إلى العزيز زهير كاظم عبود


إلى العزيز زهير كاظم عبود:

ومن خلاله إلى كل أبناء شعبي العراقي، خاصة الشهداء الأبرار، ومنهم الجندي البغدادي والضابط النجفي، الَلذين استشهدا على تراب فلسطين عام 1948، إلى الشهيد القائد عز الدين سليم (أبو ياسين).

أصدقكم القول، لقد بكيت في الساعات القليلة الماضية مرتين، وأنا الذي من مرارة وشقاء حياة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة التي نشأت وترعرت فيها، على صدقات وكالة الغوث، لم يكن من السهل أن أبكي وسط حياة هي البكاء بدموعه ولوعته، المرة الأولى عندما سمعت خبر استشهاد المناضل القائد عز الدين سليم (أبو ياسين)، والمرة الثانية عندما قرأت كلمات الأخ زهير كاظم عبود الموجهة لي.

ورغم الحزن القاسي الذي يسيطر على عقولنا وقلوبنا من الرحيل اليومي لشهدائنا الأبرار في فلسطين والعراق، لا بدّ من قول الحقيقة، وهي أن (البهاء) الذي يتمتع به الشعب العراقي، هو سبب تمردي على رشاوى الديكتاتور قاتلكم، وقد كانت متاحة أمامي، ومعروضة عليّ منذ أن كنت في صفوف المقاومة الفلسطينية في العراق، وفي الوقت ذاته أعمل في الصحافة الكويتية، وزادت الضغوطات وتضخمت العروض بعد حصولي على درجة الدكتوراة عام 1979، وعملي أستاذاً في كلية التربية في جامعة البصرة، أول عامين من حرب الطاغية ضد الجارة إيران، رفضت بشكل قاطع وعلني الإنضمام إلى جوقة المطبلين إلى ما أطلق عليها المجرم (قادسية صدام)، كان العديد من المطبلين العراقيين والفلسطينيين والعرب، يسألونني: لماذا هذا الرفض الذي من الممكن أن يودي بحياتك، والتهمة جاهزة، وهي العمالة للفرس المجوس ؟ كنت أجيبهم:

لا أستطيع أن أخون كلمات والدي الشيخ عطية إمام المسجد، الذي كان كلما أخذنا لزيارة طولكرم ونابلس، يصر على الذهاب لزيارة مقبرة شهداء الجيش العراقي الذين إستشهدوا في فلسطين عام 1948، ونقرأ الفاتحة على أرواحهم على باب المقبرة، ثم يطوف على عدة قبور لقراءة الفاتحة مجدداً، وعندما نسأله:

- هل تعرف أصحاب هذه القبور التي تخصها بقراءة الفاتحة من جديد ؟ فكان يجهش بالبكاء ويقول:

- لا.. ولكن علّ أحدها قبر كاظم النجفي الذي إستشهد أمامي قريباً من أسوار القدس.

ولا أستطيع أن أنسى صاحب المطعم بجوار مرقد الإمام علي رضي الله عنه، عندما زرت المرقد عام 1969، قادماً من الكويت حيث كنت أعمل في صحافتها، وعندما عرف أنني فلسطيني، رفض أخذ ثمن الغداء، وقال: عيني.. إنت ضيف عندي وعند مرقد الإمام علي رضي الله عنه، وعندما عرف أن أهلي يعيشون في مخيم اللاجئين في رفح في قطاع غزة، أصرّ أن يعطيني مبلغاً من المال مساعدة لهم، ولم يكفّ عن إلحاحه وإصراره إلا بعد أن أريته الإقامة الكويتية على جواز سفري، وبطاقتي الصحفية، ليتأكد أن أوضاعي مستورة، وأستطيع مساعدة أهلي في المخيم.

ولا أستطيع أن أنسى (أبو سلام البصراوي)، صاحب الشقة التي إستأجرتها عام 1980، عندما تعاقدت مع جامعة البصرة، كان إيجار الشقة حوالي ستين ديناراً شهرياً، وبعد أن وقعنا العقد ودفعت له إيجار شهرين، سلّمني المفاتيح ونسخة من العقد، وهمّ بمغادرة الشقة، سألني: من وين الأخ ؟ أجبته من فلسطين، فقال وعلامات الدهشة على وجهه: أعطني نسخة العقد، ولم ينتظر، أخذ النسخة من على الطاولة، مزقها وقال: “عيني الإيجار ستين دينار لواحد عراقي أو عربي، لفلسطيني مثلك فقط خمسة وأربعين..” وكتب عقداً جديداً.

لكل ذلك ولأمور أخرى عديدة، فالذي يستحق صفة (البهاء) أيها العزيز زهير هو شعبي -شعبكم العراقي، وليس أنا.. أنا إنتصرتُ للحق والمبدأ، فقد أدركتُ مبكراً أن جرائم الديكتاتور بحق شعبي العراقي لا تقل عن جرائم إسرائيل بحق شعبي وشعبكم الفلسطيني.. وكم كنت سعيداً بسقوطه المذل، وعبرتُ عن ذلك باصدار كتابي (سقوط ديكتاتور) في يناير من هذا العام، أي بعد أربعة شهور من سقوطه غير المأسوف عليه، وقد توجتُ فرحتي بزيارة بغداد في شهر آذار/مارس الماضي، وقد نشرتُ تقريراً عن هذه الزيارة في صفحتنا (صوت العراق) التي تستحق الإحترام والتقدير.

ولمزيد من كشف جرائم ذلك المجرم، سيصدر في نهاية الشهر الحالي الكتاب الجديد (فلسطينيون في سجون صدام)، وهو شهادات حيّة بالاسم والصورة لثمانية فلسطينيين، يروون تجاربهم المريرة في سجون الطاغية، لأثبت للمضلّلين من شعبي الفلسطيني، أن ذلك المجرم صدام، كان يتاجر بالقضية الفلسطينية، ليغطي على جرائمه بحق شعبي -شعبكم- شعبنا العراقي.

لكل ذلك، فالبهاء.. كل البهاء، يليق بشعبنا العراقي فقط، وأنا سأظل وقلمي في خدمة هذا الشعب إلى أن يحصل على حريته وإستقراره وأمنه..

جريدة (صوت العراق) الالكترونية

19/مايو/2004      

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة