![]() |
الصليب الأحمر
الدولي، هو الجهة الدولية المعنية في زمن السلم والحرب، بعمليات الإسعاف والإنقاذ
وتقديم المساعدات للأفراد والمناطق المنكوبة طبيعياً، أو بسبب الحروب وما تخلفه من
مجاعات وتشريد وأوبئة، ويدخل ضمن نطاق عمله، المسؤولية عن الأسرى والمعتقلين، وفور
وقوع ديكتاتور العراق السابق صدام حسين في الأسر صباح الثالث عشر من ديسمبر/كانون
أول من العام الماضي.. سارعت أجهزة الصليب الأحمر الدولي إلى الإتصال بقوات
التحالف في العراق، لترتيب زيارته في معتقله، للإطمئنان على صحته وأوضاعه.. وقد
بذلت هذه الأجهزة إهتماماً ملحوظاً، ومتابعة دؤوبة لهذا الموضوع، حتى تمكنت فعلاً
من زيارته في الأسبوع الثاني من شهر شباط/فبراير الماضي، وأعلن الفريق الدولي الذي
زاره، أن صحته جيدة ويعامل معاملة أسرى الحرب، وقد حمل الوفد الدولي رسالة من
الديكتاتور إلى عائلته، طبعاً دون أن يذكر إلى أية زوجة من زوجاته الأربع هذه
الرسالة، أم أنها لبناته..
هذا العمل
الذي قام به الصليب الأحمر الدولي، عمل إنساني يدخل ضمن نطاق عمله، وحسب
الإتفاقيات الدولية التي تنظم عمله.. ولا اعتراض لأي إنسان تهمه إنسانية البشر على
هذه الزيارة.. لكن هذه الزيارة تستدعي إنسانياً سؤالاً مهماً موازياً وهو:
أين كان
الصليب الأحمر الدولي طوال أربع وثلاثين عاماً من حكم الطاغية صدام، ولماذا لم
يسأل عن ضحايا جرائمه، وهم بمئات الآلآف، وكانت روائح دمها تعبق في كل الآفاق..
خاصة ضحايا قصفه الكيماوي لمدينة حلبجة الكردية.. على الأقل لماذا لم يحتج الصليب
الأحمر الدولي على قتله البشع لزوجي إبنتيه حسين كامل وشقيقه، بعد أن أعطاهم
الأمان والوعود.. والأسرى الكويتيون الذين لا يقلون عن سبعمائة إنسان.. لماذا لم
يتابع الصليب الأحمر قضيتهم، ويرفع صوته عالياً لفضح الديكتاتور، ليثبت بعد سقوط
نظامه، أنه قتلهم جميعاً.. الكيل بمكيالين وإزدواجية المقاييس، ليست مقصورة على
الصليب الأحمر، فها هم المحامون العرب في غالبيتهم سكتوا على جرائم الطاغية،
وكأنها تحدث في كوكب آخر، وما أن سقط في الأسر والإعتقال، حتى سرى الدم في عروقهم،
وتذكروا مهامهم الإنسانية، فإذا هم يتدافعون لحمايته والدفاع عنه، وتأمين معاملة
أفضل له.. وفقط في الأردن سبعمائة محام، سجلوا أسماءهم متطوعين للدفاع عنه.. هذا
عمل جيد وطبيعي، ولكن لماذا لا يتذكر هؤلاء المحامون ضحايا هذا الديكتاتور وهم بمئات
الالآف.. أما اللجنة القانونية لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية،
فحدِّث ولا حرج.. ففي إجتماعاتها قبل ثلاثة أسابيع، تذكرت جرائم الطاغية، وأعلنت
إستنكارها لهذه الجرائم.. فقط قبل ثلاثة أسابيع فأين كانت هذه اللجنة طوال ما يزيد
على ثلاثين عاماً.. هل يسمح لنا “غوار الطوشة” لنقول لها: صح النوم..
في كل
المناسبات، نتهم العالم الأجنبي، والدول الأوروبية والأميركية، بأنها تكيل
بمكيالين، خاصة في تعاملها المزدوج مع أو فيما يتعلق بإسرائيل.. فلماذا نلوم
الآخرين، ونحن أسياد من يتعامل بمكيالين وثلاثة.. ليس على مستوى الافراد فقط، ولكن
المؤسسات والنقابات والأحزاب والتجمعات السياسية.. وعلى ذكر اللجنة الحقوقية
لجامعة الدول العربية، فهي ساكتة الآن، وصماء لا تسمع صرخات المظلومين وإنتهاكات
حقوق الإنسان، في عواصم عربية عديدة.. وفي المستقبل عند سقوط بعض هذه الأنظمة، سوف
نسمع إدانة هذه اللجنة وغيرها، لهذه الإنتهاكات والمظالم !
جريدة
(شيحان)، العدد 1012
6-12/آذار/2004