![]() |
الكويت.. مروراً إلى البصرة!
الأسبوع
الماضي، قمت بزيارة شخصية لدولة الكويت في طريقي إلى مدينة البصرة العراقية، للقاء
وفد صحفي غادر من الأردن إلى بغداد، ومنها إلى البصرة، حاملين معهم ألفي نسخة من
كتابي (سقوط ديكتاتور) وألف نسخة من كتابي (فلسطينيون في سجون صدام)، وذلك
لتوزيعها مجاناً في مدينة البصرة على الأحزاب والجمعيات والتنظيمات العراقية، على
غرار ما حدث في زيارتين سابقتين إلى مدينة بغداد والفلوجة والرمادي في شهري فبراير
ومايو الماضيين.
وصلت مطار
الكويت مساء التاسع عشر من الشهر الحالي.. تقدمت إلى حاجز الجوازات، وقدمت جواز
سفري النرويجي، وأنا أعرف أن هناك نقاشاً ما سوف يحصل مع ضابط الجوازات، بسبب أن
مكان ميلادي في جواز سفري النرويجي مكتوب (بئر السبع - إسرائيل). دقق ضابط
الجوازات في معلومات الجواز وسألني:
هل أنت
إسرائيلي ؟
أجبته:
- عيني، شو
يعني إسرائيلي.. أنا بدوي فلسطيني من بئر السبع.. وأعرف الكويت من حولي إلى النقرة
إلى السالمية إلى الشويخ.. وخيطان والفحاحيل والفنطاس والمرقاب.
- أنت تعرف
الكويت أكثر مني.. شو قصة (إسرائيل) في جواز سفرك النرويجي ؟
أوضحت له:
- إنني من
مواليد (بئر السبع) في فلسطين عام (1944)، وعندما حصلت على الجنسية النرويجية عام
(1996)، كانت هناك مشكلة في وزارة العدل النرويجية، إذ عندما ولدت عام (1944) كانت
مدينة (بئر السبع) مدينة في (فلسطين)، ولكن عند منحي الجنسية النرويجية في عام
(1996) كانت وما زالت (بئر السبع) مدينة في دولة (إسرائيل)، فلا تستطيع السلطات
النرويجية أن تكتب في جواز سفر نرويجي ما يفيد أن (بئر السبع) مدينة في فلسطين،
لأن هذا يغاير الواقع السياسي القائم، فكان أمامي خياران: إما قبول الجواز
النرويجي الذي يكتب فيه (بئر السبع - إسرائيل)، أو أن أرفض الجواز والجنسية
النرويجية، فماذا أفعل ؟ قبلت الجواز بهذا الشرط لأتخلص من ذلّ وعذاب وثيقة السفر
المصرية للاجئين الفلسطينيين، هذه قصة إسرائيل في جواز سفري النرويجي.
تفهم ضابط
الجوازات الكويتي الموقف، ورحب بي خاصة بعد أن عرف أنني عملت مدرساً وصحفياً في
الكويت من عام (1968) إلى عام (1976)، ولي صداقات عديدة ممتدة.. بدأ معاملة ختم
جوازي بعد منحي تأشيرة الدخول في المطار، وفجأة بدأت مشكلة جديدة إذ رفض كمبيوتر
المطار قبول كلمة (إسرائيل)، فهاتف مدير الجوازات الذي أفهمته بوضع (فلسطين) بدلاً
منها. ضحكت.. قائلاً له: عيني.. كمبيوتر مطار الكويت عضو في حركة حماس لذلك يرفض
قبول اسم (إسرائيل).
ضحك الضابط
الكويتي وقال:
- لا.. عيني..
هذا كمبيوتر وجدان الشعب الكويتي الذي يرفض الإحتلال والظلم !!
أخذت جوازي..
وركبت سيارة أجرة متوجهاً إلى الفندق.. ومن هناك خابرت الزملاء الذين كانوا على
موعد مع وصولي.. الأستاذ عيسى العصفور، الدكتور عامر التميمي، الأستاذ محبوب
العبدالله وآخرون.. وإلى أن نلتقي في صباح اليوم التالي.. تجولت في شارع فهد
السالم فوجدت أن العديد من مظاهره قد تغيرت حاولت الوصول وحدي إلى (ساحة الصفاة)،
ولولا بناء المجلس البلدي ما عرفتها.. تذكرت عندئذ أنني الآن على ثرى دولة الكويت
بعد غياب ربع قرن بالتمام والكمال، فقد زرتها آخر مرة في بداية عام (1980). ركبت
سيارة أجرة وتجولت في كافة أنحاء العاصمة الكويت، فوجدتها قد تغيرت وتطورت، خاصة
بعد إندحار الإحتلال الصدامي، وتحريرها من عصابات صدام حسين.. بشكل عشوائي، قدمت كتابي
(سقوط ديكتاتور) لبعض المواطنين الكويتيين فكان إستقبالهم له بفرح غامر، إلا أن
الكل كان يسأل (الدكتور أحمد.. أنت فلسطيني).
ويدور بالتالي
نقاش واسع حاد.. مواطن قدمت له الكتاب، فأصر على أن نجلس في مقهى قريب من شاطئ
السالمية، لنتحدث في أمور عديدة.. كعينة من الشعب الكويتي.. كان النقاش يدور حول
أفكار منها:
1- ما زالت
صدمة الشعب الكويتي شديدة ومؤلمة من موقف القيادة الفلسطينية الذي دعم وأيد إحتلال
صدام للكويت عام (1990)، الكويت التي إحتضنت حوالي أربعمائة الف فلسطين قبل الغزو،
كانوا شيئاً أساسياً في الحياة الكويتية.
2- إن هذا
الموقف من القيادة الفلسطينية رغم الألم الذي يسببه حتى الآن في وجدان المواطن
الكويتي، إلا أنه لا يؤثر على تضامن الشعب الكويتي مع الشعب الفلسطيني في محنته
تحت الإحتلال الإسرائيلي، بدليل الدعم الواضح في الإعلام الكويتي ومحاولة إيصال
شتى المساعدات الممكن إيصالها للشعب الفلسطيني.
في اليوم
التالي وقبل مغادرتي إلى البصرة إلتقيت العديد من الأصدقاء الذين عشنا وعملنا معاً
في سنوات الستينيات والسبعينيات، وإستعدنا ذكريات الشباب، حيث كانت الكويت ملتقى
عربياً.. ثقافياً.. وفنياً.. وكانت صحافتها وتجربتها الديمقراطية الرائدة في الوطن
العربي.. وكان المجلس الوطتي للآداب والفنون، وما زال منارة فكرية لا مثيل لها في
الوطن العربي، حيث إصداراته التي ما زالت من أهم منشورات الوطن العربي وهي
المعروفة بإسم (عالم المعرفة)، أما في عالم المسرح، فمسرح الخليج العربي له بصمات
واضحة في حركة المسرح العربي، والذي تأسس على يد المخرج المعروف المرحوم صقر
الرشود، وآل المنصور الثلاثة، محمد المنصور، عبد العزيز المنصور، ومنصور المنصور،
وغيرهم خاصة الكاتب المسرحي عبد العزيز السريع.. ويستعد المسرح الآن لإقامة
إحتفالية واسعة في ديسمبر القادم بمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيسه.
الحياة..
العمران.. البشر.. المرافق.. كل شيء في الكويت اليوم، يجعل الزائر يحمد الله على
إندحار الإحتلال الصدامي وتحرير الكويت من غطرسته وهمجيته، وإلا لحولها كالعراق
خراباً ومرتعاً لجنونه وعائلته.. في لقاء مع محامين كويتيين.. لا يخفون مراراتهم
من موقف بعض المحامين الأردنيين الذين يبدون كل هذا الحماس للدفاع عن طاغية
العراق.. متناسين كل جرائمه.. أحد المحامين الكويتيين قال لي: بعض المحامين
الأردنيين يحاول أن ينكر المقابر الجماعية في العراق، فلماذا لا يتذكر هؤلاء
المحامون جريمة صدام في إحتلال الكويت وتخريبها ونهبها عندما إضطرته قوات التحالف
الدولي للخروج منها.. أم أنهم لم يسمعوا بإحتلال صدام للكويت.
إن مستوى
الحياة والرفاهية والضمان الإجتماعي والصحة والتعليم.. الخ الذي توفره حكومة
الكويت لشعبها يجعل العربي الذي يحب الخير يقول: حمى الله الكويت وشعبها.. خاصة أن
أرقام وإحصائيات المساعدات الكويتية للأشقاء العرب، ومنهم الأردن، يجعل التضامن مع
الكويت وشعبها قناعة وطنية.. تلك كانت الكويت.. فماذا عن البصرة التي جئت إلى
الكويت مروراً إليها.. ذلك الموضوع مقالة الأسبوع القادم ؟
جريدة (شيحان)،
العدد 1033
31/يوليو/2004