البصرة.. وصولاً من الكويت !

 

في اليوم الثالث والأخير من زيارتي إلى الكويت، إلتقيت مساءاً بمجموعة من الأصدقاء الذين تعارفنا وتصادقنا في الستينيات والسبعينيات، ودار نقاش واسع متعدد الأوجه، إلا أن مركزه كان قضية فلسطين وما يدور من أحداث شغب وفوضى في مدينة غزة، حيث شابه في بعض المظاهر ما يجري في المدن العراقية. الزملاء الكويتيون أبدوا جميعاً ألماً وحزناً شديدين على ما يجري في غزة. الزميل والصديق محبوب العبدالله، الصحفي المعروف في جريدة (الرأي العام)، والناشط في مسرح الخليج العربي، قدّم لي الكتاب الذي أعده عن هذه الفرقة المسرحية، بعنوان (فرقة مسرح الخليج العربي في ربع قرن)، ومن ضمن دراساته، دراسة لي نشرتها في شهر أكتوبر من عام 1978، في مجلة (دراسات الخليج والجزيرة العربية) الفصلية المشهورة، التي كان يرأس تحريرها آنذاك الدكتور محمد الرميحي، وهي دراسة طويلة بعنوان (تجربة مسرح الخليج العربي.. دراسة مرحلية)، وإستغرقت في الكتاب الصفحات من 53 حتى 91، وبعد ذلك ذكّر الحضور، تعليقاً على ما يجرى في غزة، برأي للدكتور أحمد الربعي، الشخصية القومية العروبية المعروفة، والذي كان وزيراً للتربية والتعليم قبل سنوات، ويكتب الآن عموداً مشهوراً في جريدة (الشرق الأوسط) اللندنية، قال الدكتور أحمد الربعي في ذلك الرأي ما معناه: (أستغرب من قبادات وكفاءات الشعب الفلسطيني، الذين أسهموا بفعالية في إقامة وتأسيس العديد من الدول العربية، ومنها بعض دول الخليج العربي، ويعجزون الآن عن إقامة دولتهم في المناطق التي إنسحب منها الإحتلال الإسرائيلي).

الجميع الذين التقيتهم وتحدثت معهم في الكويت، يُبدون حقيقة تضامناً واضحاً مع مأساة الشعب الفلسطيني، والكثيرون يعلنون عن إستعدادهم للدعم والمؤازرة، لكنهم لا يعرفون كيف يمكن إيصال المساعدات المادية والعينية، في ظلّ كل هذا الحديث عن الفساد والسرقات التي تطال أغلب المساعدات.. أكثر من صديق كويتي، عندما عرف أن عائلتي تقيم في مخيم رفح بقطاع غزة، ألحّ علي أن أساعدهم في الحصول على أسماء وعناوين عائلات محتاجة في رفح، كي يقدموا لها المساعدة التي يستطيعونها.. وهو سؤال محرج في ظل الفساد الذي يكاد يشمل كل أوجه حياة السلطة الفلسطينية، فلا يجرؤ إنسان نزيه على الدخول في هذه المعمعة.. ورغم ذلك سأحاول بناءاً على إلحاح أولئك الأصدقاء الطيبين..

من ضمن الذين قابلتهم في هذه الزيارة السريعة، الكاتب الفلسطيني المعروف محمد الأسعد، وهو من الكتاب والمبدعين الفلسطينيين الذين أسهموا بوضوح في الحركة الأدبية في الكويت، في الستينيات والسبعينيات، وكان له حضور واضح وملموس.. محمد الأسعد من المبدعين الفلسطينيين القلائل الذين صنعوا وجودهم بعيداً عن التسلق على ظهر المقاومة الفلسطينية، لذلك لا يحظى بدعاية صحف المقاومة ومجلاتها التي أصبحت أو تحولت لملكية السلطة الفلسطينية، له إسهام واضح في الشعر والرواية والنقد الفني.. كم شعرت بالحرج والخجل عندما أهداني رواياته: (أطفال الندى، 1990) (حدائق العاشق، 2001)  (شجرة المسرات، 2004)، وله غيرها: (نص اللاجئ، 1999).

وشعوري بالخجل أساسه، أنني ممن تخصصوا في (الرواية الفلسطينية)، فقد كانت أطروحتي لدرجة الدكتوراه عام 1979، موضوعها (الرواية في الأدب الفلسطيني، من عام 1950 إلى عام 1975)، حيث درست فيها ما لا يقل عن خمسين عملاً روائياً، ورغم ذلك حتى لقائي بالمبدع والروائي محمد الأسعد، لم أقرأ أياً من أعماله الروائية.. وهذا مرده إلى إنقطاع التواصل بين المبدعين، وسوء توزيع الكتاب العربي.. هذا ولا يمكن نسيان الترجمات المهمة التي ترجمها محمد الأسعد، وبعد قراءتي لروايته (أطفال النوى)، أستطيع القول: أننا أمام روائي، لم ينصفه النقد الروائي الفلسطيني والعربي، وهو -بدون مبالغة- يستحق دراسة مستقلة، آمل أن أتمكن من القيام بها بعد قراءة رواياته جميعها..

الطريف في هذا السياق، ولمّا كان الحديث يدور عن الفساد في أوساط السلطة الفلسطينية، تذكرت أن محمد الأسعد، كان قد نشر في العدد الثاني عشر من مجلة (العصر الجديد) آب/أغسطس من عام 2000، قصيدة بعنوان: (سناجب تحمل لوحة الألوان وترسم) قال في مقطعها الأول:

رأيت فلسطينياً

يبول على جدارية محمود درويش

فقط لإغاظة العجوز عرفات

والعصابة المشغولة

بتكديس الدولارات

أعرف أنهم سيجدون وقتاً

لإصطياده

ودحشه في بيت خالته

ولكنهم لن يجدوا وقتاً يكفي

لمحو أشكالهم القردية

التي إنغرست في الذاكرة

منذ أن رسمها سنجاب ضاحك

وهل هذا السنجاب الضاحك، هو المرحوم رسام الكاريكاتير الفلسطيني المشهور ناجي العلي، الذي تفتحت موهبته في ساحة الديمقراطية الكويتية، حيث عمل في مجلة (الطليعة)، لسان حال القوميين العرب، ثم جريدة (القبس)، بعد حصار بيروت عام 1982، إلى أن أغتيل في لندن عام 1986، والتهمة موجهة إلى قيادات عليا جداً في منظمة التحرير الفلسطينية سابقاً، السلطة الفلسطينية حالياً، وهذا يُذكر بكتاب الدكتور شاكر النابلسي، الكاتب الفلسطيني المقيم في الشقيقة الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية حول هذا الإغتيال !!

في صباح اليوم الرابع من زيارتي إلى الكويت، إكتشفت أنه قبل مغادرتي إلى البصرة، لا بد من الحصول على إذن مغادرة من (المكتب الكويتي للخدمات الإنسانية) في الخالدية، حيث يتم تزويد المغادر أو المسافر بالمعلومات الأمنية لضمان سلامته، ورغم وصولي متأخراً، إلا أن المقدم قاسم الغريب، عندما عرف الهدف من زيارتي لمدينة البصرة، أجرى الإتصالات اللازمة مع مسؤولي الهجرة والجوازات، حيث أنهى معاملة إذن خروجي في ساعات قليلة..

الوصول إلى البصرة

غادرت صباح اليوم التالي الفندق في الكويت إلى البصرة.. الصباح الباكر يكون منفذ الحدود الكويتي (العبدلي) مزدحماً بالشاحنات المتوجهة إلى العراق، وبعد العاشرة صباحاً، تخف حركة المسافرين بشكل واضح.. لا تنزل من سيارتك لتختم جواز سفرك، تقف السيارة أمام شباك الجوازات، تمد جوازك لمسؤول الجوازات، يختمه لك خلال دقائق، وتغادر لتجد نفسك في (صفوان) معبر الحدود العراقي.. سارت بي السيارة بسرعة، لأجد نفسي أمام مبنى جامعة البصرة قبل دخول المدينة، تلك الجامعة التي عملت فيها مدرساً عامي 1980 و 1981، وتركتها بإرادتي، كي لا أنضم إلى جوقة المطبلين لقادسية صدام، في حربه ضد الجارة إيران، التي أطلق عليها إعلامه (الفرس المجوس).

إلتقيت مع زملائي “الوفد الصحفي” القادمين من الأردن، قرب جسر التنومة، وبدأنا توزيع كتابي: (سقوط ديكتاتور) و (فلسطينيون في سجون صدام)، وكان الزميل الصحفي العراقي (عدنان البياتي)، قد أعدّ قائمة بعشرين مكتباً للأحزاب السياسية وتنظيمات حقوق الإنسان والمكتبات الخاصة والعامة.. إنطلقنا في سيارتين نجوب شوارع البصرة التي لم أعرف منها إلا القليل الذي أتذكره من أعوام الثمانينيات.. الساحة العامة التي كانت تجمعاً للأخوة العمال المصريين، إختفت معالمها تماماً.

دخلنا مكتب (حركة الدعوة الإسلامية - فرع البصرة).. وقدّمنا الكتابين إلى موظف الإستعلامات، أخذهما ودخل بهما إلى مكتب يبعد قليلاً، وعاد يسأل بدهشة:

- مؤلف الكتاب معاكم ؟!

لغرابة السؤال، وخوفاً من مجهول لا نعرفه، أجابه الزميل العراقي: لا.. عيني.. معانا كتبه فقط.. لماذا تسأل عنه ؟! أجاب: السيدة (سناء عبد الجبار) إحدى مسؤولات المكتب، عندما رأت الكتابين، تنهدت وقالت: والله. هذا الدكتور درّسني في كلية التربية بجامعة البصرة عام 1980 .. ولمزيد من الإحتراس الأمني، أصرّ الزميل الصحفي العراقي، أن المؤلف ليس معنا.. وأخذ هاتف المكتب.. واستمرت جولتنا، حيث وصلنا إلى:

- مقر التيار الإسلامي الديمقراطي.

- الحزب الشيوعي العراقي.

- حركة حزب الله.

- نقابة الأطباء.

- مكتب الإعلام الإسلامي.

- مكتب السيد الشهيد الصدر.

- إتحاد الموسيقيين العراقيين.

- حركة الوفاق الوطني العراقي.

- مكتب حزب الدعوة الإسلامية.

- مؤسسة سيد الشهداء (ع) الثقافية.

- حركة الدعوة الإسلامية.

- المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.

- مكتبة الإمام الهادي.

- حركة الديمقراطيين المستقلين.

- التجمع القاسمي.

- التجمع من أجل الديمقراطية.

- إتحاد نقابات عمال محافظة البصرة.

جانب من أهمية الزيارة، كان في الحوارات التي تدور في هذه المكاتب عند زيارتها.. وأستطيع جمع الأفكار المتعددة التي يتداولها الشارع العراقي، في المحاور التالية:

1- يوجد عتب واضح وشديد ومؤلم من موقف القيادة الفلسطينية الداعم للديكتاتور صدام، خاصة ما ظهر من هذه القيادة عند إحتلال دولة الكويت.. في مكتب (التجمع من أجل الديمقراطية)، تعرّف عليّ أحد العاملين في إعلام المكتب، وذكرني أننا إلتقينا مراراً في السبعينيات عندما كان ناشطاً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تحدث بألم عن موقف هذه الجبهة من إحتلال الكويت، وذكرني بخطاب لجورج حبش في عمّان بعد الإحتلال، هدّد فيه (الحكيم) الولايات المتحدة الأمريكية، إن هي فكرت في شن الحرب ضد الرفيق المناضل صدام !! في مكاتب الحركات الإسلامية، عوتبت مراراً على مواقف حركة حماس الفلسطينية الداعم للديكتاتور البائد صدام !.. وأكثر من عراقي كرّر على مسامعي ما سمعته في الزيارتين السابقتين: (أليس مخجلاً أننا في العراق نرفع صور شهداء فلسطين ومنهم الشيخ أحمد ياسين، وهم في غزة يرفعون صور المجرم الذي دمرّنا شعباً وأرضاً).. وبعضهم يذكر بفتح عبد العزيز الرنتيسي بيت عزاء في المجرمين عدي وقصي.. وآخر في مكتب (إتحاد الموسيقيين العراقيين)، ذكّر بشكل موثق تأييد حركة حماس العلني لإحتلال الكويت عام 1990 ..

2- هناك إجماع شبه كامل في الشارع البصراوي، على إدانة كافة العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين العراقيين، وعمليات خطف الأجانب والعرب والمسلمين مهما كانت جنسياتهم، لأن هذه العمليات وما يرافقها من وحشية وإجرام، جعلت صورة العربي والمسلم مجرد كائن متوحش همجي، لا يعرف الرحمة والإنسانية، وبالتالي فمن حق الآخر شن الحرب عليه وتدميره !

3- يوجد شبه إجماع على أن هذه العمليات الإرهابية، يقف وراءها:

أ- بقايا من نظام المجرم صدام حسين، فقدت إمتيازاتها اللامشروعة التي كانت نهبا وسرقة من ثروة الشعب العراقي.

ب- بعض الجماعات السلفية التي يطلق غالبية العراقيين عليها صفة (الوهابية).

جـ- المجرمون الذين أفرج عنهم الديكتاتور البائد وهم يزيدون على مائة الف.

ولا يستطيع أي محب للعراق، إلا أن يؤيد هذه التحليلات، فقد وصل حد هذه العمليات الإرهابية، لتصبح حرباً على الشعب العراقي وليس قوات التحالف الدولي التي أطاحت بنظام صدام، وخلّصت الشعب العراقي من جرائمه المتعددة.. وأعتقد أن قناتي (الجزيرة) و(العربية) تتحملان مسؤولية أساسية في الترويج لهذا الرعب الهمجي، لأن الإستمرار في بث أشرطة هؤلاء الملثمين، جعلهم يتسابقون على الإنتشار الفضائي، وقد أصبح مؤكداً أن بعض مراسلي هاتين القناتين، يدفعون لبعض هؤلاء الملثمين ليكون لهم السبق في الحصول على أشرطة قطع الرؤوس.. ولا يستطيع أي عاقل أو مجنون تفسير أية مصلحة في هذه العمليات التي توجَّه أغلبيتها إلى الشعب العراقي وبنيته التحتية..

الشيء الوحيد الذي ظل شامخاً في البصرة، هو نخيلها.. جولة في حديقة العشار وأبو الخصيب، تؤكد أن شعب هذا النخيل لا بد أن يتجاوز هذه المحنة، ويعود العراق إلى أمنه وإستقراره، فيكفي هذا العراق خمسة وثلاثين عاماً من حكم الديكتاتور البائد، واجه فيها من الجرائم ما لا يعرفه حتى في زمن هولاكو والتتار.. فلاح عراقي في أبو الخصيب أصرّ على أن يشرب وفدنا الصحفي الشاي معه تحت نخلة شامخة..

قدمت له نسخة من كتاب (سقوط ديكتاتور)، ضحك قائلاً: “والله أنا ما بأعرف القراءة والكتابة، ولكن هيك كتاب ينفع أخلي أولادي يقرأوه” !

ما لا يمكن السكوت عليه هو وضع الكهرباء والماء في محافظة البصرة، فالشيء الطبيعي هو إنقطاع التيار الكهربائي، فنادراً ما تأتي الكهرباء، خاصة في جو الحرارة الصيفية المرتفعة والرطوبة الهائلة.. أما عن تلوث المياه فهو أمر خطير، وينذر بكارثة بشرية.. ومحافظة البصرة، في مجالي الكهرباء والماء، تحتاج إلى إغاثة عاجلة..

ثلاثة أيام.. وأربع ليال، ونسيم شط العرب ورطوبته يملآن الجو.. وهذا لا يمنعك من التنهد.. والصراخ:

- الحب آت يا عراق، رغم أنوفهم !

جريدة (شيحان)، العدد 1033

7/أغسطس/2004   

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة