انتهاكات سجن أبو غريب ومواقف الإعلام العربي


ما تمّ الكشف عنه من إنتهاكات لحقوق الإنسان العراقي في سجن أبو غريب، من قبل بعض الجنود الأميركيين، تعديات واضحة على حقوق الإنسان لا يمكن قبولها، أو تبريرها، أو الدفاع عنها، خاصة وأنها وقعت من جنود أميركان، جاءوا ضمن قوات بلادهم، من أجل أجندة سياسية، أطلقت عليها قيادتهم “حرب تحرير العراق”، أي تخليص العراق من نظام سابق، وُصِف بالطاغية والمستبد، من الأميركان وحلفائهم، وقطاعات واسعة من الشعب العراقي.. بالإضافة إلى الخلفية الفكرية الشائعة عن إحترام حقوق الإنسان في الدول الغربية، مما جعل ردة الفعل العربية خاصة الصحافة والإعلام كبيرة وإنفعالية في غالبيتها، لأن الغالبية ما كانت تتصور أن جندياً أميركياً يمكن أن يفكر في إرتكاب هذه التعديات اللأخلاقية، خاصة أنه من المستحيل أن يفكر في إرتكاب هذه التعديات اللاأخلاقية، خاصة أنه من المستحيل أن يفكر مجرد تفكير في فعل ذلك في سجون أميركية وإزاء سجناء أميركيين، أو سجناء أجانب في سجون أميركية.. هذه حقائق، أقرّها صراحة، كي لا يساء فهم الحقائق التالية التي لا بدّ من ذكرها بصراحة أيضاً، للتأشير على خلل واضح في تعاطي الإعلام العربي مع هذه الحالة، وغيرها من الحالات المشابهة، وإن في مجالات مختلفة.

الحقيقة الأولى، التي يجب إقرارها، أن هذه التعديات المرفوضة، تم إكتشافها ونشرها وإعلانها للعالم كله، من قبل محطة تلفزيونية أميركية.. وهذه مسألة مهمة لأنها تعني أنه لا فضل لكل الصراخ العربي، عبر الأرضيات والفضائيات في كشف هذه الخروقات وإعلانها.. وهذا يعني أن المحطة التلفزيونية الأميركية المعنية، كان بإمكانها عدم نشر هذه الفضيحة، وما كان عندئذ سيعرف بها أحد.. وفي مقابل ذلك لا بدّ من التأكيد على إستهجان المجتمع الأميركي في غالبيته لهذه التعديات اللاإنسانية، بدليل أن الرئيس الأميركي نفسه، وجّه اعتذاراً علنياً للشعب العراقي، وأسف لما حدث.. وكذلك رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، أعرب عن أسفه وأسف الشعب الأميركي.. وأيضاً كونداليز رايس التي أكدت أن الرئيس الأميركي، عازم على المضي في التحقيق لمعاقبة مرتكبي هذه الخروقات اللامقبولة لحقوق الإنسان العراقي.. وكذلك الحال في المجتمع والإعلام البريطانيين، حيث الرفض الكامل لما جرى وأعلن عنه..

إن إقرار هذه الحقائق، لا ينبغي أن يفهمه أحد على أنه دفاع عن مرتكبي هذه الأفعال اللاأخلاقية، ولكنه مقصود رصده لبيان عدة أمور سائدة في واقعنا العربي، كذلك لا يمكن السكوت عنها، ومنها:

1- شجاعة وجرأة الإعلام والإعلاميين العرب، إزاء أية انتهاكات وخروقات إزاء المواطن العربي من أية أطراف خارجية، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وهذا في حد ذاته أمر منطقي ووطني.. ولكن لماذا التجاهل الكامل والجبن الكامل إزاء نفس الخروقات والإنتهاكات، وما هو أفظع منها، عندما تقع -وهي واقعة فعلاً- من أنظمتهم العربية.. هل يجرؤ أي صحفي عربي ممن أدانوا الخروقات الأميركية في سجن أبو غريب أن يكتبوا كلمة واحدة عن الخروقات والتعديات الأخطر، التي تجري في سجون بلادهم، وهي أخطر وأبشع مما جرى في سجن أبو غريب !

2- هل نملك الجرأة على المقارنة بين إدانة أغلب قطاعات المجتمع الأميركي لما جرى في سجن أبو غريب، ورفض إتحاد البرلمانيين العرب في إجتماعهم العام الماضي في بيروت، إدانة المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد سقوط النظام العراقي.. والسؤال نفسه يوجه لغالبية الإعلاميين العرب: أين كانت جرأتكم هذه وشجاعتكم وغيرتكم هذه في زمن النظام العراقي السابق، وإنتهاكاته في العراق ذاتها، وفي الجارة الكويت، حقائق مؤكدة كان الإعلام الغربي يكتب عنها بنفس جرأته في إدانة ما حصل في سجن أبو غريب.. بينما الإعلاميون العرب في غالبيتهم إما مصفقون للنظام السابق أو ساكتون لا يعنيهم الأمر !

3- هل يملك حاكم عربي الجرأة على الإعتذار لشعبه إزاء الآف الجرائم التي ارتكبها غالبية أولئك الحكام العرب بحق شعوبهم، كما اعتذر الرئيس جورج دبليو بوش للشعب العراقي.. وهل يملك أي مسؤول عربي أقل من الرؤساء والحكام الجرأة على الإعتذار لشعوبهم، كما فعل رامسفيلد ورايس وغيرهما.. وهناك الكثير من الجرائم والمقابر التي سوف يتم إكتشافها في أكثر من عاصمة عربية.. وسجلات حقوق الإنسان في الأقطار العربية، يخجل المرء من نشرها والإعلان عنها، فهي مليئة بالإغتصابات الجنسية، والتعذيب بالكهرباء، وكل الأشكال الهمجية المهينة للإنسان !

إن هذا ليس تسويقاً للأميركان ولا دفاعاً عنهم.. ولكنه كشف لسكوتنا وجبننا إزاء ما هو محلي وسائد في بلادنا.. وهذا ما يقودنا من تخلف إلى آخر.. ومن موت إلى آخر أشد منه موتاً.. أين أخلاقنا هذه من ذلك الأعرابي الذي قال لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: “والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا هذه”، فإذا هذا الشعار الأخلاقي الثوري، يصبح عند غالبية إعلاميينا: “والله كلما عرفنا المزيد عن جرائمك، زاد ولعنا بك وتصفيقنا لك”.

عندما نملك الشجاعة إزاء ما ترتكبه أنظمتنا المحلية، نفس الشجاعة التي نبديها إزاء ما يرتكبه الأجانب بحقنا.. عندئذ تصلح أحوالنا.. ويختفي الظلم والظالمون !!

جريدة (شيحان) العدد 1022

15/مايو/2004      

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة