هل شارك مصريون في تعذيب سجناء أبو غريب ؟!


سيبدو هذا السؤال مثيراً للقراء، وربما إستفزازياً، لأنه لم يسبق لهم أن سمعوا به من أية مصادر إعلامية، أو في نشرات إخبارية.. وهل سيصدقونني إذا قلت لهم: “لقد سمعت ذلك من شاهد عيان، أثناء زيارتي إلى العراق في شهر آذار/مارس الماضي”، أعتقد بشكل مطلق أنه لن يصدقني أحد، حتى لو لبست عمامة، وأطلقت لحيتي، وأقسمت خمساً بالله تعالى، وذلك لأن اللحية والقسم، لا يمكن أن يكونا جسراً لتمرير هذه الأكذوبة، رغم إسنادها إلى شاهد عيان، لأن العقل والمنطق لا يمكن أن يقبل هذه الأكذوبة عن أفراد من الشعب المصري الذي في مرحلة من المراحل، كان هناك عدة ملايين منهم، يقومون بكافة أعمال الحياة اليومية في العراق، خاصة فترة حرب النظام العراقي السابق ضد الجارة إيران.

وضمن هذا السياق، واستناداً إلى إسناد المعلومة إلى شاهد عيان مجهول للقراء والمستمعين، وكمن يسند معلوماته إلى الموتى الذين لا يمكن إنطاقهم إلا يوم القيامة، بقدرة الله تعالى، نشر رئيس تحرير جريدة يومية عربية، قبل ثلاثة أسابيع، أكذوبة مسنودة إلى شاهد عيان فحواها (أن هناك مواطنين كويتيين شاركوا في التحقيق مع السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، وكذلك المشاركة في تعذيبهم)، وهذه الأكذوبة المستندة إلى (شاهد عيان) يستطيع أي شخص أن ينسج على منوالها ما يشاء من أكاذيب، لتصفية حسابات شخصية مع أطراف، وخدمة لأطراف أخرى، وعودة إلى أكذوبة المشاركة الكويتية، أرى وبشكل قاطع، أنها مفتعلة ومفبركة، لأنه من غير المنطقي أن تحتاج قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لمساعدة مواطنين كويتيين، وهم الذين جلبوا معهم الآف المترجمين والموظفين العرب من حملة الجنسية الأمريكية والبريطانية، ولا يصدق عقل مهما كان هزيلاً، أن المواطن الكويتي الذي يعيش في رفاهية في وطنه، لا مثيل لها في قطر عربي ’آخر، أن يقبل العمل في سجن أبو غريب محققاً مع السجناء.

كما أن هذه الأكذوبة خدمة كبرى لقوات التحالف المحتلة في العراق، كي يروج إعلامها أن الذين قاموا بالتعذيب هم عرب وليسوا أمريكان أو بريطانيين، والدليل على أنها أكذوبة مؤكدة أن الإعلام الأمريكي الذي كشف وقائع هذا التعذيب، لم يذكر أي حرف عن هذه المشاركة الكويتية، ولو وقعت فعلاً لاستغلها الإعلام الأمريكي بشكل واسع، لتصبح الأمور (عرب يعذبون عرباً)، ونحن لا دخل لنا (وبطيخ يكسر بعضه).. والإعلام الأمريكي الذي لم يجامل حكومة بلاده الولايات المتحدة الأمريكية ويخفي وقائع التعذيب، لن يجامل حكومة الكويت ويخفي مشاركة مواطنيها في هذه الوقائع.

وهذا وحده دليل قاطع على أن شاهد العيان، المزعوم كان مجرد أكذوبة مفتعلة في رأس مسؤولي تلك الجريدة، وأغرى هذا الإفتعال رئيس تحرير مجلة عربية أخرى، تصدر عن حزب عريق في مصر، لينشر صور بورنو (جنسية) مأخوذة من صفحة إنترنت اسمها (الجنس والحرب) لينشرها على أنها صور جنود أمريكيين يغتصبون نساءاً عراقيات.. وقامت صحف مصرية أخرى، بتفنيد وقائع هذه الصور، من خلال الكشف عن إسم ذلك الموقع في الإنترنت، وكون النساء اللواتي يمارس معهن الجنس شقراوات، كل أصباغ العالم لن تحول مواطنة عراقية لشقراء مثلهن، والأهم أن تلك النسوة يمارس معهن الجنس وهن في وضع إستلقاء مريح، ويضحكن كذلك، وكأن هناك عقل يقبل هذه الفبركة فأية مواطنة عربية تقبل إغتصابها وهي تضحك فرحة مسرورة.

إن مثل هذه الوقائع - الأكاذيب، من بعض الإعلاميين العرب، تضر بمصداقية الإعلام العربي، فبدلاً من محاولته الوصول إلى ضربة أو سبق صحفي حقيقي، كما يفعل الإعلام الغربي، يلجأ البعض إلى سبق مفبرك، يعتمد على الأكاذيب، ينتشر عدة أيام فقط، ثم يكتشف الأغبياء قبل الأذكياء تلك الأكاذيب !

وعودة إلى المشاركة الكويتية المزعومة، لا بد من القول بصراحة وجرأة أن هناك إعلاميين عرباً، يلجأون لتصفية حسابات شخصية على حساب مبادئ كان ينبغي أن يكون لها السيادة. وهنا المهم هو مبدأ تجسير العلاقة بين الشعوب العربية، وليس هدمها أكثر مما هي مهدومة ومُخرَّبة.. والأهم المضحك أن هذه الأكاذيب تأتي في الغالب من كتاب يزعجون مناماتنا بالحديث عن الوحدة العربية، ووحدة الشعوب العربية، شعوب هذه الأمة الواحدة، ذات الرسالة الخالدة !!

إن الشعب الكويتي ليس كله أنبياء.. ولكن الصحفي الذي يختلق هذه الأكاذيب، البورنو، لا يحترم عقلي كقارئ.. الإحترام الحقيقي هو ذكر كافة الجوانب لأية قضية، وفيما يخص الحقيقة المتعلقة بالكويت، فهي دولة مسالمة، لا تفتعل خلافات مع أية دول عربية، لا من جاراتها ولا البعيدين عنها جغرافياً، وهي دوماً إما مُفترى أو معتدى عليها، ونحن الفلسطينيون الذين عشنا أزهى وأجمل سنوات شبابنا وعمرنا في الكويت، لا يمكن أن ننسى الخدمات والمساعدات والدعم الذي قدمه الشعب الكويتي لشعبنا الفلسطيني ونضاله المشروع، ولكافة الشعوب العربية.. وهذه حقائق لا تستند إلى شاهد عيان مثلي فقط، ولكنها أرقام في سجلات الصندوق الكويتي للتنمية العربي، وصناديق المساعدات الخيرية الكويتية، على الكويتيين أن لا يخجلوا من نشرها، وتعميمها فالشمس لا يمكن حجبها بغربال، (وعمر الكذب والإفتراء أقصر من قصير)!

جريدة (شيحان)، العدد 1023

22 - 28/أيار/2004    

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة