![]() |
2 ـ كتابات وجدانية
ـ ـ د / أحمد أبو مطر
الإسرائيليات وأثواب الحداد
روي أحد القادمين من بيروت الشرقية العديد من
الحكايات عن الحفاوة التي يستقبل بها الجنود الإسرائيليون ، وقال مراسل للإذاعة
الإسرائيلية أن الإسرائيلي يشعر وهو يتجول في بيروت الشرقية وكأنه في حي من أحياء
تل أبيب ، وشارون ينزل في فندق الكسندر في الأشرفية في أية لحظة دون حجز مسبق وله
حسومات خاصة ، وذكر مصدر خاص معروف بالثقة أن الجنود الإسرائيليون يتهافتون علي
شراء العطور والأجهزة الكهربائية من محلات الأشرفية وبعبدا ، وأنهم يفاوضون في
مسألة الأسعار بدقة تذكر بشخصية اليهودي في مسرحية شكسبير ، واستنادا إلي ما سبق
لو تخيلنا حوار بين جندي إسرائيلي وخطيبته أو زوجته حول الأغراض التي أحضرها لها
لوجدناه كالتالي ...
الزوجة .. ماذا أحضرت لي من الأشرفية ؟
الجندي .. زجاجة عطر رائعة .
الزوجة .. وماذا أحضرت لي من الحازمية ؟
الجندي .. جهاز تليفزيون ملون .
الزوجة .. وماذا أحضرت لي من بعبدا ؟
الجندي .. أروع الملابس وأحداثها .
الزوجة .. وماذا أحضرت لي من بيروت الغربية ؟
هنا .. توقف الجندي الإسرائيلي عن طلاقته في
ردوده . وغابت ابتسامته .. وعلاه حزن .. وأخرج لفة صغيرة مربوطة بأحكام .. قدمها
للزوجة ، وهو يقول والدموع تنزلق علي خده . . من بيروت الغربية أحضرت إليك يا
حبيبتي ... ثوب الحداد .
إن هذا المشهد المتخيل له ما يدعمه من هذه الحرب
الطويلة ، ومن معارك الأيام السابقة ، فسوف يسجل التاريخ العسكري للجندي
الإسرائيلي أن بيروت الغربية عرفته معني العذاب والموت ، سوف يسجل التاريخ
الاجتماعي للمرأة الإسرائيلية أن بيروت الغربية عرفتها كيف يموت الأزواج الأعزاء ،
وهم ينفذون أطماع الفاشيست الجدد ، بيغن و شارون ، كما عرفتهن كيف يلبسن أثواب
الحداد الأسود والمصنوعة من بيروت الغربية ، من أشهر الماركات المحلية ، ماركة
اسمها القوات المشتركة .
المعركة ، العدد الثاني والعشرون ، ص2 ، 16/7/1982م
أيها الغجري لمن تركت الرصيف ؟
مات ؟ لا
لكن دعيني يا رياح الظن أبكيه .. دعيني
لا تلمي مزق الأشلاء يا ريح
سيقضي الصيف مهموما
إذا لملمت دمعي وشجوني
سهرنا ليلة الأربعاء حتى الفجر ، كانت المطبعة
صاخبة ، ضجيج آلاتها لا يجعلك تسمع القذائف والصواريخ ، وكان كعادته صاخبا يضج
بالحركة رغم الحزن والمرارة ، كان يضحك وينكت وبين لحظة وأخري يراجع مواد جريدة
الرصيف وكلما عثر علي مادة طريفة أو مادة مثيرة ، يناديني كي نقرأها معا .
أيها الغجري
أيها الفلسطيني الطيب
أيها الفلسطيني كحد السيف
هل فعلتها ، القذائف حق ، أم أنها واحدة من
حماقاتك الكثيرة عندما جاء خبر استشهاده ، قلت لا هذا الرصيف هذا الغجري لا يموت
قالوا بلي ، أمس ، قلت هذا العلاوي لا يموت ، ليلة أمس رويت له كيف أختفي الشاعر
السوري مصطفي البدوي عن أحبائه ، مشيعا خبر وفاته ، فرثوه دمعا وقصائد ، ثم ظهر
عليهم في المقهى مبتسما .. بس الآن عرفت أنكم تحبوني .. فهل أعاد هذا العلاوي
تمثيل المشهد ؟ قالوا لا .. كان ضاجا بالحركة والحياة ، وعلي الرصيف هوى الجواد .
أيها الغجري علي فودة
كانت حمقاتك كثيرة . إلا أن شجاعتك كانت أكبر ،
لذلك تسبقنا في طريق الشهادة .
و نادرا ما نلتقي
وحدها الطلقة قد تشعلنا
تطفئنا
وحدها الطلقة قد تجمعنا
نادرا ما نلتقي
علي فودة
علي الرصيفي
علي الغجري
علي الفلسطيني الطيب
أين تذهب ؟ ولماذا ؟ما زلت غير مصدق كنت أعتقد أن
جسدك يستعصي علي القذائف والرصاص في بداية الحرب . ادهشني حملك الكلاشنكوف وكان
شعرك الأشيب ، علامة مميزة لذلك اهتدت إليك القذيفة بسهولة .
.............
قلت له علي أمس شاهدتك في مشهد مثير ، جعلني
أقدرك ، كان جميلا أن توزع جريدة الرصيف بنفسك في الشوارع وأنت رئيس تحريرها قال
.. وماذا كنت ستقول لو شاهدتني مع الشباب ، نوزعها بأيدينا علي المقاتلين في كافة
القواطع ووسط القصف ، قلت له .. عند موتك سأرقيك بحرارة .. ضحك وقال .. لسه بدري .
.............
وغادرنا المطبعة مع ضوء الصباح ، وفي السادسة من
صباح الأربعاء ، بدأ يوم الجحيم ، وكعادته ، حمل جريدة الرصيف ، وذهب إلي قواطع
القتال وفجأة لمعت شعراته البيضاء ، بلونها الأشيب علي شاشة تليفزيون البارجة
الإسرائيلية ، فأرسلت له قذيفة حارقة ، اغتالته علي الرصيف الذي عاش حياته فيه ومن
أجله وهكذا استشهد الزميل الكاتب علي فودة .
المعركة ، العدد الثالث والأربعون ، ص4 ، 7/8/1982م
السفر نحو الوطن
كان يوم أمس مميزا وحادا وباترا وقاطعا في حياة
الفلسطيني 21/8/1982م لا يمكن أن يكون يوما عاديا ، إنه يوم ، يبدأ فيه الفلسطيني
مسيرة آلام جديدة ، لا تقل عن المسيرة التي عاشها بدمه وروحه طوال ما يزيد علي
ثلاثين عاما ، كان الوطن دوما هاجسه وحلمه أحيانا يقترب فيصبح بحجم القارة ،
وأحيانا يبتعد ليصبح بحجم البرتقالة ، أمس عندما انطلقت جموعهم نحو ميناء تخيلت
موانئ فلسطين عام 1948 عندما حملتنا ألواح الخشبة إلي المنافي العربية ، ومرت
سنوات قليلة ، تمكن شعبنا من تجاوز آلام المخيمات وذلها ، انطلق في ثورة نقلته من
شعب من اللاجئين إلي شعب من المحاربين واستطاعت هذه الثورة بصمود هؤلاء المسافرين
أن تجعل القضية الفلسطينية في قلب كل بيت فرنسي ، كما قال الرئيس ميتران .
واليوم ... يبدأ شعبنا الفلسطيني ، مرحلة صليب
جديدة ، فبينما الآلم والمرارة والحزن ، يبدأها وهو مسلح بخبرات نراكمت لديه ،
طوال السنوات الماضية ، خبرات تؤهله لأن يتجاوز الألم والحزن والمرارة ، كي يبدأ
ثورة جديدة مختلفة مميزة .
مختلفة في أساليبها ومناهجها ، مميزة في ممارستها
وتقاليدها ، أن حجم الألم الذي أصابنا من السهولة تجاوزه ، إذا أحسنا الأستفادة من
كل السلبيات والتجاوزات التي أسهمت في وصولنا إلي هذا اليم .
أيها المقاتلون
سافروا برا وبحرا وجوا
سافروا إلي كل العواصم والموانئ والمنافي ، ولتكن
فلسطين دوما هاجسكم .
أيها المقاتلون
لا ترحموا بعد اليوم
لا ترهبوا أحدا
لا تخافوا أحدا
إن فلسطين التي سالت دماؤكم من أجلها ودفنتم
وراءكم أعز الرفاق من أجلها . هذه الفلسطين الغالية تتطلب مسيرتها اليوم أن تكونوا
.
غير ما كنتم في السنوات الماضية هذه ال فلسطين كي
نصل إليها محررة منتصرة ، ينبني أن تكونوا أشداء علي أنفسكم ومسؤوليتكم ، لا
تخافوا بعد اليوم في الحق لومة لائم لا تسكنوا بعد اليوم علي ما تجدونه يبعدكم عن
طريق فلسطين .
أيها المقاتلون
يا حملة البنادق الفلسطينية
إن صمودكم الرائع الذي دافع عن كرامة هذه الأمة
وشرفها ، ينبغي أن تجبروه من أجل الثورة ، ثورة نوعية ، تتجاوز كل سلبيات الماضي
وتستفيد من إيجابيات مطلوب منكم اليوم ، أن يكون سفركم أينما كانت وجهته ، شرقا
وغربا برا وبحرا ، في الطريق نحو فلسطين .
أيها المقاتلون
يا شرفنا
يا كرامتنا
يا عزنا
تسافرون وفلسطين في القلب
تبتعدون ، وفلسطين هي الهدف
أيها المقاتلون
أينما توجهتم ، فالشعب كل الشعب يتطلع إليكم ـ
شعبكم في المنافي في كل المخيمات في كل السجون ... في كل المعتقلات ... لا تريد أن
يطول غيابكم عن ساحات المواجهة .
قولوا لهم جميعا
لمسؤوليكم
لقادتكم
للعرب أنظمة وأحزابا وشعبا
حملنا السلاح من أجل فلسطين ، ولا بد من العودة
لساحات الصراع كل الساحات العربية
تؤدي إلي فلسطين ، لا تصدقوا بعد اليوم من يقول لكم لا تتدخلوا في شؤون الأنظمة
العربية ، منذ اليوم لابد من التدخل في شؤونها المهترئة ، كي نصححها ، لتكون
مساعدا لنا علي الوصول إلي فلسطين .
منذ اليوم لا تصدقوا من يقول ثورة فلسطينية ،
لابد من ثورة عربية شاملة نكون نحن طليعتها المسلحة المنظمة .
أيها المقاتلون
يا شرفنا
يا عزنا
بعد كل هذه الدماء
بعد كل هؤلاء الشهداء
بعد كل هؤلاء الأسري والمعتقلين
بعد كل هذا الدمار
لابد أن نتجاوز الماضي ، علينا أن نعيد للمقاتل
الفلسطيني كل صفات الفروسية والاباء العربي .
أيها المقاتلون
لقد ضحينا كثيرا ، وكل التضحيات تهون ، إذا
تعلمنا منها
تسافرون بعيدا
وترحلون
فليكن كل ذلك
فقط نريد منكم عد السكوت بعد اليوم ، كونوا كما
يريد شعبكم ، هذا الشعب الذي ترتفع هامته بكم فقط .
أيها المقاتلون
تسافرون
تسافرون .. وتسافر قلوبنا معكم .. ونحن وراءكم
نصنع بكم ثورة نوعية جديدة .. عربية .. عربية . تهز كل هذه العروش ، أيا كانت
تسميتها رجعية أم تقدمية ونصنع أنظمة تحكمها الجماهير فعلا لا زورا .
أيها المقاتلون
يا أحبتنا
يا عزنا
لابد من فلسطين
وإن طال السفر .
المعركة ، العدد السابع والخمسون ، ص4 ، 22/8/1982م