![]() |
إنطباعات زائر إلى العراق بعد
عام على سقوط النظام
أن تفكر في
زيارة بغداد هذه الأيام، عند غالبية الأصدقاء، هذه مغامرة لا تحمد عقباها، أو كمن
يذهب للموت بمحض إرادته، وعلى من يفكر في ذلك، أن يكتب وصيته قبل سفره، كما قال
أحد الأصدقاء الذين رفضوا الفكرة من أساسها، أو المشاركة فيها.. ورغم كل هذه
المحاذير، وبتنسيق من المعهد الاسكندنافي لنشر مفاهيم الديمقراطية، وعدة أحزاب
ومنظمات عراقية، منها (منظمة حقوق الإنسان في العراق) التي يدير أعمالها المحامي
العراقي المعروف سالم المندلاوي، قمت في الفترة من العشرين وحتى الخامس والعشرين
من آذار/مارس لعام 2004، بزيارة العراق، مع وفد صحفي تم تشكيله مني، ومن الصحفية
الفلسطينية خولة إبراهيم والصحفي العراقي محيي المسعودي، وفريق أمني مصاحبة للوفد،
حيث تم التخطيط المسبق للزيارة، عبر شبكة من الأصدقاء وشركات الحماية، التي تنصحك
أولاً بأهمية اختيار الأشخاص والجهات التي ستعرف مسبقاً قدومك وخطة عملك وتنقلاتك
داخل العراق.. وكان الهدف من هذه الرحلة، الاطلاع على أوضاع العراق، بعد عام من
إسقاط نظام الديكتاتور صدام، الذي طغى وتجبر وفسق، أربعة وثلاثين عاماً، ضد شعبه
وجيرانه العرب والمسلمين.. وفي الوقت ذاته توزيع طبعة ثانية من كتابي (سقوط
ديكتاتور) مقدارها خمسة آلاف نسخة، مجاناً على الأحزاب والمنظمات والمكتبات
والجامعات والاتحادات العراقية..
تجمع الوفد
الصحفي في مجمع رغدان بالعاصمة الأردنية (عمان)، ومعه فريق الحماية الأمني،
والسائق العراقي (عباس - أبو أحمد). وصلت الشاحنة التي تقل كمية الكتاب من الحدود
اللبنانية، وأشرف (أبو أحمد) على تحميلها في شاحنة عراقية صغيرة، وبعد أن أنهى
التحميل، إكتشف أن الشاحنة صغيرة، ولا يمكنها التحرك بهذه الكمية من الكتاب التي
تصل إلى حدود ألفي كيلو وزنا.. نظر (عباس) نحوي، وقال: دكتور.. لا بد من نقلها في
(مُنشأة) !.. ضحكت طويلاً، حتى فهمت منه أن (مُنشأة) في العرف العراقي المتداول
تعني (الباص) أو (حافلة نقل الركاب).. وفعلاً تولى الفريق الأمني المصاحب تأمين
(مُنشأة)، معروف سائقها وارتباطاته، وتم نقل كراتين الكتب الخمسين، إلى مخازن
الحافلة، وبعض الكراتين، فوق كراسيها..
تحركت المنشأة
أولاً، والسيارة التي تقل وفدنا الصحفي خلفها، وأمام الجميع، سيارة الوفد الأمني
المسلح، وخلفنا سيارة حماية أخرى.. وصلنا الحدود الأردنية ليلاً حوالي الثانية عشر
ليلاً.. لم تستغرق إجراءات الجوازات أكثر من عشرين دقيقة، وكذلك إجراءات التخليص
على الكتب، وانطلقت سياراتنا في موكب نحو (طريبيل) نقطة الحدود العراقية.. وصلناها
حوالي الواحدة ليلاً.. وأول من طالعنا هو وجه مجندة أمريكية، تحمل رشاشها، وتبتسم
للقادمين.. ومن خلفها الشرطة العراقية، وجنود المارينز الأمريكان.. أيضاً لم تأخذ إجراءات الحدود والجوازات
العراقية أكثر من عشرين دقيقة، خاصةً بعد أن عرف الموظفون أننا نحمل خمسة آلاف
نسخة من كتاب إسمه (سقوط ديكتاتور) وسوف نوزعه مجاناً في عموم أنحاء العراق..
حوالي الساعة
الثانية فجراً، إنطلقت سياراتنا داخل الحدود العراقية، وحوالي الثالثة والنصف قال
سائقنا العراقي (عباس): دكتور.. ما عندي بنزين كافي.. لماذا لا تحتاط لذلك يا عباس
؟.. قال: أكو محطتين مررنا عليها لكنها مقفلة.. وما العمل يا عباس ؟ قال ببرودة
أعصاب: نتوقف على يمين الشارع وتتوقف معنا سيارة المنشأة، والحماية إلى أن نجد
حلاً.. قلبت الفكرة في عقلي، وعرفت لماذا يسمي العراقيون أبناءهم (كاظم) لأنه في
الحياة العراقية، مطلوب منك أن تتعلم (كظم الغيظ)، ولم أستطع.. وناقشت عباس بغضب
فما كان من الصحفي العراقي محيي المسعودي إلا أن قال: دكتور.. شو بك.. شو هالمشكلة
؟ وتطلعت خولة إبراهيم في وجهي، وكأنها تقول: يا أبا العباس.. وين حمايتك..
خفّف عباس من
سرعة السيارة على إعتبار أن استهلاك البنزين يقل، وبعد ساعة ونصف من القيادة وصلنا
إلى محطة بنزين تسمى (الكيلو مئة وسبعين).. عبأ عباس خزان سيارته بالنفط.. وقلت
له: و”تعبي جيوبك كمان يا عباس”. في هذه المحطة، تنظر جميع السيارات شروق الشمس،
كي تنطلق في قوافل وبسرعة عالية، وغالباً بمصاحبة سيارات الشرطة العراقية، ومركبات
المارينز الأمريكان.. في نقطة معينة، يصدر مسؤول الحماية الأمنية اشارته المتفق
عليها، بزيادة السرعة لقطع مسافة سبعين كيلو متر محاذية لمدينتي الرمادي والفلوجة
بسرعة، ففي هذه المنطقة الصحراوية الخالية من أية مظاهر للحياة والحركة، تنتشر
عصابات اللصوص وقطاع الطرق..
قطعنا المنطقة
اللصوصية، وبعد ساعة ونصف، كان على يسارنا محاذياً للشارع العام، سجن أبو غريب،
الذي لقي فيه عشرات الآلاف من العراقيين حتفهم، على يد أزلام الديكتاتور البائد..
توقفنا بمحاذاة الشارع، والتقطنا صوراً للسجن، لتضمينها كتابنا القادم (فلسطينيون
في سجون صدام) خاصة وأن بعض السجناء الفلسطينيين الذين رووا تجاربهم المريرة في
هذا الكتاب، كانوا من نزلاء هذا السجن.. وصلنا العاصمة العراقية بغداد، حوالي
الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، وتوجهنا إلى مقر الاقامة الذي تم الاتفاق عليه
مع منظمة حقوق الإنسان في العراق، وهو مكان في منزل خاص، كي نتجنب الفنادق التي
يستهدفها الرصاص والصواريخ أحياناً.. وبعد راحة حوالي ساعتين، بدأنا التجوال في
شوارع بغداد، لإيصال كميات من كتاب (سقوط ديكتاتور) للمكتبات والمراكز العراقية
المتفق عليها.. الحركة في الشوارع مزدحمة، لكنها هادئة أمنياً، وما دمت دخلت في
معمعة الشوارع، يزول عنك الخوف، وتصبح واحداً من الآلاف الذين يتحركون مشاة
ومحمولين ويلفت انتباهك مسألتان:
1- العدد
الهائل للسيارات المستوردة، وهذا يعطيك الانطباع عن الحرية المتاحة بعد سقوط
الطاغية.
2- الآف
الشعارات واللافتات التي تغطي شوارع العاصمة.. لافتات تعبر عن أفكار اليسار
واليمين والوسط وكافة طوائف المسلمين سنة وشيعة ووهابيين.. وغيرهم.. وهذا يعبر بوضوح
عن حجم النافذة التي فتحت للتعبير عن الرأي، بعد أن كان الشعار الوحيد المسموح
رفعه في زمن الطاغية (بالروح.. بالدم.. نفديك يا صدام)، وكلنا شاهدنا وعشنا وعرفنا
أنه عند وصول (البسطار) الأمريكي مشارف العاصمة في التاسع من نيسان/ابريل من عام
2003، رمى الجميع سلاحهم ولم يدافعوا عن المجرم الذي جمعهم حوله بالبطش والموت
وقطع الآذان والأنوف.. وكان معهم كل الحق، فقد تساءلوا: لماذا نطلق الرصاص.. عمّن
ندافع ؟ عن المجرم الذي قتل من آل الحكيم وحدهم مائة وخمسة وعشرين رجلاً من رجال
الدين، العديد منهم يحمل صفة (آية الله) !
عدنا مساءاً
إلى محل اقامة الوفد كي نلتقي المحامي الاستاذ سالم المندلاوي، وبعض أصدقائه، وبعض
مسؤولي منظمة حقوق الانسان في العراق.
وفي الأيام
الأربعة التالية زار وفدنا عشرات المراكز والجمعيات العراقية، ليوزع عليها الكتاب
بمئات النسخ مجاناً، والكل في دهشة أنه من ضمن الوفد فلسطينيان، هما مؤلف الكتاب
الدكتور أحمد أبو مطر، والصحفية الفلسطينية خولة إبراهيم.. ما السبب في الدهشة هذه
؟
هناك قطاعات
واسعة من العراقيين، يتبنون فكرة أن القيادات الفلسطينية، وغالبية كوادر التنظيمات
الفلسطينية التي كانت مقيمة في بغداد، كانوا يتعاونون مع أجهزة الديكتاتور،
وينفذون تعليماته ضد المعارضين العراقيين وبوحشية.. وهناك قرارات وتوجهات أخذها
الديكتاتور رغم أنف العراقيين، مثل إجبارهم على تأجير شققهم للمواطنين
الفلسطينيين، بأجور أقل بكثير من سعر السوق، فما أن رحل الطاغية حتى استعاد هؤلاء
شققهم لأن ساكنيها الفلسطينيين عاجزون عن دفع أجرة السوق المتداولة، وفي بعض
الحالات طالبوا بدفع أجرة السوق، بأثر رجعي، ربما يعود إلى عشرين سنة، وهذا ليس
بمقدور المواطن العادي.. وتمتلئ الصحف العراقية بقصص عن هذه التجاوزات، خاصة من
أبو العباس وجماعته.
- كيف هو
الوضع.. في العاصمة بغداد ؟
في ساعات
النهار الحركة عادية رغم الازدحام الشديد.. لكن عليك أن تتجنب مناطق معينة وسط
العاصمة كساحة الفردوس، حيث الفنادق الكبيرة، التي يستهدفها الرصاص في الغالب..
والسؤال المنطقي هو: ما هي نوعية هذا الرصاص وهويته، ومن هم وراءه ؟.. هل ما هو
سائد (مقاومة عراقية) ضد الوجود الأمريكي ؟
هذا السؤال
سألناه للعديد من القيادات السياسية التي زرناها، والعديد من الزملاء رؤساء
التحرير والصحفيين، والكل يجيبك تخميناً وتحليلاً، وليس معلومات مؤكدة، لكن قطاعات
واسعة من الحزبيين والصحفيين والذين يعارضون الوجود الأمريكي، يسألون السؤال
المنطقي: أية مقاومة عراقية التي تستهدف منظمة الصليب الأحمر ومقر هيئة الأمم
المتحدة، وتقتل الشرطة ورجال المرور العراقيين، وتدمر مقرات أمنية عراقية، وتنسف
فندقاً من الدرجة الثالثة كفندق (جبل لبنان)، حيث كل نزلائه من العراقيين والعرب
العاديين.. أية مقاومة عراقية هذه التي قتلت عشرات الأمريكان والآف العراقيين ؟!
لذلك فهناك في الشارع العراقي، غالبية صامته، لا توافق ولا تؤيد هذه الأعمال، التي
لا يكاد يختلف الكثيرون على عدم معرفتهم هوية هؤلاء الذين يطلقون الرصاص..
وكمثال..
فبالقرب من منطقة اقامة وفدنا الصحفي، تم تفجير مسجد وحسينية شيعية، ما زال تحت
الإنشاء.. وبعد يومين، تم اغتيال طبيب عراقي معروف هو الدكتور حازم العاني، أجمع
كل من تحدثنا معهم على إنسانيته ووطنيته ومساعداته للجميع.. لذلك امتلأت شوارع حي
(الغزالية) باللافتات التي تقول: (سكان الغزالية.. سنة وشيعة.. يدينون العمل
الجبان الغادر باغتيال الدكتور حازم العاني)..
- ما العمل..
ازاء الوضع القائم في العراق ؟ ومن هو المسؤول عن هذا الفلتان الأمني والتخبط
السياسي ممثلاً في مجلس الحكم المحلي الذي لا يحظى العديد من أعضائه بالاحترام والثقة
؟..
- هناك أصوات
عراقية تنادي بمقاومة الوجود الأمريكي، الذي أخذ صفة الاحتلال، حسب توصيات واعتراف
الامم المتحدة، وترى أن هذا الاحتلال، يهدف إلى السيطرة على ثروة النفط العراقية !
ويوجد من يرد على ذلك بالقول: ومتى كانت ثروة النفط العراقية، حتى في زمن الطاغية
صدام، ليست تحت سيطرة الشركات الغربية والأمريكية، فالنفط في كل الاقطار العربية،
تتحكم فيه الشركات المنتجة والدول المشترية، وهي الأوروبية والامريكية.. ومهما أخذ
الامريكيون من نفط العراق كإمتيازات، فسيكون محكوماً بشروط السوق العالمية، فقد
ولى منذ عقود عهد سرقة ثروات الشعوب المحتلَّة.. وهنا لا بد من تذكر المليارات
التي انفقها الطاغية المنهار على ملذاته ومفاسده وقصوره، على حساب شقاء العراقيين،
متعللاً بالحصار بعد طرده ذليلاً من الكويت، ذلك العمل اللاأخلاقي بكل المقايس !
- وهناك
عراقيون، يستعملون المنطق والعقل، ويقولون بضرورة التعامل المصلحي (البراغماتي) مع
الإحتلال الأمريكي، ضمن الأجندة المتفق عليها حول موضوع تسليم السلطة للعراقيين،
واقرار الدستور العراقي، الذي ما زال موضوع خلاف وصدام بين فئات الشعب العراقي..
بعض هذه الاصوات، تُذكِّر بتجربة الشعب الياباني عقب الإحتلال الأمريكي لليابان
واستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية.. في ذلك الوقت، لم يطلق اليابانيون
رصاصة واحدة على الجيش الأمريكي، وركزوا كل طاقاتهم على دراسة إحتياجات وطنهم..
كان بول بريمر
اليابان آنذاك إسمه الجنرال ماك آرثر، وحتى الآن في غالبية الأدبيات اليابانية،
يكنّون الإحترام والتقدير لذلك الجنرال، الذي كان هو وإدارته الأمريكية سبب انطلاق
اليابان نحو العلم والتقنية والصناعة.. أول قرار إتخذه الحنرال ماك آرثر هو طلبه
من الإمبراطور الياباني هيرو هيتو، أن يعلن للشعب الياباني أنه مواطن عادي وليس مبعوثاً
للعناية الإلهية.. وكان ذلك، لتصبح محاسبة أي مسؤول في اليابان حتى لو كان الملك
مسألة ممارسة سياسية، لا يستطيع أحد تجاوزها.. ثم كان النظر في البرامج التعليمية
اليابانية، الذي قام به خبراء يابانيون بمساعدة مستشارين أمريكان، فتم وضع البرامج
التعليمية والتربوية، التي جعلت اليابان بعد سنوات قليلة تعمل على مساعدة أمريكا
في مراجعة برامجها التعليمية، علماً أن اليابان، دخلت كعضو كامل العضوية في هيئة
الأمم المتحدة عام 1956، في حين أن هناك حوالي سبع دول عربية من مؤسسي المنظمة
الدولية.. وأنظر الآن.. أين العرب ؟ وأين اليابان ؟!
إن أصحاب هذه
الدعوات، لا يبررون ولا يدْعون لبقاء الوجود الأمريكي، ولكنهم يفكرون بطريقة
مصلحية (براغماتية)، حول كيفية الإستفادة من هذا الوجود لتحقيق المصلحة العراقية،
وهم يرون أن هذا ممكن، إذا اتفق العراقيون بكافة فئات وطوائف نسيج مجتمعهم، حول
برمجة خروج الأمريكان حسب الأجندة المعلنة، وعبر إعطاء دور أكبر للأمم المتحدة في
مسألة نقل السلطة إلى العراقيين.
كإنطباع عام،
لزيارة مثيرة، تكوّن لدي الإحساس بأن الكرة في الملعب العراقي، لأن الإتفاق على
أجندة عراقية موحدة، واضحة المعالم من شأنه أن يُجبر ويعجل الخروج الأمريكي، وإن
كان هذا بعد ضمان المصالح الأمريكية، وأية دولة عربية لا تحرص على ضمان هذه
المصالح، فهاهو العقيد القذافي، يطلب عودة الوجود الأمريكي العسكري إلى جماهيريته،
وكان مقصوداً قبل أسبوعين، إستقبال المبعوث الأمريكي وليم بيرنز في قاعدة (ويلز) الأمريكية
السابقة في طرابلس..
ولكن هل إتفاق
العراقيين على هذه الأجندة الواضحة هو أمر سهل ؟
عبر هذه
الزيارة، وما تم فيها من لقاءات، أعتقد أن هذا ليس سهلاً. ففي الوقت الذي يعتقد
غالبية سكان العالم المطلقة، بأن الديمقراطية والإنتخابات الحرة المباشرة، هي
الحل.. هناك عراقيون يرفضون هذه الإنتخابات، لأنها عندهم تعني سيطرة الشيعة الذين
يشكلون حوالي خمسة وستين في المائة من سكان العراق.. وفي الوقت ذاته، فالشيعة معهم
الحق في التمسك بحرية الإنتخابات.. فكيف يُـحّل هذا الإشكال ؟
من هنا.. ومن
هذه النقطة، وللتهدئة، كانت تصريحات آية الله السيستاني الأخيرة، حول ضرورة الكف
عن إعتبار نظام الديكتاتور صدام
حسين، على أنه كان (نظاماً سنياً) فهذا المجرم قتل السنة والشيعة، وإن كان ضحاياه
من الشيعة والأكراد، هم الغالبية !
لا أحد يقبل
الإحتلال.. ولا يستطيع أي وطني أن يُنظِّر للإحتلال، لكنه في الحالة العراقية، لا
بد من دراسة خصوصياتها فمجرد الإطاحة بنظام الديكتاتور البائد، وإعتقاله، خدمة
كبرى للشعب العراقي، والشعوب العربية التي فرّق صفوفها، وإحتل بعضها كما فعل مع
الشعب الكويتي عام 1990، وفي هذا السياق هناك غضب عارم في صفوف الشعب العراقي على
المصفقين لذلك المجرم، وتمتلئ الصحف والمجلات العراقية، التي تزيد على مائتي صحيفة
ومجلة، بالهجوم الشديد والقاسي على مشهدين:
الأول: نقابة
المحامين الأردنيين التي تعلن بشكل دائم عن تطوع سبعمائة محام أردني للدفاع عن
المجرم صدام. مواطن عراقي قال لي في سوق الكرادة: قول للمحامين (....) وأطلق شتيمة
قذرة لو كان إللي قتلهم المجرم من شعبهم.. ولو كان إللي اغتصبهن عدي وقصي من
زوجاتهم وأخواتهم هل كانوا يدافعون عنه ؟!
الثاني:
المظاهرات التي سارت في بعض الشوارع العربية، عند إعتقال المجرم في الثالث عشر من
ديسمبر/كانو أول من عام 2003، تهتف لنصرته، وأن المتظاهرين يعدون بإكمال مشواره..
العراقيون يسألون أولئك الممتظاهرين: أي مشوار للمجرم صدام سوف يكملونه ؟
- مشوار ضرب
حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية ؟
- أم مشوار
المقابر الجماعية ؟
- أم مشوار
قتل الآف من رجال الدين ومرجعياته ؟
- أم مشوار
إحتلال دولة الكويت العربية ؟ وتخريب منشآتها النفطية ؟ وقتل مئات من أسراها ؟
نعم.. كانت
زيارتي والوفد الصحفي المرافق، زيارة مثيرة.. مليئة بالإحباطات والآمال.. لكن أجمل
ما فيها رغم كل صعوباتها، أنها تجيء بعد عام من زوال نظام الطاغية البائد.. ولا بد
من الجهر والإعتراف أن نجاح هذه الزيارة، خاصة توزيع كتاب (سقوط ديكتاتور) مجاناً
لعشرات الهيئات والمراكز والجامعات والأحزاب العراقية، يعود الفضل الأساسي فيه إلى
خدمات وتسهيلات (منظمة حقوق الإنسان في العراق) برئاسة المحامي المعروف عربياً
وعراقياً الأستاذ سالم المندلاوي.. أما دور الصحفية الفلسطينية خولة إبراهيم في
ترتيب وتنسيق العديد من أوجه الزيارة، فلا يمكن نسيانه.. فهي نموذج العمل الدؤوب
المدروس الشجاع..
عدت ومن معي
من العراق فجر يوم الجمعة السادس والعشرين من آذار/مارس، والجميع غير مصدقين..
- هل عدتم أحياءاً
؟
نجيبهم: نعم..
والديكتاتور قد زال، وهو في زنزانته ينتظر المحاكمة، التي سيكون وفدنا أول من
يسافر لحضورها وتغطيتها !
جريد (شيحان)
العدد 1017
10-16/نيسان/2004