يكفينا هذا البهاء الفلسطيني


أحمد أبو مطر

بقلم: زهير كاظم عبود

ليس الآن فقد مررنا بأزمان قاحلة لم نكن نجد الأرض التي تأوينا ولا البيت الذي يحفظ كرامتنا ولا العمل الذي يسد رمقنا، ولا الكلمة التي تؤمِّن لنا حقوقنا، ولا فسحة الصوت التي تدعنا نصرخ من وجعنا.

ليس الآن حين كانت بعض الأقلام العربية تشحذ أقلامها لذبحنا ووصمنا بالعمالة والخيانة، وترش الحبر فوق عيون الآخرين لئلا يروا جروحنا وطعناتنا القاتلة.

فقد كان سوق بيع الضمائر رائجاً وعلى أشده بين الأقلام العربية التي باعت شعوبها وقيمها من أجل أن يعيش الطاغية ولو على حساب شرفنا ودمائنا وجماجمنا، ولو على حساب ضياع أوطاننا وشعوبنا كلها.

لم يكن معنا إلا القلة من مفكري وكتاب هذه الأمة التي ابتليت بأمراض لها أول وليس لها آخر، كان صدام بما عرف عنه من خبث يعرف كيف يشتري ضمير الضعيف المنخور المبتلى بمحبة المال في دنيانا الفانية، وعرف كيف يستغل البعض بمواقف مشينة ومخجلة وبأساليب خسيسة ونذلة لم تعهدها الناس.

ليس الآن وإنما في الزمن الصدامي الهجين حين كنا نقاتل بكل ما نملك من أسلحة بدائية، كنتَ يا أحمد أبو مطر تقاتل معنا بالكلمات المعارضة، وقفتَ مع الجانب الفقير الضعيف في أحلك لحظاته، وقفتَ مع المضطهدين واللائذين من ملاحقة أوكار صدام وجمعيات المغتربين وزمر السفارات واللاعبين على الحبال. لم تكن متفرجاً بل حسمت أمرك ووقفت مع شعب العراق. وقفت إلى جانب ضميرك وأرحت نفسك وأرحت الضمير، وتحملت ما تحملت من أجل أهلك وأخوتك العراقيين.

ليس الآن إنما كانت وقفتك في الزمن الذي شحّت فيه مواقف الرجال، وكانت الكلمات التي يكتبها البعض تبدو خجلة وعلى إستحياء ووجلة تخشى سيف السلطان حتى في مدن أوروبا، كلمتك كانت ليس فقط جريئة، وليس فقط شجاعة، وإنما كانت كلمة الحق التي طالما انتظرناها من إخوتنا العرب المنصفين.

لم تكن مثل غيرك مُخدَّراً بالشعارات الورقية، ولا خدعتك العبارات الجوفاء، ولم تمر عليك لعبة السلطة الصدامية الإعلامية في شراء الضمائر والذمم، فكنتَ مع شعب العراق القابع تحت نير الطغيان والدكتاتورية.

وكتبتَ في الزمن الشحيح كما يكتب الرجال، وجاهدتَ معنا وكتبتَ بإسمك الكبير الصريح البهي (أحمد أبو مطر).

أيها المطر الفلسطيني الأصيل، ليس الآن فقد كنت بيننا دوماً وتنسج معنا خيوطاً لشراع النصر وطالما حلمت معنا وبكيتَ معنا، فقد ضيعوا أوطاننا وحرموا شعوبنا من حقوقها وكتموا حقوق كل القوميات.

ليس الآن وإنما كنتَ النصير المُعبِّر عن حجم المعرفة بالشأن العراقي وبحقائق العراق، وبحقوق الكرد في الفيدرالية وبحقوق إخوتنا الكلدان والآشوريين والتركمان. مثلنا تعرفت عن قرب على مظالم المسيحيين ووجع اليهود وعدم إنصاف الصابئة المندائية وما لحق اليزيدية من تهميش وظلم في العراق.

ليس الآن فقد كنت معنا وبيننا في أحلك أيامنا، وستبقى معنا في أيامنا القادمة نتفاخر بكلماتك وإشاراتك، ومثلما برقتْ في سمائنا كلمات الشاعرة الفلسطينية المناضلة سلافة حجاوي، فقد كنتَ أنت البرق الذي اعتدنا على ضوئه الباهر في سماء العراق.

كتاباتك في صحف المعارضة وفي الزمن الصدامي الهجين كانت وسام فخر وإعتزاز لنا وليس لك، وتواصلك مع أهلك في العراق تعبير عن تقديسك للإنسان وإحترامك للحقوق.

أيها الفلسطيني البهي يكفينا هذا البهاء ونتعلم منك كيف يكون في خضم الظلمة فسحة من ضوء، ونحن نعرف أن ضوء الشمعة لا بد أن ينير المكان.

جريدة (صوت العراق) الالكترونية

18/مايو/2004      

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة