![]() |
إفتراءات وأكاذيب باسم (القومية)
كم من الجرائم
الفكرية والمغالطات التنظيرية، يتم إرتكابها باسم (القومية) و(الفكر القومي)،
فمنظرو هذا الفكر ينبغي أن تكون مهمتهم العمل من أجل وحدة الأمة، من خلال التقريب
بين شعوبها، ولكن للأسف فإن بعض الذين أصبحوا مشتغلين بالتنظيرات القومية، ينسون
مهمتهم هذه، فينصب عملهم على إشاعة الفرقة عبر إفتراءات تتم باسم العمل القومي
والفكر القومي.
صحيفة أسبوعية
أردنية (عربية -سياسية - أسبوعية)، تضع على صدر كافة صفحاتها، صور اً للرئيس جمال
عبد الناصر، كتبت الخبر التالي في عددها (446) الصادر في (22) آذار/مارس الماضي،
نشرت في صفحتها الثانية في زاوية (وقائع أردنية) ما يلي:
“العلاقات
الأردنية الكويتية، تمر هذا الأوان بأزمة صامتة، ولكنها حادة جراء الصلف الكويتي
البغيض في التعامل مع اليد الأردنية التي إمتدت للمصالحة والتعاون، زيارة فيصل
الفايز رئيس الوزراء الأخيرة للكويت، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث
ظهر الكويتيون على حقيقتهم بعد إحتلال العراق وزوال نظام صدام حسين، وبعد أن لم
يعودوا في حاجة لإخفاء حقيقة أحقادهم على الأردن وشعبه”.
وفي نفس
العدد، في الصفحة السابعة، وردت العبارة التالية في مقالة لأحد كتابها: (أما قصة
إجتياح الكويت، دوافعها وأسبابها، فإن العراقيين حتى لو جادل بعضهم في أسباب
وتوقيت الإجتياح.. فإنهم جميعاً متفقون على موضوع عراقية الكويت طال الزمان أم قصر
(وهو ما صرح به أعضاء في مجلس الحكم الانتقالي) إضافة إلى أن تجزئة الوطن العربي
إلى أقطار وحدود لم تكن قائمة قبل إتفاقية سايكس بيكو”.
هذان المقطعان
من هذه الصحيفة الأسبوعية الأردنية، يحتاجان إلى توضيح الإفتراءات الواردة فيهما،
فقط من أجل الفكر القومي الذي تُنظّر له الصحيفة.. وأملاً في الوصول إلى وحدة
الأمة العربية، التي تسعى من أجلها الصحيفة، كما تعلن دوماً.. وأهم هذه التوضيحات:
1- هل صحيح أن
العلاقات الكويتية - الأردنية، تمر بأزمة صامتة ؟ هل نُصدِّق هذه الصحيفة، أم
نُصدقِّ السيد رئيس الوزراء وجلالة الملك عبدالله الثاني، فما سمعناه من تصريحات
السيد رئيس الوزراء عقب زيارته الأخيرة لدولة الكويت، وما قاله جلالة الملك عقب
قبوله أوراق اعتماد السفير الكويتي الجديد السيد يوسف العنيزي، ينفيان تماماً هذا
الإدعاء، وقبل أيام قليلة تُوجت هذه العلاقة باقامة الأيام الثقافية الكويتية في
رحاب الجامعة الأردنية، وبرعاية الملكة رانيا العبدالله ، ومشاركة وزراء كويتيين
منهم الدكتور رشيد الحمد وزير التعليم، فأين هي مظاهر هذه الأزمة ؟! هذا من حيث
الموضوع، أما من حيث أخلاق المهنة الصحفية، فهل يُقبَل في كافة الأعراف العربية
والقومية، والإسلامية، القول: (الصلف الكويتي البغيض).. أين هو الصلف وما هي مظاهره،
وفي كافة السياسات العربية والدولية، مستحيل التطابق الكامل في وجهات النظر، بدليل
أن سورية والعراق، وقد كان يحكمهما حزب واحد، هو حزب البعث العربي الاشتراكي، ظلت
علاقاتهما مقطوعة، وحدودهما مقفلة نهائياً، طوال أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وقتل
الرفاق، وانقلب الرفاق أنفسهم على بعضهم البعض بتهمة تآمر البعثي العراقي لحساب
البعثي السوري، وتآمر البعثي السوري لحساب البعثي العراقي.. فهل نتوقع تطابقاً
تاماً في وجهات النظر الأردنية - الكويتية لذلك فهذا (الصلف) غير موجود إلا في
مخيلة من يسعى لتوسيع الخلافات العربية، التي رأينا أوجهاً في تأجيل قمة تونس
الأخيرة.
2- أما
(عراقية) الكويت التي تحدث عنها أحد كتاب الصحيفة، فلا أدري كيف جمع آراء خمسة
وعشرين مليوناً من العراقيين ليقول (أن العراقيين جميعاً متفقون على ذلك)، هذا لا
يمكن وصفه إلا أنه إدعاء مرفوض، فأنا أؤكد للزميل الكاتب، أن لديَّ -ان صدقني- ما
ينفي إدعاءه هذا، فقد كنت شخصياً في العراق الأسبوع الماضي وسمعتها من شخصيات
قومية ووطنية، يسارية وإسلامية بأن سبب كل مصائب العراق والعرب، إقدام الديكتاتور
السابق على إحتلال دولة الكويت.. وما دام الكاتب يستشهد ببعض أعضاء مجلس الحكم
الإنتقالي، فلماذا لا يملك الجرأة ذاتها، ويكتب أن بعض أعضاء هذا المجلس، صرحوا
بعراقية (الأردن) أيضاً.. فهل هذا مقبول لديه أيضاً بحجة التمرد على مخططات سايكس
- بيكو.
3- ولماذا
تناست هذه الصحيفة وغالبية كتابها، أن نظاماً بعثياً يحكم قطراً عربياً منذ أربعين
عاماً، وهؤلاء الكتاب نَسّوا معه لواء الاسكندرونة الذي ضمه سايكس - بيكو لتركيا..
ولماذا ينسون إقليم (عربستان) الذي ضمته إيران ؟ ولماذا ينسون أن بطلهم القومي
الوحدوي (صدام حسين) ذهب بقدميه وبرجليه إلى الجزائر عام (1967)، ليوقع إتفاقية
إقتسام شط العرب مع شاه إيران، ويعطي الشاه حوالي (40%) من شط العر بجرة قلم، وهي
النسبة التي لم تكن يوماً ما في أحلام الشاه.
لا أحد يملك
حساً وطنياً يقبل إتفاقيات سايكس - بيكو، كمبدأ وأخلاقيات ولكنها رغم أنوفنا
جميعاً، صارت واقعاً وتاريخاً عمره ستة وثمانون عاماً، وفتح ملفاتها بالقوة التي
إستعملها صدام، يعني فتح عدة حروب أهلية عربية - عربية، فيندر أن لا توجد أطماع
حدودية بين دولتين عربيتين وكلنا يتذكر إقليم (حلايب) الذي جَـرّ مواجهة عسكرية
بين السودان ومصر، ومثل هذه الحالة موجودة بين كل الدول العربية المتجاورة.
إن الحرص على
وحدة الفكر القومي، والرغبة الحقيقية في الوحدة العربية، ينبغي أن تأتي من خلال
قناعات الشعوب، وهذا ما هو غير متوفر الآن لأسباب عديدة، وفي الحالة الكويتية
إجابة شافية، ففي العام (1990) عندما أقدم الديكتاتور البائد على إحتلال دولة
الكويت، كان أشد وأقوى من عارضوا خطوته هذه، ورفضوا مدّ أيديهم ليده، هم زعماء
وقادة التيار القومي العربي الكويتي، ولن ننسى مواقف الدكتور أحمد الخطيب والمرحوم
سامي المنيس والدكتور أحمد الربعي ومحمد جاسم الصقر وغيرهم كثيرون.. فهل هؤلاء
القادة المعروفون بعروبتهم وقوميتهم، أقل ولاءاً للعروبة من هذه الصحيفة وكتابها،
ومن ينسى مواقف النائب القومي عبدالله النيباري والأستاذ أحمد السعدون ؟
إن هكذا (صلف)
لا يخدم خط الفكر القومي، فهو (صلف) و(تشنج) لا يخدم سوى مصالح شخصية ضيقة..
ومؤقتة، ونأمل أن ننام غداً، لنصحو وقد ركضت كل الشعوب العربية نحو الوحدة عن طريق
الإقتناع وليس الإحتلال.. فالإحتلال مرفوض سواء إحتلال إسرائيل لفلسطين، أم إحتلال
صدام للكويت.
جريدة
(شيحان)، العدد 1016
3/9/2004