الشهادة الثانية

ضيف الله حسين حمدان أبو رياش

مواليد 26/8/1962 في مادبا

لقد ذهبت إلى العراق لأول مرة في منتصف تشرين الأول من عام 1982، بهدف التقديم للدراسة الجامعية ولم أُوفق، وليتني توقفت عند هذه النتيجة.. لكن حظي كان يريد الوصول بي إلى اتجاه آخر، فقد عدت إلى الأردن ولكنني مع وصول القبول في العام التالي، حملت نفسي مرة أخرى (على الهجرة إلى الشمال) جامعة صلاح الدين في اربيل - كردستان العراق، وأكملت دراستي في علم الاجتماع ولكنهم اعتقلوني في الأول من تموز 1987 وأنا في طريقي إلى الأردن، كي أحضر والدتي لحفل التخرج الجامعي ! هذا الحفل الذي لم أحضره بالطبع.. ولم أتخرج لحد الآن !

وبدأت الحكاية بأن أستوقفوني في المطار بعبارات مختصرة “نريدك لخمس دقائق فقط”، لتنتهي الخمس دقائق في عام 1998 ! وأثارا إستغرابي أكثر أن حقائبي وأوراقي الرسمية كانت معهم.. ماذا يريدون.. ما معنى إعادتي إلى الخلف والطائرة على وشك الاقلاع ؟ هل يعني هذا أنهم سيحرموني حفل التخرج وحضور والدتي في الخامس عشر من تموز ؟ هذه هي الأسئلة التي كانت تدور في ذهني القاصر حتى هذه اللحظة عن إدراك أبعاد أخرى أو مؤامرات كانت تحاك لي في الخفاء.

وعلى الفور سيتبادر إلى ذهن أي إنسان يسمعني سؤال: “ألم تكن قد مررت بمضايقات سابقة طوال تلك السنوات ؟".

ولكي أجيب فأنا مضطر للعودة إلى سنوات عمري الجميل، كأي طالب على وجه الأرض يحمل معه حفنة من الآمال وتخطيطات بريئة لرسم لوحة المستقبل، وربما مخططات “غير بريئة” لحياة منطلقة يعيشها فتىً غادر المدرسة للتو، وودع الأهل وكسر الطوق من حوله، وأنا لم أكن بطبيعتي شقياً ولا مشاغباً ولكن بدوي نشأ في بيت من الشعر، لا يعرف دروب السياسة ولا هو يفقه معانيها، وكل ما يعرفه هو أن الأشياء تأتي بالتعلم والتدريب، ومن شأن حياة جامعية مترامية الأطراف، متعددة الأهداف أن تمنحه القدرة على الاكتساب، ولا يمكنني نسيان ذكر ما كنت عليه من الحدة وعدم الليونة، أو ما يمكن تسميته بفقدان اللياقة الاجتماعية، ويا للصدمة، فإن أول ما يواجه الطالب هو مسؤولو الاتحادات الطلابية الذين يعرضون خدماتهم ومساعداتهم على القادم الجديد الذي يتلمس أول الطريق.

وبدأت أدرك أن هذه المقدمات ستقود إلى نتائج على الصعيد الآخر، فما هي إلا جسور يمدونها كي أصل النقطة المحددة من قبلهم، ولم أقبل صعود أي جسر من جسورهم، وكان لي صديق قد نصحني من قبل بالسكن لدى عائلة كردية لأنني بالأساس استبعدت السكن الداخلي، وقد يستغرب البعض لجوئي للسكن في الوسط الكردي، من منطلق الحكم على الأكراد بعداوتهم للعرب، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، فلقد لمست في الأكراد طيب المعشر وحسن الضيافة، ولأنني شخصياً أخجل من الإقامة الدائمة لدى عائلة فقد طلبت مساعدتهم في تأمين شقة أسكنها بمشاركة طلاب آخرين، انتهى موضوع السكن.. لتبدأ اللقاءات في مقر الاتحاد العام لطلبة الأردن وليس من حديث يخوضون فيه معي، سوى الانتماء للحزب العظيم، وكانت حجتي التي أسوقها للرد عليهم ببساطة: أنا فلسطيني يحمل معاناته أينما حلّ وارتحل وليس هناك من دواع للأطر الأيديولوجية.. ولكن هذا لا يسمن ولا يغني من جوع في عرفهم، فيزداد الضغط وتشتد وتيرة الانتقادات وتحتد النبرات، ولكن معي وفي كل مرة تتكسر النصال على النصال. حاولت من جانبي ابقاء علاقاتي بالطلاب في إطار من المحدودية والتحفظ، ومرت السنة الأولى قاسية، وبدا للطرف الضاغط أنني أسد الطريق فلاحت في الأفق علائم الحقد والكراهية، والحقيقة التي بدأت أنجذب إليها هي معاناة الاكراد ورغبتي في تعميق صداقاتي بالطلاب الأكراد، فقد وجدت قواسم مشتركة بينهم وبيني، كمثل القواسم المشتركة لمعاناتهم ومعاناة الفلسطيني، ولربما كانت هذه هي بداية المنعطف، أو بداية ما يمكن تسميته “الخطأ الشخصي”، إذ أنني لم أسر في درب “بعثي حتى التخرج”، وأول تعرض قامت به الأجهزة الأمنية ضدي حدث في نهاية العام الدراسي الأول حيث اعترضتنا سيارة (أنا وزميل لي من مادبا) ونزل ركابها ليختطفونا إلى دائرة أمنية: عصبوا عيوننا وانهالوا علينا بالضرب وتوجيه الإهانات قالوا: “أنت في بداية دراستك ومن السنة الأولى تظهر عداءك للبعث وتنسى خيره عليك”، واقتصر ردي عليهم “لا تمنّوا عليّ، فأنا أصرف من مالي الخاص الذي يصلني من أهلي”.

واطلقوا سراحنا.. عدت لأنفذ نصيحة قدمها لي بعض الزملاء بالتخلي عن راتب المنحة وتحويله كمساعدة لجبهة التحرير العربية، خلاصاً من منتهم، ومع ذلك لم تتوقف المضايقات في السنة التالية، أما ما شكّل المضايقات فهو التحرش برموز الثورة الفلسطينية، وتخوين س و ص من الشخصيات الفلسطينية، كعملية إستفزاز لخلق مشادات ومشاحنات، وأقسم بالله العلي العظيم، أنني وإلى حد ذلك التاريخ لم أكن مدركاً بأن إتحاد طلبة الأردن يتبع حزب البعث، لكن أبشع صورة للمضايقات تكمن في التأثير على المستوى الدراسي، إذ وجدت نفسي أرسب لثلاث مرات في مواد كانت علاماتي فيها لا تقل عن خمسة وتسعين في المائة، وعندها اشار لي صديق بأن هذا يمثل الرد لعزوفي عن المشاركة في النشاطات الطلابية الحزبية، وكانت نصيحته (أن أهادن الوضع)، وبدأت السير فعلاً في هذا الاتجاه إتقاءاً لشرهم وحرصاً على مسيرتي الدراسية، ظناً مني بأن الأمر سيتوقف عند هذا الحد، وبالتالي أنجو بنفسي وأحصل على شهادتي الجامعية.. ويا ويلي إذ لم يخطر ببالي يوماً أنني لن أحصل عليها !

واستمرت سنوات الدراسة التالية دون مشكلات تذكر، سوى المماحكات والتعرضات من قبل مسؤولي الاتحادات الطلابية الذين كانوا ينعتونني بالقبلية والجهل والعشائرية وإلى ما غير ذلك، والأخطر في اتهامي بعدم استساغة فكر البعث، وعدم التحمس له كأيديولوجية، كان الأمر على هذا النحو خطيراً خلاف ما كنت أظن وأعتقد !

كانت لي حسابات خاصة مثل العودة إلى الأردن، ولا أريد خلق مشكلات مع السلطات الأردنية، فأحفظ خط الرجعة لنفسي وأخشى من المساس بأهلي أو حتى فقدان الأمل في العودة إليهم.

ولما حدثت قصة مقتل ثلاث طالبات كرديات، بعد تعرضهن للاغتصاب، وقد تم العثور عليهن في منطقة صيداوة - غرب أربيل -، ضجت الجامعة بالمظاهرات، نما إلى علمي أن الحديث يدور عن أنني كنت العامل المحرك لهذه المظاهرات في كلية الآداب، والحقيقة أنني لست على هذه الفاعلية السياسية، ولست بقادر على تحريك الطلاب إلى هذه الدرجة التي يشيعونها إما عمداً أو جهلاً، أقول عمداً لأنهم يبيتون لي أمراً لا أعرف كنهة، ولا مداه، أو جهلاً من باب تضخيم الأمور لمجرد كوني غير موال لهم ولا متعاطف معهم.. وكانت نصيحة الأصدقاء مثلما هي دوماً: المشاركة في المسيرات التأييدية لإبعاد مثل هذه التهم عني.. وفعلت دون قناعة مني، والشيء الذي نفذته عن قناعة كان التبرع بالدم عن طريق المستشفى وليس الكلية لاعتراضي على طريقة الابتزاز التي يتبعونها.

لم تكن لي في سنوات دراستي تلك من مخالفات -حسب تقديراتهم - سوى امتلاكي لوجهة نظر مغايرة لأساليب الإكراه التي يمارسونها، ولربما لم أكن مهيأً لأن أكون بوقاً لتوجهاتهم السياسية، ومع ذلك كله لم يخطر ببالي للحظة بأن هذا سيقودني إلى الجحيم وغياهب السجون، خاصة سجن “أبو غريب” الرهيب. ومضت سنوات الدراسة على هذه الشاكلة: الطريق الدراسي سالك، أما الطريق السياسي فهو سالك بصعوبة حتى هذه اللحظة، ما الذي سيجري لاحقاً ؟ سؤال لم يلح لي في الأفق لأنني لم أؤسس على هذه المشاحنات والمناكفات أمراً خطيراً سيصيبني، أو تهلكة تنتظرني، وبشكل عام وجدت نفسي ميّالاً للمطالعة والاستزادة بالقراءة فهل هذه أيضاً تهمة ؟ سرت في طريقي لا أعلم إلى أين وكل ظني أنني في المطار سأغادر.. ومن ثم ترافقني الوالدة “العجوز” كما نسميها، ولكن أوقفتني الدقائق الخمس (منذ منتصف الأول من تموز وحتى الحادي والعشرين من شباط 1998)، وحتى حين اقتادوني من المطار بعصابة سوداء على عيني، لم يدر بخلدي أنني في قبضة أجهزة أمنية، وتهيأ لي أن في الأمر أحقاداً شخصية أو قريباً منها مما يمكن تسويته خلال فترة قصيرة، أو أنه يمكن أن يماثل ما حدث لي في مرة سابقة، حين واجهت الطلبة الأردنيين (عفيف الروسان، منير حدادين، وحسام العمري) فقد اضطررت لضرب الأخير بآلة حادة بعدما أحكموا قبضتهم علي، وأذكر بعدها أنهم سعوا للمصالحة فرفضت كي يبتعدوا عن طريقي. ولكن الذي يجري اليوم مختلف، فأنا مساق إلى مكان مبهم ومن المسافة التي قطعناها يبدو أنه بعيد عن المطار، وبدأ سير الأحداث، أنزلوني من السيارة واقتادوني إلى غرفة حمراء، أدركت حينها فقط أنني في (مبنى مخابراتي) ومرت بي سريعاً الصور التي كان العراقيون ينقلونها لي عن هذه المباني.. توصيفات غريبة عجيبة.. وحكايات دامية، وها أنا الآن في أتونها !

مرت ثلاثة أيام طوال ومرهقة، في غرفة المحقق وأنا معصوب العينيين، أسمع: أنت تعرف ما نريده منك، ونحن لا نريد تعطيلك عن الذهاب إلى أهلك فتعاون معنا فعندنا كل شيء ! وفي مواجهة إنكاري قال: إذهب وفكر وعد إليّ بشكل آخر ! وبدأ الاستدعاء كل يوم لتتردد على مسامعي إهانات وطلبات بالاعتراف وسيل من التهم، ما هي علاقتك بالاكراد وما نوع الأسلحة التي هربتها لهم ولمن كنت تعطيها، ولمن وأين وزعت المنشورات ؟ وكم من مرة شتمت الرئيس ؟ ومع مواصلة إنكار أية علاقة لي  بهذه التهم، كان التعذيب يزيد والأسئلة تزداد والخناق يضيق من حولي، ولما قلت: “إنك تكيل كل هذه الاتهامات لي لأنني لست بعثياً” قال منتصراً: “آه من هنا نبدأ.. لماذا أنت لست بعثياً ؟ على رأسك ريشة ؟ ونحن نضع فوق رؤوسنا أربعة الاف طالب فلسطيني، وأنت الوحيد الذي يتصور نفسه مختلفاً، ويطن نفسه بطلاً، لماذا تنازلت عن المبلغ المخصص لك كمنحة، وأنت تتنفس هواء العراق وتشرب ماء دجلة والفرات !”.

وحاولت أن أشرح له بأنني إنسان بسيط، لا يقتنع بالانتماءات السياسية ولا يحب المزايدات، وبحسن نية وصفاء سريرة، قلت بأنني تبرعت بالدم ثلاث مرات لصالح المجهود الحربي، قال: “أنت تعيرنا بالدم الذي تبرعت به وقد اسأت للبلد بما يفوق الآف الليترات من الدم، وعليك أن تعترف على تنظيمك، وتقر بكل ما تعرفه عن التحركات السياسية للأكراد”، ولم تكن أجوبتي تجدي نفعاً لمثل عقلية هذا المحقق الذي أسرع لفتح الملف الساكن أمامه ليصرخ: “هاك التقارير التي تقول كذا كذا” قلت بأنني لم أطلق النار على رفيق حزبي، أو أفجر قنبلة في مركز شرطة حتى أكون على هذه الدرجة من الخطر.. توقفت الأسئلة والأجوبة كمادة حوارية وحلت محلها الضربات والفلقات والألفاظ النابية.. هذا هو منطق ولغة هؤلاء الذين هم ليسوا بشراً، ولا حيلة لي سوى الاستمرار في الصراخ والشتم والانكار، وبعد مضي إسبوعين.. قال لي المحقق: “ستقابل مسؤولاً مهماً وعليك أن تصرح له بكل شيء !”.

قادتني السيارة المغلقة إلى مكان آخر، وإذا بي أمام فاضل البراك مدير المخابرات العامة آنذاك، وابتسمت أول ما وقع نظري عليه، فسألني عن السبب.. قلت أنا أعرفك من خلال محاضرة في جامعة البصرة، وكنت حينها أظن نفسي أمام شخص أكاديمي وليس مسؤولاً أمنياً، أجابني بنعم “ولكن هذا ليس موضوعنا”، وأضاف اسمعني جيداً أنت أمام المخابرات العراقية، ونحن نعرف بأنك على وشك الذهاب إلى أهلك، ولكننا نشرنا أخباراً بأنك مخطوف عند الأكراد، مع أخبار أخرى تقول بأنك قد قُتلت في أربيل، فلا مجال للتفكير، ولا مجال للتردد، بل عليك أن تختار: فإذا صرحت بكل ما لديك فستذهب إلى أهلك وإلا فلن يكون لك ذلك، ثم انك ما زلت لا تعرف المخابرات العراقية، ونحن نحترمك لأنك من قطر عربي شقيق، فاذهب وفكر جيداً.

إنتهى اللقاء بعودتي إلى المكان الأول وبداية المرحلة السيئة: عمليات التعذيب من كابلات كهربائية وضرب وتشبيح وأساليب قاسية ووحشية، هذه العمليات استمرت لثلاثة أشهر ولمرتين في الأسبوع، كان معي شخص سويدي اسمه (وولف) وفتاة من النجف اسمها (ليلى)، عرفت أن وولف كان يدير شركة اتصالات اريكسون وقد اتهموه بالتعامل مع ايران وإسرائيل، ولهذا  الشخص دور في حياتي، فزوجته وهي سيدة من (ترينداد) أبلغت أهلي بحالي حين كتب لها زوجها المعلومات باللغة الفلامنكية على صفحة من صفحات الانجيل، وزارتني والدتي بعدها، وصار معلوماً أنني في قبضة المخابرات العراقية، حيث كنت طوال الفترة الماضية مغيّباً حسب الحجج التي أطلقوها والأخبار التي نشروها.

استمر التعذيب، وهم يتفننون في أساليبه وبدأت صحتي في التدهور، كانت العمليات التعذيبية بالكهرباء مؤلمة ووحشية، وتوصلني إلى مرحلة الهستيريا.. ولكن كل شيء الآن إنتهى، سوى آلام الكتفين جراء التعليق الذي كانوا يمارسونه، وكلما جاء برد الشتاء القاسي تضاعفت الأوجاع واشتدت علي الآلام.

في نهاية الشهر التاسع، يستدعيني المحقق ليأمرني بالنظر إليه وفهم ما يقول: اسمع إن إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة العراقية سوى عشرة دنانير، قيمة الطوابع الملصقة على المذكرة حين أرفعها إلى قاضي التحقيق ! واستمرت جلسات التحقيق، وتتردد على مسامعي أوامر تقول: اعترف اعترف، ولما قلت لقاضي التحقيق بماذا اعترف ؟

قال بأنك شريف، ولما أجبته أنت القاضي وتخاطبني بهذا الشكل، وجه لي صفعة وقال: وقع.

- على ماذا ؟

- عليك أن توقع على بياض !

ولأنني كنت في حالة من اليأس والبؤس، فقد وصلت إلى مرحلة التوقيع على أي شيء ! فقط، لكي أخرج من المكان، ولقد فكرت بالانتحار مرتين ولم أنجح، وكان حظي سيئاً حين اكتشفوا محاولتي الانتحار بحبل صنعته من بيجامتي، وهو الأمر الذي ضاعف من عذابي وتعذيبي (قواد تريد أن تموت قبل أن تصرح بما لديك)، ووضعوا معي شخصاً آخر في الغرفة، زارتني الوالدة وشرحت لها ما أنا فيه، ذهبت إلى هيثم أحمد حسن البكر، كي توكله محامياً للدفاع عني فاعتذر عن قبول التكليف.

بدأت محاكمتي في محكمة الثورة.. التي تشبه ثكنة عسكرية، ولقد أصابني الرعب فيها أكثر مما كان عليه الحال في (الحاكمية)، وفي الصالة جلست إلى جانبي سيدة كردية.. أحضر العسكر المدججون بالأسلحة شباباً صغاراً في عمر 16 - 17 سنة، وكانوا يأخذون كل أربعة سوية، ومن المجموع لم يخرج سوى أربعة، سألت هذه المرأة باللغة الكردية: أين يذهب الآخرون ؟ فأجابت بأن الذي لا يخرج إلى هنا يذهب إلى الاعدام فهناك باب آخر. بدأت محاكمتي في قفص، وسألني القاضي عواد البندر: هل أنت متهم أم برئ ؟ فأجبته أنا طبعاً برئ.. فزاد القول بأن المحكمة هيأت لي محامياً، فإذا بالمحامي يقول (إن المجرم الماثل أمامكم) فاعترضت بالقول: اسمحو لي.. فأنا أدافع عن نفسي وقلت أنا طالب أردني جئت للدراسة في العراق، وربماكان الخطأ الوحيد الذي ارتكبته هو عدم الانتساب لحزب البعث، وهذا كل ما هنالك ! فقال لي القاضي: أهذا كل شيء ؟.. أنت متهم بالتآمر على البلد والتخريب ونحن نستطيع مداواتك ومداواة أمثالك.. واستكمل: حكمت المحكمة عليك حسب مادة 158أ، وأنا لا أعرف ما هي المادة 158أ، وبدأت أنظر حولي وأتطلع في وجوه الحراس الذين أخذوني إلى مبنى المحافظة أو أي مكان لا أعرف ! كان في القاعة حوالي خمسة وثلاثين شخصاً، وأُغلق الباب بأربعة أقفال، واقترب مني شخص ليسألني ما هي قضيتك ؟ فبادرته ما هو هذا المكان ؟ فقال لي إنه (قاطع الاعدامات)، وشعرت بنفسي لا أستطيع الحركة. جمدت في مكاني.. فأضاف الشخص: نعم، نحن هنا كلنا محكومون بالاعدام ! وننتظر التنفيذ.. واستطرد وأنت ماذا ما جرى معك ؟

قلت له: أنا لا أعرف، فقط حكموني حسب مادة 158أ، فاندفع الرجل إلى الخلف والدهشة تعتريه.. وقال على ماذا ؟ ثم أضاف: عادي هذا هو العراق ؟!!

وصدقاً بدأت أفكر في أن ألحق نفسي، أن أصلي، وصليت دون أن أكون مقتنعاً بالوضع الذي أنا فيه.. اعترتني حالة من اليأس لا يمكن وصفها، وبدأت أرقب الناس من حولي، وكيف أنهم حين ينادون اسماً لشخص بيننا.. يبدأ هذا بالحركة ثم التثاقل.. ثم يقع ويسحبونه وو... يجرونه إلى مصيره.. تزامنت هذه الحالة مع تقديمهم لناطعاماً أفضل من الذي كان في مبنى المخابرات.. وظلت الوضعية على هذا النحو المرعب وأعداد الأشخاص تتناقص.. بقي حوالي أحد عشر شخصاً فقط، لا أعرف التاريخ، ولكن بعد ستة أيام من وصولي إلى المكان، نادوا عليّ وحلقوا لي شعر رأسي وذقني، وأخذوني إلى المحكمة نفسها، وأعيدت الديباجة ذاتها ولكن مع إضافة تقول “أنت لكونك من قطر عربي شقيق، خففناالحكم من درجة (أ) إلى (ب)، مع مصادرة أموالك المنقولة وغير المنقولة، فأنتقلت إلى السجن المؤبد، وأعادوني إلى مبنى المخابرات لحوالي شهر، وحينها زارتني والدتي، بدأوا باتباع أسلوب الحرب النفسية (الازعاج)، وهذا يتمثل في إخراج الموقوفين معصوبي الأعين في ممرات لساعتين، وهم يتعرضون للضرب من كل جانب وتنهال عليهم الشتائم والاهانات. تحولت إلى السجن الذي يغص بمختلف الجنسيات (سوريون وإيرانيون ومصريون وغيرهم) حوالي ثمانمائة أو الف سجين أغلبهم من المصريين، قواطع مختلفة ولكن السياسيين معزولون. بدأت والدتي تزورني بين الحين والآخر، ومن الذين انتقلوا معي إلى السجن إثنين من الفلبين وإثنين من بريطانيا، وأذكر وجود الطيار محمد مظلوم الدليمي في زنزانة مجاورة، وقد أوصاني بتوصيل رسالة إلى والدته (ميثا) وقد أوصلتها مع والدتي، أنا لا أعرف شيئاً عنه، كل ما قاله لي أنه كان مدير قاعدة جوية، وقد قام بثلاثة الاف غارة على إيران، وكان الذراع الأيمن لعدنان خير الله. كان رحمه الله متديناً وبطلاً في مواجهتهم، وأوصاني بتوصيل الرسالة إلى والدته. وكنت أعتبرها عبئاً وحمدت الله على أنني استطعت توصيلها. في السجن حاولت أن أبقى متحفظاً في علاقاتي، ومع ذلك لم أنجُ من خطر هذه العلاقات، فقد حدث أن تعرفت على سوريين مبعدين، وأحدهم كان يعمل بالتطريز والاشغال اليدوية (الخرز)، وفي أثناء زيارة لوالدتي اعطاها بعض هذه المشغولات، ولكنه ضمنها رسالة باسمي، وموجهة إلى الاردن لطلب المساعدة، وحين اكتشفوها سحبوني إلى مبنى المخابرات وابقوني لثلاثة أشهر تحت التعذيب، وبعد ذلك أعادوني إلى السجن، وبدأت المخابرات تعمل في داخل السجن على تجنيد الأشخاص للعمل معهم، فطلبوا مني العمل معهم، واذكر أنني قلت لأحد العاملين في السفارة الأردنية (من عشيرة الحويطات) وكان على معرفة بالأهل، قلت له حين زارني، يا أخي أحضر لي سماً كي أخلص من هذه الحياة، هؤلاء حكموا علي بالمؤبد والآن يريدونني أن أعمل لصالحهم، ما الذي يجري وهل الإنسان رخيص إلى هذه الدرجة ؟. بدأت فترات عصيبة في السجن جراء نقص الغذاء والدواء، وصار أسلوبهم هو المقايضة، كن معنا فنعطيك الدواء. كنا في هذه الفترة نخشى من الأمراض الصدرية (التدرن) وغيره، وكانت المضايقات تزداد وشدة الحياة تلفنا والمرض والجوع من حولنا، ولم يكن أمامي سوى الإنزواء والعنف، لا توجد أدوات حادة فكنت الجأ إلى قبضتي وأواجه استفزازاتهم بالضرب، مرة قمت بفك حديد السرير لإستعماله في الضرب، وسحبوني إلى مبنى المخابرات وبالغوا في الضرب والتشنيع، بعدها بقيت مع إثنين فلبينيين، و(بول سميث) الانجليزي و(يان ريختر) و(ولف السويدي)، وعلاقتي مع الأخير كانت هي الأقوى ومرة طرزت والدتي ثوباً فلسطينياً لابنته الصغيرة فكتوريا، وأذكر أن وولف خرج من السجن بمقايضة جرت مع طه محيى الدين معروف الذي كان يزو المانيا ثم السويد في ترتيب صفقات تكنولوجية، وكنت قد تراهنت مع وولف على أنه سيطلق سراحه، وكان رهاننا بمائة دولار، ومن ناحية أخرى وفيما يخصني لم تجر محاولات لمساعدتي، لا أحد يسأل عن أحد، والزيارات التي كانت تتم من أطراف رسمية، كانت لا تتجاوز نطاق الزيارة. والدتي هي الشخص الوحيد الذي سعى إلى مساعدتي والشخص الذي كان قد حاول مساعدتي بطلب من والدتي هو المرحوم عاكف الفايز الذي قال أنه على الرغم من أن علاقاته بالعراق سيئة إلا أنه سيحاول فعل شيء.

مرت بي وجوه عديدة وعايشت حالات صعبة.. فنحن في مكان أقرب ما يكون إلى جهنم، فمثلاُ كنت أتمنى لو أن الأسرى الكويتيين الصغار الشباب ؟ والكبار في السن، النساء والأطفال، لو أنهم عادوا إلى أهلهم ولم ينتهوا بهذا الشكل المأساوي وأذكر أنه كان هناك اخوان سوريان، افتقدت احدهما يوماً فسألت عنه أخاه الذي قال بأنهم أعدموه بكل بساطة وسلموه لوالدته، كان هناك الكثير من الناس ومن جنسيات مختلفة، سعوديون وقطريون، وتهمهم تجاوز الحدود وأغلبهم رعاة غنم، لا يفقهون في السياسة وتوجه لهم التهم الكبيرة، والذاكرة لا زالت طرية وربما لو جاءت هذه التجربة متأخرة عن الوقت الحالي لاعتراها بعض الضعف، ولكني أحمد الله أنها جاءت الآن، لتجعلني في وضع نفسي مريح من حيث تفريغ هذه الشحنات المؤلمة والمؤذية التي كانت مختزنة في داخلي، هذه التجربة الرهيبة التي مررت بها عطلت حياتي بالكامل وغيّرت مساري، أنا لم استلم شهاداتي لحد الآن، وأذكر أن المحققين حاولوا ابتزازي مرة من خلال هذه الوثائق إذ قالوا لي بأنها موجودة لديهم وأنهم على استعداد لتسليمها لي لو أنني فقط تعاونت معهم ! وكان ردي بأنني لا أريدها ولست بحاجة إليها، وتبين لي فيما بعد بأنها مجرد لعبة، لأنني سألت زميلاً عن الأمر فأفاد بأن أوراقي ما زالت في الجامعة، وأنوي أن أذهب إلى اربيل قريباً لمتابعة وثائقي. بعد خروجي من السجن وعودتي إلى الأردن بدأت خطواتي للاستمرار في الحياة، وها أنا أدور من فلك إلى آخر، تزوجت بعد إلحاح الوالدة التي تعرضت للكثير من المعاناة خلال سنوات سجني الطويلة، فهي إمرأة عجوز ومتعبة كانت تقطع الطريق الطويل وتبحث كل يوم عن طريقة تساعدني فيها، وتنقذني من الهلاك الذي كنت فيه، وكانت تعتبر عودتي إليها كأنها هدية من السماء، وبالتالي فإن الزواج يرضيها ويمنحها السعادة والاطمئنان، ورزقت بطفلة. هي الآن صغيرة، هذه هي الحياة، ولا يمكنني أن أنسى عذاب أمي طوال هذه السنوات وما تعرضت له من اذلال على أيدي الحراس.

وأذكر الأردنيين الأربعة الذين أُعدموا بحجة تهريب قطع غيار السيارات فقد نجا من المجموعة فتى صغير اسمه (عماد الدين)، وأول ما لفت نظري أن شعر الفتى أشيب، هذا الفتى استضافه السجين محمد زياد الزبن، وحكى لنا أن التهمة كانت أن الذين تم إعدامهم كانوا قد اشتروا سيارة ومعها قطع، غيار وأن السلطات العراقية عند التفتيش اتهمتهم بالتهريب، لكن الفتى قال إن الأمر هو غير ذلك، فإن في عجلات السيارة (ديسكات) كمبيوتر للتصنيع العسكري، وأنهم استعجلوا بإعدامهم، ونفى أن يكون الأردنيون الذين أعدموا على علم بهذه المواد في سيارتهم.

بدأت مسألة الاعدامات تصل إلى مسامعي مبكراً فقد تم اعدام طالب اسمه (مفلح محمد الصانع) في السنة الرابعة كلية الإدارة، وكنا نعرف بهذه الحالات من خلال التعميمات الحزبية، وأُعدم طالب آخر من يعبد - جنين واسمه (عصام أحمد العبادي)، واختفى طالب اسمه (حسن قاسم) من إربد ولم نعرف مصيره، والأكراد كانوا يواجهوت الإعتقال والضرب والطرد وشتى أنواع الاضطهاد. كانت هناك مواجهات عديدة بينهم وبين سلطات الأمن العراقية، فقد كان الأكراد يقومون بعمليات مهاجمة للمقرات الحزبية والمراكز الأمنية، ويغتالون رجالات الحزب والمخابرات، ويختطفون الطلاب البعثيين ويقومون بتصفيتهم، بعض حوادث الخطف كانت تنال الطلاب العرب ولكنها لا تصل درجة القتل.

أمور كثيرة عايشتها وذكريات لا تزال مختزنة، منها المفرح ومنها المؤلم، وفي كل الأحوال لم يكن يخطر ببالي يوماً أن أصل إلى درجة حكم الإعدام، ومن ثم العيش في السجن لسنوات طويلة تحت وطأة الحكم المؤبد، هذا المصير الأسود الذي لحق بي دون أن أعرف كيف، ولماذا بدأت خطواته سريعة ومتلاحقة، هل يمكنني التساؤل اليوم بأنه حظ عاثر ؟

الصليب الاحمر كان يزورنا بين الحين والآخر، وبشكل غير منتظم، ويحمل إلينا بعض المساعدات، ونسّرب من خلاله بعض الأخبار أيضاً، ولكن هذا الأمر كان ينقلب علينا في أحيان كثيرة، فقد وجدت أنّ أحدهم سّرب رسالة مني إلى المخابرات، فصدف أن كان أحد منتسبي المخابرات يمتلك “ضميراً”، إذ حفظ القضية عنده وحذرني من مغبة مثل هذا الأمر، الذي يفتح عليّ أبواب جهنم وتهماً أمنية خطيرة. كانت الرسالة آنذاك بخصوص الأسرى الكويتيين، وأذكر أنني فوجئت بمنظر بعض الأسرى الكويتيين، حين كنت أوزع الطعام على مجموعة من السجناء قيل لي بأنهم من حزب الدعوة الإسلامي المحظور في العراق آنذاك، منظر هؤلاء كان رهيباً أشبه بوحوش تائهة أو أناس من القرون الوسطى، أشكال بدائية اعتراها الهلاك والارهاق، ولما اقتربت من أحدهم وسألته قال لي بأنهم كويتيون، ومرة أخرى سمعت منه عن رحلات التنقل والتشتيت التي كانوا يسيرونهم فيها لاخفائهم عن أعين لجان التفتيش، فمرة في العمارة ومرة في كركوك وأخرى هنا، كان ذلك في آذار من عام 1995 . وأذكر كيف أن بعض الإيرانيين كانوا يموتون من الجوع على الرغم من أن الصليب الأحمر كان يبعث لهم الطعام، أنا وسجين آخر سجين وجَّهنا إثنين من الإيرانيين وجهة القبلة عندما ماتا، ومرة مات أحد السجناء السودانيين بعد أن تورم جسده جراء غياب العلاج. مسألة الموت في السجن طبيعية، لقد كنت دائم الخوف من المرض بعد أن انتشرت الأوبئة وخاصة التدرن، فلا إشراف طبي ولا أدوية ولا غذاء. لا شيء سوى الموت مصيراً محتوماً، ومع ذلك، وعلى الرغم من كل القسوة والوحشية، ودوماً كان عندي بصيص من الأمل في أن ينكسر الطوق من حولي وأعود للحياة مرة أخرى، اقول هذا وقد بدأت المشوار يائساً: نعم، فأنا في البداية فكرت في الانتحار ونفذت محاولتين لم تنجح واحدة منهما، فهل كان ذلك (حسن حظ أم أنه العكس) ؟

لا إجابة لدي سوى أنه كان مقدّراً لي التحرر من سجون الطغيان، لأروي تجربتي وقد يكون في الأمر ما هو (مقدّر) من الله كي أنوب في الحديث عن ألوف البشر الذين غيّبتهم الإعدامات والقتل والتعذيب، وما نطقوا.. وما كان لهم صوت في هذه الدنيا فقد تحولوا إلى أرقام وأسماء وذكريات أو هم جملة مآسي على صفحات كتاب.

الشهادة الثالثة
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة