![]() |
الشهادة السابعة
محمد
الإدريسي
مواليد
عام 1940
بدأ
مشواري مع المخابرات العراقية بمكالمة هاتفية، وردت إليّ من بغداد من إمرأة
عراقية، لا أدري يومها من أين حصلت على رقم هاتفي في عمان، لم تكن معرفتي بها
جيدة، وكل ما أعرفه عنها إنها زوجة (حنفي) صاحب فندق نادر الذي كان له عمل مشترك
مع ولدي بشير، وهو مدين لابني بثلاثمائة دينار. أبلغتني المرأة بأنها ستدفع لي
المبلغ المطلوب والمتبقي بذمته لبشير، وقد سبق لي أن ذهبت إلى بغداد واتصلت بحنفي،
الذي وعدني بسداد المبلغ بعد أسبوعين، لكنني عندما عدت فوجئت بزوجته تقول لي أن (حنفي)
موقوف لدى دائرة الإقامة (قسم من أقسام المخابرات) وأنها ستبلغه بمجيئي إلى
الفندق، جاءت مكالمتها لي بعد أسبوعين من عودتي إلى عمان فإستبشرت خيراً لتحصيل حق
إبني، وأذكر أن المرأة طلبت مني أن أشتري لها بعض المواد التموينية التي كانت
شحيحة في بغداد آنذاك، في ظل الحصار.
غادرت
عمان بتاريخ 12/10/1993، متوجهاً إلى بغداد، وأخذت معي ما طلبته المرأة، وفي
الموعد المقرر للقاء وهو العاشرة صباحاً، كنت أمام الفندق وداخلني الشك من إقتراب
رجلين بسرعة مني، ووجود سيارتين من نوع تويوتا، وإقترب مني أحد الرجلين مرحباً
بشكل ينم عن السخرية، وإدّعى أنه يعمل لدى صاحبة الفندق وأنه علينا الذهاب
لمقابلتها.. سارت بنا السيارة من ساحة فندق (نادر) في شارع النضال بإتجاه الكرادة،
وفي الطريق كان الآخر يسألني عن الشعر وأحوال الشعراء، بعد أن إدّعى أنه يعرفني
كشاعر وهو شاعر أيضاً ! ولكنه حين سألته لم يقدم إسماً واكتفى بالقول: أنا شاعر
شعبي، لكن المعلومة التي أعطاني إياها فيما بعد أثارت الريبة في صدري. وشعرت بأنني
في مصيدة، فقد قال إننا قرأنا الشعر سوية في مهرجان القوى الشعبية، وأنا لم أفعل..
وأذكر أن شاعراً سودانياً شارك في هذا المهرجان ! ولما طلبت النزول، سارع بالقول
“نحن نريدك في الإقامة لخمس دقائق” !
مبنى
الإقامة من قلاع المخابرات، وإن اختلفت الأسماء، وزيادة على ذلك فإن جميع منتسبيها
من حزب البعث. حافظت على هدوئي وحاولت التصرف بحكمة كأي إنسان يدخل العراق ويتحاشى
الوقوع في الخطأ، لأن هذا يعني الموت المحقق مهما كانت الأسباب، وأياً كان الشخص
فلا شيء يشفع له، وإن كان حزبياً ! المهم تركني الرجلان في الإستعلامات وقد أعطيا
إشارة بالعيون وأنا شخص دقيق الملاحظة، إعتاد هذه المواقف وعلمته إياها السنون.
ضابط الإستعلامات الذي يلبس الملابس المدنية يحدق بي، وعيون أخرى كثيرة غيره، ما
الذي يجري ؟ ولقد إمتد الانتظار من خمس دقائق إلى ما يقرب الساعة، أجلس تارة وأمشي
تارة أخرى، مشعلاً سيجارة ومفتعلاً الهدوء وعدم الاكتراث، لكن بدأت أشعر بالقلق،
بعد أن مضى من الوقت نصف ساعة أخرى، في هذه الأثناء دخلت إمرأة تلبس عباءة وتعمدت
المرور من أمامي ثم دخلت المصعد.. حاولت التذكر إن كنت أعرفها أو رأيتها من قبل.
ولما تذكرت أخيراً إنها (أم نادر)، أحسست بأنني فعلاً في مصيدة.
ما
هي إلا دقائق حتى حضر الشخصان، وإقتاداني إلى سيارتهما ثم سألاني عن جواز سفري،
فأخبرتهما بأنه داخل سيارتي في منطقة العامرية. فتوجهنا إلى هناك وكان الحديث هذه
المرة مقتضباً وجافاً، ومن سيارتي، أحضر أحدهم حقيبتي وفيها جواز سفري وبعض النقود
الأردنية والعراقية، وفيها ما هو أهم من ذلك بكثير، مخطوطان يحتويان على نحو
ثلاثين قصيدة لا أملك نسخة أخرى منها، ولا أحفظ منها بيتاً واحداً. ذهبن مع كل
محتويات الحقيبة -التي تسلمتها من مكتب النقل البري في الفلوجة عند خروجي- فارغة
إلا من بعض الملابس القديمة. توجها بي إلى حي المنصور، وعندما إقتربنا من الحي دفع
أحدهم رأسي إلى الأسفل بقوه ولخمس دقائق، كدت أختنق خلالهن.. وصلنا المكان وسلّماني
إلى رجل يجلس خلف الطاولة، قام بالتوقيع على ورقة، ومن ثم الترحيب بي من باب
الإدعاء أنه يعرفني كشاعر، لكنه وصل إلى المطلوب حين قال: إسمع شاعرنا، أنت هنا
تحمل الرقم 864، ولا أحد هنا يعرفك بغيره، وعليك أن تحفظه، قلت له: هل أنا موقوف ؟
ولماذا ؟
قال:
نعم ولا أدري لماذا فأنا هنا فقط للإستلام. إن من أحضرك فقط يعرف لماذا، فإختر لك
بطانيتين من الخارج لتتدبّر أمر نومك.
آه،
قلت لنفسي، هذه هي جهنم وبئس المصير،
هذا هو المسلخ، هذا هو المطبخ، من هنا يبدأ الذبح ثم السلخ ثم التقطيع حسب
الطلب، ومن ثم الطبخ فلا يخرج أحد من هنا إلا وهو جاهز، والعودة إلى هنا ثانيةً من
أحد المستحيلات، لا فالعودة تعني أن هناك نقصاً ما في التحقيق، وهذا طبعاً يكلف
المحقق حياته أو مصيره، وهو يعرف هذا جيداًً.
أخذت
البطانيتين، ومن ثم دخل هو والحارس الذي يحمل بيده عُصابة توضع على العينين، كي لا
أرى من أين أسير أو إلى أين سأذهب، ولكنه لم يثق بأن أضع العُصابة بنفسي حين وضعتها أول مرة، فأمسك بيدي
وأبعدها، ثم أخذ يصلح من وضعها بشكل محكم، وقادني عبر طريق تتخلله بعض درجات
صعوداً ونزولاً لمدة زادت على الخمس دقائق. بعدها أوقفني ونزع العُصابة، ووضعها
على المزلاج الذي بواسطته يغلق الباب من الخارج. كان رقم الزنزانة (1) وهي
إنفرادية.
دفعني
إلى داخلها وكانت لا تتسع لأكثر من نصف شخص. طأطأت رأسي وأنا أدخل من الباب،
فالسقف لايرتفع عن مستوى الباب كثيراً، والمساحة كلها لا تزيد على متر ونصف مربع.
أغلق الباب خلفي بالمزلاج فأطبق الظلام بعد ذلك. رحت أتحسس المكان وأفكر في إبتكار
القدرة على إحتقار الإنسان، وهل هؤلاء الذين يتعاملون معنا بشر مثلنا ؟ يفرحون
ويحزنون وكيف يتعاملون مع أبنائهم وزوجاتهم ؟ ما هو تكوينهم ؟.
المهم
وجدت كيساً مملوءاً بأشياء صلبة خلتها حجارة. تهاويت عليه منهكاً منهاراً لا أشعر بما هو تحتي وإن
كانت مسامير . تبين لي فيما بعد أن ما أجلس عليه هو بديل الخبز هنا.. لا أدري كيف
جاءني النوم لكني نمت. وفي صباح اليوم التالي سمعت من ينادي على رقمي.. أنا صرت
(864) دون أن أدرك بعد ماذا يعني ذلك ؟
قادني
الحارس من بعد حفلة تعنيف لأنني لم أرد، قادني والعُصابة على عينيّ إلى أعلى بضع درجات، ثم أنزلني بضع درجات أخرى،
يخيل إليّ بعد طول هذه المسافة أنني لم أبتعد عن زنزانتي إلا بضعة أمتار، ولكن هذا
كله كان للتمويه. ثم أوقفني قرب أحد الأبواب، وقال: أدر رأسك إلى الحائط، ففعلت.
أمرني بالجلوس مقرفصاً ففعلت، تركني بعدها لأكثر من ربع ساعة. لقد غاب عني متعمداً
ليترك لي مجالاً لرفع القناع عن عيني بعض الشيء، فهو يعلم تماماً، وهذه عملية
غريزية، أن المرء يتفحّص ما حوله، ففعلتها، لأجدني أجلس أو أقرفص على بضع قطرات من
الدم، وُضعت أو جُعلت أو تُركت بشكل أو بآخر وبأسلوب مكشوف وساذج، وهذا إن دلّ على
شيء فإنما يدل على الإفلاس الفكري أو الإستخفاف بمن يتعاملون معهم، فليس كل الناس
أغبياء مثلما يفترضون.
هم
لم يكونوا مفلسين، فمن يعمل
مع المخابرات يجب أن يكون حاضر البديهة، ويتمتع بذكاء خارق وحاد؛ أي سوبرمان، فهذه
هي مقومات عمله، بالإضافة إلى كونه،
سليط اللسان وغليظ القلب، أما العلم والأدب والإنسانية فهي غير مطلوبة في عمله،
مددت يدي إلى بقع الدم التي قرفصني فوقها الغبي، لمسته بأصابعي ثم فركته ما بين الإبهام
والسبابة، فلم أجد به لزوجة. وما
هذه إلا مجرد مادة الميكروكروم
المطهرة، والعملية عملية ترهيب، إنه أسلوب رخيص ومكشوف وفاشل.
قادني
الحارس مرة أخرى إلى غرفة مجاورة، وأجلسني على كرسي.. إنه لا يزال يتناسى إحكام
العُصابة على عينيّ.. جلت بنظري إلى المكاتب فوجدت جواز سفري على الطاولة، رفعت
رأسي للأعلى فرأيت وجه المحقق عندما أدار رأسه ناحيتي، واكتشف وضع العُصابة غير
السليم، فبادرني بصفعة على وجهي وأعادها إلى الأسفل، فحجب عن عينيّ كل شيء وأعادني
للظلام ثانية. ومن الجوار بدأت
تصلني أصوات الإستعطاف والإسترحام وآهات الألم وصرخات البكاء، وقد تركني المحقق بعض
الوقت أستمع إليها عن قصد، فأدار
وجهه إليّ بعد أن شغل الكاميرا حيث سمعت أزير صوتها. قال لي أنت في المخابرات العراقية.
فقلت
مع الأسف. فزاد بالقول: “ليش ولك مع الأسف، أنت محظوظ لأنك في زنزانة لا ينزلها
إلا العظماء أمثال الشاعر شفيق الكمالي، ثم أنا نزلت بها، ومدير المخابرات السيد
سبعاوي حين غضب عليه الرئيس نزل بيها، وكذلك منيف الرزاز وعلماء وشعراء، أنت لازم
تحمد ربك!”.
حاولت
التكلم فقال: اسكت، أنت هنا موجود
بتهمة تهريب، كونك شاعراً فهذا شيء وهذا شيء آخر، الحسنات لا يذهبن السيئات، نحن
نحفظ لك مواقفك، لكنك أنت هنا اليوم لتحاسب على جريمة التهريب، تهريب أشخاص للعراق
(وهذه جريمة عقوبتها خمسة عشر عاماً إذا كان الشخص سورياً أو إيرانياً وخمس سنوات
إلى سبعة إذا كان مصري الجنسية، وثلاث سنوات إذا كان أردنياً أو سعودياً)، وإستطرد
بأن الشهود موجودون، والأشخاص الذين هربتهم هم مصريون ليس لهم أي نشاط سياسي وغير
خطرين على الأمن، لكنهم مبعدون عن
العراق، لأن عملهم كان في النوادي الليلية وهذه النوادي مُنعت، لذلك وجب تسفيرهم. ولكنهم أو غالبيتهم حقيقةً لا يستطيعون
الإبتعاد عن العراق، فمنهم من تزوج عراقية، ومنهم من لا يستطيع العودة إلى مصر
لأسباب عدة، وهي أنهم حصلوا على الجنسية العراقية وشاركوا في الحملة الإعلامية
المناهضة للسياسة المصرية في إنحيازها ضد العراق في حرب الخليج، وغالبيتهم شاركوا
مع العراق في الحرب ضد إيران، وهؤلاء تم تسفيرهم بطريقة تعسفية؛ إذ أُقتلعوا من
منازلهم ووضعوا في السجون كي يتنازلوا عن ممتلكاتهم وأموالهم، ومن ثم نقلتهم
سيارات حكومية إلى الحدود الأردنية دون أن تكون معهم أجرة الطريق، وكنت قد سمعت عن
التسفيرات في المعتقل سيء الذكر. المصيبة الكبرى التي حلّت بهؤلاء هي تخليهم عن جنسيتهم المصرية والحصول على الجنسية
العراقية، وهم اليوم لا هذا ولا ذاك !
هذا هو الضياع بعينه.. بعد أن لاحظ المحقق شرودي وإنشغال فكري، بادرني
بلطمة على وجهي كي أفيق من غفلتي،
تحسست مكان اللطمة وقد أصبحت خبيراً. فعرفت أن الضربة كانت بفردة حذاء !
وما أن فعلت ذلك حتى بادرني بالأخرى في الجهة الثانية.. تأتي الضربة مفاجئة'
ويعاجلني بالسؤال: رضا عبد العزيز وآخرون، ألم تهربهم إلى الأردن ؟
ولما
أنكرت، نصحني بالتفكير حتى مساء الغد، فالإعتراف وحده ينهي كل هذه المعاناة. وأضاف
بأنه وعد المدير بإنهاء الموضوع سريعاً ومساعدتي لأنني شاعر ولا تجوز الإساءة لي
في السجن، فما هذه إلا مجرد إجراءات روتينية !، وأعطاني المحقق (الرؤوف) حتى
الساعة الرابعة من مساء الغد موعداً، وما بينها فرصة للتفكير !
قادني
الحارس هذه المرة إلى زنزانة أخرى
تحمل رقم (8). وجدت فيها ثلاثة أشخاص. بدأوا يعرفونني بأنفسهم، فالأول اسمه (أبو عبد
الحكيم الزوبعي) وهو من إحدى العشائر المشهورة القاطنة حول بغداد. عشائر زوبع في
منطقة (أبو غريب) أما الثاني فهو شاب سوري، والثالث شاب مهزوز إسمه (عليوي حسين
الدليمي)، سألت الأول عن تهمته فقال بأنه اشترى بندقية رشاشة من شخص ما، فتبين
أنها مسروقة من الحرس الجمهوري. أما عليوي فقد أودع عنده أحد أصحابه بعض النقود وتبين فيما بعد أنها مزورة.
أما الشاب السوري فقال إنه فار من سوريا، حيث كان يعمل شرطياً في منطقة حلب قريباً
من الحدود، وسلّم نفسه لأنهم في سوريا كما يقول إكتشفوا بأنه موالٍ للعراق.
أصعب
لحظات هذا المكان اللعين ساعات ما بعد الظهر، فالكل يكون مشدود الأعصاب مرتعباً.
من فترة التعذيب، لا التحقيق حسب إدعائهم، والعودة منها تكون مصحوبة عادة بكسر أحد
الأطراف أو أحد الأضلاع، أو الأسنان أو الحروق الناجمة عن الكهرباء أو النار.
والكهرباء لها دور كبير في إنتزاع كل ما يريدونه من أقوال، إن لم يكن في الجلسة
الأولى فسيكون في الجلسات التي لا تنتهي، إلا بعد أن يصلوا إلى ما يريدون فليس
المهم الحقيقة، المهم أن يحصلوا على أكبر عدد من المدانين بالتهم التي تجلب لهم
رضا المسؤولين وتبرز مدى نشاطهم.
أما
الدور الثاني الذي لا يقل عن الكهرباء.
فهو تعليق الرجل على الحائط مع تجميع أكتافه إلى الخلف، وهذه تخرج من موضعها منذ اللحظة الأولى،
يرافقه الضرب بالعصي والهراوات، وإنه إما الإعتراف وإما.. وحتى بعض الحالات يجري
التحفظ عليها حتى بعد الإعترافات بالصورة والصوت والتوقيع وهذه تبقى بعيده عن كل
مراجعة ودون محاكمة أو خروج، كثيرون
هم الذين قضوا نحبهم قبل التحقيق أو أثناءه ممن عندهم مضاعفات صحية أو مشاكل في
القلب. والحالات التي يجري التحفظ عليها طويلاً من الصعب إكتشافها، فالأرقام تتغير
كل عام، والرقم يبدأ عادة من واحد إلى ما لا نهاية حتى آخر يوم في السنة ثم يبدأ
من جديد. مع بداية العام الجديد.
وإحدى
هذه الحالات شقيقان من مدينة (مادبا) الأردنية تم إغراؤهما بالعمل في العراق من قبل المستفيدين
فأوقعوا بأحدهما ليحاول الثاني القيام بالوساطات فاعتقله رجال المخابرات، ووضعوا
كل واحد منهما في طابق من المبنى كي لا يلتقيا.
المهم
أنني بدأت التعايش مع الجو المحيط بي واسترحت كثيراً للبدوي الزوبعي الذي نصحني
بالإعتراف، لإنهاء المعاناة وذكر لي كيف أن أخاً له سبق وأن خدم في هذا المكان
اللعين كمحقق، وهو الآن ضابط في الأمن برتبة مقدم، ومسؤول عن قسم الدورة (من أحياء
بغداد)، ولأنه لم يكن بارعاً في التحقيق حسب ما يريدونه، نقلوه إلى الشرطة، ولما
قلت له كيف أعترف بما لا أساس له من الصحة ؟ قال لي: إعترف هنا، وعندما تخرج
للمحاكمة إشرح لقاضي التحقيق بأنك إعترفت من جراء التعذيب (قاضي التحقيق هو تحقيق
آخر يأخذ الإفادة قبل أن تدخل القضية إلى القاضي بشهر تقريباً).
وتبدأ
أسراب القمل بالزحف من الجوار، للقمل عدة أشكال وألوان وأحجام، وهناك البق والبعوض
ولكل دوره في التعامل مع القادم الجديد، وعن ماذا يمكنك الحديث في السجن.. قذارة
المكان أم عذاب الناس.. رداءة الطعام أم ترقب الذبائح لذابيحها، والذبائح أول
الأمر تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، رافضة اقتيادها للذبح.. ولكن شيئاً فشيئاً تضعف
مقاومتها والقائمون على الذبح يفضلون (النعم) فهي الكلمة المفضلة عندهم، يجب أن
يسمعوها، فمن يقول (لا) لن يقولها طويلاً، وهم أيضاً لا يحبون (اللا) ولا يحبون
سماعها، والسؤال عند التحقيق يبدأ بكلمة أنت فعلت كذا وكذا، صح ؟ طبعاً صح، إن لم
يكن الآن فإنه صح ومليون صح لاحقاً.
أما
الإعدام وأماكنه فكثيرة وطرقه أيضاً متعددة، إما في معسكر الرشيد وإما في سجن أبي
غريب، وإما في مبنى المخابرات أو في مبنى الأمن الخاص، وعلى أية حال يتم دفن الذي
يتم إعدامه، بعد أن تؤخذ منه بعض الأعضاء مثل العينين: إحداهما أو كلتاهما، ففي
أغلب الأحيان إن كان عراقياً وسيسلم إلى ذويه تؤخذ إحدى عينيه. شاهدت هذا عندما
أعدم صديق لي عام 1992 إذ أعدم في الحي الذي يسكنه، لا أحد يلمسه حيث يسلم إلى أهله
مباشره وهذه الحالات فقط للعسكريين، حيث يتم ربطه إلى أحد الأعمدة ويطلق عليه
الرصاص أمام أهل حيه وأهله.
قصتي
الطويلة وأنا في قبضة أبناء الجحيم، بدأت تتشابك خطوطها، وتتعقد جراء ما أدعوه من
شهادة (عصام العامل في الفندق والموقوف لديهم أيضاً) و(أم نادر) التي كانت تآمرت
مع رجال الإقامة على زوجها لتجريده من ممتلكاته، والمحقق بعد هاتين الشهادتين يسعى
لتركيعي، وأمام إنكاري، ينصب الويل فوق رأسي والضرب كالمطر ينهال عليّ لتبدأ حفلة
تعذيب من نوع آخر، تعذيب جنسي من بعد التعذيب الجسدي والنفسي، وبدأت حفلة بعد
حفلة، وبدأ التسجيل بواسطة كاميرا الفيديو، إنها حفلة إعترافاتي: نعم نعم لكل سؤال، إلى آخر الحلقة فإكتفى
(السجّان) من كثرة النعم وتكرارها، لأنه سينال رضا مسؤوليه، وكان قد أقسم لي (وهذا
راس صدام يوم الأربعاء إنت مو هنا).. عدت إلى زنزانتي نفسها الزنزانة رقم (8)،
لتقابلني مواساة وتعاطف ساكنيها، وهم أشخاص بالكاد أعرفهم، وإن عرفتهم فلا أعرف
عنهم إلا القليل.. كنت في هذا الموقف بحاجة إلى العاطفة التي لم أرها في هذا
الزمن، فقد فقدت والدتي قبل عشرين عاماً.. في هذه الأثناء أحضرو لنا شخصاً آخر
مصري الجنسية، يعمل حارساً لعمارة قيد الإنشاء، إفتعلوا معه مشاجرة لجره وإبعاده
عن مادتي الإسمنت والحديد اللتين يحرسهما. أحضروه بتهمة شتم الرئيس، وهذه تهمة
عقوبتها الإعدام بشهادة ثلاثة أشخاص، وهي عقوبة منصوص عليها في القانون، ولما
أخبرناه بذلك إنهار.. أخذ يبكي ويضرب على رأسه ويتبول ويتبرز في ملابسه.حالات
إستغلال البسطاء والمساكين ليست جديدة على غالبية رجال الأمن، فهم الذين يمتلكون
صلاحيات إستثنائية وقوانين خاصة تحمي تصرفاتهم وسلوكياتهم المزاجية.
الساعة
الآن هي الرابعة واليوم هو الأربعاء على أغلب الظن، ولا أدري ما هو التاريخ.. فتحت
الزنزانة وطلبني الحارس بالرقم.. لم أستطع أن أودع من معي، لأنه ممنوع.. ودعتني
أعينهم بدعاء صامت وفرحة لا تخلو من الحسد الحميد المحبب، فالخروج من هنا، مجرد
الخروج، ولو إلى حبل المشنقة هو الخلاص بعينه.. قادني الحارس دون أن يغمض لي عينيّ
هذه المرة، والمكان هو المكتب الأول الذي إستبدل بإسمي رقماً.. إستلمت أشيائي (أي
ملابسي)، وكان معي في المكتب نفسه شخص آخر مفرج عنه، هو عراقي الأب وإيراني الأم،
لكنه نزيل هذا المبنى لأكثر من مرة، لكون أمه إيرانية.
رآني
وأنا أستغني عن ثلاث علب سجائر لأعطيها للحارس، فطلب مني متوسلاً علبة واحدة، أتبع
طلبه بتنازلات للحارس لأنها أصبحت ملكه حتى وصلت التنازلات لطلب سيجارة واحدة،
لكنه لم يأخذ شيئاً. قال له الحارس (هل يؤخذ من جهنم حطب ؟ شو أنت مخبل ؟
(مجنون)). هذا المسكين أُبعد إلى إيران أكثر من مرة مع أمه، ولكنه في كل مرة يعود
فيها إلى مدينة بعقوبة شمالي بغداد حيث يعيش والده واخوانه من أبيه، وحيث ولد هو
وأبوه، يلقى المصير نفسه بتهمة تجاوز الحدود بإعتباره أجنبياً يتبع والدته وليس
والده، وكان يحكم مدداً قصيرة وأحياناً يبعد دون محاكمة. هذه المرة إدعى الجنون
وأُودع (الشماعية) مستشفى الأمراض العقلية، وهناك يصبح مجنوناً بالفعل وإن كان من
أعقل العقلاء.
تم
نقلنا أنا وإياه من مبنى المخابرات بالمنصور إلى معتقل الفضيلية، إنه معتقل بناه
الانجليز في عهد الاستعمار، وهو سراديب تحت الأرض أقيم فوقها ثلاثة عشرة غرفة،
فيما استعملت السراديب لجر المياه العادمة، فإذا نزل المطر امتلأت السراديب وأخذت
المياه تتدفق منها إلى ما يسمى بغرف المعتقل حيث يبقى الموقوفون وقوفاً أياماً
وليالي، فالمكان يصبح كالمستنقع حتى يتوقف المطر. وهل يتوقف مطر بغداد أيام الشتاء إلا لماما. لم أدعُ ربي بوقف المطر طوال حياتي إلا
في هذا المكان اللعين.
الحديث
المستفيض والإحصاء الكامل لكل ما حدث ومتابعة كل قضية أو شخص كان موجوداً معنا أمر
صعب. الأحداث كثيرة والأشخاص كذلك، وهذا ما يحتاج لمجلدات كبيرة جداً لتدوينه.
ففي
كل يوم يحضر أشخاص جدد وقضايا جديدة، منها المهم ومنها غير الملفت للنظر لتفاهتها.
وهناك أشخاص من دون قضايا، مثل شاب من بنغلاديش حضر للعراق من أجل زيارة مقام
الإمام عبد القادر الجيلاني، فهو ينتمي إلى طائفة القادرية الإسماعيلية، التي لا
أدري ولا أعرف عنها شيئاً. حضر في مركب مع آخرين من إيران، وبينما هم في شط العرب
صادفتهم إحدى الدوريات ولم يستجيبوا لنداءاتها بالتوقف وتسليم أنفسهم، تم إغراق
مركبهم ففقدوا كل شيء حتى جوازات سفرهم،
أحدهم توفي بعد أيام في سجن البصرة والثاني حُوّل إلى (الشماعية). والباقون
غرقوا .. طالت إقامته، فأصيب، كغيره ممن تطول اقامتهم هنا، بخلل عقلي نتيجة للضغط
النفسي، وحولوه إلى مستشفى
الشماعيــة (مستشفى الأمراض العقلية) الذي لم يكن صدفة وجوده بالقرب من هذا
المكان، فمعظم نزلائه من خريجي السجن الخطير العظيم ومن المقيمين فيه سابقاً.
جرت
محاكمتي صباح 22/11 في قفص خشبي قبالة ثلاثة قضاة فوق رأسهم صورة لصدام تعلوها آية
كريمة {وإن حكمتم فأحكموا بالعدل}، ولم ينهض المحامي الموكل بالدفاع عني إلا ليقول
جملة واحدة “أرجو من محكمتكم الموقرة تخفيف الحكم والرأفة بموكلي فلان”.
الموقف
لا يحتاج إلى تخاذل، فالمسألة مسألة حياة أو موت، ولماذا احتاج المحامي، فلست
عاجزاً وسلاحي أنني بريء فلماذا التخاذل ؟. وقفت ودافعت عن تفسي، لأنها كانت فرصتي
الأخيرة ولن أجعلهم ينجحون في ظلمي كما فعلوا في التحقيق، كشفت للقاضي عن آثار
التعذيب الذي كنت أخفيه عن أعين المسؤولين والموقوفين كي لا يؤخروا محاكمتي، ثم
أحضروا الشاهد (رضا المصري) الذي شهد لصالحي، ونطق القاضي ببراءتي.. صحت بأعلى
صوتي: يعيش العدل يعيش العدل، ودفعت الباب الخشبي للقفص لأخرج، لكن عباس وهو الاسم
الحركي للمسؤول في أثناء المحاكمة والحارس أمسكا بيدي، فقلت ماذا وقد نطق القاضي
بالبراءة، قال عباس: نعم، قال براءة ولكنه لم يقل إفراج ! وسألته ما الفرق ؟ فقال:
الفرق كبير فالآن نحن نريد أن نميز عليك الحكم، فإذا جاء التمييز إيجابياً نظرنا
في مسألة خروجك، ثم أعادوني إلى المعتقل ونقلوني من الغرفة مرتين، ووضعوا قربي
جاسوساً له ضحايا كثيرون، حاول الإيقاع بي وإستخدام آلة التسجيل ليحصل على دليل،
خاصة وهو يفتعل النقاش السياسي في شخص صدام، أو يعيد عليّ أبياتاً من شعري كان قد
حفظها من أجل التهمة ! هذا الجاسوس حاول الإيقاع بشخص ليثبت عليه الإنتماء لمنظمة
(شهود يهوه)، كما قاد شاباً نجفياً إلى الإعدام. هذا الشاب المسكين حاول التخفي
باسم مصري لمشاركته في الانتفاضة أو (الغوغاء) كما كانوا يسمونها، ولم أكن أصدق
القصة التي إختلقها الجاسوس على أنها سبب سجنه، طبعاً هو كاذب، هو ليس سجيناً،
هنا، بل جاسوس، أي أنه في مهمة في (الفضيلية) ولن أنسى علياً -رحمه الله- وهو يردد
حينما أخذوه.. أنا انتهيت راح يعدموني. إلتقيت في الفضيلية بشيخين جاءوا بهما من أحد
المساجد في بعقوبة وتهمتهما الإنتماء إلى مذهب “الوهابية”، وطلب مني الجاسوس أن
أتقصى له أخبارهما ليرضى عنى رجال المخابرات، فهذه المهمة سوف تسهل عملية إخراجي
من هنا، وكم كانت صدمته كبيرة عندما رفضت وشتمته، فبدأ يسعى إلى تطويل مدة اقامتي
بشتى الطرق وأنواع التهم جراء رفضى التعاون وتحذيري من هؤلاء الشيوخ.
وفي
السجن قصص وحكايات، فهل أنسى مثلاً (رمضان غلوم) كويتي المولد، لكن بلا جنسية
كويتية ويسمى بالقانون (بدون)، وحكايته أنهم يريدون إبعاده إلى إيران، وهو يرفض
فهو ينتظر رداً من الصليب الأحمر للعودة للكويت هو وابن خالته حيدر، منذ أكثر من
عام، والمماطلة جارية والوعود الكاذبة لا تنضب، أم (سالم السوري) الموقوف هنا قبلي
بعام من دون أي تهمة، وقد مزقوا جواز سفره وإستغلوا زوجته أبشع إستغلال، أم الفتاة
الكويتية ذات السبعة عشر ربيعاً والتي حملت سفاحاً منهم، وغيرها الكثير.
والحال
في “الفضيلية” أفضل بكثير مما هو علية في “الشماعية”، لأن بعض العقل يبقى للخارج
من الأول بينما يفقده كاملاً في الشماعية، هكذا قال لي عاقل عائد من هناك، وعلى
الرغم من تنوع جنسيات القابعين في سجون صدام العديدة إلا أن الإيرانيين
العربستانيين في الجنوب، والأكراد في الشمال هم الأكثر عدداً في السجون العراقية،
وتوالت الأيام والليالي في معتقل الفضيلية، فالنهار هنا هو إمتداد الليل والليل
طويل يزيده النهار طولاً ثقيلاً بطيئاً بليداً، هنا الإنسان معلق بين الموت
والحياة، بين الحكم عليه بالسجن أو البراءة، فالبراءة كالعملة النادرة، لا
يتعاملون بها وإنما ينحصر تفكير السجانين بزيادة العدد وتطويل المدد، والمجتهدون
من أصحاب الخبرة بالأحكام كثيرون من المقيميين معنا في هذا القبر الجماعي، وكل
يدلو بدلوه، فمن أين للنفس أن تهدأ وكيف يأتينا النوم ؟ وإن أقل حكم هنا هو “كعكة”
أي خمس سنوات هكذا هي التسمية بلغة الموقوفين.
ومن
كثرة حساب الأيام يجد الإنسان نفسه وقد بدأ ينسى، فلا يجد قربه من يسعفه على
التذكر، لأن الكل بدأ ينسى، وعندما تسأل الحارس عن اليوم أو التاريخ أو الساعة، لا
تجد جواباً سوى السخرية التي يتبعها بشتيمة من العيار الثقيل. كانت حسابات
المخابرات تخطط لسجني عشر سنوات، متجاهلين قناعات القضاة الثلاثة الذين حاكموني
فمحكمة الجنايات هنا يحكم فيها ثلاثة قضاة، ولا أدري إن كان هذا معمولاً به في
المحاكم الأخرى.
وحين
أعادوني إلى المعتقل، كانوا يفكرون في أسلوب آخر وفي تهمة أخرى يوجهونها إليّ
فسلطوا عليّ مخبريهم داخل المعتقل حيث لازموني كظلي وكانوا كثراً، ولكنني أخذت من
الجرعات الوقائية ضدهم ومن الدروس، ما يكفى لأن يجعلني معلماً في هذه اللعبة،
فطالت اللعبة !
الأحداث
كثيرة، والمعاناة كثيرة، وسردها بتسلسل يحتاج إلى الكثير وتذكرها يحتاج لأكثر،
كذلك نسيانها أو تناسيها فإنه يحتاج ما يحتاج، فالجرح عميق والألم شديد والتحمل
فوق ما أطيق، أُقفلت جميع السبل فما من طريق للنجاة والخروج إلا وباءت بالفشل.
بعد
مرور أربعة أشهر أصبحنا أحد عشر أردنياً واثنين من اليمن، تضامنا معنا عندما قررنا
الإضراب عن الطعام، سبقنا إلى هذا المصريون قبل مجيئنا إلى المعتقل، فأذا قوهم
عذاباً لا يطاق وتوفي أحدهم فوضعوه في حاوية القمامة ثم أخرجوه، هكذا أخبرنا من
نجا منهم، أما اليمنيان فقد أضربا عن الطعام قبل هذه المرة ولكنهم تحايلوا عليهما
فأنهيا الإضراب بعد وعدهم بإخبار السفارة لتسلمهما وتسفيرهما كونهما دون تهم
ضدهما، فالأول ألقوا القبض عليه لأنه موجود بالبصرة، وهذا يعني أنه تجاوز مكان
إقامته، والثاني ذهب إلى بلدة سنجار في الشمال ليستطلع أمر مذهب الزيدية، فغالبية
اليمنيين زيديون، أما في العراق فهم مختلفون تماماً فلهم ديانة أخرى لها أسرارها
ولها صلاة بعبادة لما يسمونه طاووس أي (الشيطان) فألقى عليه القبض هناك وجئ به إلى
بغداد بتهمة تجاوز الحدود، وبقي سنة دون محاكمة.
إتفقنا
على الإضراب عن الطعام من الدرجة الثانية في بادئ الأمر، وإذا لم يستجيبوا لمطلبنا
وهو إبلاغ السفير الأردني عن رغبتنا برؤيته أسوة بجميع السفراء الذي حضروا لمقابلة
رعايا دولهم، رفعنا الإضراب إلى الدرجة الأولى. إنقلبت الدنيا في المعتقل، هددونا
وأعادوا التهديد وإحتاروا في أمرنا مثلاً قال لي مدير الإقامة عندما طلبت مقابلته
وحضر إلى المعتقل، قال: ألا تعلم أن الإضراب عن الطعام في الإسلام حرام إذا كان
يسبب الموت ؟
إلتفوا
علينا بإخراج اليمنيين إلى مبنى الإقامة لمقابلة السفير اليمني ولم نرهما ثانية،
طلبوا فيما بعد إثنين منا بحجة مقابلة السفير الأردني، ولكن عرفنافيما بعد أنها
كذبة وانطلت علينا لفك الإضراب ليخبرونا بأن السفير رفض مقابلتنا، بل رفض الموضوع
برمته، بدأت معاقبتنا على جريمة الإضراب عن الطعام بعد أن إطمأنوا إلى أننا
إستعدنا قوانا، إذ نقلوني إلى المحجر الإنفرادي وحدي على إعتبار أنني المسؤول عن
الإضراب وصاحب الفكرة، ولم أكن كذلك إنما كنت أشدّ المتحمسين لها بتوقيتها وكيفية
تنفيذها.
دخلت
المحجر الإنفرادي في الخامس من شهر رمضان الكريم وبقيت به حتى آخر يوم لي في
المعتقل أي الثاني والعشرين من الشهر نفسه، ويصادف الثامن عشر من شهر شباط على ما
أذكر، إذ أنني أضعت حساب الأيام كما وأنها لم تعد تشكل لي أي أهمية بعد هذه المدة
وطالما أن الليل والنهار يستويان.
خرجت
على يدي أحد أقرباء الرئيس صدام، الذي له صداقة مع أحد الأردنيين وهذا بدوره له
ابن أخت يدرس مع إبني في جامعة العلوم والتكنولوجيا، وكان إبني قد أخبره بقصتي
كاملة، فذهب هذا إلى الشيخ (أحمد خضير الناصري) وهو ابن عم صدام لكنه لا يتدخل
بالسياسة مطلقاً، وبمجرد مقابلتي للرجلين الفاضلين إنقلبت معاملتهم معي رأساً على
عقب، وشعرت أن المعاناة شارفت على النهاية، ولكن راودني الخوف من أن يضللوا هذين
الرجلين الطيبين مثلما ضللوا غيرهما أو عن طريق إقناعهما بأنني مذنب.
وبعد
يومين من زيارة الشيخين أخذوني إلى خارج المعتقل، وسمعتهم يتحدثون أو بالأحرى
يجيبون عن سؤال محضري بأنني (مطلوب للزاهج) وهي كلمة غريبة. ما هو الزاهج ؟ وماذا
يريد مني هذا الزاهج ؟ إنتظرنا بالإقامة مدة ساعة، وعاودنا الرحلة سارت السيارة
بنا فمرت من أمام مبنى التلفزيون عن طريق الجسر الجمهوري مروراً بوزارة الإعلام
وفندق المنصور. في هذه الأماكن وخلف مبنى التلفزيون بالصالحية قيادة الأمن الخاص
أو بالأحرى ألعن وأنجس مكان للتعذيب بالعالم وليس في العراق فقط، يشرف عليه نجل
الرئيس قصي. إنتابني الشعور بالخوف،
ولكن عندما تجاوزنا الدوار متجهين إلى شارع حيفا ثم عرجنا إلى شارع العلاوي باتجاه
المنصور من أمام معرض بغداد الدولي، أي إبتعدنا عن بوابة مبنى المخابرات التي خرجت
منها ذات يوم بواسطة نفق يؤدي رأساً إلى الشارع يمر من أمام قصر المؤتمرات وفندق
الرشيد. لم يطل بي التفكير وأنا
أسأل نفسي أين يقع هذا الزاهج وما هو ؟ حتى إنعطفت السيارة فإذا بوابة أخرى مكتوب
على لوحة كبيرة قبلها بأمتار (إستعلامات ومراجعات المواطنين). فُتحت البوابة.
عندها فقط فهمت ماذا تعني كلمة زاهج. إنني بكل بساطة في مبنى جهاز المخابرات.
وكلمة زاهج متى قلبت أحرفها أصبحت (جهاز)، وهناك قابلت رجلاً قال لي إنه منتدب
كطرف محايد لإعادة التحقيق معي، فهو مكلف من قبل الرئيس وأن “سيادة الرئيس يهديك
السلام ورئيس جهاز المخابرات أيضاً”.. كان أسلوب الرجل ناعماً كي يخفف من غلواء
عدائي ومحاولة استقطابي بوضع اللائمة على بعض الأشخاص متهماً إياهم بالجهل مرة وبتجاوز صلاحياتهم مرة أخرى. كما أنه
يضع اللوم الأكبر على هذه الحرب اللعينة، وهذا الحصار الجائر الذي أعقب إحتلاله للكويت، وأضاف: “أنت
رجل شاعر وقلبك كبير والسجن دائماً يعطي للشاعر فرصة للإبداع فالمعاناة دائماً
للشاعر منطلق لنحو تجربة شعرية متميزة، فإن شاء الله أوعدك خير والجماعة ما قصروا،
قصدي الشيخ أحمد وصديقه، بعدين أنت سيد العارفين، لولاهم لما خرجت من هنا مطلقاً،
لأنه معي هنا بالإضبارة مالتك أربع تهم، كل تهمة تؤدي إلى الإعدام على كل حال
هاليومين أنت خارج”.
وخرجت
إلى الحياة بعد يومين.
>
تم الاعتماد في تحرير هذه الشهادة، على كتاب صاحبها المنشور باسم (الزنزانة رقم
8).