مسرح الخليج لم ينزلق في لعبة الإضحاك والتسلية


المسرحية التي إنتهى مسرح الخليج من تقديمها على خشبة كيفان، تطرح العديد من قضايا المجتمعات التي بدأت تتسلق السلم الحضاري بطريقة القفز، دون الاهتمام بالناحية العقلية والفكرية، فيصبح المجتمع -خاصة البورجوازي- يلهث عبر رموزه البشرية وراء المظاهر الاستهلاكية لهذا السلم الحضاري غير ناظر للوضع الطبقي المعاش “الدرجة الرابعة”، وهي من تأليف عبد العزيز السريع، وإخراج صقر الرشود، وغيرها من مسرحيات مسرح الخليج السابقة مثل (الحاجز) و (1، 2، 3، 4 .. بم)، تجسد حقيقة المسرح الذي يجب أن يكون، خاصة في المجتمعات النامية.. المسرح من أيام اليونان وهو مدرسة، أي أنه يستطيع أن يقوم بدور المدرسة في معالجة كافة قضايا ومشاكل المجتمع، من هنا يكون الإلتزام بقضايا الإنسان والمجتمع هو واجب المسرح، فمزيد من الإلتصاق بهذه البيئة معناه الوعي الكامل بالدور المناط بالمسرح كمؤسسة تتعايش ضمن واقعها.

الملاحظ على مسرح الخليج أنه يعي هذا الدور تماماً، لذا فهو يأخذ الخط المعاكس لبعض المسارح هنا.. فهو لم ينزلق في لعبة الإضحاك والتسلية والترفيه، التي يظهر مردودها في دخل الشباك فقط، أما ممارسة أي دور إجتماعي على المستوى الإيجابي فلا يتوفر.

فالمسرح إما أن يوجد أو لا يوجد.. أن يكون أو لا يكون.. من طبيعة المجتمعات النامية أن تتعلق بها الكثير من مشاكل المرحلة، طبيعة المرحلة الإنتقالية التي تمر بها وكذلك مجتمع الكويت، فالقفزة الحضارية التي صاحبت ظهور النفط فجرت الكثير من المشاكل الطارئة، أو ما يمكن تسميته الظواهر الإجتماعية الشاذة التي قلما توجد في مجتمع يسير عبر السلم الحضاري بانتظام.. من أهم هذه المشاكل أو المظاهر التي عادة ما تصاحب هذه الطفرة: الرغبة العنيفة لدى رموز هذا المجتمع وهذه المرحلة في العيش على المظاهر الهامشية والتطلع دوماً إلى أعلى لارتقاء درجات الوضع المعيشي، حتى ولو على الكذب والنفاق والغش.. أو بلغة “المسرحية” الحياة بنفسية الدرجة الرابعة.

من مواصفات هذا المجتمع التي شنت عليه المسرحية حملتها العنيفة.. العيش المزيف.. دون الالتفات إلى نواح جوهرية من أمور الحياة أولى بأن تعالج.. والمسرحية تختار شريحة من شرائح هذا المجتمع المظهري المزيف عبر الحياة الخاصة لزوجة مع زوجها.. فالزوجة ثريا “سعاد العبدالله” تقحم زوجها وليد “منصور المنصور” في مستويات من الحياة الإجتماعية لا يستطيعها، ولا تتناسب مع وضعه الوظيفي ولا الإجتماعي “الطبقي”، مع ما يصاحب هذه الحياة المقحمة من عادات وتقاليد تأباها أخلاق الزوج الواقعي الذي يود العيش في نفس مستواه الطبقي بعيداً عن مظاهر الحضارة المزيفة.. وإلا فما المبرر لتبديل السيارة التي لم يمض على موديلها عامان بعد.. وما مبرر هذه الحفلات الإستعراضية التي تبعد بوضعه الطبقي عن كثير من أخلاقياته المتوارثة.. كل ذلك سمة من سمات المجتمعات البورجوازية المتخلفة التي تبدأ عملية قفزة السلم الحضاري عشوائياً دون إرتقاء عقلي فكري مصاحب لهذه العملية.. وقيمة المسرحية من هذا الجانب، في إنتشالها هذه الشريحة من خضم حياة المجتمع، ووضعها تحت الميكروسكوب لتشخيصها وإبرازها كمظهر شاذ، يعود إليه السبب في فشل الحياة الإجتماعية لكثير من الرموز البشرية، التي تمارس الحياة عبر هذا الوسط، فتكرار الشيء الشاذ يجعله عادياً، وهنا الدور الحقيقي لهذه المسرحية في إعادة هذا الوضع الشاذ الإنحرافي إلى مكانه الطبيعي، وبالتالي الخلاص من هذا الواقع الاجتماعي ككل.

عبد العزيز السريع كمؤلف مسرحي مغرم بدراما الواقع والمجتمع، فهي أعمق أنواع الدراما وأكثرها قرباً من نفوس الجمهور المتلقي، الذي يُشكّل طرفاً من أطراف الصراع القائم والتأزم الماثل للحل، سلباً أم إيجاباً.. وهذا الإطار هو الذي يجمع كافة نتاجه المسرحي.. وهو في “الدرجة الرابعة” يقترب أكثر من واقعه المعاش، يكثف لحظاته العفنة والتي تسري عفونتها على ما يجاورها من بؤر صالحة للعيش، وبالتالي يشخصها للمشاهد كبؤر يجب القضاء عليها، وسلخها بعيداً للوصول إلى واقع أفضل، وميزة أخرى يتفرد بها مسرح “عبد العزيز السريع” -بين المسرح الكويتي- كونه لا يجعل التسلية والترفيه عبر أجزاء المسرحية هدفاً رئيسياً، لأن القصد عنده المعالجة والتشخيص وتسليط الأضواء على الشرائح الإجتماعية المطلوبة.. حتى لقطات الضحك في مسرحياته غالباً ما يعطيها ممثلوها أكثر مما رسمه المؤلف في نصه.. وهو على ما يبدو في مسرحية “الدرجة الرابعة” يائس تماماً من صلاح هذا الواقع “الخربان”.. وضمن ما نعيش وما نرى.. فسيظل “خرباناً” إن بقيت مسيرته كما هي الآن.. فالتفكير الهامشي بظواهر الحياة المادية، والتسابق في الخصائص التافهة للحضارة المادية، دون الإلتفات إلى الجانب الأخلاقي والحضاري الأصيل، سيؤدي بهذا المجتمع إلى الهلاك.. والإنحلال.

أما من حيث لغة النص فرغم اعتمادها على اللهجة المحلية كسائر نصوصه، إلا أنها قريبة جداً من اللغة اليومية المتداولة على مستوى المواطن العربي.

وإخراج “صقر الرشود” رغم أنه كان عادياً جداً.. إلا أنه كإخراج (1، 2، 3، 4، بم)، كان سهلاً وبسيطاً، استطاع أن ينقل بنجاح شريحة المرأة الجارية وراء المظاهر الكاذبة، وساعده في ذلك المقدرة التمثيلية لدى “سعاد عبدالله” والتي بلا شك ستترك وراءها فراغاً في الأدوار النسائية بعد سفرها إلى أمريكا.. ومن حيث الإخراج رغم أنه يدعم مسيرة صقر في هذا الميدان إلا أن دور “سليمان الياسين”، مع أنه لم يبالغ فيه، إلا أنه كان ملفتاً للنظر في حركاته، وأظنه تماماً كان لمقتضيات خاصة بالجمهور كدور “الصحفي” في مسرحية (1، 2، 3، 4، بم)، وهذا لا ينفي الطاقة التمثيلية الواعدة لدى سليمان الياسين.

أما “منصور المنصور” فكان العمق الأساسي لهذه الدراما الواقعية، في كافة مواقعها، الانفراجية والمتأزمة، وأعطى دوراً جيداً خاصة في لحظات التأزم الشديد.

مجلة (عالم الفن)، العدد 42

30/7/1972        

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة