خاتمة

 

يتضح لنا مما تقدم أن عراراً قد عاش حياته إنساناُ وشاعراً ، كما أملتها عليه ظروفه الخاصة ، وظروف أمته ووطنه . فعلى المستوى الخاص أدت ظروفه الاجتماعية من ناحية علاقته الأسرية إلى أن يميل إلى أن يميل إلى نوع من اللامبالاة ، وعدم التقيد بالأخلاق التقليدية المتوارثة .وقد ترك طلاق والدته أثراً عميقاً في نفسه ، انعكس فيما لاحظنا من استخفافه الشديد بالتقاليد والمتعارفات الاتجتماعية . أما على المستوى العام ، فإن عرار لم يستطع أن يتحمل هول الصدمة التي تلقاها من جراء تفتح وعيه الوطني  على حياة الذل والمهانة التي عاشها وطنه تحت الحكم البريطاني من جهه ، وتعسف القصر وتواطئه من جهة أخرى ، فكان أن هرب إلى الخمر وخرابيش النور ، مع الخمر ينسى ويضيع لساعات ، وفي خرابيش النور يحقق ذاته في وسط اجتماعي يراه هو أفضل في نواحي كثيرة من وسطه الموبؤ اجتماعياً واخلاقياً . لذا فإن التفسير الحقيقي – كما أرى – لمعايشتة النور ، هو كونه هروباً من واقعه القاسي ، كما هرب شاعر آخر كأبي القاسم الشابي إلى الغابة .

لقد كان عرار يود أن يحقق وجوده بشكل عملي ، وفي كافة الميادين ، فاصطدم بهول الواقع ، فحتم ذلك عليه أن يناضل من أجل وجوده الخاص ، ووجوده العام معا، وهذا ما جعلني أركز في ثنايا البحث على دراسة الجانب السياسي من حياة الشاعر ، الذي لم يهتم به الدارسون من قبل ، لدرجة أن  شهرة عرار في موطنه (شرق الأردن ) تعود إلى انطباع السكر والمجون الذي كونه عنه مواطنوه من جراء اهتمام الباحثين والدارسين سابقاً ، بهذا الجانب من حياته ، والذي لم أر فيه إلا جانباً واحداً ألجأته إليه الظروف الأليمة المجتمعة ، التي جعلت منه مناضلاً  يصارع القصر والمعتمدين البريطانيين ، لذا فقد وقفت طويلاً عند الجانب السياسي من حياة الشاعر ، سواء أكان الأمر يتصل بمواقفه ، أم بانعكاس ذلك في شعره ، وهو الجانب الحقيقي ، والوجه الأصيل للشاعر الذي يفرض على الجميع  احترامه    وتقديره ، انساناً رفض كل شيء من حوله ، في العادات والتقاليد الاجتماعية البالية ، في السياسات المرتبطة بالايدي الاجنبية ، متناسية مصالح الجماهير وحقوقها ., إن صوت عرار اللذي ارتفع قوياً في  عصره ، يزداد تقديرنا له اليوم في ظل الظروف السائدة في وطننا العربي ، دون أن يواجهها صوت الشاعر ، أو أن يقف أمامها احتجاج كاتب . وقد تركز اهتمامي حول دراسة الشخصية في واقعها الاجتماعي، مبيناً تأثيرها في هذا الواقع ، وتأثيرها به ،والمواقف التي نتجت عندها من جراء ذلك .

ومن الناحية الفنية أرى أن الدراسة قد وضعت إطاراً عاماً للشاعر ، من النواحي السياسية والاجتماعية والأدبية  ، بينما اكتفت الدراسات السابقة بأن تكون تعريفها عاماً به ، كما هي الحال عند الدكتور ناصر الدين الأسد ، واهتماماً بجميع الحكايات والقصص الشخصية عنه ، مع اللمس الخفيف لبعض نواحي حياته ، كما فعل المرحوم البدوي الملثم. لذا فانني لم أهتم بتسجيل الكثير من اللقطات التي تجمعت لدي في هذا الجانب ، لأن المرحوم الملبثم سجل منها الكثير في كتابه.

كما حاولت أن أحدد للشاعر مكانه ضمن التيارات الادبية التي عرفها عصره ، مركزاً على ((رومانسية )) اشاعر التي تأثر فيها- بلا شك – بلأصداء التي أحدثها جماعة أبولو ، التي كانت تربطه بشاعر من شعرائها ، هو ابراهيم ناجي ، صداقة شخصية.  وفي حين أن بعض الدراسات السابقة قد أظهرته على أنه صورة طبق الأصلعن عمر الخيام ، وتكرار لرباعياته ، توصلت إلى أن تأثيره بالخيام قد انحصر في حدود نظرته الفلسفية العامة ، وفي بعض ملامح حياته ، وانعكاس ذلك على بعض معاني شعره .

أما في مسألة موقع الشاعر من حركة الشعر في عصره ،فقد أثبتت هذه الدراسة أن الشاعر قد كان مسايراً للتطورات الشعرية التي طرأت في عصره ، بل إنه- كما سبق القول – قد أعطى إرهاصات عفوية لما عرف فيما بعد بالشعر الحر ، وقد قلت إن هذه الإرهاصات قد سبقت نظائرها التي نعرفها عند سواه بخمس سنوات على الأقل . لكن الدراسة العلمية البعيدة عن الإندفاع العاطفي ، جعلتني أقف بصاحبها عند مستوى ((الإرهاصات المبكرة)) لحركة الشعر الحر ، دون أن أزج به في معمعة الخلاف على ريادة الشعر الحر ، كما ألجأ التسرع العاطفي هاني العمد أن يفعل .

يضاف الى ذلك أنني وقفت طويلاً –ولأول مرة – عند الأخطاء اللغوية والعروضية التي وقع فيها الشاعر ، مع رد ذلك الى ناحيتين : الأولى عدم تمكنه اللغوي ، وفي ذلك تصحيح لما بالغ فيه المرحوم البدوي الملثم، إذ عده واحداً من جهابذة اللغة والنحو ، في حين أن واقع حياته الخاص والعام ينفي ذلك . والثانية أن مفهومه للشعر جعله يهتم بالمعنى دون اللفظ ، واضطره أن يختار الكلمات والاساليب الشعبية البسيطة التي تؤدي المعنى بجماهيرية أوسع على الرغم مما فيها من خطأ وضعف .

كما أن هذه الدراسة ، قد تتبعت اصداء النور في الشعر العربي قبل عصر عرار ، مبينة أنه لم يقترب شاعر قبله منهذا العالم العجيب ، فكل ما سبقه كان تأثيرات غير مباشرة ، أما عرار فقد انخرط في هذا الوسط الاجتماعي ، بعقله واحاسيسه ، مما أثر في مواقفه منهم ، غير عابئ بالنظرة السائدة في وسطه الاجتماعي إزائهم ، وهو بذلك يكون من أوائل الاصوات الشعرية العربية التي ناضلت بقوة من أجل العدالة الاجتماعية المفقودة في عصره .

وكل ما ارجوه في ختم هذه الدراسة أن تكون قد أعادت بعض الاعتبار لشاعر أغفلته كتب تاريخ الأدب الوطن العربي ، وحصر دارسوه في شرق الأردن اهتمامهم بوجه واحد ، هو وجه النور والمرح ومعايشة النور ، واكتفى بعضهم باللمس الخفيف العابر للجوانب التي لعلهم رأوا في دراستها بتعمق شيئاً من الحرج ، لا سيما الجوانب السياسية  . ولعلها تكون خطوة على طريق دراسة الأدب الحديث في فلسطين وشرق الأردن ..... والله الموفق

 

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة