4 ـ صور قصصية

 

 

رشاد أبو شاور

 

خضر

خضر ولد صغير ، خضر في الثامنة ويدوبك جميل شعره ينسدل حول رأسه ، عيناه صافيتان ، إنه أسمر وأبيض ، بني فاتح ، هادئ ، يبتسم بحياء ، إنه يذكرني بأبني الطيب ، ولو أن الطيب ولد أونطجي شوية ، الطيب الشجاع الذي يذهب في منتصف الليل فيحضر لنا ما نريده والذي يحكي لنا تفاصيل ما جري معنا قبل سنوات ، لكنه مع ذلك لا يحب المدرسة.

خضر ليس في المدرسة ، رغم إنه في الثامنة ، سألته .. ليش يا خضر أجاب .. ما بعرف ، خضر يا ناس لا يعرف لماذا هو ليس في المدرسة ..

قلت له سأحضر لك قصص حلوة فيها صور ملونة ، فابتسم وقال أنا ما بعرف أقرأ ، ليش.. قال .. أنا مش في المدرسة ، خضر ، إذن ، ليس في المدرسة ، وخضر الطفل اللطيف ، المهذب ، الذي يحضر الشاي والقهوة والماء للمقاتلين ، والذي طيلة النهار في الشارع رغم القصف البري والبحري والجوي ودوي القصف . خضر ، هذا ، ابن ناطور البناية ، وناطور البناية رجل هادئ ، شعره شائب ، وجهه حزين ، وهو يتساءل بمرارة لك ،كيف هيك عم بيصير ، كيف الناس بتتذبح والعرب يتفرجون .

قلت له .. يا أبو خضر ، ليش ما بتعلم خضر ، ابتسم قليلا ، وهز كتفيه وقال ..ما في مدارس ، ما في فلوس للمدارس . بعدين خليه يطلع راجل ما بدي إياه يتعلم . خضر الطفل الذكي الوسيم ، ابن هذا الرجل الطيب الذي يقدم كل شيئ لمن حوله لا يجد مدرسة ، فيا تري هل الغرباء ، هم سبب عدم دخول خضر في المدرسة ، فيا تري هل الغرباء ، هم السبب في عدم دخول خضر المدرسة ، وهل الغرباء هم سبب نوم أسر النواطير في بيوت الدرج ، وهل الغرباء يا خضر هم سبب فقر الجنوبيين ، وهل الغرباء يا خضر هم الذين يقصفون بيروت من البر والبحر والجو ؟

تعال خضر معنا . فهذا مكانك لأننا جميعا غرباء في أوطاننا . وإلي أين يصبح الوطن وطنا ، وينحرك الدم العربي وينتفض ويقاتل .. سيظل كثيرون مثلك بلا مدارس . لكنهم ، من مدرسة الحياة ، سيتعلمون وسيعرفون من حرمهم القراءة ، ومن سرق عرق آبائهم ، ومن أحضر الصهاينة لقتلهم وتدمير طفولتهم

يا خضر ، سيأتي ـ الخضر ـ يركب فرسا خضراء ، وبيده رمح ، وسيقتل التنين ويطهر الأرض ، ويعطي للإنسان بيتا وكرما ، وللأطفال أقلاما ودفاتر .

ويا خضر هذا الفارس هو . الذي تقدم له ، اليوم وسط الحصار شربة ماء وكوب الشاي .

ملاحظة .. قلت لرفيقي التونسي بأنني كتبت زاوية اليوم عن خضر ، فقال لي هذا الطفل أدهشني إنه يلاحقني طيلة النهار ، يريد أن يتعلم كيف يقاتل بالكلاشنكوف ، وعندما قلت له ..أعلمك القراءة ، قال لي بعدين .

المعركة ، العدد الثالث ، ص2 ،24/6/1982م

 

 

أحمد عويس

 

وجها لوجه التقيته ، إنه هو ، يده معصوبة ، فأين الأصابات .

تعانقنا . سألته

ـ أين اصيبت ؟

ضحك

ـ ـ هنا بين الأصابع ، يدي سليمة ، الأعصاب لم تصب ، شظية قرب لرئة . لكنها لم تعطب الرئة . شظية قرب الكبد لكنها لم تصب الكبد

في وجهه صفرة لكنه يضحك ، قال ..

