مقدمة

في البداية أود تقرير حقيقة مهمة، وهي أن النقد العربي المعاصر أهمل الكثير من الأدباء والشعراء، ولم يعطهم حقهم من الدراسة والتقويم، لاعتبارات كثيرة منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو موضوعي. من هؤلاء الذين لم يعطوا حقهم كاملاً الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل (عرار) كما كان يعرف ويوقع أشعاره. من الأسباب الذاتية لهذا، نوعية الحياة التي عاشها، والتي مثلت رفضًا كاملاً لما يسود مجتمعه آنذاك (1897- 1949) في كافة نواحيه الإجتماعية والسياسية. ففي المجال الإجتماعي سخر نفسه وشعره للدفاع عن الطبقات المحرومة المضطهدة ، وتعرية الفئات الإقطاعية التي تجمع ثرواتها من دماء الشعب وقوت يومه، لذلك ليس غريبا إزاء هذا الرفض لمجتمعه أن يهرب منه لاجئاً الى فئة منبوذة اجتماعياً، هي فئة (النور)- الغجر كما يسمون أحياناً_، وقد كان موقفه هذا موضع استهجان من اغلب الأوساط الإجتماعية خاصة وهو ينتمي لعائلة لها مكانتها في المجتمع الأردني. ومن الأسباب الموضوعية_ لعدم اهتمام النقد بهذا الشاعر_ أن منطقة فلسطين والأردن لم تهتم بها الدراسات الأدبية إلا في وقت متأخر، وفي السنوات الأخيرة فقط، بعكس أقطار مثل مصر ولبنان.

لذلك كانت هذه الدراسة([1])عن الشاعر (عرار) لإعطاء صورة متكاملة عنه اجتماعياً وسياسياً وأدبياً، مركزة على النواحي التي لم تهتم بها الدراسات السابقة على قلتها؛ ومنها:

·  ما كتبه الدكتور ناصر الدين الأسد من تعريف عام وسريع في كتابه ( الإتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن) عام 1957، ثم عاد اليه بتفصيل أكثر مع نماذج من شعره، في كتابه (الشعر الحديث في فلسطين والأردن) 1961.

·  ما كتبه البدوي الملثم (يعقوب العودات) في كتابه (عرار..شاعر الأردن) عام 1958، معتمداً فيه على الحكايات والقصص والنوادر التي تروى عن الشاعر، وقد أفادني في تعقب نواحي حياته الخاصة، نظراً للمعرفة الطويلة التي كانت بينه وبين الشاعر.

 حاولت_ وأنا بصدد هذه الدراسة_ الاستفادة من بقايا مكتبة الشاعر في مسقط رأسه اربد، وقد وجدت أن أصدقاءه قد توزعوا أغلب محتوياتها، إلا أنني عثرت فيها على ما هو مهم وجديد:

·  كتاب تاريخ باللغة التركية اسمه (تاريخ دولة عثمانية) وهو من الكتب التي درسها الشاعر في مدرسة (عنبر)، بدمشق. وكان قد وضع في نهايته مجموعة من الورق الأبيض عدة قصائد ومقطوعات شعرية، أطلق عليها (ديوان زهور الغاب)، وأغلبها من القصائد التي لم تنشر في الطبعة الأولى من ديوانه (عشيات وادي اليابس) عام 1954، كما لم تتضمنها الطبعة الثانية التي أعدها الدكتور محمود السمرة عام 1973. وهذه القصائد ستكون موضع دراسة مستقلة، إما لنشرها كديوان ثان للشاعر بنفس الأسم الذي وضعه (زهور الغاب)، أو أن تكون ضمن طبعة ثالثة أعدها لديوانه الأول المنشور.

·  كتاب عن (عمر الخيام) موضوع باللغة التركية متضمناً رباعيات الخيام بالنص الفارسي وترجمتها التركية، وهو من وضع الأديبين التركيين حسين دانش و رضا توفيق، وكان الشاعر قد كتب على هوامش النص الفارسي ترجمة البستاني العربية لها، وذلك_كما أرى_ للإستعانة بها في دراسته الفارسية للرباعيات، وترجمته النثرية التي وضعها لبعضها.

·  إن الدراسة الواعية ل(عرار) توحي أننا إزاء شاعر ملتزم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، انه كما اسميه (شاعر موقف) فقد حدد لنفسه موقفاً من كل ما يحيط به، غير خائف من النتائج التي عاشها سجناً واعتقالاً ونفياً:

·  في المجتمع، هاجم الطبقات المستغلة (بكسر الغين) معلناً وقوفه في جانب الطبقات الكادحة التي كان يستغل عرقها وجهدها لصالح الأثرياء و المرابين و الحكام.

·  في المجتمع_أيضاً_ انطلاقه من إيمانه بالعادلة الإجتماعية ناصر فئة من المظلومين_النور_ في الوقت الذي لم تجد من يرفع عنها الضيم و الإضطهاد، وقد كان جريئاً في مناصرتهم، لأنه كما يؤمن، لا يعرف العدل انحرافاً، فالمساواة يجب أن تكون للجميع... وكم كان شجاعاً في موقفه عندما هجر مجتمعه، لاجئاً الى خرابيش النور، يقضي بينهم جل وقته، معلناً موقف (الرفض) لكل المفاسد التي يعيشها مجتمعه.

·  من هذه النقطة، وهذا الموقف، اعتُبر عرار من أول الشعراء اللامنتمين في الشعر العربي، كما تقول الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي.

·  كان عرار يكتب من خارج المجتمع من أجل المجتمع نفسه. رفض الزيف و النفاق و الظلم الطبقي الذي كان يطحن مجتمعه.. رفض ذلك كله لاجئاً الى مجتمع الغجر حيث العدالة و المساواة... حيث "الكل زط ([2]) مساواة محققة".. إن لا انتماءه للمجتمع كان بشكل إيجابي.. فهو يرفض ويهدم من أجل البناء والتغيير.. من أجل سيادة العدل و تحقيق إنسانية المواطن.

·  في السياسة وقف بجانب حركة المعارضة الوطنية، مهاجماً الحكومة و الإنجليز، وقد دفع ثمن هذا الموقف سجناً ونفياً و اعتقالاً..

         إن مواقفه في هذه الناحية تعطينا نموذجاً افتقدناه بين شعرائنا وكتابنا اليوم.. إنه نموذج الشاعر الملتزم تماماًً بمجتمعه ونضاله، نموذج الشاعر الذي يجهر بقول الحق أياً كانت النتيجة.. سجناً أم نفياً أم طرداً من الوظيفة مصدر رزقه الوحيد...

·  عندما نضع أيدينا على مواقف عرار الملتزمة بالإنسان و مستقبله الذي يجب أن يكون زاهراً، لا نملك إلا أن نصرخ في وجوه شعرائنا اليوم لنقول لهم: أين انتم مما يجري في الوطن العربي اليوم؟ أين رسالة الشاعر التي يجب أن تحملوها؟... إليكم (عرار) ليعطيكم في الأربعينات هذا النموذج، علكم تعرفون منه كيف ينبغي أن يكون الشاعر صوت أمته ومواطنيه...

·  أما من الناحية الفنية، فقد استطاع أن يعطي شعره(صبغة شعبية) جعلته سهل0. التناول سريع الإنتشار بين مواطنيه، كما قدم إرهاصات عفوية للحركة التي عرفت فيما بعد ب (الشعر الحر).

 لقد كان عرار ثورة حقيقية استهدفت بناء الإنسان و خلاصه، وتحرير الوطن وازدهاره، وتحقيق العدالة للجميع دون تفريق.

·  (عرار) موقف وطني في زمن شاع فيه القيد و العبودية.

·  (عرار) موقف إنساني في زمن اتسم بالظلم و الإستغلال.

      لذلك كله..كانت هذه الدراسة! .

                                       احمد أبو مطر

                                          الكويت

                                            1974

 



1 هذه الدراسة نال عليها المؤلف درجة الماجستير في الأداب.

2 زط : من تسميات الغجر

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة