الموساد.. لماذا هو حلال في دمشق والقاهرة

وعمان والدوحة ونواكشوط وحرام في كركوك ؟

 

كثرت الأخبار في الأسابيع الماضية في مختلف الصحف والمجلات العربية، عن وجود خلايا للموساد الإسرائيلي في كركوك ومدن المناطق الكردية في شمال العراق، خاصة بعد التحقيق الذي نشره الصحفي الأميركي (سيمون هيرش)، فتعالت صيحات العرب، تندب حظ هذه الأمة، وتنتقد الأكراد بالجملة، شعباً وقيادات.. وهذه مسألة طبيعية، فأي إنسان وطني يرفض وجود الموساد في أية مدينة عربية، لأن وجوده سيكون حتماً للتخريب.. وبالتالي فإن إدانة وجوده أينما كان في الأقطار العربية مسألة أخلاقية، واجبة وضرورية، وأنا أدينه علناً وصراحة وبالصوت العالي، وعلى هامش هذه الإدانة، لا بدّ من التأشير على الخلل الأخلاقي لدى قطاع واسع من الكتاب والصحفيين العرب، فهم ينتفضون شرفاً وكبرياءاً إزاء كل ما ترتكبه الدول الغربية وإسرائيل، ويسكتون جبناً وخوفاً على كل ما ترتكبه أنظمتهم الديكتاتورية المتسلطة، رغم أنه أكثر وحشية ودموية، والمثال الحي في الأذهان هو صراخهم وعويلهم على التجاوزات التي حدثت في سجن أبو غريب، وهي تجاوزات تعتبر لا شيء قياساً بما يحدث في سجون بلادهم، دون أن يجرؤوا على ذكرها مجرد ذكر.. فمن من الصحفيين السوريين الذين تعالت صيحاتهم إزاء ما حدث في سجن أبو غريب، يجرؤ على قول كلمة واحدة إزاء المقابر الجماعية في (حماة)، أو إزاء آلاف المعتقلين السياسيين، الذين لم يكثر الحديث عنهم في الصحافة العالمية، إلا بعد سقوط طاغية العراق المجرم صدام حسين.

ومَن مِن الصحفيين الليبيين يجرؤ على كتابة كلمة حول مجزرة سجن أبو سويلم التي قتل فيها الأمن القذافي ما لا يقل عن ألف وثمانمائة معتقل في يوم واحد.. ونفس التساؤل يوجه لكافة الكتاب والصحفيين العرب، العاربة والمستعربة..

ونفس القياس الخاص بهذا الخلل الأخلاقي، ينطبق على موقفهم الخاص بفرضية وجود الموساد في كركوك.. أين جرأتكم وإحساسكم بالشرف العربي والكرامة العربية من وجود الموساد في عواصم أغلب أقطاركم، وهو موجود علناً في الأقطار العربية التي تقيم علاقات مع دولة إسرائيل والتي لا تقيمها علناً وتنسجها سراً.. ولكنها علاقات علنية كما هو معروف للجميع..

ألا يوجد الموساد علناً في السفارة الإسرائيلية في القاهرة ؟ ألم يتم إعتقال واحد من عملاء الموساد في القاهرة قبل سنوات، وكم منهم ما زال حراً طليقاً يمارس التجسس.. أين كانت حناجركم ؟ لماذا لم نسمع كلمة واحدة لكم، تلومون فيها الحكومة المصرية ؟

ألا يوجد الموساد في دمشق قلب العروبة النابض ؟ ألم يكد الرفيق (كوهين) عام 1967، أن يصل إلى منصب عال في وزارة الدفاع ؟ ألم يكن مصطفى طلاس رئيس الأركان آنذاك يصطحبه في كل جولاته العسكرية في الجولان وغيرها.. من منكم كتب كلمة واحدة ضد ضباط وجنرالات ورؤوساء عرب، وللعلم فإن مخابرات الإتحاد السوفييتي آنذاك هي التي كشفت (كوهين)، ولولا إصرار السوفييت لما تمّ إعدامه.. ألا يوجد الموساد في عمان في السفارة الإسرائيلية، وحاول عام 1998 علناً إغتيال (خالد مشعل)؟؟ وألا يوجد الموساد في الدوحة بقطر في المكتب التجاري الإسرائيلي إسماً وهو سفارة كاملة ويقوم بكل أعمال السفارة، بما فيها إصدار تأشيرات الدخول إلى تل أبيب.. فلماذا لا تتحدث عن هذا قناة الجزيرة وصحفييها ومقدمي برامجها، وهم الذين قطعوا قلوبنا وهم يبكون بسبب وجود الموساد في كركوك.. هذا النفاق.. وهذا الخلل الأخلاقي.. يجعلنا نسأل هؤلاء:

لماذا الموساد حلال وشرعي في عواصمكم.. وحرام في كركوك ؟ أم أن “موساد” عن “موساد” بيفرق ؟؟ عندما نمتلك الجرأة والشجاعة لإدانة جرائم وتجاوزات أنظمتنا المحلية بنفس جرأتنا في نقد جرائم الإحتلال، نكون فعلاً قد بدأنا ممارسة دورنا ورسالتنا نحو جماهيرنا وشعوبنا التي ذاقت من ظلم أنظمتها ما لا يقل عن ظلم الإحتلال.

جريدة (إيلاف) الالكترونية

5/يوليو/2004      

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة