![]() |
شهادة على الشهادات
خولة
إبراهيم
كل
البلاد في صعودٍ والعراق في هبوط
أفٍ
لها من عيشةٍ بين وغدٍ ولقيط(1)
هذه
الشهادات الموجعة للقلب، أصحابها أحياء يرزقون، وتحت أنوائها يرزحون، وما كانوا في
ذلك الزمان بقادرين على الكلام، ككل شعب العراق السجين، فمنهم من لقيَ وجه ربه
طبقاً لــ “تعددت الأسباب والموت واحد”، أو بقي معلقاً بين الأرض والسماء.. كان لا
بد من بقاء حفنة من المعذَّبين، كي يستمر “الرئيس القائد.. الملهم.. الضرورة”،
وهؤلاء المعذّبون كانت مخصصة لهم جيوشٌ من المعذِبين. وأتمنى اليوم لو تسعفنا
المعطيات الاحصائية لمعرفة النسبة التي كانت مخصصة لكل مواطن من “نعمة المخابرات”،
حقيقة أتمنى الوصول إلى معرفة هذه المسألة.
شهادات
مرّة لإناس عاشوا الأمرّين في غياهب سجون صدام، ولا أقول العراق، فقد سجن صدام
العراق لأكثر من ثلاثين عاماً بقبضة حديدية وعقلية جهنمية، عبث بمصيره وبجغرافيته
وتاريخه، أما رمِّم آثار بابل ليكتب عليها اسمه ! ورسّم حدود العراق مثلما كان
يريد فتارة يطالب بشط العرب وتارة أخرى يتنازل عنه، وبين هذا وذاك تُزهق ملايين
الأرواح.
عبثية
القرارات والحروب والاجراءات في كل شؤون الحياة، كانت مدروسة لأجل العبث بمصير العراق
وأهله، فلم يسلم شجرٌ ولا بشرٌ ولا حجر، ولم يسلم في العراق ما كان قبل صدام، أو
جاء بعده، فلا الأقدمون نجوا من التزوير ولا المعاصرون نجوا من العذاب ولا
المواليد خلصوا من أتون الحرب، ولم تكن تلك نكته ولكن مرارة التي تداولها الناس عن
طبيب يقول لإمرأة تلد “إن إبنك لا يريد الخروج إلى الحياة قبل أن يتأكد من أن
مواليده غير مطلوبه للتجنيد”.
جدارية
جواد سليم “نصب الحرية” معلم فني رائع في بغداد، لم تسلم من عبث صدام الذي بنى
نافورة من الماء تحت النصب كي ينهدم شيئاً .. فشيئاً، فكيف مات فنان العراق الكبير
قبل أن يرسم له صورة ؟! ومن يتصور أن نشيد العراق الوطني كاتبه قد قتله صدام(1) ؟!
وأن ملايين العراقيين الذين تمكنوا من الافلات من قبضة الديكتاتور وصلوا أطراف
الكرة الأرضية.. وحكاية الموت غرقاً أو حريقاً أو تجمداً في شاحنة تبريد هي دلالات
أو شهادات بل روايات.
وحين
بدأنا قراءة “غابرييل غارسيا ماركيز”في الثمانينيات، كانت الخلاصة المشتركة أننا
تمنينا على ماركيز أن يأتي إلى العراق ويستهلم موضوعات رواياته من أرض الواقع. فكل
ما كان يتخيله “غرائبياً”هو عندنا أمرٌ إعتيادي للغاية، والشيء بالشيء يذكر حينما
ظهرت رواية “السيد الرئيس” في المكتبات العراقية كان الأمر يدعو إلى الاستغراب،
ولكن سرعان ما عادت المخابرات لجمعها من بعد ما تبين لهم أن الرئيس ليس صدام وأن
المضمون لا يمجده !
خطأ
مطبعي كان يحدث في صحيفة، يقلب الدنيا على رأس العاملين فيها، ورئيس التحرير “مهما
كانت بعثيته وشاعريته”، يتعرض للمساءلة حول خطأ يخلط في تاريخ الحزب المجيد بين
البعث السوري والبعث العراقي. وقانون الصدفة لــ “كارل يونج” هو الذي كان يُبقي
الكائنات والأشياء حيةً في العراق. فلافتة “الشهيد الخامس والأخير” التي علقها أحد
الآباء المكلومين على باب داره كفيلة بأن تكون صورة لثماني سنوات عصيبة، مرت على
العراق في حرب ضروس لا يُعرف أولها من آخرها.. وحين جاء ما يمكن تسميته بآخرها
كانت المكرمة “الاحتفالات الجنونية في الشارع” تنفيساً لضغوطاتٍ مضت واستعداداً
للجولة الأخرى في الكويت لتتبعها جولات مع العالم كله.
لقد
مرت كل تلك السنوات والعراق يغرق في مستنقع من الدم.. رائحة الموت في كل مكان..
السواد يلف البيوت والنساء أرامل والأطفال يتامى. ولا أكثر صفاقة من أغنيات “الله
يخلي الرئيس، إحنا مشينا للحرب”، وأبواب الزنازين تفتح وتغلق آلاف المرات كل يوم..
هذا مات في عبدان أو نهر جاسم أو الربع الخالي، ومعارك جزر مجنون والمحمرة التي
وقودها الناس والنفط.. وذاك قتلوه وذاك أخذوه.. ولا تدري إلى أين المسير ومن قبل
قال السياب:
ماذا يراد بنا وأين المسار
والليل
داجٍ والطريق عثار
أخبار
الاعدامات وفقدان البشر وضياع الصلة بهم اعتيادية جداً في العراق، فهؤلاء جيراننا
“أخذوا اليوم ابنهم” هكذا يعلمنا الجيران الآخرون وتسأل: أين ومن وكيف ؟ فيقولون
لك لا أحد يعلم.. سيبدأون التحريات وهم وشطارتهم ! صديقة تخبرنا عن زوج أختها
وأربعة من أخوته ذهبوا ولم يعودوا وإلى حد الآن، وحتى بعد الكشف عن المقابر
الجماعية وسجلات المخابرات لم يظهر لهم أثر ! هل هو السحر أم الكيمياء ؟
حضرنا
جنازات صامته وأخرى ممنوع فيها البكاء، إختطفوا من وسطنا كتاباً وصحفيين، لا زلت
أسأل عن (ضرغام هاشم) الذي طالب بمزيد من الحريات في أعقاب حرب تحرير الكويت، فصار
رقماً “في مزيد من الإعدامات”.
بلد
تتحكم بمقدراته حفنة من اللصوص القتلة، وشعبٌ بين قتيل ومفقود ومعوق أو مطرود
وأذكر أن أكثر ما أرعبني فيما بعد قول الشاعر عبد الوهاب البياتي في مقابلة صحفية،
أجريتها معه عام 1996 في عمان: “هذا تنين يعود كلما تقطعت أطرافه”. وخفت ألا أشهد
يوماً ينتهى فيه التنين وينزاح معه الكابوس عن العراق والعراقيين، واليوم انفتحت
بوابات العراق على التغيير والزمن وآفاق الحياة، وولّت الزنازين إلى غير رجعة.
وهذا
وحده مسار جديد.
| النهاية |