأرواح والممتلكات ،
وإنما قد تنجم عنها أخطار جسيمة بعد إنتهاء القصف . ولذا ينبغي أن يكون كل مواطن
حذراً ، ويعرف ما يتوجب عليه عمله بعد إنتهاء الغارة الجوية أو القصف المدفعي .
وهذه أهم النقاط التي ينبغي الأخذ بها..
1 ـ المحافظة علي الهدوء والنظام ، والإبتعاد عن
الأماكن المقصوفة والحرائق وترك الممرات حرة حتي تتمكن العناصر المكلفة بمكافحة
الحرائق وأعمال الإنقاذ والإسعاف من القيام بعمليها .
2 ـ تفقد حالة أفراد العائلة نفسياً و صحياً .
3 ـ الأسراع بإبلاغ الجهات المعنية عن الأضرار
الناتجة .
4 ـ عدم التجمع في مكان الغارة خوفا من القنابل
الموقوتة . ولضمان عدم العرقلة في العمل.
5 ـ التقيد بتوجيهات وإرشادات عناصر المراقبة
وتنفيذ تعليماتها .
6 ـ عدم لمس القنابل أو الأشياء المجهولة
والتمديدات الكهربائية علي إختلافها .
7 ـ تقديم كل مساعدة ممكنة لرجال الإسعاف
والطوارئ .
ـ ـ الخميس 24 يونيو/حزيران 1982م ـ اليوم الثالث
والعشرون للحرب ـ
مساء أمس الأربعاء ، ونحن نركض من ملجأ إلي شارع
، ومن شارع إلي شارع مبني ، حاملين مواد العدد الثاني من الجريدة ، دوي إنفجار
هائل في منطقة فندق ـ هوليداي ان
ـقريبا من البحر ، تبي فيما بعد أن العدو صعد من حربه النفسيه ضد المواطنين لزعزعة
صمودهم ، وبث روح الرعب في نفوسهم .. في نفس الوقت الذي كانت فيه معارك الجبل تدور
طاحنة في المحاور كافة .
كانت إذاعة ـ صوت لبنان ـ الناطقة بلسان حزب
الكتائب ، من أخطر أسلحة العدو النفسية ، إذ كانت للعدو الإسرائيلي خدمات وتسهيلات
يعجز عنها كافة أدواته المتخخصة ... وكان واضحا أن هذه الإذاعة تعمل التنسيق
الكامل مع أجهزة العدو .. مساء أمس ، عندما هز الإنفجار منطقة لهوليداي ان ، مشيعا
الذعر والرعب والموت في المنطقة كلها ، وبالذات في البنايتين اللتين يقطنهما
المهجرون ، سارعت إذاعة الكتائب إلي القول ـ بأن الأنفجار كان مصدره مستودعا
للذخيرة يتبع جيش التحرير الفلسطيني ، وأن خسائره بالمئات من قتلي وجرحي ، ويشك أن
في المنطقة مستودعات أخري ، علي وشك الإنفجار ، والتقطت إذاعة العدو الإسرائيلي
الخبر أورددته حرفيا في كافة نشراتها . وفي الليل ، واصلت الأجهزة الأمنية التابعة
للقوات المشتركة البحث والتحري ، خاصة أن المنطقة المذكورة ، تخلو من مخازن
الذخيرة ، فتوضحت الحقيقة التي أوضحناها علي الصفحة الأولي من العدد ـ الثلث ـ
صباح الخميس 24يونيو/حزيران 1982م كما يلي ...
ـ يوم أمس ، إستطاعت اللجنة الأمنية العليا ، أن
ترتفع ، أن تضع يدها علي أخطر شبكة للتفجير حين ألقت القبض علي سائق .. سيارة
مرسيدس أسمه حسين ، حينما كان يحاول وضع السيارة المفخخة التي تحمل ـ 120 ـ كيلو
جراماً من المواد البلاستيكية المضغوطة شديدة الأنفجار قريبا من صبرا ، ولقد أعترف
السائق أن ثماني سنوات أخري متفجرة ، دخلت بيروت المحاصرة خلال اليومين الماضيين ،
وأن ضابط الإرتباط الذي يقوم بالإشراف علي الشبكة عميل إسرائيلي من الكتائب اسمه ـ
إيلي قرداحي ـ وأنه يتبع ضابطا إسرائيليا اسمه الحركي (ابوالجبل) ، وقال السائق ..
أنه دخل بسيارته يوم أمس ، مع سيارتين أخرتين ، أحدهما يقودها شخص لا يعرف إسمه
وهي شاحنة كبيرة ، والثانية سيارة مرسيدس يقودها شخص أخر لا يعرفه أيضاً ، ولقد كان بفصل بين السيارة والأخري
عشر دقائق ، ومنها الشاحنة التي إنفجرت يوم أمس ،واحدثت مجزرة ... ثم تولت الأجهزة
الأمنية متابعة السيارات الأخري التي إنفجر بعضها ، وأبطل مفعول مالم ينفجر.
أصبحت مواجهة الحرب النفسية ، التي يديرها العدو
وعملاؤه في الداخل مهمة جديدة ، يتعين عليها مواجهتها ، علي صفحات جريدة المعركة .
وفي أوساط الجماهير في الشارع ، وفي المناطق السكنية ، لقد صعد العدو من حربه
النفسية عن طريق إلقاء المنشورات من طائراته علي خطوط القتال ، والمناطق السكنية ،
يزيف فيها الحقائق ، ويلفق المعلومات ، للنيل من صمود المقاتلين والمواطنين .
كان عنوان المنشور الذي ألقته الطائرات
الإسرائيلية المعادية اليوم ، يناشد المواطنين أن يفكروا في سلامتهم وسلامة من
يحبون ، ويطالبهم بالنزوح من بيروت الغربية إلي بيروت الشرقبة ، حيث قواته ترابط
في صيافة حزب الكتائب وقصر بعبدا ، بعد أن سهل الكتائبيون مرورها وانتشارها ،
واستقبلوها فرحين مرحبين بها بالرز وبأجمل الفتيات ، وكانت أجهزة حزب الكتائب
الإعلامية ، قد أسهمت بفعالية في حملة العدو النفسية كانت صدمة كبيرة أن يسفر هذا
الحزب علانية عن إرتباطه الوثيق مع العدو. يمكنك أن تتصور خلافاً سياسياً بين حزب
الكتائب والحركة الوطنية اللبنانية ، أو بينه وبين المقاومة الفلسطينية ، أما أن
يضع هذا الحزب يده في يد العدو بتشابك وثيق ، ضد وطنه ومواطنيه ، فهذا مالا يتصوره
العقل ، وكانت أحاديث بشير الجميل ، من أخطر كلمات الحرب النفسية . ومنذ يومين قال
في حديث لمجلة ـ نوفيل اوبسرفاتور ـ الفرنسية ...
ـ ـ إن الجولة الأخيرة من الحرب اللبنانية لم
تبدأ بعد . ولكن هناك شعاعاً يتراءي الأن في الأفق ... إن أسباب الحرب الجديدة في
لبنان ، ترجع إلي أن هناك شعبا فائضا عن الحاجة ، في هذا الجزء من العالم هو الشعب
الفلسطيني ، ففي المنطقة أربعة بلدان وخمسة شعوب ـ ـ .
كان يتوجب علينا التصدي لذهه الحملة النفسية
المعادية ، برصد كل حيثيتها ، والرد عليها في الاذاعة والجريدة وفي أوساط
المقاتلين والمواطنين ، وفي جانب من جوانب الرد علي هذه الحملات ، كتب عز الدين
المناصرة ، في العدد الثالث ـ الصفحة الثانية ، رداً علي حديث بشير الجميل بعنوان
ـ الفائض عن الحاجة هو الذي يخون وطنه ـ جاء فيه ..
كانت جدتي ـ رحمها الله تصف الشاب الذي لا يمتثل
لقرارات العائلة بأنه شاب مائع ومدلع يحب قمع الغريب ، أما الفتاة التي تخون
عائلتها وأهلها فتصفها جدتي بالتعبير التالي .. إنها فائضة الصفوف ، وهي تعني أول
ماتعني أنها تترك حشود الشباب لتتسلل من بين صفوفهم إلي حضن الغريب ، تاركة أهلها
في المواجهة ، لقد طلع علينا المير بشير الذي يحلم أن يكون ملكا علي الأضرحة
والتماثيل في لبنان تحت حراسة الدبابات الإسرائيلية و التهديدات الأمريكية ، طلع علينا بحديث لمجلة نوفيل اوبسرفاتور
الفرنسية ، قال فيه ـ إن الجولة
الأخيرة من الحرب اللبنانية لم تبدأ بعد . ولكن هناك شعاعاً يتراءي الأن في الأفق
إنتبهوا لكلمة شعاع هذه فهو يعني شعاع المدافع الإسرائيلية والقذائف الصاروخية
التي تنهمر هذه الأيام علي المواطنين الأبرياء ، من قبل مرابض العدو من الجبل إلي
البحر ، فمن يريد تدمير بيروت ، غابة النار المسلحة ، ومن هو الذي يريد الحرق
والدمار لبيروت الجميلة ، عاصمة الشعاع العربي أليس هو المير بشير الجميل ـ الذي
يتدلع كثيراً هذه الأيام ـ لأنها فرصة العمر بالنسبة له ، ها هو العدو يحاصر
بيروت الوطنية .
وأضاف ملك الأضرحة والحجارة ، بومة الخراب قائلا..
إن أسباب الحرب الجديدة في لبنان ، ترجع إلي أن هناك شعبا فائضا عن الحاجة
، في هذا الجزء من العالم هو الشعب الفلسطيني ، ففي المنطقة أربعة بلدان وخمسة
شعوب .
أولا .. أن بشير الجميل يصف الغزو الاسرلئيلي ـ
بأنه حرب جديدة متحاشبا أي تعبير آخر ، حتي لاتغضب إذاعة إسرائيل التي تطلق علي
الغزو لقب التطورات الجديدة في المنطقة .
ثانيا .. إن تعبير الفائض عن الحاجة ينبع أساسا
من اللغة النيتشوية ـ نسبة إلي الفيلسوف نيتشة الذي استخدمت أفكاره وروجت لها
النازية الفاشية التي تقول .. إذا رأيت شخصا ضعيفا يوشك أن يقع في الحفرة فما عليك
إلا أن تركله وتدفعه إلي داخلها ، لكي تستطيع مواصلة السير .
هذه النظرة الفاشية تنبع من منطلق إحتقار الأنسان
، التي ولدت مع تأسيس حزب الكتائب ـالفرنكوية اللبنانية لأن فرنكو موجود ووريثه
موجود ، ولأنه لا يصح أن يصبح ملكا علي الأضرحة سوي من جري في دمه الملكي ـ الدم
الإسرائيلي الجديد ، بمساندة العربيم عرب أمريكا وإسرائيل . ومن قال لبشير الجميل
ومن منحه صلاحية النطق باسم المسيحين اللبنانين ، ثم أن الشعب الفلسطيني هو من
أقوي شعوب المنطقة ، وهو بؤرة النور العربي ، ومازال السلاح في أيدي مقاتلينا ،
فهل يريد المير بشير أن يرثينا ونحن أحياء وأقوي منه ومن أساتذته .
ولو كنا ضعفاء ، فلماذا تحاصر بيروت ، ولو كنا
ضعفاء فلماذا يضطر المير بشير إلي المعركة الجديدة التي يتحدث عنها ، فهناك قوة
الوطنين التي تنبع من قوة الوطن وحبه ، وهناك قوة الأعداء التي يستمد منها المير
بشير تصريحاته ودلعه وادعاءاته وخيانته لوطنه.
ثالثا .. يري بشير الجميل فقط أن هناك ما يسمي
بالشعب الإسرائيلي ، الذي يحتل فلسطين ولا يري شعب فلسطين ، ومثله مثل الدجاجة
الذليلة الغبية التي لا تري سوي القمع الصهيوني تحت دبابات الغزو الصهيوني وهي
تدوس ـ قمر مشغرة ـ و ـ قطعة السما ـ في ما يسمي بالمنطقة الشرقية ، ولا يري سوي
الشاقل الممنوع من الصرف ، ولعل أهلنا في اللبنانين في المنطقة الغربية هم أيضا
فائضون عن الحاجة فلتحصدهم قذائف
القصف العشوائي الإسرائيلية ، فعن أي شعب لبناني يتحدث بشير مادام يحذف أهل الجنوب
وأهل الشمال وأهل البقاع والجبل وبيروت ، مادام يري أن قذائف العدو مقة في قتل
المواطنيين في هذه المناطق ، لأن أهلها اللبنانين فائضون عن الحاجة أيضاثم ... هل
نسي المير بشير الجميل ، أن الشعب الفلسطيني هو صاحب أرض كنعان وهو مالكها الوحيد
، وهو المدافع عن شرفها وحضارتها ، وليس أولئك الغرباء الذين يهللون الآن للعدو
الأمريكي والإسرائيلي أم الدنيا عموم .
إن الفائض عن المنطقة هو الذي يخونها ، إن الفائض
عن الوطن هومن يبيع وطنه للعدو ، والفائض الأكبر هو الذي يفتح صدره لجنود وحراب
الإحتلال . وسيري المير بشير أنه مجرد برتقالة ـ آسف انه بقة ممصوصة علي مزبلة
الإحتلال ، لأنه مجرد أداة عميلة سيلفظها الإسرائيليون بعد أن تصبح فائضة عن
الحاجة ـ ويأتيك بالأخبار من لم تزود .
وسط هذا الحصار المعنوي والنفسي والمادي كنا
نراهن علي الأوضاع العربية ..كنا نقول .. والطائرات تدمر وتحرق .. لا يعقل أن
تحاصر مدينة عربية وتقصف بهذه الوحشية ، ويموت سكانها بالآلآف ، دون أن يتحرك
الوطن العربي ، كنا نتصيد أخبار العدو والصديق ، الأخبار المعادية والصديقة ،
تحركت أوساط تقدمية إسرائيلية ضد الحرب ، ومازلنا ننتظر تحرك الأوساط العربية ،
كنا نراهن علي الزمن ، وهذه المراهنة ، تعني استمرار الصمود وصد المعتدين ، في هذا
الجو النفسي ، لفت انتباهنا خبران
الاول
يقول ـ شكلت أحزاب المعارضة في مصر لجنة عليا ،
للتضامن مع الشعبين اللبناني والفلسطيني ، وقد إشترك فيها حزب التجمع التقدمي
الوحدوي وحزب العمل الأشتراكي ، وأعلنت اللجنة أنها سوف تنظم مسيرات للتضامن وتقوم
بحملة موسعة لجمع التبرعات ، وتنظيم المؤتمرات للكشف عن جرائم العدو الصهيوني في
لبنان ، ودور الولايات المتحدة التآمري ، في هذه الحرب ، بهدف ضرب المقاومة
الفلسطينية ، وإلحاق دول عربية أخري بكامب ديفيد .
الثاني
يورد أن امنيون روبنشتاين من حركة سينوي من
الكنيست الإسرائيلي قال مخاطبا مناحيم بيجن ـ أنتم قلتم أن هذه الحرب سوف تنتهي
خلال 48 ساعة ، أما وقد ثبت أن هذه أطول حرب في تاريخ إسرائيل ، فإنه ينبغي عليكم أن تواجهوا الواقع ،
وتضبطوا أنفسكم ، وأن تتخلوا عن الكذب .
ـ ـ الجمعة 25يونيو/حزيران 1982م
اليوم الرابع والعشرون للحرب
كان هذا اليوم وحشيا متميزا في عنفه وتدميره ،
فقد شمل القصف الجنوني مناطق واسعة من مدينة بيروت الوطنية ، إبتداءاً من مستديرة
المطار حتي كورنيش المزرعة والجامعة الأمريكية ، مرورا ببرج البراجنة وبئر حسن
والرمل العالي وحارة حريك والرملة البيضاء والفاكهاني والطريق الجديدة ومخيمي صبرا
وشاتيلا ، واستمر القصف الوحشي المدمر المحرق حتي الساعة السادسة مساء ، منتهيا
بغارة قوية علي مقابر الشهداء.
وسط هذا الخراب والدمار ، جاء خبر إستقالة ـ هيج
ـ وزير الخارجية الأمريكي ، ليؤكد أن صمود بيروت الوطنية قادر علي أن يحدث العديد
من التطورات ، وفي الوقت نفسه ، أعلن السيد وليد جنبلاط عضو هيئة الإنقاذ الوطني
إستقالته من الهيئة ، كذلك إستقالة رئيس الوزراء شفيق الوزان وستة وزراء من
الحكومة اللبنانية ، كذلك طيرت وكالات الأنباء خبراً غير عاجل ـ أثار ضحكنا المر ـ
يقول الخبر ..
قرر وزراء خارجية الدول العربية ، عقد مؤتمر طارئ
لهم يوم الثلاثاء القادم في تونس ، لبحث إمكانية عقد مؤتمر قمة عربي حول الإجتياح
الإسرائيلي للبنان .
كان الخبر مرا ومضحكا .. وشر البلية ما يضحك ..
ولما كان القصف الجوي والبري والبحري ، مايزال مستمرا ، ولم يستثن منطقة ، قررنا
إنهاء اجتماع هيئة التحرير بسرعة ، بعد الأتفاق علي أفكار افتتاحية العدد الرابع
حول الموقف العربي ، وقد صدر العدد صباح السبت 26يونيو/حزيران 1982م وعلي صفحته
الأولي الأفتتاحية بعنوان ..
ما يبكي لا يضحك ، وما يضحك لا يبكي هذه المرة ..
وجاء فيها ..
زفت الأنباء ، أمس ، بشري هامة من تونس ..
يوم الثلاثاء الماضي ، القادم لا المنصرم ، سيعقد
وزراء خارجية الدول العربية ، الأعضاء في جامعة الدول العربية ، إجتماعا استثنائيا
لبحث إمكانية عقد مؤتمر قمة عربي لبحث الإجتياح الإسرائيلي في لبنان .
لماذا ، لماذا يحرق أصحاب قمة الحضيض العربي
بصلهم وثومهم ؟أليس في الوقت متسع للمزيد ، للمزيد من إبتلاع الأرض والناس ؟ إذ لم
يمض علي الغزو الإسرائيلي العسكري والإجتياح الأمريكي السياسي غير ثلاثة أسابيع ،
ثلاثة أسابيع فقط لا تشكل برهة صغيرة في تاريخ الحكم العربي الخالد ، ولاتكفي لترد
فيها الدول العربية ـ وهي كثيرة كالنفايات ـ علي أكاذيب المبعوث الأمريكي إلي
لبنان التي زعم فيها زوراًوبهتاناُ أن هناك قراراُ عربياً ودولياً بتصفية المقاومة
.
لا .... لا تكفي اسابيع من حرب اليهود الأخيرة ،
في تصورهم ، لتثيت صحة مزاعم المبعوث الأمريكي القبيح القلب والوجه والنوايا .
فلماذا ، إذن ، تكون الدول العربية علي عجلة من
أمرها ، فتنادي ليقضي وزراء خارجيتها ساعات صعبة في تونس ، يختلفون فيها علي تحليل
خلفية العدوان وأهدافه ، وعلي تعريف مادة البترول .
هل هو سلعة تجارية أم سلاح سياسي ..
سيطلبون الجدل ، ولايسمعون بعضهم البعض ، لأن
آذانهم علي أجهزة الراديو عساها تحمل إليهم النبأ الذي طال انتظاره ، والذي سيطول
انتظاره ثم ينفضون علي أمل الإجتماع ثانية بشرط أن يتم خراب بصرة .
العجلة من الشيطان ياعرب ... ناموا ، ونحن نحرس
نومكم إلي الأبد .
نخن الواقفين وراء متاريس الرمل والصبر في بيروت
.
نحن العرايا أمام أحدث الطائرات .
نحن المدججين بأقوي الأسلحة .. الإيمان والإصرار
علي الصمود والقتال . ندعو الدول العربية إلي التخلي بهدوء الأعصاب وضبط النفس ،
لأن العدو الغادر بنصب لكم فخ الدفاع عن الوطن وعن النفس فأجتنبوه
ويقترب من أسرتكم فاذهبوا إلي الحمام .
الهدوء .. الهدوء ،
لأن هناك متسعاً من الوقت ..
فمازال في خزانات الطائرات الإسرائيلية مايكفي من
البنزين لإحراق عشرين ألف طفل من الشعبين الفلسطيني واللبناني
ومازال في مستودعات الأسلحة الأمريكية مايكفي
لإبادة مكة .
ومازال في بيروت بعض الماء والمعلبات والأكسجين .
ومازال في سماء العرب المفتوحة ممرات كثيرة
للمزيد من قاذفات القنابل .
ومازال في البحر الأبيض مكان لمزيد من الغواصات
والبوارج والمعاهدات الدولية .
ومازال في بيروت أهداف مدنية كثيرة لم تقصف .
فلماذا العجلة ، والعجلة من الشيطان .
الأن ما يبكي قد يضحك ؟
ولأن ما يضحك قد يبكي ؟
أما إذا كانت الدول العربية قد أختارت يوم
الثلاثاء القادم موعداً لتأبين الثورة الفلسطينية وتشييع جنازتها .
فإننا نستميحها عذراً ، ونطالبها بالتريث
وبالتريث كثيراً ، لأن الثورة الفلسطينية ، الأن وغداً ، هنا وهناك ، هي التي
ستعلن وفاة تاريخ كامل من العروض ، وستهيل التراب علي الوضع العربي الرسمي الذي
أغتصب شرعية حكمه الوحيدة من رقبة فلسطين . وشتان مابين لعنة عام 1948م ولعنة
1982م .... ولن نغفر .
كتبها الشاعر / محمود درويش
كان إستمرار الصمود والتصدي في خطوط القتال وخلف
المتاريس ، يطور من إمكانياتنا ، ويضع أمامنا كل يوم أفكاراً جديدة ، نسهم من خلال
تطبيقها وممارستها في توضيح الرؤية
أمام المقاتلين ، وندعم صمود المواطنين وصبرهم ، حيث أصبحت بيروت الوطنية تلالا من
الرمل والحجارة ارتفعت المتاريس في كل الشوارع ، وفتحت الحفر في زوايا الشوارع
ووزعت حقول الألغام في كل المناطق التي من المحتمل أن يستهدفها انزال العدو ،
ويحدث أن تكون سائراً علي الإقدام في كورنيش المنارة ، وفجأة تقطع الطريق ، ويصيح
فيك مقاتل .. رفيق .. إحترس .. أمامك حقل ألغام .. بيروت كانوا في الوطن العربي
يعتبرونها مدينة الملاهي .. مدينة أجازات نهاية الأسبوع ، ليت الوطن العربي كله ،
انتقل إليها كي يتعلم ويعرف ماذا يصنع قرار الصمود والقتال ، هل صحيح كل ماتفعله
بيروت هذه الأيام بالعدو الصهيوني المتغطرس ، هل صحيح هذا ؟
بدأ العديد من الكتاب والصحفيين ، يذهبون إلي
خطوط القتال ، ومتاريس الصمود ، يسجلون شهادات ميدانية مع المقاتلين المدافعين عن
بيروت ، ومع المواطنين العاملين خلف خطوط القتال ، ومع الأشبال والمهجرين عن
مشاكلهم اليومية ، وبدأت الشهادات الميدانية ، تشكل بابا ثابتا في إعداد الجريدة ،
ولها نكهة خاصة ، فهي مادة حية ، ننقلها من خطوط القتال مباشرة لذلك أصبح لها
الأولوية في النشر علي باقي المواد .
تطورات الجبهة الثقافية في وجه العدو وحصاره ،
كنا كل يوم نستلهم أفكاراً جديدة من واقع الصمود والتصدي ، بدأ الفنانون يحملون
آلاتهم الموسيقية البسيطة للمستشفيات
وأماكن سكن المهجرين يهزجون أغنيات النضال والتحدي كان هذا الجهد الفني
النضالي له تأثيرات فاعلة ، أحس المقاتلون والمواطنون أننا معهم بكل ما نملك من
طاقات وفعاليات ، بدأ الجميع في المدينة المحاصرة ، يتصرفون كأسرة واحدة ، يتهددها
الخطر ، ويلزم رص كل الجهود لفك الحصار ، ودحر الغزاة ، من الأغنيات الأولي التي
أنطلقت أثناء الحصار ، ونالت شعبية كبيرة ، ورددها المقاتلون والمواطنون أغنية
أملوا الطرق سلاح .. من كلمات زين العابدين فؤاد وغناء عدلي فخري والحانه ..
من صـبرا ... للمنارة
من الحــمرا .. للشياح
تهتف لنا الحــــــجارة
امـلوا الطــرق ســلاح
سلاح . سلاح . سلاح
نحمي ظهور الشوارع
نحمي شمس الـصباح
نحــميها
بالمدافــــــــع
من بيت لبــــــيت لبيت
نحـــمي كل البــــيوت
نســـقي قـــــنديلنا
زيت
وتعيشي يا بيروت
ـ ـ صوت فلسطين .. صوت الثورة الفلسطينية
في هذه الأثناء ، كانت إذاعة الثورة الفلسطينية ،
تقوم بدور نضالي كبير وفاعل ، أسهم في دعم صمود النقاتلين والمواطنين ، وكان عليها
أن تعمل في ظروف صعبة للغاية ، فهي تنتقل من ملجأ إلي آخر ، ومن منطقة إلي أخري ،
حسب الظروف الأمنية ، وكي لاتصطادها طائرات العدو التي لم تترك مربعا دون قصف
وتدمير . التف عدد كبير من الكتاب والصحفيين والمذيعين والمذيعات ، من غير
العاملين أصلا في الأذاعة ، حول مقراتها المتنقلة ، يكتبون المقالات والتعليقات ،
يرصدون المعارك والتقارير العسكرية وأخبار العدو ، ويذيعون علي الهواء مباشرة ،
والقصف المدفعي والجوي مستمر قريبا منهم في كل الأتجاهات ، كانت الأذاعة دائرة
نضالية ، لها تأثيرها المباشر في المقاتلين والمواطنين . كان الرد علي الحملة
النفسية لإذاعة العدو الإسرائيلي ، وإذاعة حزب الكتائب جزءاً أساسياً من مهماتها .
لم يكتف العدو بالحصاد المكاني للعاصمة ، ولكنه
عمد إلي حصار نفوس الصامدين فيها ، لذلك كان دور الإذاعة مهما في تفنيد الشائعات
والأكاذيب .
ـ ـ الأثنين 28 يونيو/حزيران 1982م
اليوم السادس والعشرون للحرب
بلغت الحرب النفسية اليوم ذروتها ، فالمبعوث
الأمريكي فيليب حبيب في قصر بعبدا ، يوزع شروط العدو المذلة ، وسط تآمر الرئيس
سركيس ووزير خارجيته فؤاد بطرس ، وأحاديث بشير الجميل وتصريحاته ، وتلفيق الأخبار
والأشاعات التي تهدف النيل من صمود المقاتلين والمواطنين . طغي اليوم علي الأنباء
خبر تناقلته وكالات الأنباء ، وروجت له إذاعة العدو في الداخل ـ الكتائب ـ ، حول
قرب وصول خمس سفن مصرية لإخراج الفدائيين الفلسطينين ، ونقلهم إلي مصر ، وقد نفت
الخبر منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة المصرية ، كان واضحا أن هذه الحملة
النفسية سلاح جديد من أسلحة العدو ، يصعد استعماله كلما تطور صمود المدينة ،
وتعالت متاريس الرمل في شوارعها .
كان عملا شاقا لنا متابعة كل ما تبثه إذاعة العدو
الإسرائيلي ، وإذاعة الكتائب ، وما تلقيه الطائرات من منشورات ، للرد عليها ،
وتفنيد ما فيها من شائعات وإدعاءات ، ضمن هذا الخط التعبوي ، كانت افتتاحية العدد
ـ السادس ـ الصادر صباح الثلاثاء 29 يونيو/حزيران 1982م ، للرد علي الحملات
النفسية ..
كل الرهان علي الصمود
قذائف المنشورات التي ترسلها الطائرات
الإسرائيلية الأمريكية منذ يومين في سماء بيروت الوطنية هي فصل آخر من فصول الحرب
الأسرائيلية الأمريكية فما لم تستطع هذه الحرب تحقيقه عن طريق القتل والدمار
والأرهاب المادي . تحاول تحقيقه بطريق الأرهاب المعنوي ، إنها حرب نفسية تسعي
لخلخلة الصمود وتدمير المعنويات ، يساعدها في ذلك هذا الصمت العربي المتنامي وهذا
العجز الدولي المتفاقم أمام العربدة الأسرائيلية الأمريكية ، التي واجهت بوقاحة
قبل أيام منفردة ، الأجماع الدولي علي إدانة إسرائيل وطلب إنسحابها دون قيد أو شرط
.
وأمام هذا ، نملك أن نقول أن الأمر فاق المعادلات
الدولية ، وتخطاها حتي حدود التفرد والأنفراد اليهودي الأمريكي بالشعبين اللبناني
والفلسطيني تفرد وإنفراد تجاوز كل التوقعات وكل المراهنات ، هل كان أبوعمار علي حق
عندما قال خطنا الأحمر دمنا الأحمر؟ وهل نحن فعلا في زمن سقطت فيه كل الخطوط
الحمراء والصفراء والرمادية ؟ هذه تساؤلات تطرح الكثير مما يتعلق بالمستقبل القريب
، مستقبل النضال الفلسطيني الذي يمضي رغم قسوة الأوضاع بكل زخمه ، فنحن لا نملك
الكثير مما يتعلق بالمستقبل القريب ، مستقبل النضال الفلسطيني الذي يمضي رغم قسوة
الأوضاع بكل زخمه ، فنحن لا نملك سوي نضالنا ، ولن نراهن علي غير صمودنا ولن نقف
مكتوفي الأيدي أمام طروحات حبيب ، والطروحات الأسرائيلية وطروحات السلطة اللبنانية
التي استمرأت الأحتلال والتي بات أطرافها ينظرون لاستمراره ..
حرب نفسية وإشاعات وقذائف ورق جوالة تتناثر في
أنحاء بيروت الوطنية ، وأحلام يسقطها الذين يحلمون بالخيانة والذين لا يحلمون ،
مرة سفن مصرية تحملنا عبر البحر ومرة الصليب الدولي ينقلنا بسياراته وعلمه عبر
الجبل ومرة الولايات المتحدة تفتح لنا معبرا وممرا .. وإشاعات وأحاديث وحرب نفسية
ضارية ضروس .. هي قوة لنا وليست ضعفا وهي تؤكد صضمودنا وتثبته ولا تلغيه .
فما يجري علي الأرض غير مايجري في الأحلام ، وفي
دهاليز السياسية المتآمرة ، علي الأرض المقاتلون رابضون متربصون متخندقون ، وعلي
الأرض تعلو المتاريس وتنتشر حفر الألغام ، وعلي الأرض تكون شمس بيروت الساطعة
وبحرها الأزرق ، الحقيقة التي نحتضنها ونحميها بجفننونا نضعها في حدقات عيوننا .
هذه الحقيقة التي نعلمها . ونعلمها . ونعلم حقيقة
أخري . وهي أنه رغم كل ما حولنا فان صمودنا يصنع المعجزة . هذه ليست غيبية تقربنا
أو تبعدنا عن هذا المفجع الذي حولنا ، ولكنها .. أمل يتملكه الثائر ويصنعه .
وإلي حين الرهان القادم شاء المهزومون أو لم
يشاءوا .. كل الرهان علي المقاتل والجماهير .. كل الرهان علي الصمود .