ـ ـ يدي سايمة . يعني تنفع للضغط علي الآربي جي .

سألته ..

ـ ولكن ، أنت كنت تعمل في الأرشيف . وقبل أن اتمم ، قال ..

بصراحة . تعلمت زمان علي الآر بي جي . أطلقت قذيفة واحدة ، يعني تعلمت نظريا ، لما سألونا ـ وإحنا رايحين لخلدة مين بيعرف علي الآر بي جي قلت لهم .. أنا

ضحكت وقلت له ..

ـ يعني ، لا مؤاخذة ، كذبت عليهم .

ضحك وقال ..

ـ لو ما عملت هيك كان ما يسلموني الآر بي جي .

سألته ..

ـ ولكن كيف ضربنها

قال ..

ـ صار قدامي . ضربتها ، وهي تتقدم ، واستدرت وركضت بسرعة سمعت إنفجارها . ثم استيقظت علي الشباب وهم يركضون بي .

ـ والآن .

ـ ـ عشرة أيام في المستشفى كافية ، لأن الأصابات لم تكن قاتلة ها أنا ذا قد عدت ، أنا الآن رامي آر بي جي محترف ، لأنني بشهادة الجميع دمرت دبابة ، ألا يكفي هذا لأحمل سلاحي من جديد ؟

المعركة ، العدد السادس ،ص4 ، 15/6/1982م

 

 

عبد الهادي الشروف

 

 

أيناء البحر

 

محطة علي الطريق

 

في الطريق من صيدا إلي بيروت حيث يمتد هذا الجبل الطويل من ذكريات التعب والخوف والبطولة لم يكن من ثمة ما يستطيع أن يكبل هذا الحلم الفلسطيني الذي يتفتق ساعة الحصار والملاحقة عن أجمل أشكال الإبداع الإنساني ، كانوا ثلاثة ..رعد قائد المجموعة ، رسلان ، فادي ، تمكنوا من عبور عشرات المواقع والكمائن الإسرائيلية . والوقت قبل منتصف الطريق بقليل ، حينما وطأت أقدامهم المتعبة الشاطئ الممتد في منتصف الطريق إلي بيروت .

ولم يلحظهم كمين العدو المتقدم ، زحفوا إلي الشارع علي أيديهم وأقدامهم  ولم تكن المحموعة تتقدم بضع أقدام حتى إنهال عليهم رصاص العدو ، تقدمت مجددا بسرعة ، لحق رعد بالآخرين ، وعلي بعد 100 متر تقريبا تجمع الرفاق مجددا ، وانطلقوا يبحثون عن طريق يؤدي بهم إلي بيروت .

رعد قائد المجموعة والذي يعرف المنطقة شبر ، شبر يحمل بندقية يتمنطق بحزام يضم عددا من مخازن الكلاشينكوف ، وعدد من القنابل ورسلان يحمل سلاحه الفردي وجعبة الطعام والأسعاف ، فيما كان فادي يحمل قاذف البي 7 وأربع قذائف في جعبة ظهرية وكان عليهم أن يسبقوا خطوط الضوء الأولي للنهار .

 

الكهف

 

صغير كان يعرفه ، هنا لحسن أن الذكريات قد بدأت تتداعي أمامه بسرعة في الجوار مرابض جديدة لمدفعية العدو ، وهناك إلي اليسار معسكر جديد ، تحيط به الأسلاك الشائكة .

تمدد رسلان اتكأ علي جعبة للطعام ، مد يده يعبث بحبات التراب الرطب ، أما فادي الأسمر الخجول ، الذي يتحدث العبرية بطلاقه ، فقد تمطي قليلا ، ثم استلقي وإلي جانبه استلقي قاذف لبي سفن .

ولم ينبس أحد ببنت شفه ، فقد حدقت عيونهم عبر مدخل الكهف حيث يمتد سفح أخضر . فيما يغمر الفجر المكان ، ولكن ضجيجا أخذ يبدد الصمت في الخارج ، هدير آليات ، وأصوات تقترب ، أشار رعد بعينيه للرفاق بأنه خارج ليستطلع الأمر . ثمة سيارات مسلحة تقف في الشارع فوق الكهف بأمتار ، تراجع قليلا ثم نظر إلي السفح المقابل ، ثمة فسحة مكشوفة تفصلهم عن السفح المقابل حيث تتراص الأشجار . لا يمكن اجتيازها في الضوء الكهف هنا آمن قليلا . ولكن العطش . الزبد تتجمع في أشداقهم والإرتخاء بدأ يدب في أوصالهم . ولم يكن ثمة خيار سوى الانتظار حتى يهبط المساء 

 

 

العطش

 

تسللوا خارجين من الكهف باتجاه دير مهجور بعد أن اطمأنوا أن دورية العدو قد انسحبت . تسلق رعد المرتفع ، القي الحبل إلي رفيقه ، سحب أسلحتهم وحاجياتهم . أولا ، ثم تسلقا الجبل واحدا تلو الأخر .

أشار رعد بأن يسيرا خلفه . بحذر ، والعطش قد بلغ أشده لديهم ولكنهم ساروا . باتجاه الدير حيث الماء ، كان الوقت يقترب من الثانية صباحا وها هو اليوم الثالث يبدأ دونما ماء ، تشققت شفاههم ، ولم يكن ممكنا متابعة ، جلس الجميع خلف شجرة متهدلة الغصون ، ثم انتحي رعد جانبا ـ بال في علبة صدئة وشرب ، نظر فادي ورسلان بدهشة .. ولكنهما تبعاه بصمت ، ثم همس رعد لهما ، ليبق فادي هنا وبحوزته البي سفن وليكن جاهزا لأي طارئ ، أما رسلان وأنا فسنذهب إلي الدير لنحضر الماء ، تسلل رعد وتبعه رسلان يحمل قطرات الماء ، ثم تواريا بين الأشجار . الماء يقترب ، ورسلان يتلمظ استعدادا للشرب خمسة أمتار تفصلهم عن البئر ، وقبل أن يقفز رسلان نحوه لاح جندي إسرائيلي إلي جانب البئر ، وقد خلا سلاحه في الجهة المقابلة ، فتوقف في الوقت الذي امتدت فيه يد رعد إلي الوراء ، تراجعا بخفة ، بانتظار الليل .

 

الاشتباك

 

لم يكن ممكنا الانتظار حتى المساء ، الآن فقط شعروا بأن الموت بأي طريقة أخرى أسهل من الموت عطشا ، ومرة أخرى عاد رعد ورسلان باتجاه الدير ولكنهما سلكا طريقا مغايرة عن الأولي وبمجرد أن أصبحوا علي بعد أمتار من الماء انطلقت الرصاصة الأولي باتجاههم ، تدحرج رسلان خلف شجرة وتسلل ، فيما قفز رعد فوق منزلق صخري لعدة أمتار ، سقط بقوة وشعر أن شيئا ما قد حدث لساقه اليسرى ، تحسس مكان اصابته القديمة .ثمة كسر في الساق ، علق بندقيته في عنقه ، وتبع رسلان علي قدمين وساق ، انطلقا بأقصى سرعة إلي حيث ينظر فادي وكأن المكان خال ، نادي رعد لم يجب أحد ، الانتظار ليس ممكنا ، وبمجرد أن غادروا المكان حتى بدأ القصف المدفعي ، ورصاص الرشاشات باتجاه السفح المقابل حيث اعتقدوا أن الانسحاب قد جري نحوه ، ومن بين هدير القذائف وازيز الطلقات

تناهي إلي المسامع صوت فادي ، ينادي ، ولكن أحدا لم يستطع تحديد مصدر الصوت .. كما لم يكن ممكنا أن يفعل أحد شيئا .

نظر رعد إلي رسلان بعد أن تمددا خلف قاطع صخري قصير ، وهمس في اذنه ، ليس أمامنا إلا أحد أثنين ، أما الانسحاب باتجاه البحر ، أو البحث عن البي سفن للقيام بعملية انتحارية ، ولكن البحث عن القاذف لم يعد ممكنا بعد أن جاء المساء .

سار مع القاطع الصخري باتجاه الشارع المعبد ، رعد يقفز علي قدم واحدة ، ورسلان يلهث خلفه ، إلتصقا بالصخور وقد حولت قذائف التنوير المكان إلي ضوء ساطع .

 

الماء

 

تابع رعد ورسلان المسير بحذر ، انحدرا مع السفح باتجاه البحر ، رعد يتحسس ساقه المكسورة التي لم تعد تقدر علي حمله ، ترنح قليلا ، ثم انحني من شدة الألم ، مد يده إلي الأرض لتقيه شر السقوط ، ارتطمنا بشيء معدني . تحسسه برفق ، ماذا؟ ماسورة مياه ، لكز رسلان هامسا ، ماء ، ماء ؟

تقدما مع الماسورة ، أمتار قليلة ، حيث ينز الماء من الماسورة في بركة صغيرة ، انحني الاثنان دفعة واحدة فثمة ماء حقيقي ، ماء يشرب ، غبا الماء بنهم ، شيء شدهما فجأة إلي الحياة ، تمددا قليلا ليلتقطا أنفاسهما ، ثم تابعا المسير مجددا نحو البحر .

 

 

السباحة حتى بيروت

 

الأضواء الكاشفة تغمر الشاطئ ، ومسافة من البحر ، تقدما بحذر شديد نحو السور ، تكوما ملتصقين بانتظار أن تغيب الأضواء ، نهض رعد ، خلع ملابسه ، وأشار علي رسلان قرب الجدار ، اعد حفرة واسعة ، لف البنادق والعتاد بالملابس ، بعناية ثم أهال عليها التراب ، وتقدم نحو البحر علي أربع ، يتبعه رسلان ، ثم قفز إلي الماء ، كانت الساعة تشير لحظتها إلي منتصف الليل ، غابا بين الأمواج ، ها هما يعودان إلي البحر مرة أخري ، وربما من نفس المكان الذي تعلما السباحة فيه ، ساعات طويلة يقتربان من الشاطئ ليلتقيا انفاسهما بعض الوقت ، ثم يتابعان السباحة .

ها هو شاطئ الاوزاعي يقترب ، بيروت الوطنية تقترب انزلقا مع الموج نحو الشاطئ ، وقبل أن يجلسا تناهي إلي مسامعهم المتعبة صوت .

 

من هناك ؟

 

ـ رفاق

 

تقدما ببطء كمين للقوات المشتركة .. اقتادهما الحارس إلي مكان قريب ، ثم سيارة تنقلهما إلي قلب بيروت الوطنية سارت ببطء بين المتاريس . وقد ارتدت بيروت وجههما المقاتل الأليف

العودة ، العدد السادس والأربعون ، ص3، 25/8/1982م

 

الحرب ... السيارة .... والكذبة البيضاء

 

لماذا أنت غاضب هكذا ؟

 

بادرني بالسؤال وهو يقضم أظافره متجنبا النظر إلي .

شعرت بالحنق ازاءه .. وكنت قد هددت بأنني سأدق عنقه عندما يعود .

فسألته . لماذا تأخرت هكذا ؟

تعطلت السيارة يا رفيق . ولم تكن ثمة ورشة ادفعها إليها .. فتأخرت .

ولكنك تعرف أنها السيارة الوحيدة التي لدينا ، و بدونها لا نستطيع أن ننجز المهمة في موعدها . ثم أنهلا ليست المرة الأولي التي تفعل فيها ذلك ، خاطبته بغضب ، وودت لو أنني أستطيع أن أصنع شيئا يوقف هذه الفوضى لديه .

نظر إلي .. ونصف إبتسامة خبيثة تتجاوز حدود عينيه الضيقتين ، مرة أخري نحو أصابعه ، فبدأ قضمها من جديد ، ثم قال مداريا ز

تريد قهوة بالتأكيد .

حاصرني بخبثه الريفي ، وهو يلم الفناجين الموزعة بين الشرفة وطاولات المكتب .. واندفع نحو المطبخ يحضر القهوة ، متعمدا أن يصدر بعض الجلبة ليوهمني بأنه يقوم بجهد غير عادي ، قد يعوض عما اقترفه بحقي من آثام . دفعت ثمنها ساعات طويلة من السهر في المطبعة امتدت حتى السادسة صباحا ، عندما احتفظ بالسيارة حتى صباح اليوم التالي ..

لا أدري لماذا يذكرني نجيب وهو يقضم أظافره بابن خالة لي ، كنا قد أسميناه الحتس ، وكان قد قاتل في آيلول علي دوار مكسيم قتالا بطوليا ، استحق علي أثره ترقية ميدانية .

صحيح أن نجيب لم يطلق رصاصة في هذه الحرب ، لأنه يقوم بمهمة أخري ، ولكنني اعتقد أنه سيفعل ذلك بمهارة لو    كان في المواقع المتقدمة وصحيح أنه ينزوي سريعا بمجرد أن يسمع دوي قذيفة ولكنني المح لديه جرأة كبيرة تتواري خلف تاريخ طويل من القمع الإجتماعي والفقر الطويل .

ومع بداية الحرب غدا أكثر شفافية ، وأكثر قدرة علي اكتشاف ما هو جميل ، وربما أكثر قدرة علي اتخاذ قراراته بهدوء  وحكمة .

حدثني عن خطيبته قائلا ..

تريدني أن أبدو أكثر أناقة مما أنا عليه ، ولكنها الحرب والفقر .

وإذا فليكن ذلك بعد الحرب ، فأنا أريدك أن تبدو جميلا ، ووسيما ، كانت قد أجابته قال لي ثم تابع ، إنها محقة تماما ، أليس ذلك صحيحا ، أنت متزوج و لا بد أنك ووجهت بهكذا مطلب .

ابتسمت وأنا اربت علي كتفيه ، قائلا ..

ها أنت تكتشف بنفسك واحدة من حقائق الحياة .

ولكن يا رفيق ، قال مستدركا وقد علا وجهه شيء من الحيرة ، يقولون أن جيوشا عربية ستأتي لتحارب معنا في لبنان  ، متي ستصل هذه الجيوش ؟

مرة أخرى ربت علي كتفيه ، وقلت له ، متي تعتقد أنها ستصل ؟

تغضن جبينه قليلا ، ومد يده إلي مبدل السرعة بخشونة ريفية ، لم تغير المدينة منها إلا شكلها الخارجي ، فاندفعت السيارة أثرها تزمجر عند المنعطف المؤدي إلي المعهد الثقافي السوفيتي ، وفهمت عندها أنه عرف الجواب ، فقال بعصبية .. يبدو أن أحدا لن يأتي .

وبمجرد أن اجتزنا المنعطف ، انهمرت القذائف خلفنا ، بجنون واندفع نجيب يحث السيارة وهي تتلكأ ، يحثها و لا تطيع   فيما كان يقول بصوت خافت .

من يقبل أن يعيش في هذا الجحيم .

العودة ، العدد الثاني والستون ، ص4 ، 11/8/1982م

 

 

غالب هلسا

 

القيامة من تحت حقل البندورة

 

انتهت المجموعة من العملية بسرعة ، كانت مكونة من ستة أشخاص ، باغتت تجمعنا من ثلاث دبابات إسرائيلية في     

الشويفات دمرتها وانسحبت سار أربعة منهم في المقدمة وتخلف اثنان للحماية .

حدث ما لم يكن في الحسبان كانت هناك دبابة إسرائيلية  مختفية  لم تأمن المشاركة في المعركة ساعة احتدامها ، انتظرت حتى ابتعدت المجموعة مسافة كافية ، وأطلقت احدي قذائفها ،   أصابت الاثنين اللذين يسيران في المؤخرة ، رأي المتقدمون القذيفة تسقط فوق الاثنين ، وأنهم لا يستطيعون وهم علي بعد مائة متر من الدبابات الإسرائيلية ، فواصلوا مسيرتهم ، معتبرين أن الاثنين قد استشهدوا .

أصيب عبده بجروح خطيرة في ساقه ويده اليسري  تمدد في حقل البندورة تخفيه النباتات ، المحملة بثمارها الحمراء ، كان ينزف ببطء ، مد ذراعه وأمسك بمعصم الشاب الذي يتمدد قريبا ، واكتشف أنه قد فارق الحياة .

مضي اليوم الأول ببطء ، كان عبده يحمي رأسه من حرارة الشمس الشديد بشجيرات البندورة عليه أن لا يكثر من الحركة ، فهو في مكان متوسط بين قوتين ، كل منهما اصبعهما علي الزناد ، الإسرائيليون علي بعد مائة متر والقوات المشتركة علي بعد مائتي متر ، وكل حركة سوف تثير ريبة ونيران الطرفين .

في اليوم الثالث أخذت الكلاب تقترب من جثة الشهيد ، تحاول الانقضاض عليها ، اخذ يبعدها بيده السليمة دون صوت ، كانت تبتعد ، وتجلس علي مسافة قريبة تراقب ، عيونها تقول أننا لا نستطيع الانتظار ، مادامت تصر علي الانتظار ، فنحن موعودون بمائدة فاخرة ، مادتها اثنان بدلا من واحد .

يعود عبده إلي تأمل جرحه ، لقد تزايد الدود في ربطة ساقه ، وهو لا يستطيع طرده ، كما يطرد الكلاب ، مع برودة الليل ، يستغرق في اغماءه محمومة ، للحظات ، يستيقظ بعدها علي صوت الكلاب وهي تحيط بجثة الشهيد .

الانتظار الممل كان يشحنه توقع الموت القريب ، ها هي شمس اليوم السادس يأتي و لا جدوى سوي ازدياد جرحه ، والصراع المضجر مع الكلاب .

ولكن تغير ما حدث في اللوحة الثابتة ، هل هو حلم ها هو رجل طويل عريض ، يدخل حقل البندورة ، له مظهر وعليه ملابس فلاح ، يتأمل الفلاح البندورة يقطف حبات ناضجة منها ، ويمسكها بكفيه ، ثم يتوقف قريبا منه ويخاطب حبات البندورة هامسا .

ـ انتظر حتى هبوط الليل ، سوف أجيء لك .

قال ذلك بلهجة لبنانية عريضة ، وواصل سيره خارجا من الحقل ، يحمل حبات البندورة بين يديه .

هبط نوم ثقيل علي عبده ، فتح عينيه رأي النجوم محاطة بضباب يحد من ضيائها احس علي كتفه صوت يهمس .

ـ اشرب ..

استدار إلي الجانب الأيمن متكئا علي كوعه ، أخذ يشرب ، كان ماء بالسكر وعندما انتهي من الشرب ، همس له الرجل .

ـ كل

ـ ماذا ؟

ـ سندوتش جبن .

ـ قال عبده ...

ـ لا استطيع

وأخذ يتقيأ ، قال الرجل ..

ـ سأعود إليك .

وزحف مبتعدا

ما مدى جدية ذلك ، وإذا عاد ، هل يأتي بمزيد من الماء المسكر وسندويتشات الجبن والنقيوء ؟

ولكنه ما حدث خلاف ذلك تماما .

عند الفجر جاءت سيارة نقل القمامة اقتربت من الحقل ودخلته ، بدأ واضحا أن الطرفين ـ القوات المشتركة والقوات الإسرائيلية ، يعترضان علي دخول السيارة ، أحاط به رجال مجهولون ، انحنوا فوقه ، وألبسوه ثوبا أبيض وحملوه إلي داخل السيارة ، ثم أغلقوا أبوابها ، بتلك اللامبالاة المهنية ، وانطلقت السيارة .

استيقظ عبده علي مشهد غريب يده اليسري ملفوفة بالضمادات ، كذلك كانت النهاية الجميلة كما في الحكايات ولكن دون ميلودراما ، في اليوم الخامس عشر دخلوا إليه والبسوه ثوبا أبيض نظيفا ، قادوه إلي سيارة فاخرة تقف في الخارج ، وأدخلوه فيها ، هل يشكر ، هؤلاء الرجال علي العملية الجادة ؟

فجأة أخذت السيارة تسير في بيروت الغربية التي يعرفها ، وتوقفت أمام أحد البيوت ، أيضا الترحيب المقتضب ، والانتظار

انفتح الباب ، ومعه ضجيج أعقب صمت واحد وعشرين يوما ، ها هم رفاقه يندفعون نحوه ، مرحبين ، صاخبين متسائلين يسيرون إلي الخارج ، ثم يأخذونه لأحد الأماكن للنقاهة .

ويقول لي عبده ـ هذا ما حدث .

ساقه اليسرى ، في يده اليمني انبوب من المطاط ، مغروس في أحد عروقها

تكلم عبده ـ أين أنا ؟

اقترب من رجل وهمس ..

ـ أنت في مكان أمين ، جاء الطبيب وفعل كل ما يلزم ، اصمت الآن ، لأن الإسرائيليون في داخل المنزل ـ لا تخف إنه مجرد مرور روتيني .

وصمت عبده خمسة عشر يوما ، كل ما يحتاجه من علاج وطعام ونظافة . وإذا كانت له رغبة في الحديث ، فبإمكانه أن يتحدث فقط من الواحدة صباحا حتى الخامسة ، ولكنه شعر أن مضيفه يفضل صمته .

العودة ، العدد الثاني والأربعون ، ص4 ، 20/7/1982م

 

 

صور شخصية 

 

ناصر

عليك أن تستحثه ليرفع صوته ، فحديثه هامس ، الأغلب أنه خجول ، فلقد طلبت منه أن يتحدث عن المعارك التي خاضها / واكتشفت بعد قليل أنه يتحدث عن معركة لم يشارك فيها ، وعن مقاتلين شجعان لم يعتبر نفسه واحدا منهم .

ولم أخرج منه بشيء

كنت ألقاه بذلك الوجه الباسم الوديع ، الذي يشبه وجوه الذين يعانون صعوبة في السمع ، كان أصغر سنا ، وأكثر وداعة من أن يقحم نفسه في الحديث ولم يكن ينظر إليك وأنت تتحدث ، فتشعر أنه لا يسمع ما تقول .

في ناصر تواجه نحديا لمفهوم البطولة ، ولكن ناصر كان إنسانا عاديا ، لم يكن الوجه الذي تركز عليه وسط الحشد من الناس .

وعندما استشهد شعرت أنه كان علي أن أعرفه أكثر ، قليل جدا من الأشخاص والأحداث من نود أن نعرفهم بشكل أكبر عندما يعبرون بنا .

 

صالح

 

سوف يأتي الزمان الذي أتحدث عنه باستفاضة ، هنا اكتفي برسم خطوط عامة .

هو نوع فريد من العسكريين ، يجتمع عنده المفهوم العسكري بالفكر السياسي . والسياسة بالنسبة له هي إعادة صياغة الإنسان . الإنسان ، بالنسبة له مشروع طويل الأمد ، مادة ثمينة ، يجب التعامل معها بكل الجهد والحذر .

يقول لي ..

ـ لماذا تهملون الأطفال ؟

ـ ماذا نفعل بهم في مثل هذه الظروف ؟

ـ نستطيع الكثير .

ـ مثلا

يقول ..

ـ لماذا لا نكتشف إمكانياتهم ، نوزع عليهم دفاتر الرسم والألوان ونطلب منهم لأأن يرسموا

ـ هذه فكرة جيدة

ـ نطلب إليهم أن يكتبوا .

ويقول لي مرة أخري.

ـ المقاتلون يعانون من الفراغ

أوافقه .. يخاف أن تنشأ العادات السيئة في قلب هذا الفراغ ، يقترح توزيع الشطرنج عليهم ، أقترح توزيع الكتب عليهم وإجراء مباراة للقصة والشعر بينهم ، علينا أنه رجل عسكري .

في علاقته بالمقاتلين لا يلقي أوامر ، بل يدور حوار ، يكون دائما علي استعداد أن يمضي فيه بلا نهاية .

حين كنت أقابله ، كان يخيل لي أن ليس وراءه عمل ، يستقبلني بذهن صاف ، وبتركيز من يهب نفسه للحظة التي هو فيها شيء ما يجعل الموقف مفرقة .. ظلام القبو ، الفراغ ، الرسائل الواردة من ساحات القتال ، يقابلها هذا الحديث ـ الهام عن الأطفال ، والمثقفين ـ وأوقات فراغ المقاتلين ، والمفارقة تمتد إلي أبعد من ذلك ، الهدوء والرقة من بطل من أبطال تل الزعتر ، ومقاتل يمزق الهجمات الإسرائيلية الواحدة تلو الأخرى .

لم أره غاضبا قط ، لم أسمع صوته يرتفع عن جرسه العادي ، لكنني رأيته حزينا ، حزينا جدا ، عندما استشهد ناصر .

العودة ، العدد الثالث والستون ، ص4 ، 12/8/1982م

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة