الشهادة الثالثـة

عدنان محمد عبد القادر جبارين

مواليد عام 1957

إلى روح الصديق ابن الخليل.. الشهيد محمود يونس عطيه.. لم تستطع أجهزة قمع صدام النيل منك.. ورحل النظام وتصر عصابات الديكتاتور على اغتيال حلمك وحلم كل الذين تنفسوا حرية الحياة بعد رحيل النظام البائد.. لتصعد روحك.. شهيداً في جنان الخلد.

إلى أرواح الشهداء... الرجال:

- محمد ثنيان الغانم - الكويت

- ناصر عويهان العنزي - الكويت

- كامل مصطفى الزبيدي - العراق

- هيكل الجبوري - العراق

- محمد مظلوم الدليمي - العراق

- رائد الزوايدة - الأردن

- الدكتور مروان النقشبندي - سوريا

- سرمد هوشيار - كردستان

- جليل مهدي النعيمي - السويد

إلى أرواح كل الشهداء الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم لتكون قناديل تضيء دروب الظلام الصدامية.. حتى تُحرر العراق.. وتُحرر كل المظلومين.

لقد كان فيكم أصدقاء تعاهدنا أمام الله، بأن من تكتب له النجاة، عليه أن يبلّغ الرسالة اللهم فاشهد، أنني بلغت الرسالة، وحملت الأمانة، ليطلع عليها كل البشر عن معاملة عدو البشر صدام وزبانيته لخيرة الرجال الذين لا يعرفهم إلا من عاش معهم في دهاليز أقبية النظام.. وسامح الله من كان ولا يزال ينتظر صورة صدام على القمر ليحرر القدس.

عدنان جبارين

وصلت العراق عام 1978، وأكملت دراستي عام 1981 في كلية الهندسة، جامعة بغداد، وعملت مباشرة بعد التخرج مع شركات كويتية: (شركة المنصور والعبدلي، الشركة الوطنية العالمية وغيرها)، حتى عام 1990، حين حدث لي ما لا أتوقعه في أعقاب غزو الكويت بيوم واحد، ففي صباح 3/8/1990 اعترضت سبيلي سيارة مخابرات، تحمل أربعة أشخاص طلبوا مني مرافقتهم لخمس دقائق (كما هي العادة لدى اعتقال أي شخص)، وقد تمتد هذه الدقائق الخمس لعشرين عاماً أو تقود إلى الإعدام، ولأول مرة اكتشفت أن المبنى الذي أمر من أمامه يومياً في شارع 52 هو عالم خفي لنظام صدام حسين القمعي، حيث يرى الإنسان فيه ما لا يعقل وما لا يصدقه بشر، وهذا المبنى يسمّى حاكمية بغداد.. أو كما هو متعارف عليه “الحاكمية” وهو المخصص للتحقيقات.

ما أن تصل السيارة حتى تتلاقف الأيدي القذرة القادم الجديد، وتبدأ الاعتداءات، ويجري تعصيب عينيه إلى أن يموت أو يشاء الله له بالخروج.. هذه المواجهة أو هذا الاستقبال غير موجود في أي مكان في العالم أو لدى أي نظام.. فبمجرد دخول الشخص إلى المكان تنهال عليه الضربات ومن ثم يطلب منه نزع ملابسه ووضعها في كيس ليلبس بيجامة، هي لوحة فنية من كثرة الأسماء المكتوبة عليها، كم مسكيناً قبلي لبس هذه البيجامة القذرة ؟ وماذا حلّ به ؟ وأين هو الآن ؟ وينغلق ذهني عن التفكير أو التساؤل... فهل هذا وقته ؟

أعطوني نعالاً بلاستيكياً ممزقاً، وكل فردة منه بنمرة مختلفة ! وغالبية السجناء يمضون إلى مصيرهم حفاة، وقد ساقوني إلى محكمة الثورة حافي القدمين ؟

جرى الاستقبال الأول على هذا النحو، ليبدأ التعذيب النفسي ويقودني الحارس إلى زنزانة صغيرة قذرة، لها شباك حديدي عبارة عن فتحة في الباب، لون الزنزانة البني العفن يجلب الكآبة. بدأت السهرة ليلاً إذ قادوني إلى الطابق الأول، حيث توجد غرف المحققين، أجلسوني على الأرض، أسمع من حولي أصواتاً دون أن أميز شيئاً، وجاءني الصوت يقول: “أنت متآمر على العراق، لا أحد يمكنه فعل شيء لك ولن تتمكن من الخروج من هنا، لماذا أنت لا تبارك عودة الكويت إلى حضن العراق الأم ؟ وقد بارك ذلك كل العرب والفلسطينيين الشرفاء !” وزاد بالقول: “دخلت العراق وأنت لا تملك شيئاً، فهل طغت عليك مصالحك الشخصية وأعمالك مع الكويتيين إلى درجة أصبحت لا تميز فيها بين الحق والباطل ؟ لقد تحولت إلى عنصر فاسد يخرب كل ما حوله ومن حوله، والعراق قدم كل شيء من أجل فلسطين.. ويزيد ويعيد.. ويوجعني بالكلمات والأسئلة، واخترق مسامعي سؤال: من أين لك كل هذه الأموال ؟ ولماذا تنحصر أعمالك مع الكويتيين؟

ولما كنت لم أزل قادراً على الرد والعناد، وبكامل قواي البدنية على الأقل، وتتملكني قناعة بأنني قادر على الدفاع عن نفسي، رددت وقاومت، ولكنني كنت أتلقى الضربات من كل جانب وتنهال علي الشتائم القذرة وعبارات التجريح التي تقطر سماً وحقداً، وتناهي إلى سمعي الصوت الأول يقول: انزلوه إلى العمليات.. دون أن أدري ماذا تعني (العمليات) ؟!

وضعوني أول مرة في تابوت، وانغلق الباب عليّ فشعرت بأن حياتي انتهت، لكن وجود ثقوب في التابوت تمنح الهواء فرصة التسلل إلي كانت كفيلة بإبقائي على قيد الحياة، أو تأخير الموت على أقل تقدير، مع أنني في تلك اللحظة كنت أتمناه سريعاً، وبدأت تطرق سمعي صرخات الآخرين تحت التعذيب، وآهات لا أدري من أين ؟ وما الذي يجري لأصحابها.. معاناة جنونية تدور من حولك فتحاول كسر التابوت، لكنهم فتحوه لأرى فتاة عارية معلقة على الجدار وكابلات الكهرباء تحيط بجسدها، وبدأت الركلات تصيبني من كل جانب ترافقها الضربات بالعصى والكرابيج والصوندات (أنابيب المياه)، وهذا اختراع مخابراتي عراقي، لم أعد في حالة من التوازن.. وتدريجياً أفقد طاقتي وقدرتي على التحمل.. يجري كل ذلك وهم يدفعون بي إلى غرفة مجاورة كي تبدأ حفلة التعذيب بالكهرباء.. ولم أفق من غيبوبتي، إلا وأنا في الزنزانة والطبيب يقف فوق رأسي وبالطبع، لا يوجد تقدير للزمن.. فكم بقيت في التابوت أو كم من الوقت استغرق تعذيبي بالكهرباء.. وكم وكم ؟ أفقت لأسمع نصيحة الطبيب لي بالإعتراف كي أخلص من هذاالعذاب !

وفي صبيحة اليوم التالي، قادني الحارس، وأنا معصوب العينيين، وأنزلني إلى غرفة المحقق، ليركلني كي آخذ مكاني في وسط الغرفة، وسمعت ضحكات الاستهزاء والسخرية من حولي، وقال أحدهم بكلمات نابية “أحضروا زوجته”، ووجدت نفسي أصرخ: لقد أضعنا فلسطين وتشردنا في بقاع العالم، ولم يتبق لنا إلا العرض والشرف، فاكتب ما تشاء، وأنا أوقع عليه.. والتهديد بأحد أفراد العائلة، هو كارثة حقيقية، وعامل ضغط لا يمكن لأحد أن يتحمله، وأما عن الزوجة أو البنت أو الأخت فهو المس بالشرف وهؤلاء لا يقيمون للأعراض وزناً.

أوراق كثيرة وضعوها أمامي.. كل شيء جاهز.. أعطوني القلم ورفعت العصابة عن عيني فأعادوها، وبدأت التوقيع دون أن أدري على ماذا أنا أوقع ! أوراق لا يعلم ما بها إلا الله وسمعت صوتاً جهورياً يقول: “أذهبوا به إلى قاضي التحقيق لنفرغ منه، فقد بدأت جماعة الكويت بالوصول، وذهبت إلى قاضي التحقيق ليسألني: يا بني هل اعترفت بمحض إرادتك أم أنهم أجبروك ؟ هل أجبرك أحد على شيء ؟

- لا معاذ الله (قلت في نفسي) وقلت له لا، لقد فعلت ذلك دون إكراه ! كنت أريد إنهاء هذه المسرحية بأقصر وقت ممكن، ووقعت أوراقاً أخرى بذات الطريقة التي جرت سابقاً ليقودني الحارس إلى زنزانة يقبع فيها أربعة من الإيرانيين والأكراد، قالوا أنهم قد أُخلوا من الجناح المقابل ليسكنه مجموعة من القادمين من الكويت.. وهذه الزنزانة مربعة الحجم متر ونصف وليس فيها سوى ضوء صغير، وفي ساعة متأخرة من الليل سمعنا وقع أقدام تقترب من الباب وهذا بحد ذاته يثير الرعب، فمتى كان هناك وقع أقدام في الممر، فإن الأمر يعني أنهم سيأخذون أحدنا ! والكل يتسمّر متى توقف الصوت أمام باب زنزانته.. تمنيت الموت في تلك اللحظة.. فلماذا لم يخطفني الموت قبل أن أصل إلى هنا ؟!

فتحت “الطاقة” لأرى وأسمع حواراً بين أحد الحراس، وفتاة اسمها (ندى)، قال لها: ماذا تريدين ياندى ؟ أجابت: أريد بنطالاً فالباب يُفتح عليّ في كل لحظة، كما أريد فوطاً نسائية، وهنا انهالت على مسامعنا كلمات وتعليقات تقشعر لها الأبدان !

نعرف الصباح من المساء من عربة الطعام، فالفطور عبارة عن الشاي وصمونتين، والغذاء شوربة العدس، وفي العشاء يقدمون لنا شوربة الملفوف، ولعلّ من حسنات هذه العربة أنها تعلمنا بالتوقيت، وهذا أكثر أهمية من طعامهم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع !

مضت على هذه الحال أيام وأيام، فإذا أنا في صباح الثاني والعشرين من آب، وأسير برفقة الحارس معصوب العينيين طبعاً ومكبّل اليدين وفي طريقي إلى محكمة الثورة.. أوقفوني أمام “عواد البندر” رئيس محكمة الثورة، والذي عين فيما بعد محافظاً للرمادي، قال عواد البندر: لقد عينت لك المحكمة محامياً وأجرته ثمانية دنانير (هذه هي التسعيرة المتعارف عليها)، وشرع المحامي بالقول: إن هذاالمجرم الماثل أمامكم، يستحق حكم الإعدام لكن العراق لا يعدم الفلسطينيين، ولذلك أطالب بتنزيل حكم الإعدام إلى المؤبد !.

هذا إيحاء بمنح الفلسطيني تشريفاً خاصاً.. ولكن كيف يتوافق هذا مع ما يقوله المحقق لكل فلسطيني يمر عليه “إن إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة سوى عشرة دنانير، هي قيمة الطوابع”.

المهم.. أن عواد البندر نطق على الفور بالحكم: “حكمت محكمة الثورة بالسجن المؤبد على المجرم لمساسه بأمن العراق والتآمر على أرضه”، ومباشرة صعد أحد الحراس ليسجل كل ما لديه من أقوال وممتلكات ذلك أن أموالي المنقولة وغير المنقولة قد تمت مصادرتها !

الحارس يسجل والتعليقات المهينة تنهال عليّ من كل جانب وأقلها “فلسطيني خائن” و”جئت إلى العراق حافياً واليوم تملك ثروة، كل شيء سيعود إلى مكانه !”.

وأذكر أن من ضمن الأوراق التي وقعتها شيكات لسحب أموالي في البنوك، أخذوني مرة أخرى لأجد نفسي أمام المحقق “محمد المعيني” المسمّى جزار الفلسطينيين والكويتيين، والذي قال لي: “مبروك أبو غريب، مبروك لقد انتهى كل شيء، وعليك أن تخلع ساعتك وخاتم الزواج فهذه من أموال العراق وأنت لاتستحقها ! ولما أجبت بأنها من تعبي وعملي، قال لقد أخذتها من عملك مع الكويتيين والكويت أرض عراقية، وكل ما عليها وما فيها هو للعراق !!

أصبحت للمرة الأولى في مواجهة أصوات أرى أصحابها، وكنت من قبل اتخاطب مع أشباح وأذكر من أسماء المحققين “رعد ومحمد النداوي وجزار الحاكمية محمد يحيى هزاع التكريتي الذي كان سبباً في إعدام الكثير من الفلسطينيين، وصاحب القول المشهور “إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة العراقية سوى عشرة دنانير”، تسلمتني إدارة سجن أبو غريب في اليوم التالي وأودعوني في قسم العرب والأجانب - القسم رقم (1) الخاص بالقضايا الأمنية والسياسية، وفيه وقعت عيناي على أشباح بشر، هياكل آدمية تتشح باليأس والبؤس، وكأنها مخلوقات من العصر الحجري، مضى على وجودها في المكان سنوات طوال.. هنا أناس غريبون وغرباء عني، فليس المكان وحده هو الغريب.. وبدت الأجواء لي متوترة ومقلقة وقابلة للانفجار في أية لحظة..

وكان كل ما مررت به في الفترة الماضية قد أرهقني وسحق روحي ومحا إنسانيتي، ودار في ذهني أيضاً أن يكون المكان مزروعاً بالجواسيس لتبقى دائرة الاتهام مغلقة من حولنا قد يكون ذلك ممكناً.. فقد سمعت عن سجناء أعدموا من بعد محاكماتهم ووصولهم إلى أبو غريب، حيث رتبت لهم تهم جديدة ظلماً وعدواناً - مسبقاً أعرف أنني في دائرة جهنمية محكمة الاغلاق.. كيف أتصرف وماذا أفعل ؟ وكيف ستمضى أيامي ؟ ترى ما هي الطريقة التي يجب عليّ اتباعها لكي أتعامل مع الموجودين هنا سجناء وسجانين - كل هذه الأسئلة المقلقة تدور وتدور ولكن دون جواب، وفي هذه الأثناء عرفني أحد السجناء الفلسطينيين والذي كان قد “سكن” أبو غريب عام 1983، وكان يعيش بكلية واحدة ومعاناته مع المرض رهيبة، واسمه أبو عزيز القدومي توفي في شباط من هذا العام.. وكان من المفترض أن يروي حكايته في سجون النظام العراقي السابق، في هذا الكتاب، ولكن شهادته -رحمه الله- غابت معه، وقصة هذا الرجل غريبة، فقد كان يعمل مهندساً في شركة كويتية لها تعاملات مع شركة برازيلية لها أعمالها في العراق - فاتهموه بأنه عميل للبرازيل ! وحقيقة الأمر أن الرجل كان معارضاً لأسلوب النظام في العراق، هي مكيدة أوقعوه بها لتجريده من أمواله.. أما التهم فهي غريبة وعجيبة ولكنها دائماً جاهزة ومفصلة حسب قياس الشخص.. تهم لا يصدقها العقل والإعدام والمؤبد أحكام ليست بحاجة إلى مبررات، فقد يقع شخص في خانة “المغضوب عليهم” لمجرد انتقاد مسألة أو قرار  لدى النظام.

أخذوني بعد ذلك ليحلقوا لي شعر رأسي وذقني التي بقيت على حالها طوال هذه الفترة، وألبسوني ملابس جديدة، غير البيجامة “اللوحة التاريخية” وشربت أول فنجاني شاي وقهوة منذ أكثر من عشرين يوماً.. تمددت على الأرض وبدأت استفيق من حالة الذهول التي اعترتني، وقلت لا بد لي أن أنفض عن نفسي وقع الصدمة، وكان أول ما خطر ببالي هو مصير عائلتي، ما الذي حل بهم ؟ أين هم الآن ؟ وهل استطاعت زوجتي وأمي تحمل ما جرى لي ؟ وعلى الفور خطر ببالي سجين جزائري كان معي في الحاكمية، وقد قطعت عهداً على نفسي أن أذكر هذه الحادثة ما حييت، اجتمعت بهذا الشخص أمام قاضي التحقيق، وكان الرجل يتمتم بآي من الذكر الحكيم، فسأله المحقق: ماذا تقول له ؟

قال: أنا لأا أحدث أحداً

فأعاد السؤالي علي: ماذا يقول لك ؟

قلت: إنني لا أعرفه ولا أرى أصلاً من هو بجانبي، وحين قال الجزائري بأنه يقرأ بعض سور القرآن وآية الكرسي، قال المحقق: هذه الآيات لربك، وربك لا يجرؤ على دخول هذا المكان فهنا لا يوجد ربنا ولا آية الكرسي !

وبدأت استعرض مسيرة حياتي وشريط ذكرياتي، فخطر ببالي ما كنت عليه في سنوات الدراسة الجامعية، وعملية الضغوط التي يمارسونها على الطالب لكي ينتمي إلى حزب البعث، وكيف أنني كنت أقول لهم لا يمكنني الانخراط في تنظيم سياسي وأهلي في الأرض المحتلة، وسلطات الاحتلال الإسرائيلي تتعامل مع الطلاب الذين يدرسون في العراق بشكل قاسٍ، ولم أكن أشارك في الفعاليات الخاصة بالحزب ولا بأنشطة الاتحاد الطلابي، وكنت أحاول جاهداً الابتعاد عن الحلقات الفلسطينية  المقربة منهم، ومعظم التنظيمات السياسية الفلسطينية آنذاك كانت متواجدة على الساحة العراقية، نعم كانت لي علاقات إجتماعية جيدة وواسعة النطاق، وهذه كانت وراء نجاحي في عملي، وأذكر أنني بدأت العمل مبكراً وأثناء دراستي من خلال مكتب استشارات هندسية يتبع الجامعة، ولكن عودة إلى نقطة التنظيم الحزبي، وهي مهمة جداً في حساباتهم، إذ يزعجهم ويقلقهم ألا ينتمي الطالب العربي بوجه عام، والفلسطيني بوجه خاص على اعتبار أن نظام العراق هو الوصي على القضية الفلسطينية. فهل كانت نقطة التقاطع معهم قد بدأت من الجامعة، أو هي بسبب رفضي لاحتلال العراق للكويت، وقد اصطدمت في هذه القضية مع كثيرين، وعبرت عن ذلك مراراً خاصة وأن الآفاً مؤلفة من شعبي الفلسطيني أصبحوا معلقين في الهواء، فقدوا مورد رزقهم وإمكانية تعليم أبنائهم وتشتت أسرهم وو... الخ، وأقلقني مصير هؤلاء، والأسوأ من ذلك أنني ولربما عرفت في السجن أموراً أكثر مما كنت أعرفه وأنا في الخارج، ومنها أن أي فلسطيني أختفى أو أعدم فإن ذلك تم في العراق، وأي عربي له مفقود فليبحث عنه في العراق ! وعدت أفكر بأن يكون سبب ما جرى لي هو انتقادي لعملية غزو الكويت، وكنت أقول ليقنعني أحد بجدوى هذه الفعلة ؟ هل دارت الكرة الأرضية وصارت القدس مكان الكويت ؟ من هنا بدأت المكيدة للايقاع بي، خاصة وأنني لم أكن من “المطيعين” في السابق،.. هواجس، أفكار، أسئلة، مراجعات للحوادث والأمكنة والمناقشات وغيرها كل هذا وأنا في يومي الأول.. فكيف ستمضي السنوات العشرون ؟

أساليب التعذيب متنوعة وتجري حسب مزاج المحققين فمنها ما يكون تسلية، ومنها الانتقام أو تصفية الحسابات الشخصية، فقد يحقد عليك أحدهم لما أنت عليه من حال النعمة أو المستوى الاجتماعي.. أو أي شيء فلا مقياس ولا اعتبارات كما أنه لا توجد حاجة للأسباب والمبررات في كل ما يفعلونه.. هم هنا يستطيعون فعل أي شيء وتجاه أي شخص، فلا يردعهم رادع.

أما إذا نظرت حولك ووجدت أناساً مضى على وجودهم سنوات طويلة وعانوا الكثير من الويلات فإن اليأس ينتشر في عروقك إنتشار النار في الهشيم، وتفكر بنفسك..

وتعود إلى السؤال الأول: كيف سأمضي سنواتي هنا ؟

كل ما يجري من حولك غريب فترى وتسمع حالات وقصصاً رهيبة.. وكنت دوماً أتعرض للتعذيب بسبب ردودي على المحققين، ولا شيء أخاف عليه بعد اليوم.. وخاصة بعدما علمت بمغادرة أسرتي عن طريق مساعدة السفارة الأردنية، وقد جاءت والدتي في أواخر شهر أيلول لزيارتي، وهي في حالة يرثى لها. وكنت قبل زيارة والدتي لي، قد كلفت أهل أحد السجناء السوريين للذهاب إلى منزلي ولما عادوا في الزيارة التالية ليقولوا أن البيت مقفل بالسلاسل وان سكان المنزل قد رحلوا.. ارتاح بالي، أما توصيل الخبر لأهلي فقد كان عن طريق أحد الأصدقاء الذي زارني مرة وحيدة، فقد كانت الزيارة وبالاً عليه وتعرض للمساءلة. وتأتي والدتي المسكينة إليّ محملة بالهم والقلق.. ابنها الوحيد يقبع في أقبية السجن وتحكم عليه قبضة أجهزة القمع الأمنية، كما أنها هي الأخرى عانت في رحلة قدومها إليّ، إذ ذهبت إلى معارف لنا فاعتذروا عن استقبالها، واضطرت للمبيت في فندق حتى يطلع الصباح، ونصحتها بالعودة سريعاً خشية بطش هؤلاء الجلاوزة.. روت لي الوالدة رحيلهم السريع من بغداد وسرقة المنزل في أعقاب ذلك.. واستمرت والدتي في زيارتي مرة كل شهر ثم كل شهرين، ولما ازداد الارهاق المادي على العائلة، باتت توافيني مرتين في العام وفي أحيان أخرى مرة واحدة، وتطورت خبرتها في ذلك فباتت ترسل لي المعونات مع أهالي السجناء الآخرين القادمين لزيارة أبنائهم، كانت الرحلة، أو الزيارة بالنسبة لها مشقة وهي أساساً تعاني من متاعب صحية، كما أنها كانت تعود في كل مرة مريضة، والأسوأ أن أحداً في العائلة -غيرها- لم يكن يجرؤ على القدوم إليَ مخافة أن يتعرض لمشكلات، وجهاز المخابرات لا يتورع عن فعل شيء على هذا الصعيد.

كنت عرضة للعقوبات مثل الحبس الانفرادي والحرمان من الزيارة، وغيرها من العقوبات بسبب مواجهتي لبذاءة المحققين، وقد ازددت شراسة من بعد زيارة الصليب الأحمر عام 1992 . كانت المرة الأولى التي يزورنا فيها ويسجل اسماءنا، وهذا شيء مطمئن، لقد حزت على رقمٍ دولي ومع العلم بأن هذا ليس كافياً عند النظام أو مانعاً له عن تصفية أي سجين، ولكنه يعني وجود جهة دولية تسأل عنا كلما زارت السجن، وكان الصليب الأحمر يهتم بالسجناء ذوي التهم الأمنية والسياسية، كان الوضع المعيشي داخل السجن أفضل مما هو عليه في الحاكمية، أو أي مقر آخر للمخابرات، والسجناء فيما بينهم يتعاونون على الشقاء، ويتبادلون المواد التموينية فيما بينهم، وخاصة المحظوظين الذين يزورهم أهلهم.. فهناك من ليس له أهل، وأغلب هؤلاء من الفلسطينيين والإيرانيين الذين يضطرون للعمل داخل السجن ليحصلوا على وجبة طعام أو يتمكنوا من شراء شيء، والعمل يتضمن الحياكة والأشغال اليدوية أو القيام بأعمال النظافة، والبعض من السجناء يمتلك موارد مالية من أعمال خارج السجن، فتعينهم هذه الموارد على ما هم فيه، وإلى هنا والأمور المعيشية نوعاً ما هي أما معقولة أو مقبولة، ولكنها بدأت في التدهور بعد حرب تحرير الكويت، وبدأ السجين يدفع ثمن الأقفال والتصليحات داخل السجن ويجبر على دفع الرشاوي للسجانين وإلا فإنه عرضة للإذلال والضرب، وتعدى الأمر ذلك إلى دفع أثمان الكهرباء والماء والصابون، وحتى السرير الذي ينام عليه السجين، فهذا له ثمن وإلا فإنه مضطر للنوم على الأرض. السجانون يطلبون المال والطعام والهدايا منا.. وكل من يأتي أهله لزيارته عليه أن يدفع ويعطي مما لديه من مواد وأطعمة ! وكان من ضمن العقوبات، نقل السجين إلى وسط السجناء غير الأخلاقيين المحكومين بتهم الزنا بالمحارم واللواط والاجرام والمخدرات وغيره، وهذه عقوبة مزعجة جداً، علاوة على أن السجين يشعر بالطمأنينة وسط جماعته، وفي المكان الأول الذي وصل إليه، فألفة المكان والرفقة والقواسم المشتركة تمنح نوعاً من الأمان، ولذلك فإن عقوبة النقل هذه على أقل تقدير تزعزع الأمان الشخصي، ونتيجة تدهور الأوضاع المعيشية ونقص الرعاية الصحية انتشرت الأمراض بين السجناء، وخاصة التدرن الرئوي وفقر الدم والأمراض النفسية، وأمام الأمراض ونقص الغذاء والدواء وتفاقم اليأس من تحسن الأوضاع، انتشرت الصراعات والانحرافات وهذا ما يريده السجانون ويشجعون عليه، فهم يغذون هذه الصراعات ويبثون أعوانهم لإثارة الفتن والمشكلات غير الأخلاقية.

وجدير بالذكر أن إدارة السجون كانت تتبع وزارة العمل مع وجود مكتب ارتباط للمخابرات في داخل السجن، هذا الضابط يرتبط به السجناء السياسيون في تسيير أمورهم، وكان المتنفس الوحيد هو إدعاء المرض والذهاب إلى المستشفى، وهذا ما كنا نعده “سياحة” يتيح لنا رؤية الدنيا والاختلاط بالباعة والناس في الطريق ومعرفة الأخبار، رحلة المستشفى تستغرق نصف ساعة مشياً على الأقدام، وأبو غريب عبارة عن مدينة صغيرة مغلقة، لكن المؤسف في الموضوع أن بعض الحراس يرفضون مرافقة السجين السياسي خوفاً من هربه، وهذا يكلفهم ثمناً غالياً.. والثمن هو حياتهم، ولذلك كان علينا أن نسترضي هؤلاء الحراس على الدوام كي يرافقونا ويطيلوا الرحلة في الطريق، وكذلك الحال مع العاملين في المستشفى كي يمددوا الوقت باجراء فحوصات وتحليلات أو صور للأشعة، وبهذه الطريقة زرنا قسم الإعدامات والأقسام المغلقة التي يسمونها “الأحكام الثقيلة”، وشاهدنا بشراً مضى على وجودهم سنوات دون أن يروا الشمس، هناك طوابق تحت الأرض تعج برجال الدين من الشيعة وآخرين من كبار الحزبيين، إضافة إلى الكويتيين، وهؤلاء قصتهم قصة فقد كانوا ينقلونهم من مكان إلى آخر، من ربيعة في شمال العراق إلى العمارة في جنوبه، ومن الشرق إلى الغرب.

وفي أثناء الاستعداد العراقي لحرب الخليج الثانية، أي مواجهة أميركا والتحالف الدولي، سرت الشائعات بالافراج عنا ولكن ما جرى هو الآتي: تأتي لجنة من المخابرات تطلب منا التطوع في الجيش العراقي من أجل التصدي لجيوش التحالف، التي أنذرت العراق بالانسحاب من الكويت، وهددت بشن الحرب عليه إن لم يفعل، نحن السجناء الذين سحقوا تحت كرابيج المخابرات وزهقت كرامتهم يُطلب منا التطوع للدفاع عن العراق ! هل هي مسرحية أم مهزلة أم ماذا ؟ وأذكر أنني قلت للسجين الكويتي “عبد الواحد حنظل الشمري”، أنا وأنت لو قلنا لهم سنهزم لكم أميركا فلن يصدقونا، فأرح نفسك”، وفجأة صدر قرار رئيس الجمهورية بالعفو عن المحكومين باستثناء القضاياالأمنية والسياسية، أي أنه قام باطلاق سراح المجرمين الفعليين، وهنا استلمت المخابرات ادارة السجن، وفي أثناء الحرب حصلت تحركات كثيرة داخل السجن، فوصلت معدات وأجهزة وأشياء لا نعرف كنهها، ولم تقصف الطائرات الاميركية السجن (وكنا نتمنى لو أنها فعلت ذلك) فلربما كانت تقديراتهم بأن القابعين فيه هم من ضحايا النظام، ولكن المضحك المبكي أن جلاوزة النظام احتموا بنا، وكان أبو غريب المكان الأكثر أمناً في كل العراق، وصار ضباط المخابرات يظهرون لنا التودد على غير العادة، ولا أحد يعلم إلا الله بما وضعوا داخل السجن، لكن المعادلة انعكست بمجرد انتهاء الحرب، وبتنا دون ماء ولا طعام، ليس لدينا سوى الحشائش، وحفرنا حفراً في الأرض لتجميع مياه الشرب، وغابت عنا الشمس لأيام طويلة، إذ لم تفتح لنا البوابات فما رأينا الشمس ولا عرفنا بما يجري حولنا، ولكن الأمل في الخلاص كان يحدونا، وتمنينا هزيمة النظام وسقوطه، لكن الأولى تحققت وفشلت الثانية، فعادت إلينا القبضة الحديدية الشرسة، وازدادت حدة التعذيب ووحشية المعاملة، واستشرس الضباط في إخضاعنا للعقوبات، منها الحبس الانفرادي والرمي في بركة الماء القذر وسط ساحة السجن في جو بارد، وغيرها الكثير، لكن فرض العقوبات الدولية على النظام كان عامل تغيير مهم بالنسبة لنا فسمح للصليب الأحمر بزيارتنا، وكانوا في البداية قد زاروا الإيرانيين فقد أنكر السجانون وجودنا، لكننا سربنا الخبر للصليب الأحمر عن طريق زملائنا الايرانيين، وحينها أصر الصليب الأحمر على زيارتنا وتسجيل أسمائنا ونقل المواد والأغذية إلينا والمسألة الأخيرة تخضع لمزاج المخابرات، وهنا يبدأ فصل آخر من فصول مأساتنا، إذ يسرقنا الضباط علانية فيأخذون كل ما يحمله إلينا الصليب الأحمر.

وفي أواسط عام 1994، بدأنا نبعث الرسائل مع أهالي السجناء، وجهنا الرسائل للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وللملك حسين وللمنظمات الدولية والصحافة، وكنا نناشد الجميع العمل على إطلاق سراحنا، زارنا السفيران الأردني والفلسطيني وبعض السفراء العرب، وبدأت تجري محاولات لمساعدتنا مما زاد في شراسة معاملة المخابرات لنا وخاصة بعد زيارات لجان التفتيش، ولسخرية القدر أو عبثية هذا النظام، أو جهنمية تفكيره، كانوا يطلبون منا مواجهة لجان التفتيش والهتاف لصدام حسين ولعن بوش، وذلك لكي نوقف لجان التفتيش عن مواصلة عملها والدخول إلى المكان، في الوقت الذي كانت فيه هذه الأخيرة تصر على دخول السجن ومتابعة عملها، كان رجال المخابرات يستغلون ضعاف النفوس باقناعهم بالتصدي لهذه اللجان مع اغراء يقول بأن القيادة ستطلق سراح كل من يقف في طريق هذه اللجان ويمنعها من متابعة عملها !

بدأت الحلقات تنفرج من حولنا، كما بدأنا نرقب أموراً غريبة وهي قدوم أجانب مخطوفين بالقرب من الحدود العراقية، فقد كان رجال المخابرات يتنكرون على أنهم رعاة أغنام، ويخطفون الأجانب من مناطق حدودية، وأذكر منهم بريطانيون وأميركيون أصدروا بحقهم أحكاماً جائرة تصل إلى اثنى عشر عاماً. التقيت بضابط عراقي روى لي كيف أنه كان مكلفاً ضمن مجموعة بنقل العائلات الكردية من مناطق الشمال وقتلهم ودفنهم في مقابر جماعية في الجنوب، وقد حاول هو إنقاذ طفل صغير انتزعه من أمه كي يتبناه، خاصة وأنه لم يرزق بطفل، لكن الضابط الذي يرافقه رمى بالطفل من شباك السيارة، فما كان منه إلا أن نزل وأفرغ رصاصاته في الطفل، واضاف أنظر ماذا كان مصير الطفل وماذا كان مصيري ؟

ولم يذكر القصة إلا بعد أن الححت عليه بالصلاة مراراً، وفي كل مرة كان يرفض.. حتى حكى لي ما حكى وقال: هل تريدني أن أصلي وهل يقبل الله لي صلاة ؟!

في السجن أيضاً حكايات ومصائر وقصص خرافية، جاورنا الطيار محمد مظلوم الدليمي، وروى لنا زملاؤنا العراقيون كيف أنهم اطلقوا الكلاب الشرسة لتنهش لحمه وتمزقه تمزيقاً. نظام بطش وارهاب، وحفنة من الجهلة القتلة.. ولقد ذكرت السجناء الأجانب، ولكني هنا أود أن أتذكر كيف أن معاملة المخابرات وإدارة السجن مع الأجانب لم تكن تشبه معاملتهم لنا على الإطلاق، فهؤلاء يزورهم طارق عزيز ويتفقد إحتياجاتهم، إضافة إلى أن سفاراتهم تبعث لهم بوجبات خاصة، والسجين الأميركي (كينيث بيتي) ظلت سيارة الاسعاف في باحة السجن لخدمته منذ اليوم الأول لاعتقاله وحتى مغادرته، بينما لم يكن السجين العربي يحظى بالعلاج، فلم يكن مسموحاً للمرحوم (القدومي) أن يتلقى علاجاً وهو المريض بالقلب، كما لم يسمحوا لي بإكمال دراستي، لقد سحبونا إلى المخابرات لأننا تقدمنا  بطلبات للدراسة أو بعثنا برسائل للصحافة أو المنظمات الدولية نطالب بتأمين محاكمات عادلة وإعادة ممتلكاتنا إلينا.

لم ألقَ في سجون صدام حسين فلسطينياً تم اعتقاله لأنه جاسوس لإسرائيل، أو ليست إسرائيل عدوه الأول ؟ وسجناؤه الفلسطينيون هم طلاب مساكين ضاعوا في غياهب السجون، وكم منهم أُعدم دون ذنب، وتبين لي أن العدو الأول في التسلسل الأمني للمخابرات العراقية هو أجهزة الأمن الفلسطينية، ومن ثم الأردن وسوريا ثم إيران، وإسرائيل ليست واردة على الإطلاق فأمن فتح مثلاً هو أخطر من الموساد، وأذكر من السجناء السوريين، وهم كثر، راعي غنم أمي بسيط فرت منه أغنامه في (الحصيبة) على الحدود السورية العراقية فقبضوا عليه بحجة أنه جاسوس لسوريا ويهرب أسلحة إلى داخل العراق، وتحت الضغط وجراء التعذيب، اعترف المسكين بأنه دفن الأسلحة، وكانوا في كل يوم يأخذونه ليكشف عن مكان الأسلحة، وعندما لا يجدون شيئاً يعيدونه للضرب والتعذيب، ولهذا الرجل حكاية عفوية وبسيطة، فقد طلبه المحقق ليلة كي يتسلى عليه، فأخذه الحارس في المصعد، لكن المحقق غيّر رأيه وأشار عليه بالعودة بعبد اللطيف، الذي سألناه: ماذا فعلوا بك، قال (قبنونا) أي أخذوني للميزان ! وعبد اللطيف هذا حكمته محكمة الثورة بتهمة التجسس ! وآخرون تلبسهم التهمة وهم لم يسبق لهم دخول العراق، أما كيف ؟ فعن طريق الخطف، يخطفهم أعوان النظام من على الحدود أو من الأردن، ومن ثم يحكمون عليهم بالتجسس،ولقد قابلت في السجن مختلف الجنسيات العربية، والاغرب أنه مر علي تونسي متهم بالتجسس لصالح ارتيريا ! لم يسلم من شر المخابرات العراقية إلا القليل.

كانوا يتبعون أساليب جهنمية للايقاع بالبشر تقابلها أساليب الإغراء والتضليل ورسم صورة للنظام مغايرة للحقيقة القائمة على الأرض، أو القابعة في السجون، وكل شيء كان يجري بتصميم مخابراتي مسبق، فعلاقات النظام بدول الجوار سيئة ولذلك يلجأون لخطف الناس وتعذيبهم ليكونوا بمثابة رسائل موجهة لدولهم، هذا فيما يخص السجناء العرب من السوريين والسعوديين والعرب الأحواز، أما البشر الذين يعيشون في الداخل، داخل العراق فحياتهم على كف عفريت ومصائرهم مجهولة -لا أمان ولا اطمئنان-

وأذكر أنني قرأت قولاً للإمام علي كرم الله وجهه يقول: “والله والله والله إن القاعد فيها بذنبه والخارج منها فبرحمة الله”.

وفيما يخص حياة البشر ومصائرهم أذكر هنا ما كان يسمى مجلس قيادة الثورة والذي أصدر قراراً عسكرياً برقم 61 في 17/1/1998 ينص على إعتبار الجرائم الماسّة بشخص الرئيس صدام حسين وأمن الدولة هي جرائم مخلة بالشرف وتصادر الأموال المنقولة وغير المنقولة لمرتكبها، فتمزيق صورة صدام حسين هي جريمة تقود مرتكبيها إلى الإعدام ومصادرة أموالهم !

الشهادة الرابعة
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة