ذكريات كويتية (1976 - 1968)

“الحلقة الثانية”

 

في نهاية عام (1971) تم انتدابي للعمل محرراً في مجلة (الرائد) الإسبوعية، التي كانت تصدرها جمعية المعلمين الكويتية، وكان رئيس تحريرها الأستاذ خالد المسعود، وفي الوقت ذاته، كنت أكتب لجريدة (السياسة) اليومية، ومجلة (الطليعة) الأسبوعية.. من خلال عملي في الصحافة الكويتية، تعرفت على أغلب رموز وأعلام الحركة الأدبية مثل: خالد سعود الزيد، وخليفة الوقيان، وسليمان الشطي، وغيرهم الكثير، وكنا نلتقي أسبوعياً في مبنى رابطة الأدباء في الكويت في منطقة (العديلية)، وكانت الرابطة آنذاك نشطة للغاية في مجال إقامة النشاطات الثقافية الكويتية والعربية، وكانت مجلتها الشهرية (البيان) معروفة في الأقطار العربية، ويكتب فيها العديد من أشهر الأسماء الكويتية والعربية في ميدان الأدب والنقد والثقافة.. ولعدة شهور كتبت لها موضوعاً شهرياً ثابتاً تحت عنوان (قراءة في العدد الأخير من البيان).. وقد أهتمت الرابطة والمجلة بالإبداع الفلسطيني ودعت العديد من الكتاب والمبدعين الفلسطينيين لمقرها.. لإقامة ندوات وأمسيات، وكانت هناك أسماء فلسطينية معروفة في ميدان الأدب والثقافة في الكويت، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: وليد أبو بكر، خيري منصور، محمد الأسعد، صلاح حزين، سليمان الشيخ، سميح سمارة.. وآخرون.

توطدت علاقتي في الميدان الفني، مع مسرح الخليج العربي، الذي كان من أشهر رموزه آنذاك المخرج المشهور المرحوم صقر الرشود، ومن ممثليه: محمد المنصور وعبد العزيز المنصور، ومن كتابه عبد العزيز السريع، الذي كتب للمسرح نصوصاً، عرفت في الأقطار العربية بشكل واسع، ومنها مسرحية  (الدرجة الرابعة) ومسرحية (1، 2، 3، 4 .. بم)، وأتذكر أنه في عام (1979)، وأثناء وجودي في الاسكندرية بجمهورية مصر العربية، للتحضير لدرجة الدكتوراه، كتبت في دورية مجلة (دراسات الخليج والجزيرة العربية) التي كان يرأس تحريرها الدكتور محمد الرميحي، دراسة طويلة عن (تجربة مسرح الخليج العربي في الكويت).. ومن الصدف المفرحة، أنه في تموز/يوليو من عام (2003)، التقيت في القاهرة بالصديق عبد العزيز السريع، وكان كلانا يشارك في ندوة (إستراتيجية الثقافة الفلسطينية)، فقدم لي طبعة جديدة من مسرحيته (الدرجة الرابعة) وقد نشر في نهايتها بعض المقالات التي كانت قد كُتبت عن المسرحية في الصحافة الكويتية والعربية، ومن ضمنها مقالة لي عن المسرحية، كانت قد نشرت في مجلة (عالم الفن) الكويتية عام (1972).

في عام (1967)، وقبل تعاقدي مع وزارة التربية والتعليم الكويتية، كنت قد سجلت أطروحة الماجستير في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، التي حصلت منها على درجة الليسانس، وكان موضوع الأطروحة عن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل المشهور باسم (عرار)، وكانت بإشراف الأستاذ الدكتور المرحوم شكري عيّاد.. أكملت كتابة الأطروحة، أثناء عملي في الكويت ووافق الدكتور المشرف على مناقشتها وسافرت إلى القاهرة مرتين عامي (1971) و (1972) لكنني منعت من دخول مطار القاهرة لأسباب سياسية، وهنا تدخل الدكتور شكري عياد، واقترح نقل مناقشة الأطروحة إلى جامعة الكويت، وباشراف الدكتور عبد الهادي محبوبة زوج الشاعرة نازك الملائكة.. وبعد مرور عدة شهور، تمت مناقشة أطروحتي عن (الشاعر عرار) في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الكويت، بحضور المشرف الرئيسي الدكتور شكري عيّاد قادماً من القاهرة والدكتور ناصر الدين الأسد قادماً من الأردن والمشرف الدكتور عبد الهادي محبوبة من جامعة الكويت، وحصلت على درجة الماجستير في الآداب من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة الكويت عام (1973). في هذه الأثناء حصل الخلاف داخل الجبهة الشعبية، حول العمليات الخارجية، واتخذ قرار المكتب السياسي بوقف هذه العمليات، ورفض وديع حداد المشرف على تلك العمليات تحت مسمّى (المجال الخارجي)، قرار الجبهة، وأعلن استمراره فيها، فصدر قرار فصله من الجبهة، فانشقت الجبهة انشقاقاً غير معلن.. وظل وديع حداد يزور الكويت، مثل باقي قيادات الجبهة.. ويجمع أنصاره التبرعات، ويوزعون البيانات، دون تدخل السلطات الكويتية.

وهنا لا بد من إقرار حقيقة مطلقة وهي أن السلطات الكويتية الرسمية لم تفكر مطلقاً في التدخل في الشأن الفلسطيني طالما هو لا يصطدم بجدار الأمن الكويتي، في الوقت الذي عملت فيه بعض الحكومات العربية على خلق امتدادات لها في الساحة الفلسطينية، مثل ما أنشأت سورية تنظيم (طلائع حرب التحرير الشعبية - الصاعقة) وانشأ عراق صدام حسين (جبهة التحرير العربية)، وانطلاقاً من الرعاية الكويتية لكافة التنظيمات، لو فكرت في خلق إمتداد لها مثل الحكومات المذكورة لكان لها الامتداد الأكبر والأوسع، ولكنها كانت سياسة رسمية وشعبية ونقابية كويتية، تتلخص في دعم كل من يعمل من أجل تحرير فلسطين، دون التدخل في سياسته وبرامجه وارتباطاته، وضمن هذا السياق، لا بد من الاقرار أن أكبر تنظيم فلسطيني، وهو حركة فتح قد تشكلت طلائعها الأولى في الكويت، حيث كان يعمل العديد من مؤسسيها مثل: ياسر عرفات الذي كان يعمل مهندساً، وفاروق القدومي الذي كان موظفاً في وزارة الصحة، وأبو اياد الذي كان مدرساً في احدى ثانويات الكويت وسليم الزعنون الذي كان المدعي العام لإدارة المرور والدكتور عبدالله الدنان الذي كان مدرساً في جامعة الكويت.. وغيرهم عديدون في كافة التنظيمات، والمجلس الوطني الفلسطيني، وكانت حكومة الكويت هي الوحيدة من بين كل الحكومات العربية التي تقتطع من رواتب العاملين الفلسطينيين فيها نسبة (5%) تدفعها للصندوق القومي الفلسطيني، بالإضافة إلى الدعم الحكومي والتبرعات الشعبية الكويتية.

حصلت في عام (1976) على إجازة بدون راتب من وزارة التربية والتعليم، وسافرت إلى القاهرة للتفرغ لإعداد أطروحة الدكتوراة (الرواية في الأدب الفلسطيني)، وفي الوقت ذاته احتفظت بشقتي في السالمية لأسكن فيها، كلما عدت في إجازة أو زيارة. وأنا في القاهرة، حصل اغتيال مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت علي ياسين، وكان وراء إغتياله جماعة أبو نضال، التي انشقت عام (1973)، في بغداد عن حركة فتح، بتأليب وتخطيط من مخابرات صدام حسين.. عدت إلى الكويت في زيارة، بعد الاغتيال بحوالي ثلاثة شهور. في مطار الكويت طلبوا مني مراجعة مباحث أمن الدولة.. التي كان رئيسها أحد الشيوخ من العائلة الحاكمة حيث قابلني في مكتبه.. وسألني:

- ماذا تعرف عن إغتيال علي ياسين ؟

تبسمت قليلاً..

فسألني:

- لماذا تبتسم ؟

- أجبته لأن الجواب في وثيقة سفري الموجود أمامك على المكتب.. فأنا في القاهرة قبل حادثة الإغتيال بسبعة شهور، وعائد إلى الكويت من القاهرة بعد حادثة الإغتيال بثلاثة شهور فكيف سأعرف شيئاً عن الحادثة ؟ تأكد من المعلومات هذه من وثيقة سفري، وتبسم بدوره، وأعطاني وثيقتي مودعاً لي، دون أي سؤال !

حصلت على درجة الدكتوراة في الآداب في نهاية عام (1979)، وتوجهت للعمل في جامعة الفاتح بطرابلس الجماهيرية العربية الاشتراكية الديمقراطية الليبية العظمى، وبعد عام دراسي غادرتها إلى العراق، حيث تعاقدت مع وزارة التعليم العالي العراقي، وخيروني بين جامعتين عراقيتين فاخترت جامعة البصرة، لقربها من الكويت، وحيث إقامتي فيها ما زالت سارية المفعول، مما يعني إمكانية زيارتها في كل عطلة نهاية أسبوع.. حيث ذكريات وصداقات وعلاقات لا يمكن نسيانها.

تسلّمت عملي في قسم اللغة العربية، بكلية التربية بجامعة البصرة، ووجدت فيه العديد من الزملاء الأساتذة، الكتاب والنقاد الذين يعرف بعضنا البعض كأسماء دون أن نتقابل شخصياً، وكان من بينهم: شجاع العاني، وخليل العطية وحسن البياتي ومصطفى عبد الحميد وغيرهم.. في عطلة نهاية الأسبوع الرابع من بدء عملي في جامعة البصرة، توجهت بسيارتي (بيجو 504) ذات النمرة الكويتية إلى الكويت، أمضيت ثلاثة أيام، زرت العديد من الأصدقاء وبعض أفراد عائلتي وأقاربي، وعدت في اليوم الرابع إلى البصرة، في نقطة حدود (المطلاع) قدمت وثيقة سفري الفلسطينية، وعليها الإقامة الكويتية التي يقول ختمها (إقامة طالما يعمل في وزارة التربية والتعليم)، والحقيقة أنني منذ عام (1976)، غادرت الكويت للدراسة في مصر، في إجازة بدون راتب، ولكن لم أتصل بوزارة التربية للسؤال عن مصير الإقامة ومستقبلها، خاصة أنني تخرجت بدرجة الدكتوراة، ولم أعد أولاً إلى عملي في الكويت، ثم محاولة البحث عن عمل جديد يناسب مؤهلي الجديد.. نظر ضابط الجوازات في وثيقة سفري، وقلَّبَ قوائم وأوراقاً أمامه، وفجأة قال لي:

- راجع الضابط في الغرفة المجاورة.

ذهبت إلى الضابط، وكانت وثيقة سفري أمامه، فقال لي:

- وينك يا ريال، خمس سنين تسافر من بلد إلى بلد ومعك إقامة في الكويت ! أوضحت له الموقف، فقال:

- بصراحة.. لا بد أن تعود إلى الكويت، لمراجعة قسم الإبعاد بوزارة الداخلية لإلغاء اقامتك الكويتية، التي لم تعد سارية المفعول.

حاولت إقناعه بأن يلغي الإقامة في مكتبه لكنه أصر على أن هذا ليس من اختصاصه.. عدت إلى الكويت، وكنت متوجساً قليلاً فقسم (الإبعاد) ذكّرني فوراً بمسؤوله العقيد عبد العزيز بوعركي، وكانت قد حصلت مشادة بيني وبينه في عام (1974)، إثر مراجعتي له في مكتبه بساحة الصفا، على خلفية إبعاد صديق من عناصر الجبهة الشعبية. وفي الصباح.. أرسلني العقيد بوعركي لإحضار ورقة (إخلاء ذمة) من وزارة التربية ومجلة الرائد، وتم إلغاء إقامتي، وعدت إلى عملي في جامعة البصرة.. ومنذ ذلك اليوم (نوفمبر - تشرين ثاني 1980) وحتى هذه اللحظة (يونيو - حزيران 2004) لم أزر دولة الكويت.. أي حوالي ربع قرن !

الحرب ضد إيران.. ومغادرتي جامعة البصرة:

في نهاية عام (1980)، إندلعت الحرب التي شنها صدام حسين ضد الجارة إيران، وأطلق عليها (قادسية صدام) وكنت من القلائل الذين رفضوا الترغيب والترهيب للتصفيق للقادسية وبطلها المزعوم.. لذلك غادرت البصرة في نهاية عام (1981)، بناءاً على نصيحة ناصيف عواد (أبو يعرب) مسؤول فلسطين في القيادة القومية لحزب البعث العراقي.. لأنه كما أوضح لي، إما أن أشارك في جوقة المطبلين والمنظّرين للقادسية أو أغادر العراق، وإلا فهو لا يضمن إتهامي بالجاسوسية لحساب الفرس المجوس، كما كان يسمى إعلام صدام جيرانه الإيرانيين ‍

غادرت إلى بيروت.. عشت فيها كل أيام حصار شارون لها، طوال ثمانية وثمانين يوماً.. وتم شحننا على البواخر وكان نصيبي الشحنة المتوجهة إلى طرطوس السورية، ومنها إلى دمشق، حيث عشت فيها حتى الحادي عشر من يوليو.. تموز لعام (1990)، حيث تم إبعادي بقرار من الضابطة الفدائية لأسباب سياسية تتعلق غالباً بكتاباتي ضد بعض الجماعات الفلسطينية المتحالفة مع دمشق، ودورها في حربي المخيمات الفلسطينية في لبنان عامي (1986 - 1988).

توجهت من دمشق إلى قبرص ودبي، حيث كنت في السنوات الأخيرة في دمشق مديراً لمكتب جريدة (البيان) اليومية التي تصدر في (دبي)، وكان مسؤولها الشيخ حشر بن مكتوم، ورئيس تحريرها خالد محمد أحمد، وكانت لي مادة شبه يومية فيها.. وفي صباح الثاني من آب - أغسطس من عام (1990)، وكنت مقيماً في شيراتون دبي، جاءت الأخبار الأولى عن دخول الجيش العراقي لدولة الكويت، وما هي إلا ساعات حتى أكدت البيانات العراقية الرسمية هذه الأنباء، وإذا دولة عربية مستقلة إسمها (الكويت) عضو في جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة الأمم المتحدة، ومجلس التعاون الخليجي، يتم إحتلالها بالكامل من قبل دولة عربية، ما هذه الكارثة ؟!

كان هذا الإحتلال مفصلاً نوعياً في مواقفي السياسية، فكان عليَّ أن أحدد موقفي ككاتب وصحفي، خاصة أن ما يشبه الفرز، بدأ في أغلب العواصم العربية.. بالنسبة لي، كانت المسألة ذات علاقة بالمنطق والأخلاق، فكفلسطيني وطنه محتل، وعانى من التشريد والتهجير، لا يمكن أن يكون لي موقف مؤيد لأي إحتلال في العالم، فما بالك إذا كان إحتلال قطر عربي لدولة عربية احتضنت في أوقات الشدة مئات الآلآف من الفلسطينيين، وكانت مواقفها مشهودة في دعم نضالهم ؟!

منذ ذلك الوقت منذ آب - أغسطس (1990) تبلور موقفي المناهض لنظام صدام حسين، وكان إحتلاله لدولة الكويت المفصل الذي فتح باب كتاباتي العلنية ضد ذلك النظام، كما عرفته في بغداد مع فصائل المقاومة الفلسطينية، ومن خلال عملي عامين في جامعة البصرة.. لذلك كنت سعيداً وفرحاً بدحر قوات التحالف لجيش صدام من الكويت وتحريرها.. وعقب ذلك قيام نفس قوات التحالف بإسقاط نظام صدام حسين.. وتخليص الشعب العراقي من ظلمه وطغيانه.. فالإحتلال واحد.. والإستبداد والظلم واحد.. وقد عبرت عن موقفي هذا علناً وبجرأة من سنوات طويلة.. وعقب سقوط نظام صدام، أصدرت كتابيّ (سقوط ديكتاتور) و(فلسطينيون في سجون صدام) ضمن نفس سياق كشف طغيان ذلك النظام، ومتاجرته بقضية فلسطين للتغطية على جرائمه بحق الشعب العراقي، واحتلاله دولة الكويت الجارة المسالمة.. وقد ثبت أن عضو لجنة تنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية (ع. ح) هو الذي اقترح على صدام، خلط الأوراق الإقليمية بأوراق قضية فلسطين، فهذا وحده يسوغ لدى غالبية الشعب العربي أعماله غير المقبولة، من هذا المنطلق تاجر ذلك النظام البائد بقضية فلسطين لقداستها في وجدان الشعوب العربية.

تلك كانت ذكريات.. ومواقف من خلال سنواتي في دولة الكويت، حيث صداقات وعلاقات، كانت فلسطين دوماً محورها.. أيام لا يمكن نسيانها.. وأعتقد أنه يجب استثمار كافة العلاقات الممكنة لتجسير العلاقة بين الشعبين الكويتي والفلسطيني، لما شابها من توتر نتيجة موقف القيادة الفلسطينية من إحتلال صدام لدولة الكويت.. العلاقة بين الشعوب هي التي ينبغي أن تكون هدف كل تحركاتنا ومحور تطلعاتنا.. خاصة نحن الكتاب والصحفيين الذين وقفنا علناً ضد احتلال الكويت، وساندنا قضاياها العادلة بجرأة.

جريدة (شيحان)، العدد 1029

3/يوليو/2004           

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة