تجربة مسرح الخليج العربي

(دراسة مرحلية)

 

بداية الحركة المسرحية في الكويت

يحتاج المسرح -كظاهرة فنية- إلى مجموعة من العوامل، يجب توافرها في أية بيئة مقدمة لظهور المسرح كعمل فني ممارس، وإلى هذه العوامل، ومدى توافرها في المجتمعات المختلفة، سبق المسرح في بيئة معينة مثيلة في مجتمع آخر، وفي الكويت، إرتبط ظهور المسرح بالعملية التربوية والتعليمية في المدارس، لأنها كانت العامل الأقوى من بين العوامل المختلفة الأخرى، ففي الوقت الذي كان ينعدم فيه تقريباً الإستقرار البشري الكثيف، والعامل الإقتصادي المؤثر، بدأت إلالحاحات الإنسانية نحو المعرفة تتوق إلى تأسيس المدارس طريقاً للتحصيل العلمي، وقد بدأت الحركة المسرحية مواكبة في ظهورها عملية إنشاء المدارس. ويذكر أن أول مسرحية كانت من طلاب مدرسة المباركية في عام 1938، قام بتشكيلها الأستاذ (محمد محمود نجم) بعد عودته من القاهرة متأثراً بحركتها المسرحية، وقدمت هذه الفرقة مسرحية (مجنون ليلى) من تأليف الشاعر (أحمد شوقي)، اقتصر عرضها على الفصلين الأول والثاني، وذلك بغرض حذف الأدوار النسائية، ومن الذين قاموا بالأدوار: (أحمد العدواني ومرزوق الغنيم وخالد جعفر وخالد الغربللي وعقاب الخطيب وغيرهم).. هناك محاولة سابقة لهذه المحاولة تمت في عام 1930، إلاّ أنها تبدو مقطوعة الجذور بما بعدها، وهي المحاولة التي يقال أنها قدمت في حفل إفتتاح المدرسة الأحمدية عام 1930، ويذكر أن التمثيلية كانت من تأليف الشيخ (عبد العزيز الرشيد) الذي أقرّ بها أسلوباً جديداً للدعوة إلى التعليم، وقد مثل أدوارها: (أحمد الفارسي وفيصل الزبن وعبد المحسن الحمد).

واستمرت المحاولات المسرحية مرتبطة بالمدارس، إذ تشكلت في عام 1939 فرقة مدرسة الأحمدية، وفي عام 1940 فرقة مدرسة الشرقية، وقدمت مدرسة المباركية مسرحيتها الثانية (عمر بن الخطاب) من إعداد وإخراج (محمد محمود نجم)، واشترك في التمثيل فيها: (حمد الرجيب وخالد جعفر وصالح شهاب وعبد اللطيف الكاظمي وغيرهم)، ولا شك في أن المدارس شهدت آنذاك نشاطات تمثيلية أخرى، كانت موجهة في الأساس لطلابها، وبالتالي فهي لم تمارس تأثيراً واضحاً في البيئة المحيطة بها. أما من الناحية الفنية، فقد كانت هذه الجهود تعتمد على المستلزمات البدائية والضعيفة، ويجب أن نسجل أن نظرة المجتمع إلى فن المسرح -آنذاك- كانت تعتبره منافياً للعرف والتقاليد.

أسهم الأستاذ (حمد الرجيب) إسهاماً فاعلاً في وضع أسس الحركة المسرحية في الكويت، وتطويرها نحو الأفضل، وقد مثّل أول مسرحية عام 1938، بعنوان (إسلام عمر) وعندما عين مدرساً في مدرسة الأحمدية، إستمر يواصل نشاطه المسرحي في مدرسته ومدارس أخرى تأليفاً وإعداداً وإخراجاً وتمثيلاً، ثم أوفد عام 1948 إلى القاهرة لدراسة فن التمثيل، وعاد في عام 1950 ليواصل جهوده من خلال عمله الرسمي، إذ كان مشرفاً على النشاط التمثيلي الذي كانت تقوم به إدارة المعارف، وقد مُثّلت بعض المسرحيات منها (عدو الشعب) لفريق إدارة المعارف، و(غزوة بدر الكبرى) لفريق الأحمدية، وفي هذه المرحلة تذكر جهود الفنان (محمد النشمي) كواحد من الرعيل الأول، واضعي أسس المسرح الكويتي.

ويذكر (النشمي) أن أولى محاولاته التمثيلية كانت في عام 1940، حين كان طالباً في المرحلة المتوسطة، إذ وقع عليه إختيار أستاذه (حمد الرجيب) لينضم لفريق مدرسة الأحمدية، ومثّل مسرحية (أم عنتر) التي أدى عرضها إلى غضب أهله ونقمتهم.

في عام 1948، إنتقل النشاط المسرحي من المدارس إلى النوادي والجمعيات الأهلية، إذ أنشأت جمعية المعلمين (ناديا) للتمثيل، بغرض زيادة دخلها المادي عن طريق دخول التمثيليات، ومارس التمثيل من خلال هذا النادي الفنانان (حمد الرجيب ومحمد النشمي)، وقُدّم هذا النادي مسرحية (وفاء) و(مجنون ليلى) للشاعر (شوقي)، وحينما سافر الفنان (حمد الرجيب) إلى القاهرة للدراسة، واصل جهوده في (بيت الكويت) فقدم مسرحية (مهزلة في مهزلة) التي وضع هو فكرتها وصاغها شعراً (أحمد العدواني).

وبعد عودته من القاهرة أسّس (حمد الرجيب) فرقة المسرح الشعبي في أوائل عام 1955، وقدمت أول مسرحية مرتجلة، إسمها (مدير فاشل) من تأليف (محمد النشمي)، وكان هذا النوع من المسرحيات يعتمد على (فكرة) يقدمها أحد الممثلين، ويحدد ملامحها العامة، ثم يصعد الممثلون إلى خشبة المسرح، معتمداً كل منهم على البديهة في خلق الحوار المناسب لمقتضيات الفكرة المتفق عليها مسبقاً، وهذا يعني أن المسرحية الواحدة تقدّم كل ليلة بشكل يختلف عن الليلة السابقة واللاحقة، وقُدّم من هذا النمط مسرحيات عديدة منها: (عجوز المشاكل) و(مطر صيف) و(بلادي) وغيرها. وفي عام 1956 ضُمّت الفرقة لوزارة العمل، فاستقدمت لها بعض الفنيين المختصين، وفي عام 1957 إتجهت النية لتقديم أعمال مسرحية مكتوبة، فقدمت الفرقة مسرحية (تقاليد) للفنان (صقر الرشود) ولاقت نجاحاً فنياً وجماهيرياً.

دور زكي طليمات

في عام 1958 استقدمت وزارة العمل والشؤون الإجتماعية الفنان الكبير (زكي طليمات)، ليدرس واقع الحركة المسرحية في الكويت، ويضع عنها تقريراً مفصلاً، فمكث في البلاد قرابة الشهرين، محاولاً ترسيخ المفاهيم الجديدة في البيئة لتقبل الفن المسرحي، مع الاقناع بأنه ليس خرقاً للتقاليد والعادات، ثم قام بتأسيس فرقة (المسرح العربي) في عام 1961، لتشكل بداية جديدة في تاريخ المسرح في الكويت، إذ حاول (زكي طليمات) أن تكون هذه الفرقة تجاوزاً للمسرح الشعبي السابق الذكر، وكان يرى أن دور الفرقة الجديدة دور حضاري قومي يخاطب مستوى مختلفاً من الجمهور، ويقوم بوظيفة مختلفة في المجتمع هي ربط الماضي بالحاضر، وقدّم هذا المسرح العناصر النسائية لأول مرة على خشبة المسرح بالكويت، وكانت أول مسرحية قدمتها هذه الفرقة هي (صقر قريش) في عام 1962 من تأليف (محمود تيمور) وإخراج (زكي طليمات) نفسه.

ثم أعقب ذلك ظهور عدة فرق مسرحية أهمها (المسرح الكويتي) و(مسرح الخليج العربي)، ثم أعقبها في السنوات الأخيرة عدة فرق (أهلية) بمعنى أنها لا تتقاضى إعانة مالية سنوية مثل الفرق الأربع الأولى.

بداية مسرح الخليج العربي

حتى عام 1963، عرفت الكويت فرقتين مسرحيتين رسميتين هما: المسرح الشعبي والمسرح العربي وقبل ذلك بمدة بسيطة تجمع عدد من الشباب المثقف هواة المسرح منهم: عبدالله خلف وعبد الحميد البعيجان وعيسى ياسين وعلي جمعة وعبد العزيز الخطيب، وقرروا تأسيس فرقة مسرحية باسم (المسرح الوطني)، وتقدموا بطلب التأسيس إلى (حمد الرجيب) وكيل وزارة الشؤون الإجتماعية، ولكنه لم يوافق بشكل رسمي على الطلب إلا أنه لم يعارض في إقامة حفلة لهذه المجموعة من الشباب، فقدمت الفرقة مسرحية “فتحنا” من تأليف (صقر الرشود) وعلى مسرح مدرسة الصديق، الذي أُعطيَ للفرقة ليلة الحفلة فقط، أما البروفات لليلة الحفلة فكانت الفرقة تجريها في قرية الجهراء، وقد نجح الحفل المذكور نجاحاً كبيراً.

وفي عام 1963 عندما سمحت الدولة بتكوين الجمعيات الثقافية والأدبية، تقدمت المجموعة نفسها بطلب جديد للأستاذ (حمد الرجيب) لتكوين مسرح جديد، تحت اسم جديد، فوافق شريطة أن تسمّى الفرقة الجديدة (جمعية مسرح الخليج العربي). إن هذا الإصرار عند مؤسسي المسرح، وتحملهم للعقبات والصعاب، يدل على الحماس الفني لديهم، هذا الحماس الذي سيقود في السنوات اللاحقة لسنة التأسيس إلى تجاوز واضح وملحوظ في مسيرة المسرح في الكويت، وستقود هذه الفرقة الحركة المسرحية في الكويت إلى آفاق متقدمة، مواكبة لحركة المسرح في أقطار الوطن العربي العريقة في هذا الفن، ومتقدمة على كثير منها.

إن ذكريات أعضاء الفرقة عن مرحلة التأسيس، تدل على عزم هذه المجموعة على التحدي والصمود، ففي البداية مرّت الفرقة بظروف مادية صعبة، ولولا هذا العزم، لتوقفت عن مواصلة العمل، فكم يدهشنا حين نعرف أن الفرقة بدأت في عام 1963 بمبلغ لا يتجاوز المائة دينار، وكيف أقامت الحفلة تلو الحفلة، تدعو إليها من تتوسم فيهم الخير تجمع من هنا قرشاً ومن هناك ديناراً، لتتوطد في النهاية دعائم فرقة مسرحية أهم ما يميزها أنها تعرف: لماذا تأسست وماذا تريد أن تقدم، وهذان السؤالان مهمان عند تأسيس أية فرقة مسرحية، فبدون وضعهما، والإجابة عليهما، ستكون الفرقة نسخة طبق الأصل للفرق السابقة لها، لا تتجاوزها، إنما تركض معها مقلدة، ولأن المجموعة التي أسست (مسرح الخليج العربي) طرحت هذين السؤالين مسبقاً، كان هذا التجاوز في سنوات قليلة، وهو تجاوز ملحوظ جداً مكّن الفرقة من تقديم أعمالها في بغداد ودمشق والبحرين والقاهرة وقطر والمغرب، لتنال في كل عاصمة منها الإعجاب والتقدير، وأغلبها عريقة في فن المسرح، وقد سبقت في مضماره بسنوات طويلة خاصة القاهرة ودمشق وبغداد، وسيتضح ذلك عند إستعراض ما قيل عن هذه الفرقة في تلك العواصم.

تشكلت المجموعة المؤسسة للمسرح من السادة التالية أسماؤهم: (عبدالله خلف، نوره الخميس، سالم الفقعان، صقر الرشود، مكي القلاف، يوسف الشراح، عبدالله عبد الرحمن الرومي، حمد المؤمن، سعيد يعقوب الرفاعي، حياة الفهد، جاسم شهاب، مساعد الفوزان، أحمد القطان، وليد أحمد الخالد، منصور المنصور، عبد العزيز المؤذن، وقد كان رقم الإشهار (11) بتاريخ 13/5/1963، ونشر في مجلة (الكويت اليوم) في عددها (427) الصفحة (50) بتاريخ 19/5/1963، من سنتها التاسعة.

وقد تشكل أول مجلس لإدارة المسرح من: (عبدالله خلف، سالم الفقعان، صقر الرشود، مكي القلاف، عبد العزيز الفهد، منصور المنصور، ونوره الخميس)، أمّا أول لجنة ثقافية للمسرح فقد تشكلت من: (صقر الرشود، عبد العزيز السريع، ومحبوب العبدالله).

النشاط الثقافي للفرقة

قلنا إن ما يميز هذه الفرقة المسرحية من بين سائر الفرق المسرحية في الكويت، أنها بدأت العمل المسرحي، وهي تعرف لماذا بدأت، فقد أجابت عن هذا السؤال مسبقاً، لذلك كانت خطواتها واضحة ومتزنة، وتعرف الخطوة اللاحقة للخطوة الحالية، ومن هنا كان هذا النجاح الذي أحدثته في الساحة المسرحية المحلية، وذلك الإحترام الذي لقيته في الساحات العربية: (دمشق وبغداد والقاهرة وقطر والبحرين ولبنان والمغرب) حيث قدمت عروضها، وذلك إيماناً منها بالأخذ والعطاء، بالتعلم والتعليم.

مجلة (الكلمة)

منذ البداية، وعقب التأسيس في عام 1963، كان أول ما قام به مجلس الإدارة هو تشكيله (اللجنة الثقافية) إيماناً منه بدور الثقافة في خلق شخصية (الفنان المسرحي)، وقامت اللجنة الثقافية بأول عمل لها وهو إصدار مجلة ثقافية، باسم (الكلمة)، وقد صدر منها سبعة أعداد، ورغم توقفها السريع إلا أنها كانت علامة مضيئة في مسيرة الحركة المسرحية في الكويت.

اتخذت المجلة شعاراً لها كلمة للقائد الراحل جمال عبد الناصر يقول فيها: “من السهل أن نبني المصانع والمستشفيات ولكن من الصعب أن نبني الرجال”، وهو شعار يجسد الطموحات التي كانت تجيش في صدور القائمين على أمر هذا المسرح، لذلك ليس غريباً أن نقرأ في العدد الرابع من مجلة (الكلمة) يناير 1965، في كلمة التحرير قولهم: “... نحن نحيا وسنظل نحيا على خشبة المسرح، وسنموت في أحضان الكلمة والحرف والأسلوب، حياتنا حرب على المادة التي غزت هذا المجتمع فأثرت في النفوس، وسنحارب كل من يريد القضاء على الروح والجوهر، ولن نخفق في مسعانا، فقد قلنا سابقاً بأن الكلمة تجذب محبيها، وتستهوي كل من يحيا في رحابها..”.

وخدمة للغرض نفسه، كتبت المجلة في عددها الخامس (فبراير 1965) كلمة موجهة للمؤتمر الأول للصحفيين العرب الذي عقد في الكويت، قالت فيها: “... ليس أمامنا إلا أن نتطلع إليهم -تقصد الصحفيين العرب- بعين الأمل في أن يحققوا لصحافتنا العربية كل العزة، وأن يخلصوها من المنتفعين والدخلاء وأن يرتفعوا بها إلى القمة بعيداً عن الإقليمية والانحراف...”، وفي العدد نفسه كتب (عبد العزيز السريع) يقول: “الذي نلاحظه أن كثيرين من الصحفيين العرب قد جاءوا إلى الكويت وكتبوا عنها كثيراً وترددت في كتاباتهم كلمات مثل (درة الخليج) و(مدينة الفارابي الفاضلة) و(قطعة من أوروبا في الصحراء).. الخ. ماذا تعني هذه العبارات ؟ ماذا يستفيد منها القارئ العربي ؟ إنها تعبر عن منتهى السطحية، إذ أن الصحفي يكون قد نزل في ضيافة إحدى الوزارات أو في أحد الفنادق المشهورة، وهناك سيارة تحت تصرفه ومواعيد الزيارات معينة، يستقي منها موضوعاً مكرراً سخيفاً مليئاً بالمغالطات”، إن هذا النقد الصدامي يدل على الخلفية الأساسية التي ينطلق منها المسرح وأعضاؤه.

الندوات والمحاضرات

إيماناً من مسرح الخليج العربي بضرورة إيجاد الفنان المثقف الدارس، والجمهور الواعي لأبعاد الحركة المسرحية، نظمت لجنته الثقافية، ضمن نشاطاتها، سلسلة من الندوات والمسرحيات كبديل عن مجلة (الكلمة) التي توقفت بعد عددها السابع، وقد شملت الندوات والمحاضرات مساحات واسعة من المسرح المحلي والعربي والعالمي، ومن هذه الندوات:

1- ندوة عن وليم شكسبير -حياته وأعماله- قدمها سليمان الشطي.

2- ندوة عن “نشأة المسرح في العالم العربي” لمحبوب العبدالله.

3- الكاتب المسرحي توفيق الحكيم -أعدها وقدمها عبد الرحمن الصالح.

4- الشعر العربي الحديث - وليد أبو بكر.

5- المسرح العالمي نماذج وشخصيات - عبد العزيز السريع.

6- ندوة عن مسرحية (الحاجز) إشترك فيها الدكتور محمد حسن عبدالله، ومؤلفها ومخرجها صقر الرشود، وعبد العزيز السريع، ومحبوب العبدالله.

7- ندوة عن الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو.

8- ندوة عن العامية والفصحى في المسرح.

9- ندوة مع الأستاذ جيفري بولو المتخصص في مسرح شكسبير بمشاركة الأستاذ نعمان عاشور والدكتور محمد إسماعيل الموافي.

10- ندوة عن مناهج الأداء التمثيلي في العصر الحديث للأستاذ الفنان محمود مرسي.

11- أوزبورن ومسرح الغضب للدكتور إبراهيم النادي.

12- ندوة حول (تذوق الموسيقى) إشترك فيها صالح حمدان ونجم عبد الكريم.

13- ندوة حول مسرحية (ضاع الديك) إشترك فيها صالح حمدان ونجم عبد الكريم.

ومجموعة أخرى من الندوات والمحاضرات المتنوعة، تدل في مجموعها على طموحات معينة، تسعى الفرقة لتحقيقها في الساحة الكويتية، التي إبتليت بداء (المادة) التي أفقدت الحياة جوهرها وروحها، وجعلت السباق المادي هو كل شيء، وما عداه فلا قيمة له، في مثل هذه الظروف يصبح الصدام مع البيئة أمراً ضرورياً، إذا أردنا تخطي الحاضر وصولاً إلى مستقبل بناء، يحقق للمواطن إنسانيته وكرامته.

الموسم الثامن 70/1971

في بداية عمله المسرحي، ومن خلال أعمال الموسم الأول 63/1964، كان مسرح الخليج العربي يعتقد أن المسرح أداة لحل قضايا المجتمع السائدة، ثم تطور فكر المسرح ونظرته للعلاقة بين المجتمع والمسرح، لتصبح المشكلة الإجتماعية في الموسم الثاني 64/1965 موضوعاً يُمكّن من طرح قضايا أكثر عمقاً من النواحي الإجتماعية والفكرية، فضلاً عن تعميق المعادلة عن طريق الرمز، وفي هذا الموسم الثاني بدأ التجريب مع المسرح العالمي، بتقديم مسرحية “صفقة مع الشيطان” للكاتب الانجليزي جيروم ك. جيروم، وعادت الفرقة إلى هذا الإتجاه الذي يتعامل مع المسرح العالمي في الموسم الرابع 66/1967 بتقديم مسرحية “الله يا الدنيا” عن “الثري النبيل” لموليير الفرنسي. وكذلك الموسم الخامس 67/1968، الذي تعاملت فيه الفرقة كليا مع المسرح العالمي في مسرحيتين: “لا طبنا ولا غدا الشر” عن مسرحية “لكل حقيقة” للكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو، و”المرأة لعبة البيت” عن “بيت الدمية” للكاتب النرويجي هنريك أبسن. إن هذا الإنحياز إلى التعامل مع المسرح العالمي كان محكوماً بعاملين: الأول، ندرة النصوص المحلية، بدليل إقتصار مواسمه الخمسة الأخيرة على مسرحيات محلية وعربية، عندما توفرت هذه النصوص، والثاني، هو الإنفتاح على الأعمال المشهورة في المسرح العالمي، وقد إتضح ذلك من الأعمال التي قدّمها، فهي من أشهر أعمال المسرح العالمي.

في الموسم السادس 68/1969، زاوج المسرح بين الأعمال المحلية والعالمية، إذ قدم مسرحيتين: “لمن القرار الأخير” تأليف عبد العزيز السريع، و”ثم غاب القمر” لجون شتاينبك، وهنا يظهر وعي المسرح في إختيار أعماله، ففي العام 1968، وعقب معركة الكرامة، غدا العمل الفدائي الفلسطيني نقطة مضيئة في ساحات الوطن العربي، وأعطاه الأمل الوحيد من وسط ركام الهزيمة - النكسة. نتيجة لهذا الوعي من مسرح الخليج العربي، وإيماناً منه بدور المسرح الفاعل المؤثر في مجتمعه، كان إختيار مسرحية “ثم غاب القمر” وعن سبب هذا الإختيار قالت اللجنة الثقافية للمسرح آنذاك: “.. إن الشعار المرفوع الآن هو أن كل شيء في خدمة المعركة، وكل الطاقات يجب أن توجه نحو المعركة، لأننا نعيش مرحلة من أدق مراحل تاريخ هذه الأمة العريقة وأخطرها، ولهذا فإتجاهنا في الإختيار كان منصباً على هذا الجانب، لأن هذه المسرحية التي نقدمها لكم من أحسن المسرحيات التي تخدم القضية، بل إنه لولا أن كاتبها من أمريكا، لقلنا أن الذي كتبها كاتب عربي يعبر عن شعبنا في الأرض المحتلة”، وفي الوقت نفسه لم تنس اللجنة الثقافية أن توضح الجانب المشين من مواقف كاتبها جون شتاينبك إزاء مواقفه المعادية لنضال الشعب الفيتنامي، فهي تقول: “.. شتاينبك هذا عليه أكثر من ملاحظة، خاصة بالنسبة للشعوب المكافحة، ذلك لأن موقفه من الحرب الفيتنامية معروف ومشهور، بل إنه غريب، وغريب جداً أن يقف كاتب حر له مواقف إنسانية كثيرة ضد الشعب الفيتنامي المكافح، لذلك كان لزاماً على اللجنة الثقافية في المسرح أن تفسر سر هذا الإختيار، لهذا الكاتب بالذات ! بالنسبة لموقف شتاينبك من الحرب الفيتنامية فإننا نشجبه بشدة، بل نعتبره سقطة إنسانية غير مغتفرة له، ومن جانب آخر نعتبر أن شتاينبك الفنان والإنسان قد مات منذ زمن بعيد، بعيد جداً، منذ أن كتب روائعه الأولى: عناقيد العنب، عن الرجال والفئران، شارع السردين المعلب، أرض الله الصغيرة، طريق التبغ.. وغيرها بالإضافة إلى قصة “غاب القمر”، هذه هي النوافذ التي نطل من خلالها على شتاينبك ونحن نرى فيه الإنسانية بصفائها ورونقها الأصيل، أما ذلك الآخر فقد خرج من مداخن المخابرات المركزية الأمريكية، أما شتاينبك الذي نعرفه منذ البداية، فهو إبن الفن والنقاء”.

تلك هي النظرة التي حكمت تعامل مسرح الخليج العربي مع النصوص الأجنبية، مرتبطة بندرة النص المحلي أحياناً، والتعامل مع النص المشهور المناسب للفترة الحياتية التي يعيشها المواطن أحياناً أخرى.

ومن المنطلقات نفسها عاد المسرح في موسمه الثامن 70/1971، لتقديم أعمال من النصوص العالمية، فقدّم في هذا الموسم برنامجين: الأول “رجال وبنات” إعداد صقر الرشود عن مسرحية (الغربان) لهنري بك، وإخراج صقر الرشود نفسه. وموضوع المسرحية إنساني، يحدث في أي مجتمع، ففيها عائلة سعيدة: أب وأم وبنات ثلاث وولد وخادمة، حياتهم سعيدة مرحة في ظل الأب المسؤول عن توفير كل متطلبات العائلة، ويموت هذا الأب فجأة، تاركاً العائلة دون مقدرة على التصرف، فهي أصلاً لم تتعود التفكير، لأن كافة أمور حياتها مسيّرة دون تفكير ونقاش، أما شركاء الأب وأصدقاؤه فقد تحولوا إلى (غربان) ينهشون من بقايا الثروة حتى النهاية، إلى أن وجدت العائلة نفسها أمام حالة فقر يصعب تصورها.. ويتخلى عنها الجميع، مما يضطر الفتاة الوسطى أن تقبل الزواج من (الغراب الكبير)، شريك الأب الراحل، مكرهة على قبول شريك الشر زوجاً لها، كي تحمي الأسرة من التدهور المستمر.

واضح تماماً أن المسرحية تناقش نمطاً من العلاقات الإجتماعية القائمة في المجتمعات الرأسمالية، حيث الحرية الفردية مكفولة، وبالتالي الحياة للقوي فقط، فمثل سلوك (الشريك المسن) -الغراب الأكبر- لا يمكن حدوثه في مجتمع متكافل تسوده العدالة الاجتماعية.

إن الإعتراض الوحيد على إختيار هذه المسرحية ينبع من خاتمتها الإنهزامية، ومن كونها مقدمة من مسرح الخليج العربي الذي يطمح دوماً للإنفلات من أسر العلاقات الاجتماعية البالية، التي تقتل روح الإنسان وإنسانيته، صحيح أن الصراع أزلي بين الخير والشر، إلا أن دور المسرح الملتزم بمصلحة الجماهير، لا يقبل منه تقديم مثل هذا العمل الذي ينتهي برضوخ الأسرة إلى شريك الشر -الغراب الأكبر- وتزويجه إبنتها الوسطى، طمعاً في رضاه وحمايته. إن المسرحية تكريس لإنتصار الشر، وعند الجماهير غير المثقفة في معظمها، وهي غالبية جمهور المسرح في مجتمعنا، تصبح هذه الخاتمة تدجيناً لهذه الجماهير، في ظل غياب الوعي والعمل المنظم، آخذين في الإعتبار التفسير المقابل الذي يرد أن مثل هذه المسرحية تعرية لهكذا سلوكيات لا إنسانية من طبقات معينة، بقصد التمرد.

وقد لاقت هذه المسرحية اعتراضاً كبيراً، وهجوماً شديداً في الصحافة المحلية، للحيثيات التي ذكرناها، وأخرى غيرها، إلى الحد الذي اعتبرها البعض (إختباراً ميتاً).

وفي برنامجه الثاني للموسم الثامن، واصل مسرح الخليج العربي تقديم مسرحيات عالمية، فقدّم ثلاث مسرحيات قصيرة أطلق عليها اسم (المسرح الضاحك) وهي: (القاضي) إعداد صقر الرشود عن (روري سالف الذكر) لجوردون دافيون، و”الحجلة” من إعداد الرشود نفسه عن (الجرة) لبيرانديللو الإيطالي، و(الأصدقاء) إعداد وإخراج عبد العزيز السريع عن مسرحية هربرت فارجيون.

وقد كانت نظرة مسرح الخليج العربي إلى هذا البرنامج الضاحك غير مقبولة من مسرح ملتزم، فهو يقول عن هذا البرنامج: “إن هذا البرنامج ليس إلا تجربة سريعة، ونتاج أيام قليلة، ومحاولة  إصطياد في الوقت الضائع، إنه محاولة في اكتشاف الطاقات والإمكانيات، ومحاولة في إكتشاف ماذا يريد الجمهور”، في تصوري أن صدور هذا المنطق عن مسرح الخليج أمر غريب، فليس هو المسرح الذي يبحث (عما يريده الجمهور) لأنه في ظل الأوضاع السائدة في الوطن العربي، لا يكون (ما يريده الجمهور) هو (المطلوب) لهذا الجمهور، ولأنه في ظل هذه الأوضاع أيضاً، أصبح الجمهور لا يريد سوى المسرح الضاحك، المسرح الذي يغرقه في الضحك الوقتي فقط، في حين أن دراسة واقع هذا الجمهور تفرض نوعاً آخر من المسرح - المسرح الناقد، والملتزم، الذي يُعرّي الأوضاع الفاسدة بدون صراخ، وبدون خدمة هذه الأوضاع، المسرح الذي يبني هياكل جديدة، تعطي خطوات إلى الأمام، “إن الفرد الذي يحرك طاقته تبعاً لاحتياجات الناس والجمهور ليس فناناً على الاطلاق، إننا جميعاً نعترف فيما بيننا بالهزيمة الحضارية لمجتمعنا العربي.. وجميعنا حين نصل إلى حد المواجهة مع هذا المجتمع نختار السلامة ونلجم رغبتنا وطموحنا في صفع هذه الهزيمة الحضارية، بسبب خوفنا من قوتها الشرسة. نحن بذلك نختار الإنضمام إلى الهزيمة الحضارية، ويصبح نتاجنا جزءاً منها، ويصعب حينذاك تسميته فناً، إنه لا بد من القتال من الداخل، كي نستطيع إنتاج شيء حقيقي، ولا بد من محاولة قتل هذا التراكم الحضاري الممنوع من الحركة إلى الأمام، وهنا تصبح تلبية حاجات ورغبات الجمهور بدون معنى ومرفوضة، لأن الحقيقة والذين يتعاملون معها، هم الذين يقودون هذه الجماهير لا يقودهم تكلسها وعجزها”، سميح سمارة جريدة السياسة الكويتية (8/مارس/1971).

إنطلاقاً من هذه المفاهيم، قوبل العرض الضاحك، بهجوم شديد في الصحافة المحلية، خاصة عند الأقلام التي كانت -وما تزال- تعلق أمالاً كباراً، وطموحات معينة، على مسرح الخليج العربي، وقد كتب محبوب العبدالله -عضو المسرح، وعضو أول لجنة ثقافية فيه عام 1963- في مجلة اليقظة بتاريخ (22/مارس/1971) يقول: “... المسرحيات الثلاث التي قدمها مسرح الخليج العربي (الأصدقاء - القاضي - الحجلة)، رغم أنها مأخوذة أو معدّة عن نصوص مسرحية أجنبية إلا أنها لم تحقق الهدف الكوميدي الصحيح، لأنها تحولت على المسرح إلى لون من المسرح المرتجل المهزوز، كما هو سائد في كل البلاد العربية، وهو مسرح يزيف الواقع، لأنه يعتمد على الكلمات المطلوبة، والحركات والمواقف المفتعلة، والمفارقات الكلامية، والشخصيات المشوهة، وسوء التفاهم غير المنطقي.. إن هذا اللون من “المسرح” مسرح بلا نظرية، ولا هوية، ولا زمان أو مكان، وهو بعيد كل البعد عن مناهج الأداء التمثيلي المشهور في عالم المسرح، أما القول بأن الجمهور يريد هذا اللون، فهو قول مردود، وفكرة ستثبت الأيام فشلها..”.

بداية الصدام والمواجهة

في مسرحية (الدرجة الرابعة) من تأليف (عبد العزيز السريع)، وإخراج (صقر الرشود) الموسم التاسع 72/1973، بدأ التوجه الأعمق لمسرح الخليج نحو أعماق المجتمع الكويتي، بشكل يجعلنا مطمئنين إلى أن هذه المسرحية (بداية الصدام والمواجهة) مع الزيف والافتعال، آخذين في الإعتبار -قصدوا أم لم يقصدوا- مفهوم آرنست فيشر الذي طرحه في كتابه (ضرورة الفن)، إذ يقول: “في هذا العالم الذي نعيش فيه كالغرباء، لا بد من عرض الحقيقة الإجتماعية بطريقة آسرة، وفي ضوء جديد وذلك بإيجاد فاصل بيننا وبين الموضوع والشخصيات، وعلى العمل الفني أن يمتلك المتفرجين لا عن طريق المطابقة السلبية بينه وبينهم، بل عن طريق مخاطبة العقل ودفعه إلى اتخاذ مواقف وقرارات، إن المسرح ينبغي أن يعالج القواعد التي يضعها الناس لسلوكهم على أنها قواعد مؤقتة وغير عادلة، وذلك حتى يدفع المتفرج إلى عمل شيء أكثر قيمة من مجرد المشاهدة، ويحفزه إلى إعمال فكره في المسرحية، ثم في النهاية إلى إصدار حكمه: ما هكذا ينبغي أن تسير الأمور.. إن هذا يجب أن يتوقف”..

تطرح المسرحية العديد من قضايا المجتمعات التي بدأت تتسلق السلم الحضاري بطريقة القفز، دون الإهتمام بالناحية العقلية والفكرية، فيصبح المجتمع -خاصة طبقاته البورجوازية بمختلف شرائحها- لا همّ له إلا الجري وراء المظاهر الإستهلاكية لهذا الوضع الحضاري الطارئ عليه، غير ناظر لوضعه الطبقي الحقيقي قبل حدوث هذه القفزة، صحيح أنه بدأ يتسلق السلم، إلا أنه في أعماقه مشدود إلى ذلك الوضع من ناحية إقتصادية، وبالتالي تتفاوت أفعال شرائحه، من منقاد إلى الوضع الطارئ لاهث إلى معتقل يود كبح هذا الجماح والسيطرة عليه.

تجسد مسرحية (الدرجة الرابعة) حقيقة المسرح الذي يجب أن يكون خاصة في المجتمعات النامية، إن دوره كدور (المدرسة تماماً)، فهو يعد لمعالجة كافة قضايا المجتمع ومشاكله، إن المزيد من الالتصاق بالبيئة معناه الوعي الكامل بالدور المناط بالمسرح كمؤسسة تتعايش ضمن واقعها، إن وعي (مسرح الخليج العربي) لهذا الدور جعله يأخذ خطاً معاكساً لما انتهجته (المسارح الكويتية) في أغلب أعمالها، فهو لم ينزلق في لعبة الإضحاك والتسلية والترفيه التي يظهر مردودها في دخل الشباك فقط، أما ممارسة أي دور إجتماعي على المستوى الايجابي فلا يتوفر.. فالمسرح إما أن يكون أو لا يكون، ومن طبيعة المجتمعات النامية أن تتعلق بكثير من مشاكل المرحلة الانتقالية -خاصة الظروف الذي مرت بها أقطار الخليج العربي النفطية-المتمثلة في المظاهر التي عادة ما تصاحب هذه الطفرة: الرغبة العنيفة لدى الجيل الحالي في هذا المجتمع، وهذه المرحلة في أن يعيش على المظاهر الهامشية واقعاً أفضل). وميزة أخرى يمتاز بها مسرح عبد العزيز السريع، كونه لا يجعل التسلية والترفيه هدفاً رئيساً، لأن القصّ عنده المعالجة والتشخيص وتسليط الأضواء على (الشرائح) الاجتماعية المطلوب تعريتها وإصلاحها.

أما طريقة تعامله مع الشخصيات، فقد نجح المؤلف في تشييد البناء الدرامي للعمل، وفي رسمه للشخصيات بخاصة شخصية (وليد) الزوج الشرقي الطيب المتردد، كذلك شخصية (ثريا) الزوجة المتمردة على تقاليد المجتمع.. المحبة للمظاهر الكاذبة والبراقة، وكذلك كان المؤلف موفقاً إلى حد ما في جعله شخصية (سامي) شقيق (ثريا) يأخذ دور المعلق على أحداث المسرحية، وهو ما يساير طبيعة وجوهر العمل الفني الذي يناقض قضية لها وجود في المجتمع.. كان المؤلف ذكياً حين جعل (سامي) يتحدث إلى الجمهور مباشرة معلقاً على الأحداث مخاطباً عقولهم.. يخرجهم بذلك من الإبهام ليجعلهم يفكرون فيما يرونه(1).

إخراج المسرحية

قوبل إخراج (صقر الرشود) لمسرحية (الدرجة الرابعة) بإستحسان شديد إذ أنه كإخراج مسرحية (1، 2، 3، 4، بم) كما سنلاحظ بعد قليل، إستطاع أن يعطي كل شخصية بعدها المناسب، إلا أنه كان يحب إحكام دور (سامي) -سليمان الياسين- أخ الزوجة، وتقييده ضمن حدود معينة، كي لا يبالغ في حركاته، إلى الحد الذي أعتقد معه أن دوره -عند المؤلف والمخرج- كان لمقتضيات خاصة بطبيعة الجمهور، مثل شخصية (الصحفي) في مسرحية (1، 2، 3، 4، بم)، “.. وللمرة الأولى يستطيع مخرج مسرحي في الكويت أن يخرج من أطر البلادة في تحري الممثل وإدارته، وفي تحريك الخشبة، وتحريك الحدث المسرحي، وأيضاً تحريك العلاقة بين الشخصية والجمهور”(1).. إن تطوير العلاقة بين الخشبة والجمهور إلى حد فعّال، بحيث تنعدم الفواصل والحواجز تماماً، سيظهر عند (صقر الرشود) في الأعمال القادمة إلى حد يصبح معه الجمهور (ممثلاً)، والممثل (جمهوراً) مع إستخدام متطور للفلكلور الشعبي بطريقة جماهيرية.

هل يصلح الهروب كحل ؟

كما في نص المسرحية، يئس الزوج (وليد) من إصلاح مسار حياة زوجته (ثريا).. وفي لحظات الإحساس بالعاطفة الجياشة إستجابت إلى طلباته، تحت الإحساس الوقتي بخطورة لهجته في الحديث معها لأول مرة -تهديد مبطن، وحاولت أن تُعدّل من هذه المسيرة الخاطئة، إلاّ أن (أول تليفون) من صديقة لها تدعوها إلى سهرة، يجعلها تترك المنزل، مضحية بكل شيء، كي لا تفوتها الحفلة، ولا يجد الزوج عندئذ إلا الهروب من البيت لأن حياته وصلت إلى حد لا يطاق.

والسؤال المطروح: بعد تعرية المؤلف والمخرج لهذه الأوضاع الاجتماعية المنحرفة، غير الملائمة لطبيعة المرحلة حسب تصور (الزوج) على الأقل.. هل يكفي (هرب) الزوج حلاً لهذه الأوضاع ؟ إن هذه النهاية مفتوحة، لا تتضمن حلاً محدداً، فالمسرحية عَرّت الأوضاع، وأبقت الزوجة على حالها. وأعطت الزوح فرصة (الهروب) فقط.. أما في مواقف أخرى سابقة للنهاية، فقد مهّدت المسرحية لهذا (الهروب) بشكل تعميمي يقلل من وطأة الأوضاع الشاذة التي عمدت المسرحية إلى تكثيف الهجوم عليها.. “هذا المجتمع من يغيره ؟ وشلون.. مستحيل.. لو كنت مكان وليد لأهج (أهرب) لكن وين وكل هالدنيا خربانة”، وهذا التعميم يعطي بعض المبررات للتقليل من أهمية وفداحة (إنحراف) سلوك الزوجة. إن خطأ هذا التعميم أنه يعطي غطاءً ومواساة لأنفسنا، كما أن إعتماد (الهروب) كحل، يعطي هاجساً خفياً بالإنسحاب من هذه الأوضاع، ولا أعتقد أن هذا هو الحل، الذي يطرحه مسرح ملتزم. “إن تقديم صورة سيئة عن وضع ما يجب أن يرافقه توضيح لماذا هذه الصورة سيئة ؟ وما هي الظروف التي قادتها لأن تكون كذلك وأيضاً إمكانية تصحيح هذه الصورة.. ولذا يمكن القول أن ثريا -الزوجة- قد وجدت لها جمهورها المتعاطف معها، كما أن وليد -الزوج- قد استحق الشفقة من المشاهدين، وكذلك تحاملهم عليه لضعفه البادي وسلبيته الواضحة، وسيكون تأثير (الدرجة الرابعة) تأثيراً سلبياً، إذ ستتسع رقعة الطموح البورجوازي ولن يواجهها ما يحدها، نتيجة لتعاطف الجمهور مع شخصية ثريا.. تلك الشخصية الآسرة”(1).

إن هذا الحل السلبي، سيطرأ عليه مزيد من التعديل، بمواقف أكثر جذرية وصدامية مع هذا الواقع، وذلك لأن (الدرجة الرابعة) كانت بداية الصدام والمواجهة.

أوجـــه الصراع

تتصارع في بنية أي مجتمع نام تيارات مختلفة، بنسب تختلف حسب تركيبة كل تيار، وفاعلية رموزه البشرية، وتأثيرات هذه الرموز الإجتماعية والإقتصادية، خاصة في مرحلة (تمركز) وسائل الانتاج في يد (تيار) واحد، وقد ظهر هذا (الصراع) في مجتمع (كويت ما بعد النفط) على عدة أوجه، كانت كلها تشكل الصورة العامة لهذا (الفعل المتنامي) في داخل تركيبة المجتمع الجديد، محاولاً الوصول إلى شكل أفضل، وإطار أوضح، وقد اتخذ هذا الصراع -الفعل المتنامي- عدة وجوه في أعمال مسرح الخليج العربي.

أولاً: صراع الأجيال

كان من الطبيعي أن يُحدث ظهور النفط نقلة كبيرة في بنية المجتمع الكويتي، لأنه إستحدث مفاهيم جديدة، وممارسات طارئة، جعلت الدارسين يتحدثون عن (كويت ما قبل النفط) و(كويت ما بعد النفط)، فحتى عام 1945 تقريباً، كان الغوص وصيد السمك العمل الرئيس للمواطن الكويتي، وقد تميزت تلك المرحلة بقسوة الحياة، وشظف العيش إلى حد كبير، مما طبع سلوك المجتمع بأخلاقيات معينة، طرأ عليها الكثير من التغير في مجتمع (كويت النفط) الذي تميز بسهولة الحياة، وتوفير أغلب إحتياجات المواطن دون مشقة وعسر، إذ وجد في طريقة تفكير المجتمع ما يمكن تسميته بـــ (المفاهيم القديمة) وما يتبعها من سلوكيات، و(المفاهيم الجديدة) الطارئة وما أحدثته من ممارسات، وهو ما أطلقنا عليه اسم (صراع الأجيال) ونعني به (جيل الغوص) و(جيل النفط).

هذا الجانب من الصراع، كان موضوع مسرحية (1، 2، 3، 4 .. بم)، التي ألفها (عبد العزيز السريع وصقر الرشود)، وأخرجها الثاني، وقدّمها المسرح في موسمه التاسع 71/1972 . تروي المسرحية قصة عائلة كويتيه توفي بعض أفرادها في حادث تهدم منزل عام 1945، وفجأة يعودون للحياة، ليلحقوا بأفراد العائلة الذين بقوا على قيد الحياة (الولدان والبنت)، ومن هذا اللقاء غير العادي، يدور الصراع بين الموتى (جيل الغوص) -الذين عادوا للحياة فجأة- وبين الأحياء أصلاً (جيل النفط)، لأن (الموتى) عادوا للحياة بنفس قيم وتقاليد عام 1945، ونفس الأفكار والسلوكيات في مناحي الحياة كافة، ومن الطبيعي أن يصدمهم كل ما وجدوه عند (جيل النفط) سواء في الملبس أو المسكن أو طريقة التفكير والمعاملة.. حاول (جيل النفط) جرّهم إلى (مواقع متقدمة)، دون فائدة، ومع احتدام الصراع، يتشبث كل (جيل) بأخلاقياته وممارساته، وعندها يقرر (جيل الغوص) العائد إلى الحياة، أن يعود إلى (المقبرة) مرة أخرى، فهي في نظره أفضل من الحياة الطارئة التي وجدها، ووقف أمامها مستغرباً، مندهشاً، مستنكراً، كما جاء على لسان الجد (أبو شايع) -إبراهيم الصلال- :"هذا مهو مكانا.. هذيلا ما يتشاهدون.. تف.. عليكم وغلى غاربتكم.. شايع.. يا الله يا ولدي يا الله.. ما لنا إلا مكاناً.. نرد المقبرة أبرك وأحسن”.

ذلك هو موضوع المسرحية وأحداثها، إلا أن السؤال هو: هل تعيش تركيبة المجتمع الكويتي حالياً هذا الصراع، أم أن المؤلفَين قصدا (إستحضار الماضي) بغرض (تعرية) سلبيات (الحاضر) تمهيداً لإنطلاقه إلى الأمام ؟ إن الذي يجيب على هذا التساؤل هو طبيعة التركيبة الإجتماعية للكويت السائدة الآن، ومدى تقبل الناس لمجتمع (ما بعد النفط) وما أفرزته هذه التركيبة من (مواقف) إزاء هذا المجتمع الطاريء بأخلاقياته وسلوكياته.

إن المجتمع الكويتي -كما أرى- لا يعيش هذا الصراع، لأن الطفرة المادية التي جاءت مع النفط، شملت الجميع، بنسب متفاوتة، وأثّرت في مفاهيم الجميع، وغيرت من سلوكهم العام والخاص، وقد كان طغيان هذه الطفرة جارفاً، بمعنى أنه لم يترك الفرصة أمام أية فئة كي تتحسر على (الماضي) وأخلاقياته، وإن حدث هذا التحسر، فهو نظري فقط، لأن الجميع لحقوا -أو حاولوا اللحاق- بمقتضيات المرحلة الجديدة، وإن كان اللحاق شكلياً فقط، إذ بقي الجوهر في أغلب الأحوال قديماً متوارثاً، إن الفئة التي ما تزال متمسكة بأخلاق ما قبل النفط لا تشكل في المجتمع الحالي تياراً واضحاً له أثره في المسيرة الحاضرة، كما أنه -من جانب آخر- لم يكن مجتمع ما قبل النفط بمثل هذا النقاء الذي يحاولون تصويره به، فقد كان ينطوي على الكثير من الظلم والذل والإستعباد، خاصة في عمليات (الغوص) على اللؤلؤ التي كانت تشكل مورد الأغلبية.

لذلك فإن الفهم الصحيح لهذه المسرحية -الذي يتفق مع تكوين المجتمع الكويتي- هو أن المؤلفين قصدا إستحضار الماضي -خاصة جانبه المضيء- ليتم من خلاله الإنقضاض على (سلبيات) الحاضر التي تعرقل الانطلاقة الكاملة، بدليل أن المسرحية بعد أن تم لها تعرية سلبيات الحاضر، إنتصرت لهذا الحاضر، بإعادتها الجيل الماضي إلى (المقبرة)، وذلك قناعة منها بأن مفاهيم الماضي ونظرته لا يمكن أن تواكب متطلبات المرحلة الحاضرة، وفي الوقت ذاته من الممكن أن تستفيد المرحلة الحاضرة من بعض إيجابيات المرحلة الماضية، وهي نفس النظرة العامة التي تحكم قضية العلاقة بين الثقافة المعاصرة والتراث، إذ لا يمكن أن يكون التراث عائقاً في وجه (المعاصرة)، وللمعاصرة أن تستفيد من التراث في حدود ما يهيئ لها الانطلاق والتقدم، هذا على الرغم من قوة منطق (جيل الماضي) وتماسكه، وما ظهر عليه (جيل الحاضر) من ضعف وفقدان لمبررات مقنعة لممارساته. إنّ المسرحية لم تقف على الحياد كما فهم البعض، بالعكس فهي منحازة للجديد والحاضر، بدليل إعادتها (الماضي) إلى المقبرة، بعد بيان سلبيات الحاضر، بقصد الخلاص منها. إن المسرحية تدرك الكثير من الشوائب الشكلية، التي علقت بمسيرة المجتمع الحالي، من جراء الطفرة المادية الطارئة، تلك الطفرة التي أعمت الأغلبية، وجعلت مسيرتها لهاثاً وراء المادة والشكليات الحضارية الهامشية، ناسية في هذا الخضم الكثير من السلوكيات والأخلاقيات المطلوبة، التي كان (الماضي) يتمتع ببعضها، ولا نقول كلها، إدراكاً منّا لمثل هذه الممارسات الخاطئة التي عرفها (الماضي)، وإن إختلفت أشكالها وميادين ممارستها. إن هذا الشكل المفتوح في طريقة بناء المسرحية جعل البعض يتساءل: “هل هي دعوة للجمود؟ هل هي رفض للحضارة.. وأساليب الحضارة” مجلة مرآة الأمة، عدد 306، 30/1/72، إلا أن السائل نفسه أعطى تفسيراً قريباً، عندما أجاب على تساؤله: “نعم بالنسبة لأخلاقيات الماضي.. لأصالة الماضي.. لكفاح الماضي.. لكننا نقول: لا.. ثم لا.. لتخلف الماضي.. للبالي من تقاليد الماضي.. لمعوقات الحضارة.. لجمود الفكر.. لكل محاولة يائسة لدفع عجلة الزمن إلى الوراء”، وربما كان تساؤل الدكتور محمد حسن عبدالله قريباً من ذلك عند قوله: “.. ولا ندري هل يرصد الكاتبان واقعاً، أو يعبران عن حلم يختفي تحت مسايرة البيئة التي تميل الآن -بعد أن إستوعبت رد الفعل- إلى إبراز الماضي وإحلاله في صورة لائقة من التأسي به وإشهار جوانبه المضيئة، ومحاولة إعادته إلى الحياة في صورة مقبولة” الحياة الأدبية والفكرية في الكويت ص 605 .

التطور في الاخراج

يكاد يُطلق على الفنان (صقر الرشود) لقب (مخرج مسرح الخليج العربي)، فمن بين ثلاثين عملاً قدمها المسرح من بدايته في عام 1963، حتى عام 1976، أخرج (صقر الرشود) تسعة عشر عملاً، أثبت فيها على الدوام أن لديه المقدرة على الإبداع والتطور، مستفيداً من قراءاته الخاصة، وتتبعه لما في الحركة المسرحية العربية والعالمية. في مسرحية (1، 2، 3، 4 .. بم) عمد بذكاء إلى إشراك الصالة في العمل المسرحي، بشكل جعل المشاهد جزءاً أساسياً من العمل، يأخذ منه ويتفاعل معه، وأهميتها بالنسبة لمفهوم غالبية جمهور المسرح في الكويت فائقة، فهذا الإشراك في العمل المسرحي من شأنه أن يعطي صدمة معينة للجمهور الذي لا يفهم من المسرح إلا الترفيه والتسلية، لذلك كان متطوراً وذكياً في بدايته للعمل المسرحي منطلقاً من الصالة نفسها، حيث الجمهور ينتظر كالعادة فتح الستارة، فإذا المسرحية تبدأ من وسطه، معطية إياه الإحساس بالمشاركة في العمل المسرحي، على عكس توقعاته، وقد تعاون النص مع ذلك، بإشتراك المخرج أصلاً في تأليفه مع الكاتب (عبد العزيز السريع)، أما الحركة فقد ميزها المخرج بوضوح، فجيل الأربعينيات متثاقل، يبدو وكأنه متعب، بينما في حركة جيل السبعينيات نشاط وخفة”.. هناك ضرورة الترحيب الحار بتلك التفجيرات الصغيرة المدهشة التي حققها (صقر الرشود) في إخراجه.. وهي تفجيرات تعني شيئاً أساسياً يقول: إن صفة التقدم عن بقية الفرق المسرحية في الكويت، التي تتوفر في أذهان بعض العناصر القيادية لمسرح الخليج هي صفة حقيقية، أو أنها تحمل قسطاً من الحقيقة.. كانت حركة إطفاء الأنوار فور عبور الذهنية القديمة المقبرة موفقة جداً وغير متوقعة وباهرة.. حركة إشراك الصالة في العمل المسرحي، ومحاولة إيجاد رابط فعلي بين الصالة والخشبة، يدل دلالة أكيدة على المتابعة الجدية -وإن جزئية- لأشكال التنفيذ المسرحي لدى (صقر الرشود) - سميح سمارة، جريدة السياسة 21/1972 .

ثانياً: الصراع الحضاري

لقد إستحدث ظهور النفط في الكويت مفاهيم جديدة، واستقدم تأثيرات كثيرة قامت بدور في بنية المجتمع الكويتي، من هذه التأثيرات ما أُستقدم من (الحضارة الغربية) التي وفدت مع عالم (النفط)، سواء عن طريق (الرموز البشرية الوافدة) معه، أو عن طريق الإحتكاك العام بين الحضارات وما يحدثه من أفعال وردود أفعال، وهو ما يُعبَّر عنه بــ (الصراع الحضاري)، وقد شهد المجتمع الكويتي جانباً من هذا الصراع، الذي يعتبر التيار الثاني من التيارات التي عالج مسرح الخليج العربي من خلالها مشكلات المجتمع الكويتي، وما أعقبها من تفاعلات في كافة الميادين.

وقد ظهر هذا الجانب في مسرحية (ضاع الديك) من تأليف (عبد العزيز السريع)، وإخراج (صقر الرشود)، التي قدمها المسرح في موسمه العاشر 72/1973، وفيها نجد صورة إجتماعية متنوعة الأبعاد، جمع المؤلف خيوطها من نواح متعددة، كي تتجمع في النهاية، في بؤرة واحدة، يطرح من خلالها حدة (الصراع الحضاري) بين مجتمعين مختلفين في القيم والعادات، صراع حاد لا يوفر كل طرف من أطرافه ما لديه من أسلحة وحجج، ليسحب الطرف الآخر إلى مواقعه سالماً، متناسياً مواقعه القديمة. في هذه المسرحية -كأغلب أعمال السريع- إستعمل طريقته البارعة في إدارة الأحداث وتحريكها عبر الشخصيات المتفاعلة، موصلاً إياها إلى قمة الحدث، مع ترك البلورة النهائية، من حق القاريء والمشاهد، لذلك تتخذ أعماله (نهايات مفتوحة)، يجتهد القاريء والمشاهد في وضع تفسير لهذه النهاية حسب فهمه للحدث وطبيعة الشخصية، وأيا كان هذ التفسير فلن يبعد عن مجريات الأحداث المسرحية المتفاعلة مع شخصياتها المرسومة عنده بدقة فائقة.

في مسرحية (ضاع الديك)، أدار المؤلف إستحضار نموذجين من مجتمعين مختلفين في العادات والتقاليد والمفاهيم، كي يتصارعا معاً، ليتضح في النهاية المناسب منهما لمواكبة التطور والعصر. في المسرحية نواة لصراع حضاري بين الحضارة الغربية الوافدة، وبين التقاليد المحلية التي تشكل ضمن إطارها العام حضارة محلية، لها أطرها وخصائصها المتوارثة، ورغم ذلك يبقى التساؤل الذي طرحه الدكتور محمد حسن عبدالله(1) بحاجة إلى تفسير، فهو يتساءل: “هل يحتاج ذلك إلى التمحل بإنجاب صبي كويتي تركه بعيداً عن أهله ثلث قرن من الزمان ؟ هذا مع تذكيره بأن أي (خواجه) يعمل في الأحمدي أو شارع الجهراء يمكن أن يؤدي نفس الدور، إذاً ما الذي أراده المؤلف من هذه المسرحية ؟”.

تحكي المسرحية قصة شاب كويتي، ولد من أم هندية تزوجها والده في إحدى رحلاته التجارية إلى الهند في عام 1940، عندما احتجزته الحرب هناك، وفي مرة ثانية أصرت (الهندية) على العودة معه إلى الكويت، فرفض، لأنه كان متزوجاً من أخرى في الكويت.. وفي زيارة ثالثة، بحث عنها، فلم يجدها، إذ هاجرت مع طفلها (يوسف) إلى إنجلترا بسبب ظروف الحرب، وعندما يكبر الطفل، يبحث عن أهله، ويعود إليهم في الكويت وعمره ثلاثون عاماً، ويحاول أن يكيّف نفسه مع المجتمع الجديد الذي وفد بعادات ومفاهيم مختلفة، وينتاب حياته الكثير من مواقف المد والجزر، التأقلم والرفض، الرغبة في البقاء، والطمع في الهروب، إلا أنه يقع في خطيئة كبرى عند إعتدائه على عفاف (سارة) إبنة عمه المخطوبة لأخيه.. ووسط التفكير في علاج هذه المشكلة، يبحثون عن (يوسف) فلا يجدونه.. فقد هرب (ضاع) الديك..

ونعود إلى سؤالنا: ما الذي أراده المؤلف من هذه المسرحية، في البداية أؤكد أن موضوع المسرحية -كما لخصناه- يحتمل أكثر من تفسير، لذلك ليس غريباً أن يختلف في فهم مضمونه الكتاب والنقاد، ويفسره كل منهم تفسيراً مختلفاً، من هذه التفسيرات ما طرحه الدكتور محمد حسن عبدالله(1) إذ يرى أن المؤلف “أراد أن يكشف عن جانب من الصراع بين الوراثة والبيئة أو الغريزة والتربية على نحو ما فعل “بريخت” في مسرحيته الشهيرة (دائرة الطباشير)..” وهناك من رأى أن المؤلف حاول “أن يمزج الملهاة بالمأساة من خلال تصعيده لمشكلة العائلة المنكوبة بولد أجنبي اللكنة والفكر والعادات والتصرف. وفي تصعيده لهذه المشكلة عبر أحداث ومفارقات مضحكة كان يقصد إلى الإيحاء باستحالة تعايش الفكر البيئي مع الفكر الغربي”(1)، وقريب من هذا التفسير ما قاله وليد أبو بكر(2)، إذ أعتبرها “مسرحية مواجهة” ففيها مواجهة حاسمة بين حضارة وحضارة، وما يتولّد منهما، من قيم وتقاليد وعادات أفراد، ويُفصّل هذا فيقول: “لأنها الثغرة التي تنفد منها إلى صميمنا، لتهاجم وتحطم.. دون أن تمس.. ولكن علينا أن نتقبل هذه الحضارة، تقبلاً موضوعياً، حتى ننظر إليها بتعقل.. لا ننهار ولا نفقد شيئاً من قيمنا الأساسية أمام ضربات العصر القوية، أما الجمود فلا يضير حضارة العصر بقدر ما يضيرنا”. تلك كانت كلها تفسيرات يحتملها (موضوع المسرحية)، أما التفسير الذي أُقحم عليها إقحاماً، فهو ما قاله صالح الغريب(3) عندما إعتبر أن المسرحية تناقض “وجود الفرد العربي في الكويت ومدى عمق علاقته بالفرد الكويتي”، وهو تفسير لا يعايش المسرحية، ولا يدرك طبيعة القضية التي تعالجها، ولا أدري كيف توصل إلى هذا الفهم، لأن هناك بديهيات أساسية تفترض في أي تفسير عدم التعسف، وأن يرتبط وينبع من طبيعة العمل الفني، والسؤال هنا: كيف نفهم (يوسف) نموذجاً للمواطن العربي الوافد إلى الكويت ؟ وما معنى أن يكون هذا العربي من (أب كويتي) و(أم هندية) وقضى ثلاثين عاماً من عمره في إنجلترا.

أرى أن المؤلف كان يود إستحضار نموذجين من مجتمعين مختلفين في العادات والتقاليد والمفاهيم، كي تتصارع هذه المفاهيم المختلفة، وبالتالي يتضح المناسب منها لمجتمع دون غيره، وبتعميم أشمل تحتوي المسرحية على بذور الصراع الحضاري العام. أما هذا التمحك الذي طرحه الدكتور محمد حسن- حول إنجاب صبي كويتي وتركه بعيداً عن أهله ثلث قرن من الزمان، ثم إستحضاره في حين أن أي (خواجة) من الأحمدي يستطيع تمثيل الدور موضوعياً، في ذلك أرى أن الصراع القائم بين مجتمعين مختلفين في العادات والتقليد والمفاهيم، وتكون نتيجته نبذ كل منهما للآخر، يكون وقعه لدى المشاهد عادياً، لأنه من الطبيعي، ما دام الإختلاف قائماً، أن تكون النتيجة إما النبذ أو الاستقطاب، إلا أن المؤلف أراد التركيز على قضية (النبذ) هذه، فهيأ لطرف من الأطراف عناصر تقربه من الطرف الآخر، وبالرغم من عناصر التقريب هذه، كانت النتيجة: (النبذ والإختلاف)، فمع أن نموذج (يوسف) إذا اعتبرناه مثالاً (للحضارة والمفاهيم الغربية)، تتوفر له نقاط إقتراب من النموذج العربي المحلي، الذي أصبح في صراع معه، ممثلاً في كونه من (دم كويتي).. إلا أن النتيجة كانت نفسها.

هل أراد المؤلف أن يحلل ويقدم لنا عبر المسرحية عدم صلاحية النموذج الغربي لأوضاعنا المحلية، مهما كانت هذه المفاهيم، وأن احتواء هذا النموذج من قبلنا ستكون نتيجته الخسارة الفادحة الممثلة في عمل (يوسف) مع (سارة) بالرغم من أنها إبنة عمه، ويعرف أنها مخطوبة لأخيه من أبيه (سالم) ؟ يزيد المؤلف حدة الصراع وإحتدامه عن طريق البناء الدرامي لشخصية (يوسف)، حيث أظهر إستعداده الكامل لإستيعاب ما يمكن من الحياة التي طرأت عليه، أو طرأ هو عليها، ومع ذلك لم يتوفر الحد الأدنى من الإتفاق بين الطرفين، كان الخلاف أصعب وأمر، عانى منه (يوسف) ما لا يستطيعه.

أرادت المسرحية أن تؤكد على أن الحضارة الطارئة على بيئة ما، إن لم تجد الجو القابل لمتطلباتها، المهيء نفسه لما استجد معها، فهي تحمل معها بذور الدمار والتحطيم، و(يوسف) كان مثالاً لهذه (الحضارة)، التي وجدت الصدَّ والهروب، فكان إن وجدت (متنفساً) مدمراً، ظهرت نتيجته فيما حدث بين (يوسف) و(سارة) وهو أمر شديد الصدمة، بالنسبة لبيئتنا العربية، هذا في حين أن هذه البيئة لو حاولت تفهم المعايير التي جاء بها (يوسف) كنموذج للحضارة الغربية، لما حدث ما حدث، لأن هذا التفهم كان من شأنه أن يوجد القاسم المشترك بين الطرفين، وعبر الممارسة العملية سيصلان إلى الحد الأقصى من التفاهم وتكييف ظروف (الحضارة) القادمة مع متطلبات البيئة المحلية.

هذا ما أرادت أن تعالجه المسرحية، فبعد المرحلة الأولى (صراع الأجيال)، التي انتهت بإنتصار الجيل الجديد (جيل ما بعد النفط)، كان لا بد أن يواجه هذا الجيل (التحدي الحضاري) القادم مع (يوسف)، وهو الوجه الثاني من الوجوه التي عالجت أعمال مسرح الخليج من خلالها أوضاع المجتمع الكويتي. إن الهروب من الحضارة الغربية ليس هو الحل، إنما (الحل) يكمن في تقبلها وتكييفها مع أوضاعنا وظروفنا، فكل الحضارات تأخذ من بعضها، وتفيد من خبراتها، وعلى الرغم من الخاتمة التي إختارتها المسرحية، إلا أن سياقها الفني يتضمن الحث على ضرورة البحث عن الديك (الحضارة)، وإعادتها كي تعمل في حياتنا وتطورها.

ثالثاً: الصدام المباشر مع المجتمع

في الوجهين السابقين من أوجه تعامل مسرح الخليج العربي مع مجتمعه الكويتي، كان التعامل يأخذ طابع تشخيص القضايا، مع التركيز على العوامل الفعّالة المؤثرة في الأرضية العامة التي تحكم مسيرة المجتمع، وفي بداية موسمه المسرحي الحادي عشر 73/1974 أدرك المسرح أن التشخيص العام لم يعد يكفي، فلا بد من صدمة تجعله يدرك إدراكاً محسوساً الأمراض التي تنخر في بنيانه دون أن يدري، من هنا بدأ المسرح ما يمكن تسميته (الصدام المباشر مع الجوانب السلبية التي تعوق إنطلاقة المجتمع نحو الأفضل)، وقد إنطلق مسرح الخليج العربي في ذلك من إيمانه بضرورة أن يكون له دور مؤثر في مجتمعه، لذلك نجده دوماً مؤرقاً للغاية بالمشكلات الإنسانية -الحضارية للمواطن الكويتي، وبخاصة تلك التي وجدت بعد القفزة الحضارية في الجانب المادي بعد ظهور النفط، وهذا الإهتمام ليس وليد الصدفة، إنما ينبع من رؤيا واضحة لدور المسرح في مسيرة المجتمعات، فلم يعد المفهوم المسرحي يقتصر على الإضحاك والتسلية بل تعدى ذلك ليكون له دور التوجيه والتأثير الفعال، وهذه الرؤية المسرحية الفاعلة تتمتع الرموز البشرية لمسرح الخليج العربي بقسط وافر منها، وقد رسخت هذه الرؤية كتابات عبد العزيز السريع وصقر الرشود، وظهرت فـي دروها الناضج الواعي في مسرحيات (الدرجة الرابعة) و(1، 2، 3، 4 .. بم) و(ضاع الديك) و(شياطين ليلة الجمعة). و(بحمدون المحطة)، وقد صاحب ذلك من الناحية الفنية طموحات كبيرة تهدف إلى تحقيق أشكال فنية متقدمة في صنع العرض المسرحي، معتمدين في ذلك على ما حققه المسرح العربي والعالمي، وقد إستطاع المسرح في ذلك أن يصل إلى حالة (تمسرح) تحقق انسجاماً بين الجمهور والممثلين، وقد بدأت خيوط هذه الحالة في الصيغة الفنية التي قدمت بها مسرحية (1، 2، 3، 4 .. بم) و (ضاع الديك)، إلى أن تبلورت واضحة في مسرحية (شياطين ليلة الجمعة)، إن هذه الصيغة متأثرة بوضوح بصيغة المسرح البريختي التي عرفها المسرح في أوائل القرن العشرين، وهو المسرح المعتمد على أحداث متفرقة يجمعها خيط واحد، ويسيطر عليها، نفس واحد، وفي هذا تناقض مع المسرح التقليدي الذي يعتمد على موضوع واحد، أو حدث واحد، له بداياته وتطوره وعقدته ثم انفراج أزمته.

بدأ المسرح (صراعه المباشر مع المجتمع) في مسرحية (شياطين ليلة الجمعة)، وقد أقام مؤلفا المسرحية عبد العزيز السريع وصقر الرشود هيكلها الفني على محتوى موضوعي من سبع لوحات، ست رئيسية، وواحدة هامشية، جاءت للوصل والربط بين اللوحات، وعبر مضمون هذه اللوحات التقليدية الانتقادية الهادفة، يعالج المؤلفان أوضاعاً إجتماعية عفنة جاء أغلبها نتيجة القفزة التي حققها المجتمع الكويتي في الجانب المادي من السلم الحضاري، مع بقاء الجانب الفكري - العقلي على تخلفه، من خلال مضمون هذه اللوحات يتصدى المؤلفان، بشكل انتقادي حاد لتلك الأوضاع الزائفة التي تشوه وجه المجتمع ومنها:

1- في اللوحة الأولى التي أعطاها المؤلفان اسم (الرجل المناسب) تعرية بشكل لاذع وساخر لتلك الرموز التي وصلت عن طريق نفاقها ووساطتها إلى مناصب إدارية ليست مؤهلة لأن تكون فيها، والنتيجة بالتالي تعطيل مصالح المواطنين، وتغليب النظرة المزاجية الخالصة في الحكم على الأمور.

2- في اللوحة المسماة -المادة 106-عرض مصاحب بالرقص والغناء لجوانب من ازدواجية الشخصية التي يعيشها بعض المواطنين، خاصة فيما يتعلق بشرب الخمر، الذي صور الفاصل الغنائي تصويراً لاذعاً.. “واي.. منكم واي.. تصبون الخمرة في الغوري وتقولون شاي”.

3- اللوحة الخاصة بالصحافة ورؤساء التحرير، وقد كانت أكثر إيلاماً في سخريتها، حيث أظهرت بسخرية فائقة جهلاً مطبقاً عند بعض رجال الصحافة، وبالذات بعض رؤساء التحرير.. جاء في الحوار:

رئيس التحرير: هو أنت في غير الكويت كنت تصير صحفي.

المحرر: وأنت في غير الكويت كنت تصير رئيس تحرير.

4- اللوحة التي سميت المسرحية باسمها (شياطين ليلة الجمعة) وهي نقل حي على الهواء مباشرة، لما يدور ليلة الجمعة فيما يعرف بــ (المزارع)، وما يقوم بها شياطينها من فسق وفجور وشرب حتى الثمالة واللاوعي، وقد طالت هذه اللوحة بطريقة لم تقدم كثيراً بشكل مكثف عن حياة هؤلاء الشياطين وكان يكفي فيها اللمس السريع، فهدفها إظهار الحياة التي يعيشها الشياطين، وما تجره عليهم من سقوط أخلاقي، وإنحراف إجتماعي مدمر، يضر بالفرد، وينعكس ضرره على المجموع بشكل مخرب لكافة العلاقات الإجتماعية.

ويبدو جلياً تأثر السريع والرشود بالمسرح البريختي في المضمون والأداء، ففي مواطن كثيرة كان ينفصل الممثل عن دوره ليعلق على المضمون، ويخاطب الجمهور مباشرة محققاً بذلك إرتباطاً عضوياً، واتصالاً مباشراً بين الممثل وجمهوره إلى حد كاد ينعدم فيه الفاصل بين الممثل وجمهوره، فالجمهور ممثل، والممثل من الجمهور، خاصة عند إستغلال (الصالة) لأجزاء من العرض المسرحي، إذ أحدث ذلك حالة من الألفة والإنسجام بين الطرفين بتواجد الممثلين فيها وإنطلاقهم منها، وعودتهم إليها..

إن دور الراوي أو المعلق على الأحداث، والمقدِّم لها، إتخذ مساراً أساسياً في كل اللوحات التي تفردت من بينها لوحة -يا حلو الاستثمار- بمباشرة شديدة، وقد جاءت في مجملها -كعمل فني متكامل- مثالاً جيداً، وربما مقصوداً بوعي من المؤلف والمخرج، لما يسميه الدكتور علي الراعي “الكاباريه السياسي”، الذي يعرفه بقوله: “هو نوع من المنوعات اللاذعة، يقوم على لقطات قصيرة وصاخبة تكشف مواطن الضعف في الحياة السياسية والإجتماعية لبلد ما.. ويراعي هذا النوع من المسرح أن تكون اللقطات قصيرة وسريعة الإيقاع، وأن يصحبها نقد فكاهي يثير الضحك، ويلقي ضوءاً ساطعاً على نواحي النقص على أن يتم هذا كله في إطار من المرح النابض وخفة الظل”، وهذا التعريف تمثله مسرحية (شياطين ليلة الجمعة) تماماً في مضمونها وطرق أدائها.

لقد مثلت المسرحية صدمة عنيفة لكثيرين من أفراد المجتمع الذين ظنوا أن مجتمعهم بلغ حد الكمال، فإذا بالمسرحية تفتح عيونهم بشكل مثير على كل أوجه الزيف والنفاق والتضليل التي تكاد تغطي مساحات واسعة من حياة المجتمع، ومن هنا جاء النجاح الذي لاقته عند عرضها، خاصة عند الفئات التي تنشد تخليص المجتمع من كافة معوقات إنطلاقته الحقيقية، سنرى هذا الصدام مع المجتمع يتصاعد في عمل آخر هو مسرحية (بحمدون المحطة).

طريقة الأداء

أشرنا قبل قليل إلى إقتراب هذه المسرحية من صيغة المسرح البريختي في عدم إعتمادها على موضوع واحد ينمو من خلال العرض المسرحي، ويتفاعل تدريجياً، إنما كان إعتمادها على الأحداث المتفرقة التي يجمعها خيط واحد، ينمو ويتفاعل بشكل معين في نفسية المشاهد، لأنه يحس أن العرض وأحداثه جزء من حياته التي يعيشها من خلال مجتمعه.

إن مجمل الطريقة التي قدمت بها المسرحية تدل على أن رموز مسرح الخليج العربي مغرمون إلى حد كبير بالتجريب، فهي لا تخاف الخوض في (تجارب) مسرحية غير مضمونة النتائج، ومع ذلك لاقت المسرحية تجاوباً كبيراً، خاصة في (الجانب الغنائي) فيها، فهو إمتداد لتلك الفواصل الغنائية القصيرة التي شاهدنا منها طرفاً في مسرحية (ضاع الديك)، إلا أنها في هذا العمل تميزت بخاصيتن متقدمتين:

الأولى: إستغلالها لمزيد من التوضيح، وربما الشرح لبعض المواقف، كما في فاصل لوحة (المادة 206)، وأحياناً كفاصل مسرحي في ظل سقوط الجدار الرابع المتمثل في عدم وجود شاشة مسرحية كما في لوحة (الواسطة والغلاء).

الثانية: إقتراب هذه الفواصل الغنائية من المسرح الغنائي، الذي لا يزال غير ناضج التكوين في المسرح العربي، ما عدا بعض التجارب اللبنانية وهذا الإقتراب من المسرح الغنائي كان واضحاً من المقدمة الغنائية واللوحة الغنائية الختامية، وهذا يعني الإشادة بالجهد الذي بذله الفنان يوسف المهنا في تقديم هذه الألحان.

المسرحية في الصحافة العربية

قُدمت المسرحية على مسارح المغرب (الرباط) في مارس 1974، ولقيت نجاحاً كبيراً لدى الأوساط المسرحية هناك، وأشادت الأقلام الفنية بإيجابيات المسرحية وخطواتها المتقدمة. من المآخذ التي سُجِِّلت على المسرحية، ما ذكره خالد الجامعي(1) عن جدوى “تقديم مشاكل الشعب الكويتي فوق الخشبة، ما دام هذا التقديم سطحياً، بمعنى أنه لم يتعمق في إبراز خلفياتها السياسية والاقتصادية والفكرية في المجتمع الكويتي” وهو يرى(1) أن الناس في الكويت وفي كل بقاع العالم يعرفون مشاكلهم لأنهم يعيشونها عن قرب، والمطلوب من العمل الفني أن يذهب إلى أبعد من طرح المشاكل فقط، ولكن يجب أن يضع اليد على خلفياتها العميقة”، وهو نفس ما سجله حمدي غيث في قوله(2): “.. نعم لقد قدمت المسرحية بعض مشاكل الإنسان في الكويت، لكنها لم تسلط الأضواء على مسبباتها..”، كما طرح أيضاً موضوع نهاية المسرحية فإتهمها بنعيس الفاسي بأنها إنهزامية لأنها قالت في نهايتها (لا حل).

إلا أن المسرحية لم تغفل في نهايتها (الحل) خاصة في إطاره العام الذي لا يضع خلاصاً جزئياً لكل معضلة، إنما الحل الشامل على مستوى الوطن، وربما لم ينتبه البعض إلى هذا الحل لأنه جاء خلال اللوحة الغنائية الختامية:

كل الشدايد تهون لو ربعك

ربع تعاونوا ما ذلوا

كل الأمل فيك إنت ولدي

قوم انت ريحة هلي

شد العزم واركب على كفوف الخطر.

لقد حققت هذه المسرحية قفزة نوعية في مسيرة المسرح في الكويت، مسجِّلة لمسرح الخليج العربي السبق في المغامرة الناضجة والتجريب الواعي، والنظرة الجدية للمسرح كمدرسة فاعلة في صفوف المجتمع.

ثم إستمر الصدام مع المجتمع في الموسم الثاني عشر 74/1975، حيث قدم المسرح مسرحيتي “بحمدون المحطة” تأليف عبد العزيز السريع وإخراج صقر الرشود، و”يا غافلين” تأليف محمد السريع وإخراج منصور المنصور، وقد تعمدت “بحمدون المحطة” تعرية أوجه الفساد في المجتمع، وكي يتوفر مزيد من الحركة والنقد، إقتاد المؤلف شخوصه إلى ساحة خارج المجتمع المحلي “بحمدون المحطة”، كي يترك كل شخصية تتحرك على هواها بعيداً عن أية رقابة، وقد تمكّن أن يصل إلى أعماق بؤر الفساد، وإزدواج الشخصية، التي تعشش في نفوس بعض الناس، وتحكم تصرفاتهم.

الخروج من النطاق المحلي

لا ينكر أحد الدور الفعّال والمهم الذي يمكن أن يلعبه (المسرح) كفن، إذا أُحسن توجيهه، وأُحكم الدور الذي يجب أن يقوم به، لذلك أكد الكثيرون من المفكرين والمنظرين السياسيين أهمية هذا الدور، ولفتوا الانظار إلى القاعدة الكبيرة التي يؤثر فيها (فن المسرح)، وبالتالي إلى توجيهها، وتعبئة طاقاتها نحو الجهة التي يريد أن يخدمها (المسرح)، وسواء أكان ذلك لحساب السلطة أم لحساب طبقة من الطبقات أو ايديولوجية معينة.

ومن بين الفرق المسرحية في الكويت تفرد (مسرح الخليج العربي) بخط ملتزم، يدل على (فكرة) مسبقة تحكم كافة أعماله، والأخيرة منها بالذات، وهذا يفسر عدم إنخراطه في لعبة الإضحاك والتسلية التي لا تأخذ في إعتبارها سوى (ما يريده الجمهور) و(دخل الشباك)، وقد ركّز المسرح كثيراً على (سلبيات) المجتمع الكويتي المحلية، وبالذات الناتجة عن القفزة الطارئة في الجانب المادي من السلم الحضاري، دون أن تواكبها قفزة مماثلة في الجانب الفكري الثقافي، وقد وصل (صدام) المسرح مع (سلبيات المجتمع) أشدّه في (شياطين ليلة الجمعة) و(بحمدون المحطة) بعد أن أعطى (أرضية) معقولة لذلك في (ضاع الديك).

إلا أن ما يميز (الخازوق) موسم 75/1976، هو كونه قد بدأ يرتفع عن المستوى المحلي في المعالجة، إلى اطار أوسع يغطي الساحة العربية جميعها.. ففي (على جناح التبريزيي) قدم لنا شوق الإنسان العربي ومعاناته من ناحية مهمة، تغطي بأثرها عموم المنطقة العربية، وهي الشوق الدائم إلى ضرورة إعادة توزيع الثروة.. ويتحسس المسرح اليوم في (خازوقه) الجانب المظلم في حياة (المواطن العربي) في الساحات العربية، هذا الجانب القائم على قمع السلطة (للإنسان)، وبالتالي عدم توفر الحد الأدنى من “إنسانيته” كإنسان، ومن ثم يعيش أيامه في الخوف والظلم والاستبداد.

ولا ينكر أحد أن همّ المواطن العربي، هو في أحيان كثيرة الخوف من قمع السلطات وإرهابها، ويشكل هذا السبب الحقيقي في شيوع نظرية “خلينا نأكل عيش” لدى المواطن العربي في أنحاء الوطن العربي.

ويأخذ مسرح الخليج العربي على عاتقه تقديم هذا (الجانب المظلم)، في مسرحيته (حفلة على الخازوق) من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج صقر الرشود، بطريقة مكثفة، تجعلك كمشاهد، تحس فعلاً أنك أنت شخصياً المعني بهذا الأمر، وأن (الخازوق) ينتظرك في أية لحظة، ما دام الأمر متروكاً للحيثيات السائدة في عموم الوطن العربي.. فمن يدري أنني لا أكون “أنا” أو “أنت” أو “هي” حسن عبدالله -محمد السريع- هذا المواطن الساذج البريء الذي جمعوا له الأدلة الكاذبة، ليصبح متآمراً على (الوالي) -السلطة- لمجرد أنه شوهد قرب أسوار القصر.. وما أن يدخل (المخفر) حتى يصبح ذلك المتهم خطيراً، الذي ينتظره (الخازوق).. ومن هنا لا يحس بعذابات المواطن العربي، تلك العذابات التي قدمتها (هند) -سعاد عبدالله- وكلاب السلطة تلاحقها، كل يريد إفتراسها من أجل (تبرئة) خطيبها البريء....

في العرض الدرامي لهذه العذابات تقدم المسرحية أربعة رموز لها، كل منها رمته ظروفه السيئة تحت أقدام أدوات السلطة.. إبراهيم الصلال -الوزير- سليمان الياسين، -المساعد- محمد المنصور. من بين هذه الأدوار، يلفت النظر تقديم دور (المحتسب) فبدلاً من أن يكون حامي العدالة، والسند الذي يلجأ إليه المواطن الباحث عن الحق نكتشف أنه جزء من اللعبة، وأداة من أدوات القهر.. ولقد غطّت الرموز الأربعة بشموليتها كل الأدوات القمعية التي يعاني منها المواطن العربي..

في الحوار الدائر بين مدير السجن ومساعده تكثيف شديد مقصود من المؤلف لبيان عدم توفر إحترام إنسانية المواطن كإنسان.. فعندما يطلب (حسن بن عبدالله) من مدير السجن أن يفهم سبب المجيء به إلى السجن، يقهقه المدير عالياً، وتزداد سخريته لمجرد أن المواطن يريد أن يفهم “.. وتلك مصيبة ما بعدها مصيبة”.

إن المسرحية في شكلها العام، تُصنّف ضمن إطار (المسرح السياسي) الذي إقتحم حركتنا المسرحية بشكل مفاجيء بعد عام 1967، دون أن يعني ذلك فقدان هذا النوع قبل هذا التاريخ، إلا أن نكسة عام 67 إجتاحت كل المشاعر العربية، وفتحت أعين الجميع على ضرورة أن يكون للمسرح دور في مجال التعبئة السياسية، ويذكر البعض تلك الجماهيرية التي حققتها مسرحية سعدالله ونوس (حفلة سمر من أجل 5 حزيران)، على الرغم من أنها كانت تخدم (النظام) أكثر من خدمتها (للجماهير) فقد إكتفت بدور (التنفيس) عن المشاعر والآلام المكبوتة، لدى هذه الجماهير، دون أن تطرح لها (البديل الجذري).. وفي هذا المجال أيضاً لا يمكن أن نتناسى (ضيعة تشرين) لدريد لحام.. فعلى الرغم من أنها كشفت الكثير من الأوضاع بصورة مكثفة أمام المشاهدين، إلا أن (دريد لحام) كان فيها إلى جانب (حكام) ضد (حكام) آخرين، في القطر نفسه.. وقدمت (حفلة على الخازوق) هذا الجانب السلطوي، عندما جمعت في نهايتها المتهمين الأربعة في الصناديق الخشبية: (النجار، المحتسب، الوزير، ومدير السجن).. وقد إستقدم المؤلف (الوالي) نفسه صقر الرشود لمحاكمتهم وتعريتهم.. وقد أدانهم جميعاً، وأمر بمحاكمتهم لينالوا الجزاء المناسب.. ولو إنتهت المسرحية عند هذا الحد لمارست دور النفاق السياسي نفسه، لأنها تكون عندئذ ملقية بأسباب القهر والظلم على الرموز المنفذة، ولكن كانت المفاجأة الصاعقة لـــ “هند” ممثلة هنا للجماهير كلها، عندما قدّم (الوالي) (المساعد) ليُحكَّم بدلاً من المتهمين الأربعة.. وهنا لم تملك هند إلا الصراخ والإحتجاج، فالوالي يستبدل رموز الظلم الأربعة بمخطط الظلم ومُنظِّره (المساعد).. فهو العلة والداء.

في تلك اللحظة المسرحية، لم يكن بوسع المشاهد المتحسس لآلام “الإنسان العربي”، إلا أن يشدّ شعره، أو “يخرج” من ملابسه، فكم كانت تلك اللحظة المسرحية مكثفة لمسيرة (الألم العربي).. فهي تريد أن تقول أن المسؤولية في الوطن العربي تُعطى لذوي (الفهلوة) الذين يجيدون (التمثيل) فعلاً.. لذلك كان لجوء (الوالي) لـــ (المساعد)، الذي كان مخططاً لكل التهم التي لحقت بحسن بن عبدالله، ومُسّهلاً الطريق أمام كل الذين يحاولا إفتراس (هند).

المسرحية تريد أن تهزّ المشاهد.. تود أن تجبره على أن يعي الحفرة التي يتردى فيها دون أن يدري.. تصرخ فيه أن يصحو.. فالحفرة تتسع وستطيح بالجميع إن لم يتداركوا الأمر.. تصرخ فينا بأن الماضي بظلمه متصل بالحاضر، مستمر في المستقبل، فالحيثيات هي نفسها، والرموز ذاتها، شخوص الحلبة.

ربما يعتقد القاريء أن مثل هذا الموضوع ليس أمام المخرج إلا أن يقدمه بالشكل المباشر التقليدي، إلا أن المخرج صقر الرشود، إستطاع أن يقدمه ضمن إطار فني حديث متماسك، فهو من البداية يود أن يجعل المشاهد طرفاً في أحداث المسرحية لذلك ألغى “الستارة” ليزداد إحساس المشاهد بالعملية العميقة بالذات.. كما أن إخراج (حسن بن عبدالله) البريء المتهم، من وسط الصالة، جعل المشاهد في نهاية المسرحية يحس أن (موقف) “حسن بن عبدالله” هذا، من الممكن أن يواجهه شخصياً في أية لحظة.. كذلك لا يمكن التغاضي عن جماعية الأداء، وذلك عبر تخطيط مسبق.. بشكل جماعي، لأنهم يتحركون ضمن إطار بحث مشكلة متشعبة الجوانب، تشمل أبعادها المأساوية (الجمهور) كله.

وهذا يعني أن الفصحى لم تعد عائقاً أمام المسرح، بعد النجاح الهائل الذي لاقاه (التبريزي)، والذي نتوقع أن يلاقيه (الخازوق). كذلك ننوه بأن (المسرح الملتزم) لا يجري وراء (الجمهور عايز كده).. بل يرتفع بذوق الجمهور، فلكونه (طليعة) عليه أن يُشعر الجمهور بالمآزق التي يُحشر فيها، ويتضرر منها.. لا أن ينخرط في لعبة التسلية والإضحاك.. ومسرح الخليج يكرس من نفسه مسرحاً ملتزماً، يعي بشكل مسبق الدور الذي يقوم به، والأبعاد التي ينظر لها، والنتائج التي يود الوصول إليها..

خلاصة

إن دراسة هذه المرحلة من تجربة فرقة (مسرح الخليج العربي) بالكويت، توضح بشكل بارز الخطوات المتقدمة التي حققتها هذه الفرقة في مجال الشكل والمضمون المسرحي، فقد أثبتت أنها قادرة على الوقوف مع طليعة الفرق المسرحية العربية التي سبقتها بسنوات كثيرة، كما أكدت حقيقة هامة في عالم المسرح، وهي أن الأعمال الجادة الملتزمة لا تعني الجمود والتقليدية في وسائل التناول، فالموضوع الجاد الملتزم كان يترافق عندها مع الشكل الجديد والتجريب الفني في وسائل الإخراج وطرقه.. إنها فرقة آمنت بــ (الإنسان) فوضعته نصب عينيها في أعمالها كافة، لذلك أدركت أن للمسرح رسالة إنسانية مهمة، فرضت عليها الجدية في العمل، بعيداً عن وسائل الإضحاك والتسلية الخالية من المضمون، فجاءت أعمالها تحمل إلتزاماً في الموضوع، وتجديداً في الشكل.

مجلة “دراسات الخليج والجزيرة العربية الكويت”

عدد أكتوبر 1978                 

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة