الشهادة السادسة

أحمد إبراهيم عايد

مواليد عام 1952

بدأت العمل سائقاً على خط بغداد - عمان في عام 1982، ولكنني بعدها قررت الاقامة في بغداد والعمل أيضاً. أنشأت عملاً تجارياً في منطقة البياع - شارع العشرين، عملي كان بيع الأدوات الكهربائية. تزوجت من فتاة عراقية (من عشيرة الدليم) وفي شهر أيار عام 1992، وبالتحديد 2/5/1992م أُعتقلت من قبل المخابرات العراقية ووجهت لي تهمة الإساءة للنظام، تمّ توقيفي في شعبة الحاكمية، وفي أثناء التحقيق كانت الإتهامات الموجهة لي تتمثل في أنني أُسيء للنظام، ولم أنتمِ لحزب البعث على الرغم من محاولات زوجتي التي كانت قد عرضت الأَمر علي مراراً وتكراراً، وكانت إجاباتي أن الأمر يمثل اختياراً فكرياً وسياسياً ولكنهم واجهوني بالضرب والتعذيب، وبعد توقيف دام إثنى عشر شهراً، جرت محاكمتي وصدر الحكم علي بالاعدام بتاريخ 24/3/1993، وذلك في محكمة ليلية في المخابرات ومن ثم تم تحويلي إلى سجن أبو غريب، محكمة المخابرات الرهيبة لا دفاع ولا قانون فيها ولا حتى أسماء للأشخاص وإنما مجرد أرقام، ولا محاكمات تجري في النهار، رقمي (1650) وتقرأ لائحة الأرقام ويصدر الحكم في دقائق، حاكموني في مخابرات المنصور، والتهم التي وجهت إلي هي كراهية البعث والتهجم على النظام، والتصريح بالقول أن البلد يشهد اضطهاداً وأن هناك معلومات من خلال الناس عن هذه الأفكار التي أبثها، حسب إدعاءاتهم، وما كان يجري في العراق في ظل النظام السابق هو خارج نطاق العقل والتصور، هناك حكومات متعددة، الجمارك، الشرطة، عدي أو قصي، مخابرات أو جهاز الأمن الخاص وأطراف متعددة وغيرها، والذي يقع بين أيدي هذه الأجهزة لا يمكن معرفة مكانه أو مصيره، ومن ضمن التهم التي وجهت لي هي “قدح مقامات” أي ذم المسؤولين وأعضاء النظام، والكثير الكثير من هذا القبيل، هذا إضافة إلى رفض الإنتماء لحزب البعث ومعاداة توجهاته، وكنت أقول لهم بأنني لا أستطيع الإنضمام إلى الحزب لكي أكون كاتب تقارير عن الآخرين وعن تحركاتهم، لا أذكر أنهم كانوا يذكرون أدلة موثقة ضدي وهو يحققون معي.. لا أذكر سوى أنهم واجهوني بحديث جرى في منزلي مع أناس كنت أظنهم أصدقاء، وأعتقدت أيضاً أن ما كان يدور هو عبارة عن دردشات عادية، لكن الحديث انتقل على أساس أنه معاداة للحزب والثورة والنظام وتسبّب لي بحكم بالإعدام تم تخفيفه إلى السجن المؤبد، بسبب أنني من قطر شقيق وأنني فلسطيني.. الخ هذه الديباجة. بقيت في سجن أبو غريب إلى حين العفو الذي حصل عليه لليث شبيلات. كنا حوالي الواحد والسبعين شخصاً وكان منا عشرون شخصاً مسجونين بدعاوى أمنية ومن هؤلاء ضيف الله وخالد صالح وعدنان عبد القادر وقدير قدري طلوزة، وكان هناك حوالي 48 سورياً حكموا بالتهمة ذاتها، وأذكر قصة طالب من الضفة الغربية وقع فريسة في أيديهم بسبب أنه عبر عن رأيه في موضوع حر في الجامعة، حين كتب “لماذا تم غزو الكويت ؟” هذه الكلمة أوصلته إلى نيل حكم الإعدام الذي تمّ تخفيفه إلى المؤبد، كان هذا الطالب يدرس في جامعة البصرة، وبقي في السجن لمدة عام حين خرج بواسطة مرسوم، فقد عملت والدته مختلف الوساطات ودفعت نقوداً وأنا لا أعرف قيمة ما دفعت بالضبط، ولكني أعرف أنها حصلت على مرسوم بالعفو من صدام حسين.

زوجتي (آنذاك) كان لها دور في الموضوع، فقد ساهمت بشكل أساسي في توصيلي إلى حبل المشنقة، وكونها حزبية فمن واجبها أن تعرض عليّ المشاركة في تنظيم حزب البعث هذا أولاً، وثانياً لابد لها أن تكتب تقارير عن المقربين منها فهذا يعتبر واجباً عليها تجاه الحزب، إضافة إلى الترقيات الحزبية التي ينالونها جراء ذلك وهي من هذا المنطلق نقلت لهم الصورة، وأنا أعتقد أن هؤلاء الحزبيين هم عبيد لذلك الحزب، فصدام حسين كان يقول لهم “إذا لم تجد شيئاً تكتب عنه فأكتب عن نفسك” فكيف لا تكتب زوجتي عني ؟ وبالطبع حصلت على ترقية فكل من يكتب عن أحد أو يخبر عن قضية أو يسلم عسكرياً هارباً ينال الترقية، درجة حزبية.

لم تكن بيينا أية مشاكل، ودوافعها كانت مادية، كانت تريد الحصول على مكاسب شخصية، وهذا الحال لا يقتصر علي فقط، فأنا أعرف مفوضاً في الشرطة أسمه (عادل) قتل أباه وأخاه، وحين سئل لماذا فعلت ذلك ؟ قال: لقد شتما صدام حسين فاستحق نوط الشجاعة إضافة إلى صلاحيات واسعة تؤهله لمخاطبة وزير الداخلية وبالتالي يفعل مايريد، هذه إحدى القصص التي عرفتها وأنا في العراق، وهي كثيرة وغريبة. أذكر مرة أن أحد الأشخاص الذين كانوا على علاقة بالحزبيين ورجال النظام أَسرّ لي بالقول: أنا كنت (ملازم أول) في حراسة صدام حسين ودخلنا مرة إلى بيت هيثم أحمد حسن البكر، بقيت في الحديقة وعلى مقربة منهم أستمع إلى حديثهم، دار النقاش بين صدام حسين وعدنان خير الله وزير الدفاع ونسيبه - شقيق ساجدة زوجة صدام حسين، وكان الموضوع أن صدام طلب من هيثم أن يطلق زوجته، فكان عدنان خير الله يقول لصدام بأن هذا الأمر غير معقول فهي أم لأربعة أطفال، فقال صدام: هذا ما يريده النظام وعلى هيثم أن يفعل ذلك على الفور ! وإلا قتلته”.. وانتهى الأمر بتطليق المرأة ومن ثم تزويجها من (وطبان) الذي كان وزير الداخلية وهو في الحقيقة اسمه (زبلان) وبالطبع قام بتغيير اسمه منعاً للحرج، هذه قصة حقيقية جرت فلا تستغربوا أن يحدث معي ما حدث، وقياساً للجرائم المروعة التي حدثت في العراق فإن موضوعي بسيط، وأي إنسان عاش مع الشعب العراقي وتلمس معاناته عن قرب يدرك حجم العذاب والخراب الذي سببه هذا النظام للبلد والناس، أما الوضع في السجون العراقية فهو صعب للغاية، مستوى متردٍ من الخدمات وعلى السجين أن يدفع ثمن القفل والكهرباء والماء وكذلك السرير الذي ينام عليه وثمنه خمسة وعشرون الف دينار، أما السجناء العرب فهم مطالبون بتقديم الرشاوى إلى الضباط ومخصصات مالية خاصة بعد كل زيارة يقوم بها الأهالي إليهم وبحجج تحسين السجون والتبرعات وبالطبع هم يأخذون هذه الأموال والعطايا لجيوبهم. والذي لا يعطي من السجناء يتعرض لشتى صنوف العذاب.

كان أهلي يأتون إليّ في زيارات متباعدة طبعاً، لأنهم سيسافرون من الأردن إلى العراق، والدي ووالدتي كانا يقومان بزيارتي وقد توفيا. بعد ذلك، الحياة في داخل السجن كانت أكثر من جحيم ولا وجود لكلمات من مثل “حقوق إنسان أو معاملة جيدة أو لمسة ضمير أو أي شيء من هذا القبيل”، كنا نتعرض لعقوبات قاسية مثل البقاء تحت الشمس في أيام الصيف القائظ لنهار كامل أو البقاء في وضع القرفصاء من الساعة السابعة صباحاً وحتى السابعة مساءاً، والعلاج كانوا يصادرونه منا بعد أن يقدمه لنا الصليب الأحمر، وكذلك المساعدات التي كانوا يقولون لنا أعطونا كل ما وزعوه لكم فهذا من أموال العراق !

كان هناك سجناء أجانب أيضاً وأذكر منهم واحداً أسمه (ديفيد) وآخر أسمه (مايكل)، أحدهما قبضوا عليه وقد دخل بدراجة هوائية إلى الموصل واتهموه بتجاوز الحدود، وحكموه لثماني سنوات، ولكن تم الافراج عنه بعد أربع سنوات، بواسطة زوجته التي استطاعت الحصول على مرسوم بالعفو عنه لأسباب إنسانية، والثاني كان سائقاً في الكويت وقد اختطفه أفراد الجيش العراقي بالقرب من الحدود، أما ما كانوا يفعلونه بنا في السجن فلا يوصف، وأنواع التعذيب يصعب تعدادها والخوض فيها، ربما الآن بعد أن تجاوزت التجربة وباتت بالنسبة لي ماضياً مؤلماً فإنه من المثير للألم تذكرها، وأذكر سجيناً كويتياً كان معنا واسمه (عبد الواحد)، بقي في السجن بعد أن خرجنا نحن ولا ندري مصيره، لم يكن (عبد الواحد) يستطيع التصريح بأنه كويتي أمام الصليب الأحمر، كان هناك ستة أو سبعة كويتيين متهمين بتجاوز الحدود ولكن هؤلاء تم اطلاق سراحهم في سنوات سابقة لسنة 1998، التي اطلق سراحنا فيها وأذكر من الكويتيين (أبو غازي) وآخر اسمه (المطيري) وآخر هو (مشعل الشمري)، بالاضافة إلى سجين قطري، وحدثني مرة أحد المصريين، عن مجموعة أخرى من الكويتيين الموجودين في سجن الرضوانية، حيث قال أن هذا السجن عبارة عن أربعة طوابق تحت الأرض، وتهمة المصري كانت تبديل دولارات في البصرة، إدّعوا عليه بأنها مزورة واقتادوه إلى سجن الرضوانية حيث التقى السجناء الكويتيين، كان ذلك في العام 1991، وأضاف بأنه لولا ثقته بي لما صرح لي بذلك فقد هددوه بالإعدام إن سرب خبر وجود الكويتيين، وقال أيضاً بأن هؤلاء السجناء كانوا يتوسلون بأي شخص يقابلونه لإيصال خبر وجودهم في هذا المكان إلى أهاليهم، وحدثني أيضاً عن سجناء عراقيين من سكان (السماوة) حين خرجوا من السجن ونشروا خبر وجود الكويتيين في سجن الرضوانية، أعادوهم إلى السجن مرة أخرى، وكان الكويتيون الموجودون في سجن أبو غريب لا يستطيعون التصريح أمام لجان الصليب الأحمر ولجان التفتيش بأنهم كويتيون خوفاً من العذاب الذي سيلقونه فيما بعد، من ضرب بالكهرباء وتشبيح، وكان السجانون يبلغونهم مسبقاً بأوامر تنص على عدم التصريح بأنهم كويتيون، وأغلب السجناء الخليجيين كانوا يخطفونهم بطرق شيطانية. حدثني مرة مهندس مصري بأنه كان في الصحراء الكويتية المحاذية للحدود العراقية برفقة مهندس أجنبي وآخر كويتي، وقابلتهم فتاة عراقية نادتهم فظنوا أنها بحاجة للمساعدة ولما ذهبوا إليها وقعوا في الكمين واتهموا بتجاوز الحدود، أما عن مسألة إتصال السجناء بأهلهم كي يعرفوا مكانهم، فقد كانت تتم غالباً عن طريق مساعدة السجناء لبعضهم البعض، حيث يقوم الأهل الذين يزورون إبنهم بتوصيل الأخبار لأهالي الباقين.. وهكذا، حتى رسائل الصليب الأحمر كان ممنوعاً علينا فتحها فبعد أن يغادر أعضاء لجنة الصليب الأحمر السجن، يصادر السجانون جميع الرسائل، وقد نما إلى علم الصليب الأحمر بأن المساعدات لا تصل للسجناء ولا الرسائل، فاتخذ طريقة أخرى هي التسليم المباشر من طرفه، ولم يكن الضباط الصغار فقط هم الذين يقومون بهذه الأعمال، مدير السجن واسمه المقدم (محمد العساف) كان يفرض على المساجين دفع الرشاوى، وهؤلاء لا حول لهم ولا قوة، ولم يقتصر الأمر على هذا بل تجاوزه إلى أن المخابرات تعمل على تجنيد عناصر لها داخل السجن، وكانوا يستعملون كل الوسائل من إجبار أو ترغيب وترهيب، ولقد تعرضت لهذا فقد رزحت تحت وطأة الإضطهاد لعام كامل، وقلت لنفسي فيما بعد عليّ أن أسايرهم حتى أخلص من هذا الوضع، فبدأوا معي عن طريق عقد جلسات لتدريبي وقد كان ذلك في العام 1994، ثم كان لي لقاء بأربعة ضباط مخابرات طلبوا مني التوقيع على “الانتساب للمخابرات العراقية وتنفيذ المهمات التي تطلب مني والبقاء على العهد” وكان هناك تسجيل أيضاً، فيما بعد تم رفع وسائل الضغط عني واعطائي وضع مراقب على السجناء، واخبروني أنني “تحت الاختبار”، ولما سألتهم بأي شيء سأفيدكم وكيف اتصل بكم إذا خرجت من السجن ؟ قالوا نحن نعرف ما الذي نريده منك وستعلم عن ذلك في حينه، نحن نعرف أيضاً كيف نتصل بك، هذه مهمتنا، وبعد فترة طلبوا مني أداء القسم.

لم يتصلوا بي طوال السنوات التي أعقبت عودتي إلى الأردن، وكنت بدوري قد أخبرت الحكومة الأردنية بما جري معي في سجن أبو غريب الرهيب حين عدت إ‘لى الأردن، أما ما كنا نتعرض له في ذلك السجن من إضطهاد وقسوة ووحشية فهو يفوق التصور، إستفزازات منتسبي المخابرات وتعذيبهم لنا بالعصي الكهربائية أو بالماء في الليالي الباردة أو بالشمس والتعرض للحرارة الشديدة في الصيف.. وغيرها الكثير.. ما الذي يمكنه أن ينسيني تلك الأيام السوداء والعذابات الرهيبة والجوع والمرض، وجبة بائسة واحدة في اليوم تسمى شوربة هي عبارة عن حفنة أرز في الف ليتر من الماء، ومن أساليبهم أنهم يدعون خراب السيارة التي تنقل الخبز إلينا، كي يجبرونا على شرائه منهم، وكان نصيب السجين (صمونة) كل ثلاثة أيام، وكنا نستيقظ جوعى على صوت عجلات سيارة الخبز وهي قادمة من بعيد ! فتنطلق الصرخات “جاءت سيارة الخبز”.

كان الدبلوماسيون حين يزوروننا يصرحون لنا بالقول: أن لكل بلد قوانينها ونحن لا نستطيع التدخل، وكان البعض منهم يضطر لإستخدام لغة الإشارة أو يكتب لنا على ورقة “لا أستطيع الكلام”، ومن ثم يتلف الورقة، وكانت مخصصة لنا زيارة مرة في الشهر، ولكن القادم إلينا لا يكون بمفرده فمعه ضابط من المخابرات ! حتى السفير الأردني (حمود القطارنة)، بقي لعامين متواصلين يبحث عن سجين أردني اسمه (عبد اللطيف خالد أحمد الدعجه)، وهو تاجر سيارات اختطفوه بحجة أنه يعمل لصالح المخابرات الأردنية وبرتبة عميد، وحين إعتقلوه كان معه إبنه الذي تمكن من الهرب وبالتالي أخبر أهله بما حدث، بقي عبد اللطيف في الحاكمية عاماً كاملاً والسفير الأردني لا يحظى بجواب عن مكان أو مصير الرجل ! ليس من جواب سوى الإنكار، وأهل الرجل دفعوا آلاف الدنانير للبحث عن إبنهم في العراق. تمّ الحكم على عبد اللطيف فيما بعد بالسجن ست سنوات، وقالوا له أنه مرة تحدّث مع أحد السائقين وهو في طريق الحصيبة قريباً من الحدود السورية عن أنه لا وجود للجيش العراقي في هذه الصحراء فكيف تكون الحدود محمية على هذا النحو ؟ وقالوا له لماذا تسأل عن الجيش إذاً أنت مخابرات أردنية، هذه هي التهمة الموجهة لرجل في الستين من عمره، ولقد تعرض الدعجة لصنوف العذاب وأشكال التعذيب، هذا الرجل يمتلك كراجاً اليوم في منطقة رأس العين في عمان، هذا واحد من الآف، أذكر أيضاً طالباً أردنياً اسمه (رائد) كان يدرس في جامعة الموصل ويسكن برفقة طالب أردني آخر اسمه (معن الطراونة)، وقع في فخ صاحب البيت الذي كان يستأجره منه، وقد أراد الأخير طرده من البيت فلفق له تهمة الإنتماء للمخابرات الأردنية عن طريق دس صورة لمبنى مخابراتي عراقي في أوراقه وكتبه، وكان جزاء هذين الطالبين الحكم بالسجن لعشرين عاماً. لقد كان صدام حسين ونظامه ضد العرب والفلسطينيين، فلم يسلم من شره إلا القليل من الطلاب الذين درسوا في الجامعات العراقية، كما لم تسلم بيوت وممتلكات الفلسطينيين من المصادرة، وكثيرة هي قصص العذاب والأموال التي عاناها الفلسطينيون في العراق، والذاكرة تفيض بما فيها.. أذكر أن طالباً فلسطينياً حصل معه حادث سيارة في الرمادي واصطدم بصورة صدام حسين، فقالوا له إنك متعمداً ضربت الصورة ! وقد اضطر أهله لدفع عشرين الف دولار لإنقاذ إبنهم الذي تولت الدفاع عنه محامية كردية، عن طريق إدخاله إلى مستشفى الأمراض العقلية لإنقاذه من حبل المشنقة بإدعاء الجنون، ولقد قابلت هذا الطالب في السجن.

وفي   زمن نظام صدام حسين كانت عمليات السلب والقتل التي تجري على طريق عمان بغداد يقوم بها رجال الأمن العراقيون، إذ يقوم هؤلاء على نصب سيطرات عسكرية وهمية لتفتيش السيارات وسلب ممتلكات الناس، وفي مواقع  أخرى كانت السيارات العسكرية تعترض سبل الشاحنات والسيارات وتسلبها، هذا غيض من فيض، فرجال الأمن العراقيون، لم يكونوا حماة أمن المواطن العراقي ولا العربي، بل أداة قمع، إن العراقيين، ومن عاش في العراق من العرب، يعرفون ما حدث للمصريين من تسفيرات ومطاردات ومصادرات لأموالهم وممتلكاتهم، وتطليق زوجاتهم العراقيات. لقد تشردت آلاف العائلات وإنهدمت كثير من الأسر، وكم منهم دخل معسكر الفضيلية - منطقة بغداد الجديدة - الكمالية - بعد المشتل، هذا المعتقل كان للعرب والأجانب وهو عبارة عن مبنى قديم غير مسقوف، ومحاط بالرعاة وقاذورات الغنم والبقر. كانت تتجمع فيه أعداد كبيرة تتجاوز السبعمائة والثمانمائة ولمدد طويلة. كان المعتقلون المساكين يصرخون على الدوام في وجه جلاوزة النظام، “يا أخي ما تريدني سفِّرني” ولم يكن لصراخهم هذا فائدة فقد كانوا يبقونهم لستة أشهر أو سبعة ومن ثم يسفِّرونهم، بعد أن يفلسوهم تماماً، وأنا أعرف واحداً اسمه (إبراهيم رفقي)، كان يمتلك ثلاثة نواد ليلية في شارع الرشيد، وواحد آخر اسمه (زغلول) عنده محلات تجارية وآخر هو (بيومي) كان يمتلك فندقاً، وكانوا يقولون لهم ستخرجون من العراق مفلسين كما جئتم إليه، لن تخرجوا من هنا ومعكم أية أموال ! وكل حاجة يضطر لها المعتقل تكلفه مالاً كثيراً، فإن أراد علاجاً أو طعاماً دفّعوه ثمنه الكثير، وكانوا يبتزونهم بزيارة أهلم تحت الحراسة، وهذا كله يتم بعلم المسؤولين الكبار، وتبقى هذه العمليات الإبتزازية مستمرة إلى أن تنتهي أموال المعتقلين، ومن بعدها يجرى تسفيرهم.

وأقول لكل من يظن بأن النظام العراقي كان داعية القومية العربية بأن الحقيقة هي غير ذلك، لقد أساء هذا النظام إلى القومية العربية وإلى العرب إساءات كثيرة، وأبواق الدعاية لهذا النظام مشتراة بالمال والهدايا والغنائم، وطريقة هذا النظام في استضافة الوفود والشخصيات معروفة، فهم يزورون فندق الرشيد ويعيشون في أعلى مستوى، ويعودون محمّلين بالدولارات في الوقت الذي يجوع فيه العراقيون حتى الموت، ناهيك عن الإرهاب والإضطهاد الذي يعيشونه، وهؤلاء يعودوا للهتاف لصدام حسين في المظاهرات فصدام، هو بطل العروبة الذي سيحرر لهم فلسطين ! كيف يحرر فلسطين ولا يحرر شعبه. لقد شهدت في العراق أحداثاً وحالات، لا أتصور أنها تحدث في أي مكان في العالم، كأن تحدث سرقة مواطن في الشارع أمام مركز أمن السعدون في شارع السعدون، إنعدام الأمن داخل المدن العراقية، كان أمراً مدروساً من النظام لخلق حالة من الهلع والخوف بين الناس. هذا غير القصص الخرافية عن إختفاء أعداد كبيرة من البشر، وخطف النساء، وجنازات الموتى التي يخيم عليها الصمت، والموت المجاني في مناطق الأكراد والشيعة. أذكر مرة أن أحد الشباب الذي نجا من الإعتقال في الجنوب العراقي حدثني عن أحد هذه المعتقلات، التي كانت تشهد حفلات الإعدامات الرهيبة على أيدي عدي وقصي ووطبان وطه ياسين رمضان، الذين كانوا يقتلون المئات وهم يرددون  “أنتم تريدون أخذ الحكم منا”، هذا الشاب الذي روى لي هذا نجا منهم بأعجوبة. من جانب آخر روى لي شاهد عيان حضر موقعة “الدجيل” القرية التي كان صدام حسين في طريقه لزيارتها، ونُصب له كمين على الطريق، وقد نجا صدام لأنه نزل من سيارته لزيارة خالة له قبل الوصول إلى الدجيل، وبعد أن استأنف المسير لم يستخدم سيارته الأولى، إذ قام بإستبدالها فلما قدمت السيارة الأولى بدأ اطلاق النار عليها، فوقف صدام وقال لأهالي الدجيل: “وين ستفرون مني سأمسك بكم”، وأكّد الرجل الذي شاهد الحادثة بأنه في خلال ربع ساعة، حملت طائرات الهيلوكبتر ثلاثمائة عائلة لم يعرف مصيرها إلى اليوم، ومن ثم أُحرقت المنطقة بمزارعها ونخيلها وتحولت إلى معسكرات. هذه مصائر عائلات ومئات من البشر، وأذكر قصة شاب فلسطيني اسمه (محمد محمود رجب أبو زينة) متزوج من عراقية، حدث أن أخاها أضاع مسدسه، فسألوه أين مسدسك فقال ضاع مني عند أختي، فأخذوا المرأة وبناتها إلى السجن، البنت الصغرى وعمرها أربعة أشهر تقبع في زنزانة ! والمصريون حين كانت لجنة حقوق الإنسان تبحث عنهم كان صدام حسين يضعهم في الباصات وينقلهم إلى أماكن أخرى حتى ترحل اللجنة !

تبقى الباصات تجوب الشوارع طولاً وعرضاً، ومن ثم ينقلهم إلى معتقل آخر (تسفيرات الشعب)، إلى أن تخرج اللجنة من العراق بعد شهرين دون التوصل إلى نتائج ! وأحياناً ينقلونهم إلى معسكر التاجي ويلبسونهم الملابس العسكرية ليظنوهم جنوداً عراقيين ! وبعض هؤلاء جاءوا به إلى سجن أبو غريب فقصوا علينا هذه الحكاية العجيبة. السجون في العراق كثيرة. الحاكمية، الشعبة الخامسة، التسفيرات، الأمن، الجمارك، جهاز الأمن الخاص، الرضوانية، نقرة السلمان في الصحراء في السماوة، وهذا السجن الأخير بدون اتصالات وفي مكان مقطوع عن العالم والذي يريدون نفيه يذهبون به إلى هناك !.

إذ من المستحيل أن يصل أحد إلى منطقة هذا السجن، هذا النظام الذي يقول (أرض العرب للعرب) يحول العراق إلى سجن للعراقيين وللعرب، ولا بد لي أن أذكر قصة شاب مصري، قتلوا زوجته العراقية الجميلة الشابة لأنها لم تستجب لرغباتهم الجنسية، وكيف قتلوها ؟ أغار عليهم فدائيو صدام وقطعوا رأسها بحجة (الدعارة)، واختطفوا الطفلين وحكم على الرجل بالسجن في أبو غريب لست سنوات، قال لي هذا الرجل بأنه لا يعرف عن مصير الطفلين شيئاً، وأذكر أيضاً قصة صاحب مطعم الساعة وهو مصري  واسمه (أبو وليد)، هذا الرجل كان صدام حسين في مصر يسكن في بيته وهو الذي استدعاه للاقامة في العراق، فلبى الدعوة وافتتح مطعم الساعة هذا الرجل تعرض لكارثة إذ فقد إبنه على يد عدي الذي سعى لإمتلاك المطعم من أبي وليد، وعلى هذا الصعيد وغيره، فلو بقيت أتحدث عشر سنوات عن جرائم هذا النظام فلن أقول كل شيء، وقصص السجناء الذين عايشتهم وقابلتهم في سنوات سجني هم الف وسبعمائة سجين من العرب والأجانب، “350 إيراني، 45 سوري، ووصل عدد الفلسطينيين والأردنيين إلى 101، والمصريون 650، و 11 - 12 كويتي، وسيريلانكيان وأربعة من الروس وجنسيات أخرى”.

سجن أبو غريب هو مكان يستمر فيه التعذيب، طوال السنوات التي يقضيها السجين كمحكومية، يعني من غير المنطقي أن يتم الحكم على شخص لعشرين عاماً ويستمر تعذيبه، طوال الفترة، هذا لم يكن يحدث إلا في العراق في ظل نظام الطاغية صدام حسين.

الشهادة السابعة
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة