ذكريات كويتية (1976 - 1968)

“الحلقة الأولى”

 

حدثت ما اصطلح العرب على تسميتها “نكسة حزيران 1967" وأنا في الأردن، حيث كنت قد قدمت إليها عقب حصولي على درجة الليسانس في آداب اللغة العربية من جامعة القاهرة عام (1965)، لزيارة فرع عشيرة “أبو مطر” وعملت بالتالي مدرساً في مدرسة أهلية (المدرسة العربية الثانوية) وكانت تدرس منهاج الثانوية العامة، على النظام المصري.. نتج عن هذه النكسة - الهزيمة المحققة، نزوح أو هروب عشرات الآلاف من سكان قطاع غزة والضفة الغربية إلى الأردن، مما أوجد مشكلة واضحة في كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية.. في هذه الظروف الصعبة.. قرأت اعلاناً في جريدة (الرأي) الأردنية، عن وصول البعثة التعليمية الكويتية، وطلبها التعاقد مع مئات من المعلمين ضمن اختصاصات عديدة، ومنها اللغة العربية.. تقدمت بطلب عمل للبعثة، وكانت مفاجأة لي أن كان اسمي من بين الأسماء التي سوف تقابلها البعثة.. حصلت المقابلة في مبنى السفارة الكويتية، وكان على ما أذكر في جبل عمّان، حيث كانت العاصمة عمّان ما زالت محدودة في امتدادها واتساعها.. مر أسبوعان على المقابلة.. وكأنهما دهر.. وأنا ليل نهار أرجو.. وأدعو أن أكون ممن نجحوا في المقابلة، فعقد عمل في الكويت آنذاك كان حلماً لا يحصل عليه إلا المجتهدون، وممن نالوا (رضى الله والوالدين) خاصة في ظروفنا نحن أبناء مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، حيث زادت صعوبات حياتنا الاقتصادية عقب النكسة، الهزيمة.

وفجأة بعد حوالي عشرين يوماً، نشرت أسماء الناجحين في المقابلات في كل تخصص، أي الذين سوف يوقعون مع البعثة التعليمية الكويتية عقد عمل في مدارس الكويت.. لم أصدق عينيّ، عندما كان اسمي يحمل الرقم (5) من بين متخصصي اللغة العربية الذين وقع عليه الاختيار لتوقيع عقد العمل.. ذهبت إلى السفارة الكويتية في الموعد المحدد، ومعي (وثيقة السفر المصرية للاجئين الفلسطينيين) قرأت عقد العمل.. وقبل التوقيع سألني مدير البعثة التعليمية:

- هل تريد أن يكون عملك في دولة الكويت، أم في إمارة الشارقة ؟

كان هذا السؤال مفاجأة لي، وبدا وكأنه نكتة أم مزحة.. ما علاقة إمارة الشارقة بالبعثة التعليمية الكويتية ؟ وعندما لاحظ مدير البعثة الحيرة والدهشة على وجهي، سارع للتوضيح قائلاً:

- أنت ستوقع عقد العمل، كمدرس للغة العربية مع وزارة التربية والتعليم الكويتية، والوزارة بدورها تسألك: هل تريد أن يكون عملك في مدارس دولة الكويت، أم في المدارس التي تبنيها وتشرف عليها دولة الكويت في (إمارة الشارقة)، دعماً لأهلنا في هذه الإمارة وغيرها من الإمارات العربية التي تحتاج الدعم والمساعدة !

أجبته:

- لا.. في الكويت.. الكويت.. لو سمحت !

في نهاية شهر آب - أغسطس من عام النكسة - الهزيمة (1967)، غادرت الأردن على الطائرة الكويتية المتجهة إلى الكويت، وكل ما أحمله هو: عقد العمل، وبعض كتب اللغة والأدب العربي، وعدة قطع من الملابس في حقيبة صغيرة، وفور وصولنا إلى مطار الكويت، كان في استقبالنا مندوبو وزارة التربية والتعليم الكويتية، حيث اصطحبونا إلى مقرات سكن وضيافة في ضاحية (الشويخ) لمدة اسبوعين أو ثلاثة لحين توزيعنا على مدارس الكويت.. كان نصيبي أن تم فرزي مدرساً للغة العربية في مدرسة (الأحمدي) الإعدادية.. وعرفت بشكل مبدئي أن (الأحمدي) مدينة النفط ومصافيه في الكويت، حيث فيها العديد من العرب والأجانب.. وكان أول ما لفت انتباهي في هذه المدينة، مبانيها التي هي غالباً على شكل فيلل، من النادر آنذاك وجود بنايات عالية فيها.. ذهبت إلى المدرسة، وقدمت نفسي ورسالة وزارة التربية والتعليم إلى مديرها (الناظر)، وكان مواطناً فلسطينياً من الأردن اسمه (هاشم أبو عمارة)، وكان غالبية المدرسين فلسطينيين وأردنيين ومصريين، وكان مِن أول مَن تعرفت عليهم مدرس لغة انجليزية اسمه (عدنان أبو عودة) وبعد حوالي عامين وعدة شهور عندما حدثت إشتباكات أيلول عام (1970) بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية، غادر الاثنان الكويت، فإذا (هاشم أبو عمارة) مديراً للإذاعة الأردنية و(عدنان أبو عودة) مسؤولاً في إحدى دوائر الحكومة الأردنية.. وبعدها تقلد منصب وزير الإعلام، ومناصب عديدة منها عضوية مجلس الأعيان، و(هاشم أبو عمارة) سفيراً للأردن في المغرب لعدة سنوات.. وقد توفي (هاشم أبو عمارة) منذ سنوات و(عدنان أبو عودة) ما زال حياً، له نشاط وحضور سياسي وإعلامي فعّال، رغم عدم تقلده مناصب رسمية الآن.

لم يمض على عملي مدرساً في مدرسة الأحمدي الإعدادية سوى عام دراسي واحد، حتى جاءنا تعميم تنظيمي من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كنت عضواً فيها منذ تأسيسها عقب نكسة - هزيمة (1967) بشكل تلقائي، حيث كل أعضاء حركة القوميين العرب سابقاً، أصبحوا بالوراثة أعضاءاً في الجبهة الشعبية، كان التعميم يطلب مني ومن عدة أعضاء آخرين ترك العمل في الكويت والتوجه إلى قواعد الجبهة في الأردن ! من يصدق هذه المفاجأة غير السارة بالنسبة لي على الأقل.. فلم أصدق بعد أنني حصلت على عقد عمل في الكويت، رغم مرور عام دراسي كامل أي حوالي ثمانية شهور، أي راتب شهري حوالي مائة وثمانين ديناراً كويتياً، أي ما يعادل سبعمائة دولار آنذاك.. أعيش منها في الكويت، وأنفق على أسرة كبيرة في مخيم اللاجئين بمدينة رفح في قطاع غزة.. ما العمل ؟

انتظرت حلول إجازة الصيف التي كانت تبدأ عادة في منتصف يونيو - حزيران، وتمتد لثلاثة شهور تقريباً، ومع بداية الإجازة ذهبت إلى الأردن، ومن العاصمة عمّان إلى قواعد الجبهة الشعبية في جرش، أمضيت في القاعدة حوالي شهرين، وكانت من القواعد التي يعدها نايف حواتمة لإنشقاقه دون أن ندري، فكانت المصطلحات الماركسية.. وأسماء انجلز وماركس ولينين، يرددها الرفاق والرفيقات دون أن يعرفوا شيئاً عنها، سوى أنهم سمعوها من (أبو النوف) ‍

كانت التجربة غير مشجعة لي.. لذلك انسحبت من القاعدة في جرش، وعدت إلى عملي مدرساً في مدرسة الأحمدي بالكويت قبل بدء العام الدراسي الجديد، وكما يقول المثل (يا دار ما دخلك شر).. إستمر عملي في المدرسة، وزاد عدد طلابها فافتتحت المدرسة ملحقاً لها، يقع على أسوارها وعينت مشرفاً لهذا الملحق، أي في مستوى (نائب الناظر) وهذا إمتيار لأنه يعني تخفيض عدد الحصص التي أدرسها.. مقابل العمل الإداري الذي أقوم به.. وفي نفس الوقت إستمرت عضويتي ونشاطي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعد إنشقاق نايف حواتمة، وتأسيسه (الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين)، وبعد شهور قليلة تنازل عن صفة الشعبية فأصبحت جماعته تسمى (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) وكان قد سبقه أحمد جبريل في الانشقاق، وسمى جماعته (الجبهة الشعبية القيادة العامة)، ولاحقاً انشق رفيق عراقي عن نايف حواتمة معلناً تأسيس (الجبهة الديمقراطية الثورية لتحرير فلسطين)، لكن بضاعتها لم تعمِّر طويلاً.. ولاحقاً لكل ذلك، انشق طلعت يعقوب عن أحمد جبريل، وعاد لتسمية قديمة هي (جبهة التحرير الفلسطينية)، وبعد ذلك انشق (أبو العباس) عن طلعت يعقوب ليستعمل الاثنان نفس المسمّى (جبهة التحرير الفلسطينية).

الفصائل الفلسطينية والشارع الكويتي

كل هذه الفصائل الفلسطينية، تعاطى معها الشارع الكويتي بكل أنواع الدعم والمساندة، دون أن يسأل عن هويتها وأفكارها فطالما هي (فلسطينية) وفي برامجها (تحرير فلسطين) فلا بد من دعمها أدبياً ومالياً.. أما التفاصيل فهي من شأن أصحابها.. ولا يمكن أن أنسى منظر دفاتر التبرعات، خاصة نهاية كل شهر، عندما نقبض الرواتب، يصطف على الأقل خمسة شباب كل منهم يحمل دفتر تبرعات لفصيل أو تنظيم، والموظفون: كويتيون وفلسطينيون وعرب، يتبرعون للكل دون استثناء.. أما التبرعات العينية، فكنا من كل التنظيمات نرسل كل شهر عشرات السيارات المحملة بتبرعات الشعب الكويتي والمقيمين من كافة الجنسيات إلى تنظيماتنا في الأردن وسورية ولبنان، كنا نعمل علناً في الشارع الكويتي، قوميون ويساريون، نوزع المنشورات ونجمع التبرعات وننظم العناصر ولا يختلف معي أحد ممن عملوا في الكويت تلك الفترة، في أن الجزء الأساسي من ميزانية أغلب التنظيمات، وخاصة فتح والشعبية والديمقراطية، كان يأتيها من تبرعات الشعب الكويتي، وعناصرها العاملين في الكويت.

نحن في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكونها وليدة حركة القوميين العرب، فقد تلقينا الدعم والمساندة من القوميين العرب الكويتيين، ومن خلال ذلك تعرفت على رموز العمل القومي الكويتي مثل: الدكتور أحمد الخطيب والمرحوم سامي المنيس الذي كان في تلك الفترة رئيس تحرير اسبوعية (الطليعة)، وكنت أحد كتابها في الوقت الذي كان ناجي العلي يرسم لها أشهر رسومه الكاريكاتورية.. ومنهم كذلك عبدالله النيباري وعبد اللطيف الدعيج وأحمد الديين، وغيرهم كثيرون، كانوا بالنسبة لنا فلسطينيين حتى العظم !! وأكثر اخلاصاً لفلسطين من بعض الفلسطينيين !

في بداية السبعينيات (1971) كانت الجالية الفلسطينية من أكبر الجاليات العربية إذ كانت لا تقل عن ثلاثمائة الف.. وأصبح لها مدارس خاصة، ولها نقابات في كل المجالات من نقابة المعلمين إلى اتحاد الصحفيين والكتاب واتحاد المرأة.. الخ، ولا أعتقد أنه كان يمر اسبوع، دون زيارة مسؤول فلسطيني من إحدى العواصم العربية الحدودية، حيث يستقبل من أعضاء تنظيمه علناً.. ويجري اللقاءات الصحفية، والندوات العلنية، وكانت ثانوية (الشويخ) شبه محجوزة لنشاطات ومهرجانات حركة فتح، وخطابات ياسر عرفات شخصياً.

كانت حركة فتح تحديداً، تصول وتجول في الكويت، فعلاً وكأنها محافظة فلسطينية، لا قيود ولا ضوابط.. مهرجانات علنية.. تبرعات بالملايين.. وكان مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت يعني عملياً مكتب حركة فتح.. حيث كانت الإقامة الدائمة للعديد من قياداتها في الكويت.. مثل المرحومين خالد الحسن (أبو السعيد) وصلاح خلف (أبو اياد) وسليم الزعنون (أبو الأديب).. وكانت هذه القيادات لها مكانتها في الكويت فهي شعبياً وحكومياً (تحل وتربط) كما يقول المثل الشعبي.. هذه الخطوة والمكانة لحركة فتح.. وباقي الفصائل الفلسطينية لم تحظ به في أية عاصمة عربية على الاطلاق، وأعتقد أن هذا هو سبب الصدمة الكويتية - الشعبية والرسمية، من موقف قيادة المنظمة، أي قيادة حركة فتح.. من إحتلال صدام حسين لدولة الكويت.. فبالإضافة إلى أنه موقف أخلاقي، أن لا يؤيد الفلسطيني أي إحتلال، كان ينبغي أن لا تنسى تلك القيادة، مواقف شعب الكويت وحكومته من القضية الفلسطينية.

كانت أحياء كويتية مثل (الفروانية) و(حولي) و(خيطان)، الغالبية العظمى من سكانها فلسطينيون، وكان زملاؤنا وأصدقاؤنا الكويتيون من سكان (السالمية) مثلاً، إذا رغب واحد منهم في زيارة صديق فلسطيني في حي من تلك الأحياء، وتصادف أن سأله زميل له: أين أنت ذاهب ؟ يجيبه بأسلوب النكتة: أنا ذاهب إلى قطاع غزة.. أو إلى الضفة الغربية !!

أيام.. وذكريات حلوة.. لا يمكن نسيانها.. فكما كانت تقول جدتي.. ما بينسى المعروف إلا ابن الحرام !

جريدة (شيحان)، العدد 1028

26/يونيو/2004           

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة