مقدمة

 

  سوف يشكل  يوم  التاسع  من أبريل لعام 2003 مفصلا نوعيا في التاريخ  العربي المعاصر , ففي هذا اليوم سقط نظام صدام حسين الدموي  المتوحش, على أيدي قوات التحالف الأمريكية- البريطانية,بعد أن عاث في العراق فساداً وقتلا و إغتيالا وتبديدا للثروة الوطنية على مفاسده وقصوره طوال 34 عاماً... ولقد عبرّ الشعب العراقي عن فرحته وسروره , بهذا السقوط غير المأسوف عليه,  بملاحقة عناصر النظام, وهدم تماثيل الطاغية , وتمزيق صوره, وضربها بالأحذية!

   المدهش على صعيد الثقافة العربية, هو قلة الأصوات والأقلام التي تجرأت في السنوات العشرين الماضية على التصدي للديكتاتور ونظامه, وممارساته  الإجرامية, بحق العراقيين والعرب..والمثير للرثاء  والبكاء, هو تصفيق العديد من المثقفين والكتاب لهذا الطاغية, والتمجيد  إلى حد وصل  التأليه.. وبهذا يكون هؤلاء  الكتاب,  أسهموا في صناعة هذا  المجرم وديمومة حكمة   34عاما.. كشفت حرب سقوطه, حجم القتل  والمقابر   الجماعية  التي ضمت مالا يقل عن مليوني عراقي وعربي..وهذا يعنى - بعيداً  عن شعارات العواطف والخطب الحمقاء- حجم الإنجاز الذي تحقق بسقوطه ..فقياسا على التجربة  العربية  في السنوات الخمسين  الماضية, لم يتمكن أي شعب عربي من الإطاحة بنظامه القمعي الديكتاتوري, وظلت  هذه الأنظمة  الدموية تعيث فساداً, حتى خلصّنا منها ملاك الموت عزرائيل, ثم دخل على الخط الرئيس جورج بوش , ليخلص العراقيين من نظام الموت الصدّامي, وكما قلت ليلة الثالث عشر من أيار / مايو لعام,2003 في مداخلة تلفزيونية: مأسآة كبيرة أن نبقى ننتظر الخلاص على يد عزرائىل أو جورج بوش...

  لقد عرفت شخصيا الواقع العراقي, بكل مآسيه وأحزانه, عامي80/1981 عندما  عملت مدرساً  في جامعة البصرة..عرفت حزب البعث وشخوصه..عرفت سياستهم الوحشية, وتخريبهم  لكل ماهو  مضئ في العراق :من الثقافة إلى الفن إلى الأخلاق..وكل  ما يمت للإنسان  بصلة.. لذلك  فإن  معركتي الكتابية ضد نظام صدام الطاغية, بدأت بشكل مبكر في عام1991 , وتحديداً  عقب غزوه وإحتلاله للكويت..كان  هذا الغزو حدا فاصلاً  بالنسبة لي,  فلم أستطع مطلقا  التفريق  بين إحتلال  صدام للكويت وإحتلال  إسرائىل  لفلسطين..ولن أكون صادقاً   إن أيدت إحتلال صدام للكويت, وفي الوقت ذاته  أطالب  بإنهاء  الاحتلال  الإسرائيلي  لفلسطين..فالإحتلال  واحد : لا يوجد  إحتلال  قبيح وإحتلال جميل..

  هذه الحرب الدموية  لإحتلال  قطر عربي وتشريد شعبه, ذكرّتني بتفاصيل  الحرب الظالمة التي  شنّها صدام الطاغية على جارته إيران لمدة تقارب تسع سنوات, عشت عاميها الأول والثاني, في مدينة البصرة, حيث كنت أعمل في جامعتها..أدركت أن هذا النظام مهنته  الوحيدة  هي القتل  والموت..فلا يمكن نسيان أن  هذا الديكتاتور إرتكب مجزرته الأولى في بداية عام1979 , حيث قتل حوالي ثلاثين من رفاقه وقيادته , بتهمة التآمر لحساب حزب البعث السوري.. وبعد ذلك أوغل هذ الطاغية في الدم  بشكل تفوق على أسطورة دراكولا...

 

  في هذا الكتاب , أجمع مقالاتي ودراساتي التي بدأت كتابتها ضد هذا الديكتاتور منذ عام 1991 , أي قبل 14 عاماً  من سقوطه  على يد القوات الأمريكية..وهذه المقالات  تؤكد  أن هناك  العديد من الكتاب  والصحفيين الذين رفضوا  إ غراءات صدام حسين ودولاراته  وكوبونات نفطه..وهم كثيرون ..أغلبهم تلك الكتبية الشجاعة من الكتاب والصحفيين العراقيين  , الذين شردهم  الديكتاتور في كل  بقاع العالم..وهم بالعشرات,  ويستحقون  التحية والتقدير..ونشر هذه المقالات مسنودة إلى  مصادرها وتواريخ  نشرها, يؤكد  مدى حاجتنا إلى مواجهة هذه الأنظمة الديكتاتورية وهي في سدة الحكم, وليس بعد  سقوطها ,كما حدث في حالة الديكتاتور العراقي..وللعلم فقد تحملنا نحن مهاجمي  صدام في حياته, الإنتقادات والشتائم من الكتاب والصحفيين المطبلين له, الصانعين منه مجداً وهميا, خاصة متاجرته الرخصية المكشوفة بقضية فلسطين..هؤلاء  الكتاب ,إعتذر  بعضهم بعد سقوط الديكتاتور , معللين تصفيقهم له بجهلهم بهذه الجرائم والمقابر الجماعية..وما زال بعضهم يسير في طريق ضلاله وغيّه, متأملا عودة الطاغية...

  وبالإضافة إلى مقالاتي ودراساتي, هذه التي أعتبرها مساهمة في إسقاط الديكتاتور, وجدت أنه من الضروري  والمهم  للقارئ العربي, أن أضيف لها, ملاحق توثيقية, لما أكتشف بعد سقوط  الديكتاتور ..كي يتأكد القارئ ا لعربي , كم كان الإنجاز عظيماً  بإسقاطه وتخليص العراقيين والعرب من جوره وظلمه ودمويته..

  إنه نظام لا أسف على سقوطه مطلقاً ..إنه نظام كان يستحق أكثر من الضرب بالأحذية ,فما فعله في الشعب العراقي, لايمكن تصوره حتى  في أفلام الخيال العلمي.

 
أحمد  أبو مطر
الفقرة التالية

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة