![]() |
دراسة في ملف صدام حسين
السياسي
1974- 1992
(1)
إن الأحداث الجسام التي شهدتها منطقة الخليج العربي في الأعوام العشرة
الماضية, ودور العراق بقيادة صدام حسين فيها, تجعل من المهم رصد المحطات الأساسية
في ملف صدام حسين السياسي, لأن ما نعيشه اليوم ليس مقطوع الجذور عما سبقه, وهو ليس بعيداً أن يكون نتيجة مباشرة حتمية لحيثيات وممارسات السنوات الماضية. ولما كنت ممن يؤمنون بالتفسير
(المؤامراتي) للتاريخ وحركته, وأن كل
تحرك للأفراد والجماعات إنما
يهدف لخدمة اغراض محدودة, لذلك فسوف
أفتح الملف السياسي لصدام حسين, وأستعرض بالتحليل الموضوعي أهم أحداث هذا الملف , ثم أترك للقارئ الواعي الحكم
على هذا الرجل, فأنا من أنصار
إحترام عقل القاريء,ولا أحب مصادرة هذا العقل, فهو أغلى ما
منحه الله للانسان,ولا إحترام لمن يبيع هذا العقل أو يؤجره خاليا أو مفروشاً.
لاينكر أحد أن صدام حسين كان الحاكم الفعلي للعراق منذ عام,1974 أي قبل توليه السلطة مباشرة و علنا بأربع سنوات عند إنقلابه على الرئيس أحمد حسن البكر, ومنذ
ذلك العام كان صدام يحكم قبضته على
أجهزة الأمن والمخابرات بوجه خاص, من خلال قريبه (برزان التكريتي), وقد قادت
المخابرات العراقية وغذّت ومولت عدة
انشقاقات في الساحة الفلسطينية, وكان أشهرها ما شهدته حركة
فتح كبرى المنظمات الفلسطينية
آنذاك, ولما كانت العلاقة بين النظامين العراقي والسوري (البعثيين) على أشدها من التوتر والعداوة,وكان تقييم المخابرات العراقية لمنظمة التحرير
الفلسطينية ولحركة فتح, إنهما واقعتان تحت المظلة السورية,قادت ونفذت المخابرات
العراقية, أوسع حملة إغتيالات في صفوف مدراء مكاتب منظمة التحرير
الفلسطينية, مستغلة ومستعملة
أيادي وأطرافاً فلسطينية,
فقُتل العديدون نذكر منهم , نعيم خضر في بروكسل, ووائل زعيتر في روما, وزهير محسن في فرنسا,
وعصام السرطاوي في لشبونه,وآخرون كثيرون.
وظلت العلاقة العراقية-
السورية هي المتحكمة في مصير ونوع
العلاقة مع المنظمات الفلسطينية, ووجدت الأجهزة العراقية فرصتها عام,1974 عندما أُعلن برنامج
النقاط العشر الفلسطيني الذي كان أول دخول فلسطيني في عالم التسوية السياسية, فرعت
بغداد من خلال إمتدادها الفلسطيني
(جبهة التحرير العربية) تشكيل ما عرف باسم(جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية), ودعمتها نكاية بسورية, وعندما دخلت القوات
السورية بيروت عام1976 لدعم الطرف الماروني, هربت
قيادات وكوادر هذه الجبهة إلى بغداد حيث أعادت بغداد
فتح مكاتبهم,ووفرت لهم كل
الإمكانيات لضرب سورية وحركة
فتح التي كانت تسيطر عمليا
على منظمة التحرير الفلسطينية, وفي
الوقت ذاته دخلت المخابرات
العراقية على إنشقاقات التنظيمات, وقد إستغلت المخابرات العراقية هذه الجماعات
بشكل سيء في مجال عمليات اغتيال ومطاردة المعارضين العراقيين,وفي عمليات خارجية
تخدم مصالحها, في ميدان الخصوم والاصدقاء.
واستمرت هذه العلاقة العراقية
على حالها, حتى عام1979 عند إعلان
الحرب ضد نظام آية الله الخميني في ايران, ووقوف أغلب التنظيمات الفلسطينية باديء
الامر ضد الموقف العراقي, فأغلقت المخابرات العراقية ما كانت قد فتحتة من مكاتب
لهذه التنظيمات, وتحديدا مكاتب الجبهتين الشعبية والديموقراطية, فهرب أعضاؤها
وكوادرها , عائدين من جديد لنار القوات السورية في لبنان, في رحلة أشبه برحلة
الشتاء والصيف, هاربين من نار المخابرات العراقية الى رمضاء المخابرات السورية.وظلت العلاقات
الفلسطينة-العراقية مقطوعة بشكل كامل طوال السنوات الخمس الأولى من حرب صدام ضد ايران, أي حتى عام,1985 وفي الوقت ذاته تحسنت مع النظام
السوري نكاية بالنظام العراقي, وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة من تلك الحرب(86-87-1988),
غيرت التنظيمات الفلسطينية موقفها, فأصبحت مؤيدة للعراق ضد إيران, فتبدلت التحالفات,
فعادوا من جديد للأحضان العراقية,مخلفين وراءهم في لبنان الأذرع السورية.
وهكذا كانت العلاقة العراقية
الفلسطينية, دوما مقياسها مقدار العداوة مع سورية أو القرب منها, وهذا ليس دفاعا
عن النظام السوري, لأن هذا النظام أيضاً كان يقيم علاقاته مع المقاومة الفلسطينية
من خلال المقياس نفسه, وهو مدى العداوة مع العراق.وهكذا بين(حانا)
المخابرات العراقية و(مانا) المخابرات السورية, ضاعت(لحانا) الفلسطينية, فأصبح شكل السياسة الفلسطينية أراجوزا, مقصوص
الشوارب حينا, ومنتوف اللحية حينا آخر, إلى
درجة أن بعض الكتاب الساخرين, أصبحوا يطلقون على منظمة
التحرير الفلسطينية لقب (الممثل فقط) بدلا من (الممثل الشرعي الوحيد).
وعقب أحداث غزو الكويت في آب,1990 تحسنت
العلاقات الفلسطينية- العراقية ,بسبب دعم منظمة التحرير الفلسطينية, وأغلب
المنظمات الفلسطينية-ما عدا المقيمة في فنادق بلاد الشام- للموقف العراقي,
فعادت الحرارة إلى خطوط الهاتف المقطوعة بين الطرفين,
وسُخّر الإعلام الفلسطيني للحديث عن
القائد الملهم صدام حسين, وعن
تحرير الكويت, وعن تاريخيه الكويت
كجزء من أرض العراق , وعقدت المهرجانات الشعبية لدعم موقف صدام, وصدرت عشرات البيانات التي تهدد الإمبريالية الامريكية بالويل والثبور إن هي أقدمت على
ضرب قلب العروبة (!) حارس البوابة
الشرقية, العراق الصامد, وقد تجلت هذه الغوغائية اللامسؤولة في شهر نوفمبر (تشرين ثاني) 1990 فيما سمي (مؤتمر القوى الشعبية
والوطنية لدعم صمود العراق) الذي إنعقد في عمان, وعندما وقعت الكارثة في 16 يناير(كانون ثاني) ,1991 وبدأت حرب
الحلفاء ضد القوات العراقية في
الكويت والعراق, إختفى أبطال التهديدات في الساحتين
الفلسطينية والعراقية, فقيادات
(أبو الجماجم) نسيت كل تهديداتها
للامبريالية. أما قيادة
القائد الملهم صدام
حسين فقد سكتت وصمتت على كل الخراب
الذي لحق بالكويت والعراق, وإذا
كل ما سمعناه عن الكيماوي وصواريخ
(الحسين) وتدمير ثلثي اسرائيل, وتحويل مياه الخليج لبحيرة من دماء الغزاة, مجرد
أكاذيب أطلقها حاكم متسلط, يغامر بدماء شعبه,وخراب وطنه, لشهوات شخصية, وتنفيذا
لمخططات خارجية, سيأتي الحديث عنها.
وعندما إنتهت حرب- كارثة غزو الكويت- بعد توريط
صدام حسين للقيادة الفلسطينية, إكتشفت
القيادة الفلسطينية, الخطأ
الفادح الذي إرتكبته, فبدأت تحجم علاقاتها مع صدام حسين, فعاد التوتر
من جديد للعلاقة,واعتقدت قيادة المنظمة أن هذا التحجيم كفيل بإعادة العلاقات التي إنقطعت
نهائىا مع حكومات ودول الخليج من
جهة أخرى, وهكذا خسرت المنظمة- نتيجة عشوائية مواقفها- رضا
القائد الملهم صدام حسين, ودولارات دول الخليج العربي . إلى أن كان الاسبوع الثاني من يناير(كانون
ثاني) 1993 حيث زار وفد من منظمة
التحرير الفلسطينية برئاسة أبو
مازن(محمود عباس) المملكة العربية
السعودية لحضور إحتفالات
حركة فتح بعيد
إنطلاقتها, وقد ألقى خطابا علنياً إعتذر فيه
بصراحة عن مواقف منظمة التحرير
الفلسطينية ودعمها لصدام , معلنا بوضوح أن هذا الموقف كان خطأ كبيرا, ووعد بعدم تكراره, وهكذا فمن المرشح أن يصار إلى تطبيع العلاقات الفلسطينية- الخليجية , لتنقطع
نهائياً مع نظام صدام حسين.
إن هذا السرد , يوضح كيف
كانت علاقة صدام حسين ونظامه وحزبه
مع منظمة التحرير الفلسطينية,وباقي الفصائل الفلسطينية, علاقة مصلحة إن خدمت
النظام وتوجهاته, كانت علاقة حميمة, وإن تعارضت معها , إنقطعت العلاقة, وبدأت حرب الإعتقالات والإغتيالات,وإن كان
المنفذون في أغلب الاحوال عملاء فلسطينيين فهم إمتداد الحزب وأجهزته البرزانية.
»عرب تايمز «
هيوستن. 10مايو/ آيار1993
العلاقات الصدامية- الايرانية
(2)
كان صدام قد أصبح الحاكم الفعلي للعراق -كما
ذكرنا- منذ عام ,1974 رغم الوجود الشكلي للرئيس أحمد البكر, وكان تمرد الأكراد في شمال العراق قد بلغ ذروته بسبب دعم شاه إيران اللامحدود لهم, لذلك إتخذ
صدام حسين خطوته المثيرة, حيث سافر إلى الجزائر عام ,1976 بعد نجاح وساطة الجزائر,
حيث قابل شاه إيران ووقّع معه إتفاقية الجزائر التي تنازل صدام بموجبها لشاه إيران
عن السيادة على شط العرب , وأوقف الشاه دعمه للثوار الأكراد, وتوقفت كافة نشاطاتهم العسكرية,وسل¯ّموا أسلحتهم, خلال
أيام قليلة,بعد أن عجزت الحكومة
العراقية عن هزيمتهم طوال ما يزيد على
عشرين عاما.ومع إنتهاء التمرد الكردي, بدأت علاقات تعاون وتنسيق وثيقة بين
صدام حسين وشاه إيران في مختلف
المجالات, وانصاع صدام لكل مطالب الشاه, بما فيها طرد آية الله الخميني من مقر
إقامته في النجف, حيث كان يقيم فيها منذ (14) عاما, فأُخرج من العراق متوجها إلى
فرنسا.وهكذا أقام صدام حسين علاقات تعاون وثيقة في مختلف المجالات, مع نظام شاه إيران الذي كانت كافة القوى الوطنية والتقدمية واليمينية الرجعية,
تعتبره (شرطي الخليج) حارس المصالح الامبريالية, وكان لا يخفي أطماعه في الكثير من
مناطق الخليج حتى أن (البحرين) لم
تفلت من مخططاته التوسعية إلا بقدرة
قادر,وبإنتخابات ديموقراطية, صوّت فيها شعبها للإستقلال الوطني, بعيدا عن الهيمنة
الشاهنشاهية, واستمرت علاقات صدام الوثيقة مع شاه إيران, والموصوفة بحسن الجوار,
ثلاثة أعوام كاملة من عام 1976 حتى عام.1979
وفجأة في الشهور الأخيرة من
عام ,1979 تمكنت القوى الإسلامية الإيرانية من الإطاحة بنظام شاه إيران, وهروب
الشاه من عاصمة إلى عاصمة إلى أن وافق السادات على إقامته في القاهرة, ووصلت طائرة الخميني إلى
طهران, معلنا قيام الجمهورية
الإسلامية الإيرانية, وكان أول قرار إتخذه الخميني, هو قرار قطع العلاقات
الدبلوماسية مع إسرائيل, وتحويل مقر السفارة الإسرائىلية في طهران إلى سفارة لدولة
فلسطين في طهران. وكان من المنطقي والطبيعي قيام علاقات أوثق بين نظام صدام حسين ونظام
الخميني, لأن من استطاع التعايش مع نظام الشاه الرجعي العميل لأمريكا وشرطيها في المنطقة, من الأسهل له وعليه أن يتعايش مع نظام إسلامي, أعلن
معاداته لإسرائيل وأمريكا, واضعا- ولو نظريا - طاقاته وإمكانياته من أجل تحرير
فلسطين, فماذا فعل صدام؟
بدلا من هذا التعايش مع نظام
الخميني الإسلامي, وإقامة علاقات تعاون وتنسيق معه, وجد صدام أن هذا النظام يهدد
وجوده,فبدأ بافتعال الخلافات معه, واتضح فيما بعد أن حادث الانفجار في جامعة
المستنصرية, ومحاولة إغتيال طارق عزيز في بغداد, كانت حوادث مدبرة من المخابرات
العراقية, لإيجاد السبب والمبرر لقطع
العلاقات وإفتعال الخلافات مع نظام آية الله الخميني,وهنا دخلت أمريكا والقوى الغريبة على خط النظام العراقي, للإنتقام من نظام الخميني الذي بدأ عهده بقطع العلاقات مع إسرائيل, وإحتجاز
رهائن السفارة الأمريكية في طهران, والتهديد بتصدير الثورة الاسلامية لدول الخليج,
فأوعزت الإدارة الأمريكية لصدام حسين بتصعيد الخلاف مع الخميني, واعدة إياه بالدعم المالي والعسكري, فتقاطعت هذه الوعود
الأمريكية والغربية مع طموحات صدام
حسين في الزعامة والتفرد في المنطقة, فأعلن الغاء إتفاقية الجزائر التي وقعها مع الشاه عام,1976 ومن طرف واحد,
ومؤكدا أن لاحق لإيران في أي نوع من الملاحة في شط العرب . وهنا كانت بداية الوقوع
الصدامي في الفخ الامريكي, في الوقت الذي كانت أمريكا تبحث عن (نائب فاعل) يقوم بمحاربة النظام
الاسلامي في ايران نيابة عنها, كي لاتورط نفسها في(فيتنام) جديدة, فوجدت ضالتها في
صدام حسين, فأعلن في نهاية عام1979 الحرب على ايران, معتقدا كما تكشف بعد ذلك -
حسب نصائح الخبراء الأمريكيين, وكبار ضباط المخابرات الإيرانية- السافاك- الذين
هربوا الى بغداد بعد هروب الشاه, أن هذه الحرب لن تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع, لأن
الجيش الايراني مفكك وغير موال للخميني, وقد تأكدت من ذلك شخصيا من خلال الدعاية
الحزبية العراقية الداخلية في أوساط الشارع العراقي, حيث كنت آنذاك مدرسا في كلية الآداب بجامعة
البصرة.وبدأت حرب صدام حسين الظالمة ضد نظام آية الله الخميني , وسط استغراب
الغالبية العظمى من الشعوب العربية, لأن الجاهل فيها تساءل :كيف إستطاع صدام حسين
التعايش مع شاه إيران -شرطي أمريكا في المنطقة-ووقّع معه إتفاقية الجزائر متنازلاً
عن شط العرب, مقيما معه أحسن العلاقات وأوثقها, وفجأة لايستطيع التعايش مع نظام
إسلامي, قطع علاقاته معه إسرائيل, وأعلن
عداءه لأمريكا ومصالحها في المنطقة?
»عرب تايمز«
هيوستن, 20 مايو/آيار1993
في زمن السلم أو الحرب أو الحصار
مطلب الديمقراطية
لايتجزأ...والحرية للشعب العراقي
في البداية, ومنعا لأي التباس, وقبل
أن يتهمنا أحد بالعمالة
للامبريالية العالمية,أعلن بوضوح لا لبس فيه, بأنني ضد الهجمة الإمبريالية على
العراق, وضد الإستمرار في حصاره,
وضد تقسيمه لخطوط طول وعرض, وضد الهجمات الصاروخية التي شنها الرئيس الأمريكي بوش
في الإسبوع الأخير من ولايته ضد
العراق, لأنها فعلا هجمات مفتعلة لا مبرر لها سوى تدمير ما تبقى
من إقتصاد العراق وصناعته, وكل عربي مخلص لابد من أن يدين هذه الهجمات الصاروخية والطيرانية,
لأنها فعلا همجية, ومتحيزة ضد العرب كعنصر وشعب, وقد كشفت الإمبريالية الأمريكية عن تحيزها وكيلها بمكيالين,
فهي تضرب العراق بوحشية بحجة عدم التزامه
بقرارات الأمم المتحدة, في الوقت الذي
تسكت على كل إنتهاكات إسرائيل لقرارات الامم المتحدة
ذاتها, بل وتشجعها على ذلك ..بعد هذا البيان التوضيحي, نود التأكيد
أن ظروف الحصار والحرب التي يمر بها العراق الآن , لا يمكن
أن تكون لدى أي مؤمن حقيقي بالديمقراطية,
سببا للمطالبة بتأجيل الحديث عن الديمقراطية والتعددية السياسية في العراق , وذلك لأننا نؤمن أن قرار الديمقراطية, وحقوق الانسان
والتعددية السياسية, والإفراج عن آلاف
المعتقلين السياسيين والسماح
بعودة مئات الآلاف من العراقيين
المنفيين إجباريا في كل بقاع العالم, هو المقدمة الحقيقية لصمود
العراق, وتقوية قاعدته التحتية لبناء ما دمرته حربا الخليج الأولى والثانية, لذلك
أستغرب رأي بعض الزملاء في الصحافة الأردنية الذين يدينون المعارضة العراقية بشكل
مطلق , ويرون أن أية دعوة لغير فك
الحصار عن العراق...ورفض تقسيمه هي دعوة حق يراد بها باطل .
إن هذا المنطق هو وحده(حق يراد
به باطل) لأنه منطق إنتهازي يريد
إستغلال ظروف الحصار, لتبرير إستمرار مصادرة الحريات الديمقراطية لشعب
العراق, والغريب أن هذه الدعوات تصدر عن زملاء في الصحافة الأردنية عرفوا طعم السجن وصودرت حرياتهم , وطردوا من وظائفهم أي أنهم جربوا معنى القمع
الذي يفقد الإنسان إنسانيته, ويحيله إلى كتلة
من اللحم, تتألم وتنزف الدم.
والمثير للحزن أن بعض هؤلا ء الزملاء جربوا من جديد طعم الديمقراطية ولذتها,
وقفزوا بسرعة ضوئية من الزنزانة إلى مقاعد
مجلس النواب الاردني,
وتقلدوا مناصب وظيفية ونقابية لم يحلموا
بها, فاذا هم نجوم في الشارع
والصحافة والمجلس, وفجأة
أعمت الأضواء -وربما أمور أخرى -
أبصارهم ليكتبوا بحماس عن عدم
قانونية ولا وطنية المطالبة بالديمقراطية والتعددية السياسية للشعب العراقي, بحجة
أن دول التحالف تحاصره, فالأولوية- عند هؤلاء الزملاء- لفك الحصار فقط, هل هذا معقول? وهل يستقيم هذا مع العقل والمنطق ? هل الحصار المفروض على العراق يبرر لحاكم العراق صدام حسين كل هذا
القمع والفتك ومصادرة الحريات, وهذا السيل من الإعدامات والإعتقالات, التي أدت الى
فرار وهروب ما لايقل عن ثلاثة
ملايين عراقي موزعين في الأردن وأوروبا وأمريكا? هل هذا الحصار يبرر لصدام حسين
الإستمرار في السلطة بالدم
والحديد,بعد كل المصائب والكوارث
التي جرها على شعب العراق والأمة العربية?
تصوروا , هذا الزميل في
الصحافة الأردنية, يقول بالحرف الواحد: »الذين يحبون أن يطلقوا على أنفسهم إسم
المعارضة العراقية يقومون بهجمة مريبة, شعاراتها الحرص على شعب العراق,
وحقيقتها دعوة الأمريكان للهيمنة على القرار
العراقي«,هل هذا صحيح? هل هو صدق أن عشرات الآلاف من أعضاء وكوادر وقيادات المعارضة العراقية الذين يتوزعون على
مختلف التيارات الفكرية البعثية
والقومية والإسلامية, كلهم عملاء لأمريكا?..هل أعضاء حزب البعث الذين عملوا مع
صدام حسين نفسه سنوات طويلة, ووصلوا أعلى المناصب الحزبية والحكومية, ثم هربوا من
بطشه وظلمه, أيضا عملاء لأمريكا?...إن هذا ليس تجنيا على المعارضة العراقية فقط, ولكنه ظلم للعقل البشري, لأننا إذا اعتمدنا هذا المنطق,
فسوف نحكم على المعارضة الأردنية
بالعمالة لإسرائيل, لأنه إستنادا لهذا
المنطق يصبح من حقنا
التساؤل: لماذا تظاهرت المعارضة الأردنية في نيسان 1989 مطالبة بالديمقراطية
والخبز والتعددية السياسية, وهي
تعرف أن الأردن محاصر- فعلا- من دولة اسرائيل, وتتربص به لطرد سكان الأرض
المحتلة إلى أراضيه تمهيدا لإقامة الوطن البديل؟
إذا اعتمدنا منطق الزميل فالأردنيون الذين تظاهروا وطالبوا بالديمقراطية
عملاء علنيون لإسرائيل, لأنه في وضع الأردن المحاصر المتربّص به من دولة اسرائيل ,
تصبح الأولوية لصد العدوان
الاسرائيلي, وتحرير الأرض المحتلة? هل يقبل الزملاء في الصحافة الأردنية
هذا القياس?
والأغرب من ذلك, أن بعض
هؤلاء الزملاء, يُنصّبون أنفسهم
بديلا عن (19) مليونا من العراقيين فيقول أحدهم: أن المعارضة في العادة تفترض
وضعاً بديلا أفضل مما هو قائم, فما هو الوضع البديل الأفضل للحكم في العراق, في
ظل المعطيات الراهنة?هل يحق لأي
كاتب أو صحفي مهما كان وزنه وحجمه وفهمه, أن يصدر هذا الحكم على أي نظام
عربي? كان من الممكن قبول هذا الحكم مع كثير من التحفظ لو صدر عن مواطن عراقي, ولكن
مواطنا أردنيا, لم يعش في العراق , ولم يجرب ممارسات نظام
العراق, ويتناسى عمدا كل جرائم صدام
حسين ضد الشعب العراقي, والشعب الأردني نفسه, لايحق له إصدار هذا الحكم.
ثم يتساءل الزميل في الصحافة
الأردنية عن البديل الأفضل للحكم في
العراق, وهو إستفهام يحمل جوابه, بمعنى أنه ليس في العراق أفضل من هذا النظام,
وأنا أجيبه: إن البديل الأفضل هو إرادة الشعب ,هو إنتخابات ديمقراطية تعبر عن هذه
الإرداة, وهو إحترام حقوق الانسان , هو اطلاق سراح عشرات الآلاف من السجناء والمعتقلين,
هو السماح بعودة ثلاثة ملايين عراقي
مشردين مطرودين خارج العراق , وفي الأردن منهم حوالي ربع مليون, وهو أيضاً وقف الإعدامات المزاجية, وهو..وهو..هذا
هو البديل الأفضل أيها الزميل, إلا إذا كنت تقبل للأردن هذا النوع والحجم من القمع والموت اللذين
لايرحمان.
أيها الزميل...
أيها الزملاء في الصحافة الأردنية...
إرحمونا من هذا الحب المشبوه لديكتاتور العراق الدموي القاتل صدام حسين ...إرحمونا من
هذا الغزل اللاعذري المفضوح لشخص صدام الذي قاد شعبه إلى كل هذه الكوارث, ومازال
مستمرا في دمويته وغطرسته...أيها الزملاء , مخيف ما تكتبونه ومرعب وأيضاً
-وبصراحة- مشبوه.
إن حرية الشعب العراقي, والتعددية السياسية,
وإحترام حقوق الانسان, والإفراج عن المعتقلين السياسيين , وعودة ملايين المشردين,
هو وحده القادر على بناء عراق
ديمقراطي, يوحد العراق وشعبه, ويسحب كل المبررات اللامنطقية من أيدي قوات التحالف
التي تضرب العراق بدون سبب أو مبرر....
نحن مع شعب العراق ووحدته, وضد
ضربه وتدميره وحصاره...نحن نعرف أهمية العراق القوي الموحد الديمقراطي للأمة
العربية...فلا تزايدوا علينا, لكننا لن نكون مع القمع ومصادرة حقوق الإنسان , لأن
مطلب الديمقراطية لايتجزأ , في زمن السلم والحرب والحصار, في كل الظروف, فالحرية والديمقراطية
أولا وثانيا وثالثا وأخيرا.
»عرب تايمز«
هيوستن. 10 أبريل/نيسان 1993
الفلسطينيون ..ونظام صدام حسين:
جرحى الإنتفاضة رفضوا دولارات
صدام
فدفعها لصبيان ليرفعوا صوره
وجدت صدفة , قبل عدة أسابيع ,
في جلسة غير مخطط لها, جمعت عرباً من عدة أقطار عربية,كان اغلبهم من القطر
العراقي..وكالعادة فتح العراقيون الحديث عن نظام صدام حسين , ومافعله بالشعب العراقي. أدلى غالبية الحضور
برأيهم, فيما إعتصمت أنا بالسكوت, ولما تطلع الجميع نحوي, منتظرين ماسأقول , خرجت
عن صمتي وقلت:
"هذا نظام ينبغي أن لايختلف (إنسانان) لديهما ضمير, على
أنه نظام قمعي متوحش,لايقيم أدنى إعتبار لإنسانية الإنسان, عربيا كان أم
كردياً,وجرائمه لم ترتكبها إلا انظمة قليلة في العالم. يقولون إن ميلوسوفتش
مجرم,ويحاكم الآن أمام محكمة الجرائم ضد البشرية في لاهاي, فماذا نسمي صدام حسين وأركان نظامه?ينبغي البحث
عن صفة أكثر وحشية من صفة(مجرم),لإطلاقها
عليه..". تطلع نحوي بدهشة أحد العراقيين الحضور, وسألني:
-عيني..الأخ من أية منطقة من
العراق?!أجبته ضاحكاً:
-عيني أنا عراقي من مدينة(غزة)
الفلسطينية !ضحك الجميع,وأجابه من يعرفني من الحضور:
-ياأخي ..الأخ
فلسطيني..فلسطيني من مدينة غزة.علق وكل دهشة وإستغراب العالم مرسومين على وجهه:
-عيني..وحياة كل الأنبياء
والرسل..مومصدق ..فلسطيني وبيحكي هالشكل عن صدام حسين ..هاي مفاجأة صاعقة لي. كنت
أفكر الفلسطينيين كلهم..كلهم..صداميين, ويحبون صدام حسين ..ويموتون فيه!
أوضحت له وللحضور , العديد من
الحقائق حول علاقة الفلسطينيين بصدام حسين ..وها أنذا أعيدها:
أولاً- منذ نكبة عام1948 ,تولدت علاقة عاطفية
حميمة خاصة بين الشعبين العراقي والفلسطيني, نتيجة ما يروي, وما شوهد من تضحيات
العديدين من جنود وضباط الجيش العراقي الذين قدموا إلى فلسطين لمشاركة أهلها في
التصدي للعصابات الصهيونية آنذاك..ورغم إسطوانة(ماكو أوامر) المعروفة..إلا أن
الفلسطينيين تأثروا بما قدمه جنود
وضباط الجيش العراقي من دماء على أرض فلسطين.وقد تم دفن بعضهم في مقبرة بالضفة
الغربية,ظلت حتى وقت قريب معروفة باسم (مقبرة شهداء الجيش العراقي )..واشتعل هذا
الإرتباط العاطفي ثانية عام,1967 عندما وصلت فرقة من الجيش العراقي,قبيل حرب عام
1967ورابطت في (الأغوار) الأردنية, للمشاركة مع الجيش الاردني في الدفاع عن الضفة الغربية الفلسطينية في حالة
إندلاع الحرب مع إسرائيل.وبدأت
الحرب وانتهت بإحتلال الضفة الغربية دون مشاركة فرقة الجيش العراقي في
الحرب.واستمرت العلاقة العاطفية, إلى حد أنه في منتصف عام,1970 عندما لاحت في الأجواء
السياسية بوادر صراع مسلح بين المقاومة الفلسطينية والجيش الاردني, وكانت الفرقة العسكرية
العراقية, ما تزال مرابطة في منطقة الأغوار الأردنية,أشاع الفلسطينيون, إما وهما
أو نتيجة معلومات مبلغة لهم , بأن الفرقة العسكرية العراقية, جاهزة للدفاع عن
المقاومة الفلسطينية, إن اندلعت مواجهة عسكرية بينها وبين الجيش الاردني,
وأعتقد أن هذه المعلومة, الوهم أو
الحقيقة, أدت إلى تصعيد غير مبرر في الموقف الفلسطيني, أدى إلى إندلاع المواجهة
العسكرية في سبتمبر(ايلول) عام,1970 واستمرت المواجهة عدة اسابيع, نتج عنها طرد
المقاومة الفلسطينية بكامل فصائلها خارج الاردن, دون أن تتحرك الفرقة العسكرية
العراقية, وبعد طرد المقاومة الفلسطينية عدنا إلى سماع نفس الإسطوانة (ماكوأوامر).
ثانيا- كان لجوء عدة الآف
قليلة من الفلسطينيين إلى العراق, عقب نكبة عام ,1948 عاملاً مهماً في بناء تلك العلاقة العاطفية,
لأنهم كانوا آلافاً قليلة, لم تكن ملحوظة وسط الملايين العراقية, ومساحة الوطن
العراقي الشاسعة,فجرى إحتضانهم
بدون حساسيات , كما حدث في لبنان
والأردن, نتيجة صغر المساحة ,
وكثافة الهجرة الفلسطينية التي أثرت فعلاً
في الميزان الديموغرافي في البلدين, فجرت مشاكل وإشكالات ما زالت تثار في
القطرين من حين إلى آخر.
كان هذا الإضطراد في العلاقة
العاطفية في أوساط الشعبين الفلسطيني والعراقي, أما في أوساط النظام العراقي, فقد
كانت العلاقة مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية,مبنية على أساس الحسابات الخاصة بالنظام, ففي عام,1974 عندما أقرت
القمة العربية في الرباط(المغرب) قرارها المعروف ب¯(شرعية ووحدانية منظمة التحرير
الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني), فجّر النظام العراقي , إنشقاقاً خطيراً في صفوف حركة (فتح) التنظيم الأساسي
والقائد لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي قادته ودبرته المخابرات العراقية, مستعملة
واجهة فلسطينية, هي (أبو نضال-صبري البنا), الذي كان مسؤول حركة(فتح) في بغداد ,
وسلمته المخابرات العراقية,كل ممتلكات الحركة بما فيها إذاعة (صوت فلسطين) التي
كانت تبث من بغداد وكان ذلك إنتقاماً
مخابراتياً عراقياً من قيادة حركة (فتح) المتمثلة في الرئىس
ياسر عرفات ,إعتقاداً منها أن للحركة الدور الرئيسي في الإنشقاق الذي شهده حزب
البعث اللبناني المؤيد للعراق . وقد إستخدمت المخابرات العراقية حتى عام1976 جماعة
ابو نضال بشكل سيء في مواجهة منظمة التحرير, فبإيعاز ودعم من المخابرات
العراقية,إغتالت هذه الجماعة عدة مدراء لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا. واستمر هذا
الصراع, حتى إ نفجار الخلاف السوري- الفلسطيني عقب دخول القوات السورية إلى لبنان عام,1976 ولجوء غالبية قيادات المنظمات الفلسطينية
إلى بغداد, فقد كانت المنظمات الفلسطينية أيضاً , من الصعب أن توازن في علاقتها
بين (المطرقة السورية) و(السندان العراقي ), وقد لوحظ أنه عند إندلاع حرب نظام
صدام حسين ضد الثورة الإسلامية في إيران عام,1979 وقف النظام السوري مع الثورة
الإسلامية , في حين أن قيادة منظمة التحرير في العامين الأولين من الحرب ,حاولت
تبني وجهة النظر الإيرانية, وهي تعرف أن النظام العراقي هو الذي بدأ وافتعل الحرب,
وأن النظام الثوري الوليد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية, أطاح بأهم حلفاء اسرائيل وهو النظام الشاهنشاهي
وحوّل سفارة إسرائيل في طهران إلى سفارة لفلسطين, ورفع العلم الفلسطيني عليها.
ثالثاً- عندما أقدم نظام صدام
حسين على غزو الكويت, وإحتلالها عام,1990 لعب النظام على أوتار العلاقة العاطفية
بشكل مزيف, لكنه إنطلى فقط على الجماهير
الغفيرة الغفورة, عندما ربط إنسحابه من الكويت, بإنسحاب إسرائيل من قطاع غزة
والضفة الغربية المحتلين آنذاك, وهي
مسألة لم تنطل على عديد من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين الذين رأوا أن الاخلاق لا تتجزأ , وأن
الإحتلال واحد, لايوجد إحتلال مقبول, كإحتلال العراق للكويت,وإحتلال مرفوض كإحتلال
إسرائيل لقطاع غزة والضفة الغربية, فالإحتلال هو الإحتلال..مرفوض ومدان في كل
الأحوال, لكن صوت هؤلاء المثقفين والسياسيين القلة, ضاع وسط صراخ وهيجان الجماهير
المضللة والمغرر بها. ولن أنسى ما حييت , ذلك المهرجان الحاشد الذي عقدته في
العاصمة الأردنية عمان, القوى السياسية الفلسطينية والأردنية, لمناصرة العراق في
ديسمبر (كانون أول) من عام,1990 بعد حوالي ثلاثة أشهر من الإحتلال العراقي للكويت.
وقف الدكتور جورج حبش, الأمين العام للجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين (آنذاك) على منصة الخطابة ليقول, مثيراً الجماهير
:» على قوى التحالف الدولي بزعامة
امريكا.. أن تعرف ان فكرت في الهجوم على العراق, أن أيدينا على الزناد..«ماذا
نتوقع من هكذا جماهير, عندما تسمع
ذلك من قائد فلسطيني أمضى أغلب عمره يناضل من أجل تحرير فلسطين من الإحتلال
الإسرائىلي, وها هو يناصر العراق- النظام العراقي- المحتل لدولة
عربية هي الكويت?! إذ ا كان القائد السياسي يفكر بهذه الطريقة, فهل نلوم تلك الجماهير
التي في أغلبها غير مسيسة, وأداؤها يقترب في العديد من المواقف من الغوغائية.
رابعاً- لقد أسهم النظام العراقي في إشعال عواطف الجماهير الفلسطينية, عندما أطلق بداية الحرب في منتصف
يناير (كانون ثاني) من عام,1991 عدة صواريخ على إسرائيل, لم تحدث خسائر تذكر ,ولكن
في ذلك الجو المشحون, الذي عانى أهله طويلاً من الاحتلال الاسرائيلي,أن يطلق نظام
ما صواريخ على إسرائيل, فمن الطبيعي أن تتعاطف معه الجماهير , وتصفق له, مهما كان
إسمه ونوعه وفصيلة دمه. ولعب النظام العراقي على وتر الدين والإيمان عندما أضاف
للعلم العراقي كلمتي(الله أكبر).
وللحقيقة..بعد أن تم طرد
الاحتلال العراقي من الكويت, وكان من نتائجه عودة حوالي أربعمائة ألف مواطن
فلسطيني وأردني إلى الاردن, وانقطاع
أرزاقهم والملايين التي كانوا يدخرونها ويحولونها لأهلهم وللإقتصاد الأردني
والفلسطيني, فقد تلاشت صور صدام, وبدأت الآلاف المؤلفة تدرك حجم الكارثة التي
وضعهم في أتونها ذلك النظام , ولكن بعد خراب الكويت والبصرة أيضاً. وبعد عام,1994
مع عودة القيادة الفلسطينية إلى المناطق التي تسلمتها في قطاع غزة والضفة الغربية
بموجب اتفاقية (اوسلو), عادت إلى تلك المناطق مجموعة صغيرة من أعضاء جبهة التحرير العربية, التي كان
النظام العراقي قد شكّلها لتكون إمتداده في الجسد الفلسطيني , على شاكلة تنظيم
(طلائع حرب التحرير الشعبية- الصاعقة), التي كانت الإمتداد السوري في الجسد
الفلسطيني, وهما- للأمانة والحقيقة
والعديد من قيادي التنظيمين أصدقاء لي- مجرد تشكيلات ديكورية, لافاعلية لها في الأوساط الفلسطينية, ولا أعتقد أن
هذين التنظيمين الصغيرين جداً, يعدو
وجودهما إصدار البيانات في المناسبات الفلسطينية, والقومية البعثية,
السورية والعراقية, ولم يكن لجبهة التحرير العربية أي ذكر في مناطق السلطة
الفلسطينية قبل إنتفاضة الأقصى الحالية التي إندلعت في نهاية أيلول عام,2000 وبعد
تصاعد زخم المقاومة والإنتفاضة , جرت ا لعادة أن ترفع التنظيمات أعلامها في
المظاهرات,فبدأت جبهة التحرير العربية, ترفع علمها وأحياناً قليلة صور الطاغية
صدام حسين, مما أعطى
الانطباع الخاطئ, أن غالبية
الشعب الفلسطيني مازالت تؤيد ذلك (القائد!).
ولكن هذه هي الحقيقة,
والمظاهرات القليلة التي جرت , كانت
للمطالبة برفع الحصار عن الشعب العراقي, فكان أعضاء جبهة التحرير العربية,
المدفوع لهم رواتب ومخصصات من النظام العراقي , يرفعون علم العراق وصور صدام حسين
في مقدمة تلك المظاهرات, وقد تأكد بما لايترك مجالاً للشك, أنه في العديد من تلك
المظاهرات.كان البعض يدفع عدة دولارات , لشباب وأطفال دون الرابعة عشرة, لرفع العلم العراقي وصور صدام حسين,
لعدة دقائق فقط في مقدمة المظاهرة, لحين تصوير المشهد الحافل وإرساله للسفارة
العراقية في عمان. واستغل النظام العراقي , إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية فصعّد من
خطابه المؤيد والمنتقد للعدوان الإسرائيلي والدعم الامريكي والتخاذل العربي, واستضاف -كغيره من الانظمة العربية-
عشرات من جرحى الإنتفاضة لعلاجهم. وقد شاهدت بأم عيني , في شهر فبراير/ شباط من
عام2001 في عمان, كيف كان السفير العراقي, يدور على المستشفيات الأردنية التي فيها
بعض جرحى ومصابي الإنتفاضة ومن خلفه كاميرات التلفزيون العراقي,يعود الجرحى ويسأل
عن أحوالهم , ثم يفتح حقيبته , ويخرج عدة دولارات واضعا اياها في يد, الجريح
قائلاً :»عيني هاي هدية بسيطة من أبو عدي, وفي أحد المستشفيات , إحتج أهالي جرحى
الإنتفاضة, على حركات السفير العراقي هذه, وطالبوه بوقفها , فهم ليسوا بحاجة
لمساعدات من أحد, بهذا الشكل الرخيص,أمام
كاميرات التلفزيون!
وصعّد النظام العراقي من حركاته
المسرحية, مستغلاً الإنتفاضة الفلسطينية, معلناً عن تشكيل (جيش القدس) الذي وصل عدده في بيانات النظام إلى
ثلاثة ملايين مستعدين للزحف لتحرير القدس فور صدور الأوامر لهم. وكان التشكيل
والتدريب والزحف,يتم أمام كاميرات التلفزيون فقط. ومنذ شهورلم نعد نسمع أخباراً عن(جيش القدس), حتى في إعلام النظام , لأن الأوامر صدرت له بالزحف
فعلاً,ولكن نحو المحافظات العراقية لحماية أمن النظام, وملاحقة العناصر الثائرة
عليه, وقمع أية معارضة للنظام وسياساته.ولا أعتقد أن واحداً من الفلسطينيين , حتى
أعضاء جبهة التحرير العربية,قد أخذوا(جيش القدس) على محمل الجد, فالكل عرف وخبر
التحرير أمام التلفزيونات العربية, وقد دفع النظام العراقي عدة ملايين لشركات
اسرائيلية,ضمن صفقات التعويضات التي
فرضتها عليه الأمم المتحدة, عقب دحره من الكويت,لإطلاقه تلك الصواريخ الديكورية-
التلفزيونية على إسرائىل.
هذه هي مراحل المد والجزر في
علاقة الشعب الفلسطيني, مع نظام صدام حسين,
ان صدقه بعض الفلسطينيين في سنوات محددة, فهو تصديق الغريق الذي يتعلق ب¯(قشة) . ولكن (قشة)
النظام العراقي لم تنقذ فلسطينياً, بل هي مجرد أوراق يستعملها النظام إعلامياً لخدمة تحسين صورته, لفترات قصيرة, ولكن
هذا (التجميل) لا ينطلي على أحد طويلاً. والفلسطيني عادة لايلدغ من (نظام )مرتين,
رغم أنه (لدغ) من (نظام) صدام مرات عديدة, لأن آثار اللدغ كانت دوماً خفيفة
وسطحية, لأن هذا النظام ليس حدودياً
مع دولة إسرائىل,كي لايطالبه
الفلسطينيون بأكثر من تضامنه التلفزيوني, كما يفعلون مع أنظمة عربية اخرى.
بعد كل هذه الحقائق
والتوضيحات, هل يبقى البعض على
إعتقادهم بأن الفلسطينيين, يحبون ذلك الديكتاتور, ويموتون فيه?
جريدة
(المؤتمر) -لندن, العدد 399
13-
19أبريل/نيسان2002
بعثي
حتى التخرج ..
ذكريات فلسطيني في البصرة قبل خرابها
كنت في عام 1979, مدرساً في
كلية التربية بجامعة طرابلس في ليبيا ثم تركتها للعمل في البصرة لقربها من الكويت,
شوقاً إلى ثماني سنوات قضيتها أعمل في صحافة الكويت ومدارسها, مما يسمح لي بالسفر
والزيارة متى ما أريد. وما إن وصلت إلى مدينة البصرة, وبدأت العمل مدرساً في كلية
الآداب, في أواخر عام 1979, حتى أدركت أنه انطبق عليّ المثل القائل »كالهارب من
الرمضاء إلى النار« فقد هربت من رمضاء طرابلس إلى نار البصرة.
لفت إنتباهي, أن برنامجي
الجامعي, يخلو من مادة إسمها »الثقافة القومية« موجودة في برنامج بعض الزملاء من المدرسين العراقيين. فسألت رئيس قسم اللغة العربية الدكتور عبد الجليل: لماذا
يخلو برنامجي التدريسي من مادة الثقافة القومية?
تفحص الدكتور عبد الجليل ملامح
وجهي, ربما ليعرف مدى جدّية هذا السؤال, وعلت وجهه إبتسامة خجولة, وأجاب: عيني ..
هذه المادة خاصة بتاريخ حزب البعث ونضالاته المجيدة, ومن يُدّرسها للطلاب
والطالبات, يجب أن يكون »بعثياً« وله درجة حزبية متقدمة, ويكون موافقاً عليه من
قيادة الحزب.
أيام قليلة, وبدأ النظام
العراقي حربه ضد إيران وكان قد مهد لذلك بتعبئة إعلامية واسعة, حول تهديدات إيران
للاراضي العراقية, ومحاولات تفجير وإغتيال تقوم بها عناصر إيرانية داخل العراق,
كما تم ترحيل وإبعاد عشرات الآلاف من العراقيين إلى إيران, بحجة أنهم ذوو اصول
إيرانية, ولن أنسى ما حييت ذلك المشهد المروّع. كنت في زيارة لقيادة إحدى
التنظيمات الفلسطينية الموالية لبغداد, في مكتبها الرئيسي في منطقة المسبح في
بغداد, وفجأة سمعنا جلبة وصراخاً في المنزل المجاور, حيث كانت سيارة للأمن
العسكري, تجبر العائلة بكاملها على الصعود فيها تحت تهديد السلاح, لحملهم ورميهم
على الحدود الإيرانية مثل آلاف سبقوهم. تمّ إصعاد العائلة بكاملها بالقوة: الأب,
والأم وخمسة أطفال, تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والخامسة . همّ السائق
بالإنطلاق, فصرخ الأب: عيني.. هذا الطفل إبن الجيران.. حرام عليكم. أنا وعائلتي
تريدون ترحيلنا.. بس هذا ولد الجيران كان يلعب مع أطفالي .. حرام عليكم.لم يسمع
السائق والجنود معه هذا الصراخ وهذه الشكوى, وانطلقت السيارة نحو الحدود الإيرانية
بالعائلة وإبن الجيران.
بعد إسبوعين من بدء الحرب,
أصبحت مدينة البصرة, خط الدفاع الاول, حيث كانت مسرحاً أساسياً لعمليات الحرب
الأولى, فأغلقت الجامعة أبوابها, وبدأ الناس يقضون ساعات طويلة في الملاجىء والطوابق الارضية, كما
بدأ تقنين توزيع المحروقات وبعض المواد التموينية.
أشاع الحزب ومخابراته أن الحرب
لن تتعدى عدة أسابيع, النصر خلالها حتماً مؤكد على »الفُرس«, الإسم الذي بدأ إعلام
صدام إطلاقه على الجمهورية
الاسلامية الإيرانية. وفجأة أغرقت اجهزة الحزب الأسواق بكميات ضخمة من المواد
الغذائية لإيهام المواطنين أن الحرب لن تؤثر على حياتهم اليومية. وكانت الشاحنات
السعودية والكويتية, تتوجه مباشرة للمحافظات العراقية لإفراغ حمولتها حسب حاجة كل
محافظة, إختصاراً للوقت, بدلاً من توجهها بشكل مركزي للعاصمة بغداد. أمام أحد
مراكز البيع, توقفت في الطابور مع زميل من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة
البصرة. شيوعي معروف, أجبرته السلطات الأمنية على توقيع إستمارة الإنتماء لحزب
البعث, كي توافق السلطات الجامعية على تعيينه مدرساً , وهكذا أصبحت حالته وحالة
المئات غيره فقط »عضوية« شكلية, الهدف منها تقييد حركته وأقواله, فإن إرتكب أية
مخالفة أو تجاوز, يحاكم عندئذ كعضو في حزب البعث, وهذا يعني الهلاك والموت. كنت مع
هذا الزميل الشيوعي حسب القناعات, والبعثي حسب الإستمارة, إشترينا كمية من الدجاج,
وعندما إنسحبنا من الطابور قال لي: عيني.. والله دجاج أكثر من المطر في صيف
البصرة.. بس لو إخوانا في الحزب يرسلوه للجبهه, ثم يبيعونه مشوياً. وتلفت كلانا لا
شعورياً, للتأكد من أن أحداً لم يسمعنا فقلت له : عيني.. أشكر الله أن الدجاج الذي
في أيدينا, مذبوح ومجمد, والا ما كنت تضمن أن لا تكون إحدى الدجاجات قد وقعت على
إستمارة الانتماء لحزب البعث, وتبلغ عنّا.
جاءتني يوماً إحدى طالباتي الفلسطينيات, ورجتني ان أساعدها في
الحصول على غرفة في المدينة الجامعية, لأن الغرف مخصصة فقط للطلاب والطالبات
البعثيات. نفيت لها ذلك بشدة, لأن أحد طلابي الاثيوبيين في مادة (اللغة العربية
لغير ذوي الاختصاص), يسكن المدينة الجامعية, وهذه الحالة تؤكد أن الغرف ليست مخصصة
للبعثيين والبعثيات.في اليوم التالي, سألت الطالب الاثيوبي: كيف حصلت على غرفتك في
المدينة الجامعية? ضحك الطالب, وقال لي : دكتور .. أنا »بعصي«. يقصد بعثي. فضحكت
بدوري, لكنه ضحك كالبكا, ففي عرف إنتهازيي الحزب ولصوصه, تساوت القوميتان العربية
والحبشية.كانت عضوية الحزب عبر توقيع الإستمارة, مدخلاً للعديد من الإمتيازات,
وكان الطلبة الفلسطينيون والأردنيون اكثر الجنسيات تعرضاً لابتزاز مسؤولي الحزب
والأمن في الجامعة, فالسكن الجامعي, والقبول الجامعي, والكتاب المجاني, والمنح
الجامعية كلها لأعضاء الحزب فقط. فكيف يواجه الطلبة الفلسطينيون والأردنيون هذا
الواقع, وهم أكثر الجنسيات حاجة لهذه الخدمات المجانية?.
كان خيارهم الوحيد التوقيع على
إستمارة الإنتساب للحزب, لكن الخوف من مساءلتهم والتحقيق معهم عند عودتهم إلى
الاردن, كان هاجساً حقيقياً خاصة أن العلاقات العراقية-الأردنية, كانت قد تدهورت
كثيراً في عام 1977, عندما أعدمت السلطات العراقية طالباً أردنياً, تحولت جنازته
في عمّان إلى مظاهرة حاشدة ضد النظام العراقي وحزب البعث. سألت أحد مسؤولي إتحاد
الطلبة الأردنيين, وهو طبيب مشهور الآن في مدينة إربد الأردنية: كيف تواجهون هذا
الواقع في الجامعات العراقية?!
أجابني : هذه الأمور لم تعد مشكلة, فالسلطات
الأمنية الأردنية, تتفهم واقعنا, وتعرف أن أغلبنا فور وصوله العراق, يرفع شعار
»بعثي حتى التخرج«, أي التوقيع على إستمارة عضوية الحزب حتى التخرج من الجامعة فقط!
في الاسبوع الرابع من الحرب,
أدرك العراقيون أنها ليست حرب أسابيع كما أشاع الحزب ومخبروه, فأصبح الهرب يأخذ
طابع المد والجزر. كما بدأت أعداد القتلى والجرحى في ازدياد مستمر.. في هذه
الاجواء, صدر مرسوم من وزارة التعليم العالي, سُمح بموجبه لأعضاء هيئات التدريس في
كافة الجامعات العراقية, بمغادرة العراق في إجازة مدفوعة الراتب, والعودة إلى
مراكز عملهم, بعد إنتهاء الحرب. وقد غادر بسرعة غالبية أعضاء هيئات التدريس
العربية والاجنبية. لكنني -كفلسطيني- وجدت نفسي في موقف حرج وحساس. كيف أترك
زملائي وطلابي وطالباتي , وأنا وهم قبل الحرب, كانت فلسطين همنا الأول, وكيف أترك
زملائي العراقيين وقت الشدة ? حسمت أمري, وقررت عدم السفر.
في بداية الشهر الثالث, تراجعت
المعارك داخل الحدود الإيرانية,
وأصبحت الحياة في مدينة البصرة شبه عادية, فانتظمت الدراسة في كليات الجامعة من
جديد. كان موقفي في الجامعة حرجاً للغاية. فأنا فلسطيني, وغير بعثي (الحمد الله),
وكان موقف منظمة التحرير الفلسطينية في بداية الحرب, يميل لصالح تأييد وجهة النظر
الإيرانية, فكانت كل كلمة مني محسوبة, ومجهولة النتائج, لذلك كان علي إلتزام
الصمت, وعدم التحدث إلا في مادتي »النقد الادبي« و»ثقافة الخليج العربي«, اللتين
أدرسهما في الكلية.
كان البلاغ العسكري القومي,
الذي يذاع كل مساء, يجذب إنتباه الجميع فتتبارى الأغلبية في مديح القائد -صانع
القادسية- خاصة إذا كان مسؤولو الحزب حاضرين في جلساتنا.بدأ استعمال تسمية »قادسية
صدام« يطغى على كل التسميات, أما مؤلفو الأغاني والأناشيد, وهواة الغناء فقد راج
سوقهم. وفي حفلة في الهواء الطلق أقامتها كلية الآداب, لوداع زميل مصري من الهيئة
التدريسية, إنتهى عقده, وسيعود إلى مصر, عزفت فرقة المطعم الموسيقية, فتدافع
الطلبة والطالبات يرقصون مع موسيقاها, ويغنون »غالي.. صدام غالي .. غالي« وكنت
للمرة الاولى أسمع الأغنية, وأشاهد الرقص المصاحب لموسيقاها فسألت مستغرباً: ما
هذا? فأجابني الزميل المصري بصوت عال, سمعه الحضور:» ثقافة قومية يا جاهل«, فضج
الحضور بعضهم بالضحك وآخرون بالسكوت الضاحك!
بداية الشهر الخامس للحرب, أدرك العراقيون أنها حرب
سنوات..سنوات. حرب طويلة الأمد, بدأت المستشفيات تكتظ بالجرحى والمصابين,والمقابر بالقتلى المعروفين
والمجهولين.وشاعت أخبار مفرمة العمارة التي يفرمون فيها الجثث, كي لايضيّعوا وقتاً
وتكاليف في إجراءات وطقوس دفنها , وكي لايعرف المواطنون أن أولادهم قتلوا, ويعيشوا على أمل أنهم مازالوا يقاتلون في
قواطع القتال المختلفة,أو أنهم أسرى لدى
الجانب الإيراني.وبدأ تقنين المحروقات والمواد الغذائية, وعاد نظام البطاقة
التمونية, وبدأت اعداد الشاب العراقي تختفي من الشوارع والميادين والجامعات ومراكز
العمل, ويزج بها في ميادين القتال بعد تدريب لا يستمر سوى أيام معدودة, لاتؤهلهم
كمقاتلين حقيقيين. وعُرفت في الشوارع العراقية في كافة المدن, ظاهرتان لولاهما ما
استمر صمود النظام العراقي وجيشه, وهما: ظاهرة الشاحنات السعودية والكويتية التي
تهدرليل نهار ناقلة كافة أنواع المواد الغذائية مباشرة للمدن العراقية, وملايين
المصرين الذين حلوا في جميع أماكن العمل المدنية,محل الشباب العراقي الذين أرسلوا
لميادين القتال. وكنت تسير في قلب مدينة البصرة أو شارع الرشيد في بغداد, فتتخيل
نفسك في حي من أحياء القاهرة لطغيان اللهجة المصرية.
أصبحت قادسية صدام, محور كل ميادين الحياة, حتي النقد
والادب والفن التشكيلي والفن المسرحي وكافة ميادين الحياة والإبداع, والحزب
وقائده ومخبروه, يتجاهلون أنها حرب
تستمر وقودها الشباب العراقي, غير المؤمن بها من غالبيتهم.
أصبح شيئاً إلزامياً أن تكون كافة أوجه الحياة العراقية, أرضاً وشعباً, في
خدمة»قادسية صدام «,ولم تسلم من ذلك جميع مجالات الحياة الثقافية والأدبية
والفنية.كان كل ما له علاقة بالقادسية وصدّامها, يجد طريقه للنشر والمسرح فوراً.
وأصبح لزاماً على كل واحد من أرض العراق, أن يكون مسماراً في آلة هذه القادسية.زارنا في كلية
التربية بجامعة البصرة, محرر شاب من جريدة»الثورة«.وزع على أعضاء الهيئة التدريسية
ورقة حول»القادسية« فيها أسئلة مختلفة تصلح لكل تخصص , حسب عضو الهيئة
التدريسية,والمواد التي يدرسها.وطلب
منا بشكل آمر, أن نجيب على هذه
الاسئلة, وسوف يعود بعد ساعتين, ليأخذ أجوبتنا, وينشرها في الجريدة, على شكل
مقابلات صحفية معنا. بدأنا صامتين
مذهولين , نتصفح الأسئلة, نفكر ماذا
سنكتب , ماذا سنجيب? إنكب الزملاء العراقيون, يجيبون على الأسئلة , بشكل لاإرادي,
رغم عدم قناعة أغلبهم, لكن الحرص
على الحياة والعيش, أكثر الحاحاً من نوعية الإجابة..عاد الصحفي الشاب بعد حوالي
ساعتين, جمع الاجوبة, وتوجه نحوي سائلاً : عيني وين أجوبتك?
أجبته: عيني..أنا مدرس النقد
الادبي ..مالي في السياسة.
أجابني: أخي..هاي فرصة ..أكتب
لنا عن دور النقد الادبي في خدمة قادسية صدام!
-عيني..هاي مفاجأة لي..وتحتاج
لوقت.
-مافيه مانع..أرسل لي الأجوبة
بالبريد.