سقوط صدام نهاية مرحلة.. ويقظة ضمائر !

 

سقط نظام صدام حسين في التاسع من ابريل/نيسان من العام 2003، عندما دخلت دبابات العلوج الأمريكان ومدرعاتهم، العاصمة بغداد، وسط مظهرين:

الأول: فرحة غامرة للشعب العراقي، تمثلت في التجمهر حول تمثاله الضخم في ساحة الفردوس، وربطه بالحبال، وسحبه إلى الأرض، مستعينين بالشواكيش والمطارق، والجنود الأمريكان الذين ربطوا رأس التمثال بحبال سحبتها الدبابات الأمريكية، معلنة سقوط النظام وتمثال رمزه !

الثاني: عدم مواجهة القوات الأمريكية بأي نوع من المقاومة من قبل قوات النظام الصدامي، التي كانت حسب أقوال صدام نفسه:

- قوات الحرس الجمهوري حوالي أربعمائة الف جندي.

- الجيش النظامي حوالي مليون وربع المليون جندي.

- فدائيو صدام حوالي ربع مليون فدائي.

- جيش القدس حوالي خمسة ملايين مجاهد.

بالإضافة إلى أنواع متعددة من الأسلحة التقليدية والحديثة، التي ورثها العراق من حربه الضروس ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمدة ثماني سنوات، وقد كثرت التحليلات والتفسيرات حول عدم مواجهة القوات الأمريكية بأي نوع من المقاومة، مركزة على ما يمكن أن يكون (خيانة) ما، إلاّ أن هذا التفسير عاجز وقاصر، لأن الخيانة ممكنة في قطاع من القطاعات العسكرية، أو لدى قائد من القيادات، ولكن أن تشمل الخيانة كل الجيوش التي سبق ذكرها، فهذا مستحيل.. لذلك فإن التفسير الوحيد يكمن في التساؤل المعبر:

- صمود جنين.. لماذا ؟

- استسلام بغداد.. كيف ؟

لقد صمدت جنين ومخيمها أمام الآلة العسكرية الشارونية طوال ما يقارب عشرين يوماً، مستعصية بإباء وكرامة، مكبِّدةً القوات الإسرائيلية خسائر فادحة، مقارنة بإمكانيات جنين المعدومة، إزاء إمكانيات صدام العسكرية، وذلك لأن شعب جنين كان يدافع عن كرامته ومستقبله وشرفه الوطني.. أما في حالة صدام، فقد جمع حوله وحول نظامه الجيوش المذكورة، بالقوة والقمع والخوف، وقطع الآذان والألسن لمن يرفض الخدمة في هذه القوات التي إستعملها في حربين ظالمتين، دون سند وطني أو أخلاقي لهما، هما حربه ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ثم حرب غزوه وإحتلاله لدولة الكويت، وكلا الحربين لا مصلحة للشعب العراقي، ولا جيوشه المذكورة فيهما، ورغم ذلك تكبدت هذه القوات والجيوش ما لا يقل عن مليونين من القتلى والجرحى والأسرى والمعوقين.. واستمر حشد هذه الجيوش حول صدام ونظامه بالخوف والقتل والقمع، لذلك ما أن وصلت طلائع العلوج الأمريكان، حتى تحررت هذه الجيوش من الخوف والقمع، وسألت السؤال الوحيد: لماذا نقاتل ؟ ندافع عن من ؟ عن الخوف والموت، أم عن الإغتيالات الفردية والجماعية ؟ أم عن ضرب مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي عام 1986، أم عن مئات الآلاف من القتلى والمفقودين ؟ أم عن فساد إبنيه عدي وقصي ؟ لذلك رمى الجميع أسلحتهم، وعادوا إلى منازلهم سالمين، فلا يوجد حافز إنساني ووطني يدفعهم للصمود والمقاومة، كما توفر هذا الحافز في مدينة جنين ومخيمها.. والدليل الدامغ على ذلك، هو الشكل الذي تم إعتقال صدام فيه، في مسقط رأسه تكريت، في جحر أشبه بجحور الفئران، وهذا يعني أنه لم يأمن لأحد من أبناء مدينته ومسقط رأسه، لأنه أدرك بعد فوات الأوان، أنه ليس هناك من لديه الرغبة في حمايته والدفاع عنه.. وهذه حالة إنسانية، سبق للكاتب السوري محمد الماغوط، أن عالجها في مسرحيته (ضيعة تشرين)، عندما جاء العمدة (المختار) وأخبر سكان الضيعة، أن (الضبع استولى على البستان)، كناية عن إحتلال إسرائيل للجولان، وطلب من السكان الإستعداد للدفاع عن البستان فتصدى له مواطن (كان دريد لحام على خشبة المسرح) سائلاً:

سيدي المختار.. ندافع عن ماذا ؟ عن سجون البستان.. أم عن معتقلاته ؟ أم عن فساده.. سيدي هيك بستان ما بدي اياه.. صحتين على قلبك يا ضبع ! وهذا ما تكرر في بستان جديد إسمه (بغداد) مع ضبع جديد اسمه (العلوج الأمريكان).

ردود الفعل على الإعتقال

كانت ردود الفعل على إعتقال صدام حسين، في أغلبها مفعمة بالفرح والسرور والبهجة، خاصة غالبية الشارع العراقي، الذي خبر صدام وعرفه ميدانياً طوال خمسة وثلاثين عاماً.. ولا بد من الإشارة إلى مجموعة من ردود الفعل المميزة، التي تعاطفت مع صدام، خاصة أقلية جداً، في الشارع المصري والأردني وشوارع قطاع غزة.. والتعبير عن مشاعر البشر حق لهم، لا يستطيع أحد قمعه ومصادرته، ولكن ما يجب التأشير عليه، هو تلك المظاهرة التي سارت في شوارع قطاع غزة، رافعة صور صدام، حارقة الأعلام الأمريكية، مرددة هتاف: “صدام.. صدام يا مغوار.. إحنا بنكمل المشوار”، والمهم هو التساؤل، أي مشوار الذي سوف تكمله هذه المظاهرة ؟ رغم ملاحظة إقتصارها على مجموعة من الصبية والشبان، وبعض الكبار الذين يمكن التأشير على إنتمائهم التنظيمي.. أي مشوار لصدام، سوف يكمله المشاركون في هذه المظاهرة:

- مشوار الحرب ضد الجارة المسلمة إيران ؟

- أم مشوار غزو وإحتلال الجارة العربية الكويت ؟

- أم مشوار ضرب المدينة الكردية حلبجة بالسلاح الكيماوي ؟

- أم مشوار بداية عهده عام 1979، بإعدام أربعة وعشرين من رفاقه أعضاء القيادة القطرية، بتهمة التآمر مع النظام البعثي السوري ؟

- أم مشوار تطليقه سميرة الشهبندر من زوجها، لتصبح زوجته الرابعة ؟

- أم مشوار تسلط ولديه عدي وقصي على كافة وزارات الدولة ومؤسساتها، بما فيها الأمن والجيش ؟

يستطيع المراقب الموضوعي تقدير مشاعر المتظاهرين في قطاع غزة، لكن سنوات الاحتلال الإسرائيلي التي تزيد عن نصف قرن، ينبغي أن تزود هؤلاء المتظاهرين بالقدرة على التمييز بين دعمهم اللفظي الخطابي المتمثل في شعار صدام (عاشت فلسطين حرة أبية)، وحفنة من الدولارات في السنوات الأخيرة لأسر بعض الشهداء، ووكلاء صدام يسرقون مئات أضعافها.. وبين توازنات السياسة العالمية، فدعمهم لهذا النوع من الحكام المستبدين، الذين مارسوا إحتلال دولة عربية، يفقدهم العديد من الأصدقاء الذين يرغبون في دعمهم ضد الإحتلال الإسرائيلي (لا تأت بخلق وتنهي عن مثله).. وهذا يذكرنا بالعشرات الذين تظاهروا فرحاً في شوارع غزة ومخيم عين الحلوة، بما حدث في (11) سبتمبر من عام (2001)، وكان حالهم تماماً مثل الشعب الياباني الذي رقص فرحاً لعدة ساعات، بالهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور الأمريكية عام (1943)، ثم كانت النتيجة حزن سنوات من جراء ضرب هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية.. ثم الإحتلال الأمريكي لليابان.. وهكذا في بعض مخيمات وشوارع فلسطين، فقد كان البعض يرقص على أنغام خيبتنا !

بإعتقال صدام حسين، يسقط نظامه بلا رجعة، رغم أسف وحزن وبكاء البعض..لكن المؤكد أن مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، سوف تبدأ متخلصة من كل سمات نظام صدام التي أشرت إلى بعضها، والتي توجها قبل سقوطه بشهور، بأسلوب الشتائم البذيئة التي طالت أكثر من رئيس وملك عربي في مؤتمرات رسمية علنية.. مرحلة جديدة.. من أهم معالمها، ضرورة العمل على تجسير العلاقة بين الشعب العراقي وعدة شعوب عربية، ظهرت فيها جماعات أيّدت الحاكم الذي عانى منه شعبه مريراً وطويلاً.. وضرورة تجسير العلاقة بين الشعب الكويتي، وشعوب رأى في موقفها تأييداً لاحتلال صدام للكويت..

مرحلة جديدة، تحتاج إلى يقظة الضمير، وانفتاح العقل، فقد زال كابوس أرَّق العراقيين والعرب طويلاً.. فهل تشهد هذه المرحلة، طلائع فكرية وسياسية، تعمل على تجذيرها، وجعلها سمة للمرحلة العربية الجديدة ؟!

جريدة (شيحان)، العدد 1002

27/ديسمبر/2003    

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة