ملحق

 

حول ((مخطوط)) زهور الغاب

 

ديوان مصطفى وهبي التل العجلوني

مخطوط ((زهور الغاب ))

الاهتداء اليه :

 خلال بحثي فيي بقايا مكتبة (عرار) لدى اولاده في اربد ، عثرت على كتاب باللغة التركية ، كان الشاعر قد ألحق به ملزمة من الورق الأبيض قبل أن يرسل به للتجليد ، فأصبحت هذه الملزمة المودعة في نهاية الكتاب جزءاً من الكتاب نفسه . في الصفحات الثلاث الأولى من هذه الملزمة كتب الشاعر بخط يده صفحات يظهر أنها تلفت من متن الكتاب الأصلي ، باللفي الصفحات الثلاث الأولى من هذه الملزمة كتب الشاعر بخط يده صفحات يظهر أنها تلفت من متن الكتاب الأصلي ، باللة التركية ، وفي الصفحة الخامسة ، كتب (زهور الغاب ديوان مصطفى وهبي التل العجلوني ) ([1]) . كما كرر العبارة نفسها في الصفحة السابعة . وبدأ في الصفحة العاشرة يكتب مجموعة من القصائد والمقطوعات امتدت حتى الصفحة رقم 74 ([2]).

وعند دراسة هذه القصائد وموازنتها بشعره المنشور تبين لي أن جزءاً كبيراً منها من بداية نظمه ، فغلبت عليه روح النظم والدعابه والسخرية ، وتسجيل ذكريات الطفولة والصبا ، كما أنه يعج بالأخطاء الاملائية والنحوية والعروضية . وقد تبين لي أن البدوي الملثم قد اختار عدداً قليلاً من قصائد هذا المخطوط ، ونشرها في الصفحات الأولى من كتابه (عرار... شاعر الأردن ) ، خلال حديثه عن بدايات نظم الشاعر ، والذي يبدو لي أن الدبوي الملثم عثر على هذه القصائد في أوراق أخرى غير المخطوط الذي احتفظ به ، بدليل عدم نشره جميع ما تضمنه المخطوط المذكور ، مع أن القصائد التي لم ينشرها أعلى مستوى من الناحية الموضوعية والفنية .

وتظهر بدايات نظمه من القصيدة الأولى في هذا المخطوط ، بعنوان ((الحنين إلى حوران)) وهي مؤرخه بكانون الثاني –يناير 1911 أي أنها كتبت وهو بدمشق ، وعمره آنذاك اربعة عشر عاماً تقريباً . يقول فيها ([3]):

إذا هجم الظلام كموج بحر              يروم بسرعة محو الضياء

وخيم فوق منزلنا سكون               ونام رفاقي من كثر العناء

أحن إلى بلاد عشت فيها               وقد أصبحت عنها اليوم نائي([4])

إلى أن يقول في نهايتها:

إذا يا صاحبي ([5]) جاء الموت يوماً    لكي يمضي بروحي للسماء

بحوران اجعلوا قبري لعلي           أشم  أريجها   بعد الفناء 

ويتضح من هذه الأبيات حب الشاعر لوطنه وهيامه به في وقت مبكر ، والمعنى الوارد في البيتين الأخيرين يتردد عند الشاعر مراراً في السنوات التالية ، وقد مر بنا قوله ([6]):

يا اردنيات ان اوديت مغترباً

فأنسجنها بأبي انتن اكفاني

 وقلن للصحب واروا بعض اعظمه

 في تل اربد او في سفح شيحان

ويبدو أن الجزء الأول من المخطوط قد كتبه اشاعر في اثناء وجوده في دمشق للدراسه ، فقد غلبت عليه آهات الشاعر وحنينه لذكرى بلاده ، يقول في قصيدة بعنوان(ذكرى وعبر)([7]) :

قد بكى وهبي([8])   ما الذي ابكاه         واسال الدموع  من  عيناه([9])

هو يبكي   عهداً قضاه   بعجلو         ن  قريباً من أصدقاء صباه

يا رعى الله ذلك العهد عهداً        قد مضى تاركاً  لنا  ذكراه

وقد بدأ الشاعر في تلك الفترة، وهو يدرس في دمشق ، يعرف الحب واحساساته ،ففي قصيدة بعنوان (عيناك )كتبها في دمشق في شباط – فبراير 1914 اي وهو في السابعة عشر من عمره، نجده يشكو لوعة الحب وذكرى الحبيب ، يقول ([10]) :

 

غرد الطير ضاحكاً ام باكي ([11])     لست ادري ما خالق الأفلاك

انما  سال  دمع  عيني  لما       غرد الطير فوق غصن الأراك

ألذكرى  البلاد  قد كان هذا        ام لغم   قد   حل بي   فتاك

لا لهذا ولا لذاك ولكن             سبب النوح والبكا عينياك

نظرة منك ارسلت لي سراً         صرعتي فصرت عبد هواك

وتمضي قصائد المخطوط ومقطوعاته تتنقل بين هذه الموضوعات :

الذكرى والحب وتسجيل المناسبات ، إلى أن يبدو فيها لون جديد هو لون التشاؤم ، وقد كان سوء أحوال امته العربية آنذاك السبب الرئيسي في تشاؤمه ، إذ كان اهتمامه الوطني يفوق اي اهتمام ، نتيجه لذلك شاع عنده طلب الموت والتشاؤم الواضح ، ففي مقطوعه بعنوان (كتابة على قبر منتحر) مؤرخه بكانون ...1915 يقول ([12]):

علي انقضت الآلام حتى

                    طلبت الموت في شرخ الشباب

فأفنى الهم من قدم حياتي

                    وجسمي اليوم يفنى في التراب

الآم يا من يلمني ([13]) على انتحاري

                    عتابي خله واسمع جوابي

ممات المرء أفضل من حياة

                    تقضى بالشقاء والاضطراب

وفي مقطوعة اخرى بعنوان (لماذا لم أمت؟)  كتب يقول([14]):

لماذا لم أمت من قبل عام        وأشفي القلب من داء السقام

فلا أبكي زماناً قد تقضى         بصفو بين اقداح المدام

ولا أشكو رفاقاً مذ نسوني       وحيداً صرت ما بين الأنام

وأرى أنه في جزء من هذا المخطوط ، كان متأثراً بمضمون رباعيات الخيام ، وبالشكل الذي ترجمها به وديع البستاني ، إذ تشترك البيات الثلاثه الأولى في قافية، ويليها بيتان في قافية أخرى ، ثم البيتان الأخيران ، بقافية ثالثة لأحدهما وقافية رابعه للبيت الأخير ... فمثلاً يقول البستاني في احدى سباعياته المترجمة عن الخيام :

يعلم الله انني سكير

وهو أمر عند العليم يسير

ونظيري بين الكرام ، كثير

يعلم الله ، يعلم الله ، فعلاً

رب ، حاشاك ، ليس علمك جهلاً

فزقاقي مملوءة،  ودناني

وأنا أشرب الكؤوس امتثالاً([15])

بينما يقول عرار في احدى سباعياته التي أطلق عليها (صوت القبر) :

اشربوا الخمر وأهنأوا يا صحبي

وارووا .... (البقية غير مقروءة)

شارب الخمر لا يعذبه ربي

انني كنت طائشاً سكيراً

انني كنت كافراً شريراً

وكذا كنت عاشقاً ولهاناً

فكفاني الهوى بموتي عذاباً([16])

ويقول في سباعيه أخرى :

زارني اليوم منكر ونكير

سألاني يا أيها الشرير

من الهك([17]) أجبت ذاك الضمير

بعد ذا أردفا بصوت لين

أي دين ترى به تدين ([18])

بوضوح أجبنا عما([19]) سألنا

ثم لا تنسى كعبة وكتابا([20])

ثم يكمل محاورته مع (منكر ونكير)في سباعيتين فيقول ([21]) :

فأجبت الهوى قد كان ديني ([22])

عنه ما ملت قط طرفة عين

في سروري لزمته وشجوني

كعبتي حيث أحظى بالأحباب ([23])

ورسالاتهم إلى كتابي

حينما ختمت صحبتي مقالي ([24])

حيياني ، وقالا: قلت صوابا

سألاه منكر ونكير([25])

أنت يا رب بالذنوب خبير

أنعيم جزاؤه أم سعير

وسمعنا إذ ذاك صوتاً حنونا

قائلاً : انه من العاشقينا

وجزاء العشاق عندي نعيم

حيث أن الهوى يعد ثواباً

وقد أرخ هذه السباعيات بخط قلمه الاحمر بتاريخ 17 حزيران –يونيو 1918 ، أي وهو في التاسعة عشر من عمره .

إن هذا المخطوط على الرغم من ضعف أبياته وتعابيره يعطينا فكرة عن طبيعة بداية الشعر عند عرار ، كما يبين جوانب عدة من حياته ومزاجه، ونمط تفاعله مع الأوساط التي كان يعيش فيها . كما أنه يشكل جزءاً من تراثه الشعري لم يتلفت إليه أحد من الدارسين سابقاً .

وكما قلت في المقدمة ، فإن هذا المخطوط سيكون موضوع دراسة مستقلة، إما لنشر قصائده كديوان ثان للشاعر ، أو أن تكون ضمن طبعة ثالثة أعدها لديوانه الأول المنشور.

 

 



[1] العجلوني: نسبة إلى لواء عجلون الذي تنتمي اليه مدينة اربد.

[2] يلاحظ أن الشاعر بدأ ترقيم المخطوط من الصفحة العاشرة، التي بدأ يكتب فيها القصائد، أما الصفحات التسع السابقة فتركها دون ترقيم.

[3] مخطوط ((زهور الغاب))ص1.

[4] نائي؛ لغة حذف الياء زائدة على الوزن، وتحذف عند القراءة شذوذا.

[5] يجوز لغة حذف ياء المتكلم من النادى المضاف اليها، وبذلك يستقيم الوزن.

[6] ديوانه ص189.

[7] مخطوط ((زهور الغاب)) ص7.

[8] لا بد من حذف الياء عند اللفظ لاستقامة الوزن، وهذا شذوذ.

[9] الخطأ واضح في (عيناه) والصواب (عينيه).

[10] المخطوط ص9.

[11] الصواب: باكيا.

[12] المخطوط ص32.

[13] الشطر مكسور في (يلمني) ولو قال (يلوم) لاستقام الوزن.

[14] المخطوط ص36.

[15] رباعيات الخيام- نظم وترجمة وديع البستاني ص108.

[16] المخطوط ص7.

[17] الهك: تقرأ مسكنة ليستقيم الوزن.

[18] متدين، واقعة موضع نصب، ولذا يجب تنوينها وقلب التنوين ألفا عند الوقوف (متدينا).

[19] كتبها الشاعر في المخطوط (عن ما).

[20] المخطوط ص7.

[21] المخطوط ص7.

[22] هذا البيت مكسور بمقدار نقص حرف متحرك قبل (قد).

[23] البيت مكسور بزيادة الالف في (أحظى).

[24] في البيت كسر بنقص حرف ساكن بعد الخاء.

[25] في البيت كسر بنقص متحرك قبل (منكر).

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة