الشهادة الرابعة

عبد الاله سليم الحجاوي

مواليد عام 1951

بدأت خطواتي الأولى في العراق عام 1971، بحثاً عن العمل كأي فلسطيني في هذا العالم ينشد لقمة العيش، ويبحث عن الاستقرار، ولم يكن الأمر سهلاً لا في البداية ولا في النهاية !

خضت غمار الحياة بالعمل في مجالات متعددة، وكانت محطتي الأخيرة “عمل إداري في جريدة الثورة” العراقية، وهي الناطقة باسم حزب البعث الحاكم.

كان ذلك عام 1974 في مكتبة البعث في منطقة الباب الشرقي، والمكتبة تتبع الصحيفة، أي أنها تبيع المنشورات والكتيبات الحزبية، وبعد أن تم اغلاق المكتبة لأسباب لا أعرفها، ربما مالية فكثير من المؤسسات أو المشروعات الحزبية كانت تنتهي بالتوقف لأنها غير منتجة، كما أن ذلك يتبع سياسات المسؤولين، ومع تغيرهم تتغير هذه السياسات والتوجهات. انتقلت لعمل إداري في جريدة الثورة، في الحسابات ثم في قسم الاعلانات ثم المخازن، ومن هنا بدأت مسيرتي العملية في الاستقرار لفترة طويلة، لكنها انقلبت في عام 1990 مع غزو الكويت وما حدث من نهب مبرمج لممتلكات هذه الدولة، فقد كان كل قطاع في الدولة العراقية يأتي بمسروقاته من القطاع المماثل في الكويت، وجريدة الثورة مثلاً نهبت جريدة القبس الكويتية بكامل معداتها ومواردها من ورق الطباعة والأحبار وكل شيء، ولم يكن بمقدوري إلا أن أنفذ ما هو مطلوب مني في عملي، أي الإشراف على إدخال هذه المسروقات إلى المخازن وتسجيلها، استمر هذا الوضع على ما هو عليه حتى قامت الحرب في أواسط كانون الأول عام 1990، حرب تحرير الكويت التي آلت إلى هزيمة النظام العراقي وطرد الجيش العراقي من الكويت. عشنا أحداث الحرب من قصف ودمار للمؤسسات والمنشآت داخل بغداد كما عاشها الشعب العراقي، ولكن ما جرى بعد ذلك، كان الأقسى بدأت علامات الحصار تظهر في كل شيء يحيط بنا، وتمس الحياة اليومية وتضرب عصب المعيشة، هذا إضافة للفوضى العارمة في مؤسسات الدولة وكيانها، وفي تخبط المسؤولين في قراراتهم وإدارتهم للمؤسسات، كانت أحداث الجنوب العراقي المأساوية تطغى على كل شيء، أحاديث الناس ومشاعرهم والأخبار التي تأتي سوداوية، مثل دمار في كربلاء والنجف والبصرة، وذلك في أعقاب إخماد ما أسماه النظام تمرد الجنوب مرة، وحركة الغوغاء مرة أخرى، وذلك أنه في أعقاب هزيمة الجيش العراقي في الكويت، قامت إنتفاضة المدن والمحافظات الجنوبية والتي أطلق عليها إنتفاضة آذار، ولكن فيما يخص عملي بدأت أتلمس حصول سرقات في المخازن، المسروقات تتعرض للسرقة مرة أخرى ! وما قلت بأنه “فوضى عارمة” في بغداد فهو حقيقي لأن العبث بالممتلكات والنهب انتقل من الكويت إلى داخل العراق، وكل الذين عاشوا هذه المرحلة الصعبة يعرفون بأن بيوت الناس الآمنة لم تتعرض للسرقة في أيام الحرب، رغم أن عدداً كبيراً منهم تركها إلى أماكن أخرى، توزعوا في المحافظات عند أقاربهم ومعارفهم طلباً للأمان، ولكنهم سرعان ما عادوا بعد أن أدركوا أن الحرب والقصف يشمل العراق كله، وما أقصده هو أن مرحلة أخرى بدأت في بغداد، مرحلة تفشي الجريمة وانتشار السرقات والاعتداء على حياة الناس وممتلكاتهم، وبدأت مسيرة سرقة السيارات مثلاً، وكأن الأمر “موضة” فاليوم السيارات وغداً اطاراتها وهكذا !

حين أدركت حدوث السرقة ونقصان المواد في مخازني، أعلمت مديري المسؤول، فكان جوابه الذي يتكرر في كل مرة “مالك دخل” أي لا دخل لك، ولكنني لم أتوقف عند هذا الرد فالمسؤولية ثقيلة، وأنا مدرك للتعقيدات التي تحدث في مثل هذه الحالات، وعلى علم بما يجري في أجهزة الأمن لأصحاب القضايا الاقتصادية، والقوانين قاسية في هذه القضايا، كتبت تقريري إلى رئيس التحرير آنذاك صباح ياسين - الذي أصبح فيما بعد سفير العراق لدى الأردن - والذي قال لي “أنت مبرّأ من المسؤولية ولقد أديت واجبك بتبليغك عما يحدث” ووعدني بالوقوف إلى جانبي بعد أن حوّل القضية إلى المسؤولين، بدأت حلقات المؤامرة تحيط بي وتضيق عليّ، شعرت بأنني وقعت في فخ عصابة، وأذكر في هذه الأثناء أن موظفاً عراقياً هو الوحيد الذي وقف إلى جانبي، وساندني حين كتب هو الآخر تقريراً عن السرقات والتجاوزات التي تحدث في المخازن، تطورت القضية فيما بعد وعندما أصبحت بين يدي القضاء، أوقفوني مع المجموعة التي كنا قد أشرنا إليها بأصابع الاتهام، كان مكان التوقيف قرب ملعب الشعب، وفيه أدليت بالمعلومات حسب المطلوب مني، أي أنني قدمت إفادتي، وكان الجميع من حولي مؤيدين ومؤازرين لي، ويطمئنوني باستمرار على أساس أنني قمت بواجبي وأبلغت بما أعرفه، وبالتالي فإن المسؤولية القانونية لن تطالني، ولكن عصابة السلب والنهب يقف وراءها مسؤولون بعثيون وهؤلاء ذوي نفوذ، طبعاً كان الأمر يخيفني، ومجرد التفكير به يرعبني، ومع ذلك لم أتصور للحظة أنهم سيوقعون بي، ويقلبون الطاولة على رأسي ما زلت أحمل قناعة في داخلي بأن القضاء سيبرئني، ولماذا يبرئني ؟ لماذا هذه الكلمة بالذات، فأنا لم أسرق ولم أفعل شيئاً، أنا مجرد شاهد في القضية ّ لكن مسموعاتي بقدرة هؤلاء المسؤولين على الوصول إلى أهدافهم ونفوذهم كان يرعبني وأنا في هذا الموقف، تخونني الذاكرة حقيقة، وربما بسبب ما جرى نسيت الأسماء، فقط أذكر مدير الطبعة، وهذا الرجل كان وراء كل شيء إذ كانت الأمور تجري على النحو التالي: مدير المطبعة وعدد من العاملين فيها يتسترون على مدير المخازن، ولذلك وجهوا التهمة إلى طرف ثالث وأنا مع هذا الطرف وتحولت القضية إلى المحكمة، وكانت أوراقي، أو ملفي على انفراد كوني شاهداً وليس متهماً إلا أن الأمر سرعان ما تحول باتجاه آخر، وبقدرة الرشاوي المقدمة إلى الحاكم تمّ دمج ملفي مع الطرف المتهم، وهنا تحول المسار بالنسبة إلي مائة وثمانين درجة، فبدلاً من أن أكون شاهداً وبريئاً، صرت على العكس من ذلك متهماً ماذا أفعل وأنا لا حول لي ولا قوة..

وهؤلاء يمتلكون النفوذ وقد تمكنوا من إمتلاك الحاكم والعاملين في القضية ككل بالوساطات والرشاوي، هل هو سوء حظي الذي أوقعني في شراك هؤلاء أم هو الزمن الرديء الذي وصل فيه الفساد إلى ساحات القضاء، وأنا الآن في غابة لا قانون ولا أخلاق ولا مبادئ، وانتهى الأمر بتلبيسي حكماً بالسجن لسبع سنوات، وما قضيتي إلا غيض من فيض، فالذين قابلتهم في السجن بعد ذلك رووا لي ما تعرضوا له، ورأيت أناساً حكموا ظلماً وعدواناً، ذلك أن المرحلة الشرسة تغلغلت في العراق، فاستشرى الفساد في كل مرافق الدولة، وبات الإنسان دون حماية والأجهزة الأمنية تتسلط على أي مواطن ولأي سبب، فيسرقون المال من شخص مثلاً ويلبسونه تهمة حمل أوراق نقدية مزورة، لقد قابلت سجيناً حكموا عليه خمسة عشر عاماً بحجة سرقته لإسطوانة غاز ! وكثيرة هي التهم الباطلة والجاهزة لديهم، والناس لا حول لهم ولا قوة تحت وطأة الجبروت والطغيان الجهنمي، والأجهزة الأمنية تمتلك سلطات واسعة في اعتقال الناس وتهديدهم بالطرق الجائرة وغير القانونية.

بدأت رحلتي في سجن أبو غريب، وأقول إنها رحلة إلى مدينة مسوّرة يسودها الظلم والعدوان ويحكمها قانون الغاب، وتضم العديد من البشر بحكايات مختلفة، أبو غريب مكان جهنمي لا تدخله أو حتى لا تتسلسل إليه نسائم الإنسانية، وعائلتي كيف أفكر بها وماذا أستطيع أن أفعل تجاهها ؟ وماذا تستطيع أن تفعل لي ؟ هم في الخارج يعانون شظف العيش حالهم حال العراقيين الذين أطبق عليهم الحصار، وأنا من داخل سجني أرثي لحالهم وهم يرثون لحالي.. عائلتي وبعض الأصدقاء حاولوا اللجوء إلى المحامين ولكن دون جدوى.. تستوقني مسألة الحصار كثيراً، فقد كانت مرحلة صعبة لملايين البشر في الوقت الذي كان فيه رجال السلطة والأجهزة الأمنية ينعمون بحياة مترفة، وليس هذا فقط، بل الأسوأ منه حيث تتسلط الشرطة والمخابرات على الناس المسحوقين، فتسرق ممتلكاتهم والويل لهم إن هم أعلنوا عن ذلك.. دائرة جهنمية مغلقة تطبق على الناس وهؤلاء يدوسون كرامتهم ويسرقون أموالهم وينتهكون أعراضهم.. كان هؤلاء في الداخل أشد وطأة على الناس من الحصار في الخارج، والأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية لم يكن الحصار يطالهم، بل كان مظلة ربما لتجاوزاتهم وللبطش بالناس واللعب بمصائرهم.

السجن في العراق، تجربة ليست كمثلها تجربة، فهو كمسمى وحياة وتعامل ليس له مثيل.. وإن قلت بأن المعاناة في داخله رهيبة.. فهذه كلمات بسيطة واعتيادية ولا تعنى شيئاً بالقياس للحقيقة التي عشناها. التقيت في السجن بكثير من العرب المساكين الذين وقعوا ضحايا التآمر عليهم للاستيلاء على أموالهم، وقد اتهموهم بتهم مختلفة ومختلقة، فما أسهل الاتهام بالتجسس والعمالة والخيانة، وكنت دائم البحث عن أناس طالتهم محاكمات عادلة وحقيقية فوصلوا إلى السجن بطرق قانونية، وهم قلة أمام جمع غفير من البشر الذين أرغموا على الاعتراف تحت وطأة التعذيب فاستسلموا لمحققيهم وقالوا “نعترف بكل ما تريدون”.

ويطول الحديث عن أساليب التعذيب الوحشية التي يستخدمونها، ولكن الأسوأ فيها ما هو غير أخلاقي، و”غير الأخلاقي” يشمل الاعتداء الجسدي الجنسي والتهديد بالمحارم والاقارب، ثم الابتزاز بدفع الأموال، هل يصدق أحد في هذا العالم أن الرشاوى والوساطات يمكن أن تغير الأحكام بالغاء التهمة عن شخص والصاقها بآخر أو بتخفيف العقوبة، وحتى في التعامل مع السجين، فجلاوزة السجن يطلبون “الرشوة” كي يرحموك من الضرب وجلسات التعذيب ! والقادر على الدفع مادياً يمكن أن يشتري نفسه بهذا الشكل والذي لا يقدر تنصب عليه لعنات الجلادين ! إنه يُضرب لأنه لا يستطيع الدفع، ويتعاون السجناء والأصدقاء فيما بينهم لافتداء بعضهم البعض اتقاءً للعنف وجلسات التعذيب التي كانت تجري “تسرية” لنفوس السجانين، فأبسط ما يكون منها أن يأتيك الضابط من إجازته متعباً أو منتعشاً، وفي الحالتين يطلبك لينفس عن نفسه، في الأولى “فشة خلق” وفي الثانية “ترويح عن النفس” !

ولقد مات كثيرون تحت التعذيب، لم تحتمل قلوبهم صعقات الكهرباء، ولم تعنهم صحتهم على الصبر حتى آخر المشوار، وحتى القدرات العقلية كانت تتأثر بالتعذيب، فكثيرون هم الذين فقدوا ذاكرتهم واختلت قواهم العقلية، وإن خرجوا من السجن فإلى مستشفيات الأمراض العقلية أو إلى الشوارع هائمين على وجوههم، وكان التدرن سبباً في موت الكثيرين أيضاً..

تعددت الأسباب في السجن والموت واحد، وتسجيل حالات الموت في السجن إعتيادية بالنسبة لسلطات النظام، والقهر والتعذيب والممارسات اللاأخلاقية هي غذاء يومي للباقين على قيد الحياة في أقبية النظام التي تفوق أية ديكتاتورية في العالم، والعرب والعراقيون في الظلم على حد سواء وكلنا في الهم في قبضة السجّان. كانت أعداد العراقيين في السجن القريب منا لا تقل عن أربعين أو خمسين ألفاً، وربما كان الاربعون الفاً كرقم ثابت يزيد كثيراً ولا ينقص إلا القليل، واعتقد من تجربتي أنه ما كان ينقص ابداً، أتذكر جيداً أن الكثيرين منهم حين كنا نسألهم: ما هي تهمكم ؟ يقولون: لا نعرف، وآخرون يتمنون تنفيذ حكم الاعدام للخلاص من هذا الضيم، وكنا نصحو لصلاة الفجر على صوت (القطاعة) الآلة التي تقطع الرؤوس في تنفيذ أحكام الاعدام ونعد الضربات، الواحدة تلو الأخرى، ومع كل ضربة هناك إنسان يغادر الحياة !

كان علينا بين الحين والآخر أن ننظف صالة الاعدام.. ولك أن تتخيل ما فيها من دماء وروائح ومشاهد تقشعر لها الأبدان، ولكن أصعب ما كنا نمر به، هو سحب المحكومين بالاعدام من وسطنا.. هؤلاء كانوا يعيشون بيننا، وحسب الدور يطلبونهم فنعرف أنهم لن يعودوا.. ومنهم من كان يقع في الطريق أو يتجمد ويسحبونه أو يزحلقونه فوق صابونة !

ذكريات من الزمن المؤلم.. قسوة لا متناهية ووحشية.. لا أعرف لها تسمية.. عشت هذه السنوات دهوراً من القهر ولكنني كنت بالطبع محظوظاً إذ أفرج عني بالعفو الذي حصل عليه ليث شبيلات عام 1998 .. ما مصير من بقي بعدي ؟ وما الذي كان يجري ؟ لا أدري.. لا أدري..

الشهادة الخامسة
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة