![]() |
كلمات . . .
في زمن الشدة ، عندما يصبح الإنسان مهددا
بالإبادة ، عندما يصبح الموت هو القاعدة ، يكتشف المرء ذاته من جديد . وبالذات
عندما يكون الموت جماعياً ، بمعني أن شعباً كاملاً يتعرض للإبادة المقصودة بتخطيط
مسبق . في مثل هذا الزمن يصبح الموت الطريق للحياة ، فلا يردع الحديد إلا النار ،
والنار لا يردعها إلا الماء .
في بيروت ، عشنا هذه الحالة . في الزمن الممتد من
الرابع من يونيو/حزيران إلي الثاني من سبتمبر/أيلول 1982م ، كانت هجمة وحشية
بربرية صهيونية ، ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني ، تمكن خلالها العدو من محاصرة
بيروت الوطنية . كانت بيروت أول مدينة عربية يحاصرها العدو الصهيوني ، منذ بداية
الصراع العربي ـ الصهيوني . عشنا الموت والدمار والخراب طوال تسعين يوماً . ماذا
فعلنا؟ كيف تصرفنا؟ . كان للمقاتلين حملة البنادق الدور الفاعل في صد العدو ووقف
تقدمه واجتياحه . ولما كان الغزو شاملاً ، يستهدف الشعب بكامله ، لذلك أستنفر كل
الشعب ، لصده ودحره . كيف تصرف المثقفون والكتاب وسط الحصار؟ . يقال دوما المثقفين
ضمير الأمة ، وهم المعبرون عن آمالها وآلامها . وقد واجهنا ثناء الحصار إمتحاناً
عسيراً . كانت أول مرة في تاريخ المثقفين العرب ، وضِعوا فيها وسط تجربة ، الموت
هو القاعدة فيها ، وكان عليهم أن يختبروا أنفسهم ، ويختبروا الثقافة التي تسلحوا
بها . كان إختباراً لمعدنهم و صحة ما تحدثوا فيه دوما ، وكتبوا فيه مراراً .
حدث الغزو ، وأحكم طوق الحصار ، وطالت النار
الجميع . وكان للمثقفين والكتاب دور في مواجهة الغزو والحصار . هذا الكتاب دراسة
ورصد لهذا الدور ، الذي إكتشفنا فيه ذواتنا من جديد ، ووعينا وجودنا بشكل مختلف .
إنها تجربة فريدة في حياة الكتاب والمثقفين العرب . نضعها أمام الجميع في هذا
الكتاب ، بتفاصيلها ونماذجها . إنها تجربة من الضروري الإهتمام بها وتطويرها ، إذ
أن لديّ قناعة أن بيروت لن تكون آخر عاصمة يحاصرها العدو الصهيوني . صراعنا مع هذا
العدو التوسعي الإستيطاني مستمر . وما حدث في العقود الثلاثة السابقة ، ماهو إلا
حلقة من حلقات هذا الصراع . لذلك ينبغي أن نستفيد من كل خبراتنا في صد هذا العدو .
هذة تجربة .
تجربتنا نحن الكتاب الذين عشنا الحصار والغزو ..
نسجلها .. نقدمها .. ونترك الحكم عليها ، ودراسة نماذجها ونصوصها لغيرنا .. لأن
الغير من الممكن أن يكون أكثر موضوعية منا .
فيما يخصنا ، مما عاشزا الحصار والغزو ، لم نوفر
قدرة أو جهدا ، إلا وبذلناه في سبيل الصمود والتصدي ، بعد الخروج من بيروت ،
اكتشفت شخصيا أن هناك من الأدوار والمواقف ، كان بإمكاننا القيام بها بشكل أفضل ،
ونحو مختلف عما تصرفنا . أنها تجربة نطمح أن يستفيد منها الجميع مما عاشوا الحصار
، ومن كانوا خارجه . نستفيد منها ، ونضع خبراتنا المتراكمة منها ومن غيرها ، في
خدمة القضية الوطنية وجماهيرها . لقد لعب الكتاب و المثقفون دورا مهماً وفاعلاً في
كافة الثورات والحركات الوطنية التي حققت لشعوبها النصر والتحرير . وفيما يبدو لي
، أن من أسباب إنتكاسة الحركة الوطنية العربية ، وعدم قدرتها خلال خمسين سنة مضت ،
أن تكون في مستوي الصراع ، من هذه الأسباب ، إحجام المثقفين والكتاب عن القيام
بدور فاعل فيها ، فهم إما ينسحبون أو أنهم توابع وذيول للقيادة السياسية الرسمية
أو الوطنية الثورية . . لذلك فإن أغلبنا اليوم ، كتابا ومثقفين وصحفين ، نعيد إلي
الأذهان والعقول ، أدب المديح ، الذي ازدهر في عصور الأدب العربي السابقة . أغلبنا
ـ بشكل أو بأخر ـ نرتبط ب(خديو) أو (خليفة) أو (رئيس) أو (قائد) .. نتزلف اليه ،
نحمد خطواته ، ونبرر هفواته ، ونتغزل في وجهه القبيح غالبا . لقد أساء أغلبنا في
الساحتين الفلسطينية والعربية ، لسمعه الكاتب والمثقف ، إلي حد أن المواطن العادي
ينظر اليه باستخفاف ، وأحيانا بإصبع الإتهام .
لقد أثبت تجربتنا في حصار بيروت ، أن الكتاب
والمثقفين قادرون علي الإسهام في صنع جديد للحياة العربية . نحتاج فقط إلي كتاب
ومثقفين ، يضعون قضية الجماهير في أول إهتماماتهم . نحتاج إلي الكاتب والمثقف الذي
يشعر بحلاوة الإستشهاد من أجل كلمة حق ، أو فقد وطنية أمام الظلم والقمع والقهر
الذي يشوه وجه الحياة العربية . نحتاج إلي التمرد علي كل مؤسسات ونقابات رسمية
تعبر عن الأنظمة قبل أن تعبر عن هموم المثقف والمواطن ، من العار أن نستمر في قبول
هذا الدور . من المخجل أن نبقي نشكو ونتذمر في جلساتنا المغلقة ، دون مبادرة فعل
هجومية .
إن وعينا الحقيقي لذواتنا أساس في قيامنا بدور
فاعل في صنع حياة عربية جديدة ، ودحر العدو السرطاني الذي يتوسع كل يوم في الأرض
العربية . هذه تجربتنا في بيروت . خطوة في طريق وعي الذات .