الفصل الرابع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دراسة نقدية لشعره

موقف الشاعر من حركة الشعر في عصره

كانت حياة (عرار) في فترة ما بين عام 1897-1949. وهي الفترة التي شهدت في عالم الشعر العربي الحديث مرحلتين من مراحل تطوره هما: مرحلة (مدرسة الديوان)، ومرحلة (جماعة ابولو).

 

ولقد عاش عرار في هذه الفترة التي شهدت مذاهب جديدة في مسيرة تطور الشعر العربي الحديث، لذا فان أي تقويم للشاعر لا بد أن يكون من خلال هذه التيارات الشعرية التي شهدها عصره، وعاش الشاعر حياته الشعرية من خلالها، وكانت له صداقات مع بعض روادها، كصداقته مع الشاعر ابراهيم ناجي، وغني عن التعريف ما جاءت به هذه التيارات من جديد في عالم الشعر العربي، حيث كان شعراء الديوان الثلاثة (شكري- العقاد- المازني) مثقفين ثقافة عميقة بالآداب الانجليزية وعلى شيء من المعرفة بسواها من بعض الآداب الغربية، فاختلف فهمهم لطبيعة الشعر عن فهم شعراء البعث الذين سبقوهم، حيث عرفوا أن شعراء البعث لم يخضعوا شعرهم لحياتهم النفسية وطبيعة الحياة من حولهم.

وجاء هذا الجيل الجديد بفهمه الحديث للشعر الذي استوحاه من اتصاله بالآداب الأجنبية، فأصبح هذا الجيل ((يريد أن يكون الشعر تعبيرا عن النفس لا بمعناها الخاص، ولكن بمعناها الانساني العام ومايضطرب فيه من خير وشر وألم ولذة، ومن جهة ثانية يريد ان يكون الشعر تعبيرا عن الطبيعة وحقائقها وأسرارها المبثوثة فيها، فليس الشعر أريحيات وطنية ولا قومية ولا هو تسجيل لحوادث الأمة... وإنما هو قبل كل شيء تصوير لعواطف إنسانية تزدحم بها النفس الشاعرة وتندفع على لسان الشاعر لحنا خالدا يصور صلته بالعالم والكون من حوله))([1]).

ولقد عرفنا الحملات الشديدة التي شنها مدرسة (الديوان) على زعماء الشعرمن قبلهم أمثال، شوقي، وحافظ. وعمد رجالها إلى تثبيت تيارهم الجديد عن طريق محاولة هدم القديم، ووضع نماذج التيار الجديد. ولقد قام بمحاولة الهدم هذه، العقاد والمازني، عن طريق حملاتهما العنيفة على شوقي وحافظ في كتابهما (الديوان)، وما كتباه في الصحف والمجلات آنذاك. وكانت حملاتهما من العنف والتطرف بحيث اعتبر بعض النقاد أن للسياسة دخلا في ذلك.

أما مهمة وضع نماذج التيار الجديد، فلقد قام بها على الأخص، عبد الرحمن شكري، منذ أن أصدر ديوانه (ضوء الفجر) عام1909، إذ عالج فيه معاني إنسانية عامة تنبع من إحساساته ومشاعره الانسانية، ومن إحساسه بالطبيعة من حوله وما تعكسه من آلام وآمال، ومن شر وخير، فهو حديث يترجم ما في نفسه من أسرار وأحاسيس. وانطلق شكري في بقية دواوينه يصدر عن هذا الفهم الجديد للشعر وطبيعته، يستمد من أصحاب (المنزع الرومانسي) في الآداب الغربية، يتأثر بهم دون أن يطمسوا شخصيته، واضعا هو وزملاؤه، ومن تأثر بهم وجاراهم في هذا الفهم، خير مثال للتيار الرومانسي في الشعر العربي الحديث.

 

أما المرحلة التالية من مراحل تطور الشعر العربي الحديث، وهي التي عاصرها وعايشها عرار، وكانت له صداقة مع شعراء فيها مثل ابراهيم ناجي، فهي (جماعة أبولو)([2]). وقد كانت جماعة أبولو ثمرة المدرسة الشعرية الحديثة التي بدأها مطران وامتدت بالديوان في شكري والمازني والعقاد، كما كان لنعيمة وجبران وإيليا أبو ماضي نوع من الصلة بها. وقد أكدت جماعة أبولو مبدأ وحدة القصيدة والتعبير عن التجربة الذاتية وارتباط النفس بالطبيعة، وأحاسيسها الخاصة.

تلك هي التطورات الشعرية التي عايشها عرارن وكان لا بد أن تنعكس تأثيراتها عليهن لتظهر واضحة جلية في شعره. ولم يكن فارق سنين كبير، بين مولده ومولد أغلب رواد التجديد وطرائعهن فاستطاع عرار أن يتمثل روح عصره ما تقتضيه من تطورات شعرية. ومع ذلك فعندما نشر الديوان الأول لعبد الرحمن شكري في عام 1909، كان عرار لا يزال في طور تكوينه الأول، وفي المرحلة الابتدائية  من تعليمه تقريباً. وبعد أن عاد من دمشق، وبدأ نظم قصائده الأولى، فلعله اطلع آنذاك على نماذج من هذا الشعر الجديد، خاصة أنه والشباب امهاله، كانوا يترقبون الصحف القاهرية بشوق وشغف، وكانت المعارك الأدبية التي جرت في مصر قد وصلت تأثيراتها إلى العالم العربي كله، وبخاصة الآثار التي أحدثتها جماعة أبولو، كما أن عرارا نفسه كان قد زار العاهرة في عام 1938، موفداً من الأمير عبد الله في مهمة سرية، وفي اثناء هذه الزيارة، التقى بصديقه الشاعر ابراهيم ناجي، وفي هذه السنة كانت ملامح التطورات الشعرية الجديدة قد اتضحت([3]) واتخذت صيغاً شعرية محددة، واضحة المعالم، في المضمون واللغة الشعرية على السواء.

وقد ارتبطت هذه التأثيرات والتطورات الشعرية الجديدة في محيطها الخاص، ببيئة (عرار) في عهد الاحتلال البريطاني لبلاده، الذي تستر تحت اسم (الانتداب)، بينما هو في واقع الحال احتلال بكل معنى الكلمة، وجهت فيه موارد البلاد برغم فقرها،لخدمة الدولة المحتلة. كما رافق ذلك كبت داخلي للحريات، وقمع لحركة المعارضة بالعنف مما هيأ الجو إلى أن يرتد عرار في شعره إلى ذاته، يعبر عنها، آمالا وآلاما، وفي الوقت نفسه تنعكس على ذاته ذاتية مجتمعة وشخصيته العامة، فلم يكن بمقدوره أن يغمض عينيه عن آلام مجتمعه وهو الذي كان يرى خلاصه إنما يكون عبر خلاص وطنه وقومه. ولعل جانبا كبيراً من خصب شخصيته الأدبية يكمن في اندماج واقعه الذاتي في واقعه الموضوعي، إذ جاءت مواقفه الخاصة مرتبطة ارتباطا عضويا بالمواقف العامة لواقعه، وقد أدى ذلك كله الى التعبير الوجداني المتميز بالبساطة المغرقة أحيانا، وهو بهذا كله شاعر رومانسي يتحسس ذاته بصدق.

الصدق الفني والذاتية (الرومانسية) في شعره

إن قضية الصدق الفني من القضايا المهمة التي أثارها النقد الحديث، فلم يطلب الناقد القديم من الشاعر أن يكون صادق الاحساس والعاطفة، بل ركز النقد القديم على صناعة الشعرإتقانها، كقدامة بن جعفة في قوله : ((إن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين بأن يصف شيئاً وصفا حسنا ثم يذمه بعد ذلك ذما حسنا بينا غير منكر عليه ولا معيب من فعله إذا أحسن المدح والذم))([4]). ومقولة النقد العربي القديم الشهيرة تقول: ((أعذب الشعر أكذبه))([5]). أما في النقد الحديث فقد أصبح عامل الصدق الفني يحتل مكانة مهمة، وهو يعني صدق إحساس الكاتب وإيمانه بما يكتبـ،، وبما يصدر عنه. وبهذا  المقياس نستطيع أن نسقط  كثيرا من قصائد المدح والرثاء في مختلف عصور الشعر العربي، إذ كان كثير من الشعراء المداحين يقفون على عتبات الحكام مزيفين منافقين، بعيدين عن الصدق الفني في أشعارهم، طمعا في هدايا الحكام وعطاياهم، وكذلك شعراء الرثاء –إلا فيما ندر- كانوا يتخذون الرثاء مدخلا لتهنئة الحاكم الجديد للوصول إلى بلاطه، وبالتالي إلى هداياه وأمواله، وقد وقع في هذه المزالق شعراء كبار كالمتنبي، في أشعاره التي مدح بها كافوراً الأخشيدي. فهل كان المتنبي صادقاً مع نفسه عندما كان يمدح كافوراً؟ لا.. فلقد كان المتنبي كاذبا مع نفسه وأحاسيسه الحقيقية تجاه كافور، بعكس هجائه الذي جاء معبرا عما يحس به فعلا نحوه برغم ما اشتمل عليه من تشنيعات ومبالغة([6]). ومع اتلاف طبيعة العصر، وتبدل مفهوم الشعر والشاعر في العصر الحديث، نلاحظ الآن اختفاء هذين اللونين-المدح والرثاء- من بين موضوعات الشاعر المعاصر، أوصارا أقرب إلى الطابع الاجتماعي، كالقصائد التي يرثي بها الشعراء الزعماء والمناضلين الوطنيين.

وقليلون أولئك الشعراء الذين جعلوا حياتهم الشخصية الخاصة، وحياتهم مع مجتمعهم موضوعا لشعرهم الذي ينظمون، حيث يعيشون ما يكتبون، ويكتبون ما يعيشون، وهؤلاء هم الذين نستطيع أن نعتبر أشعارهم رصداً لملامح حياتهم التي عاشوها بكل دقائقها وخفاياها، وهذا هو الأمر الطبيعي إذا كان الشاعر صادقا مع مشاعره وأحاسيسه.

ويصف عباس العقاد الشاعر الذي يتمثل هذه القضية بأنه شاعر يتمتع بنصيب من مزية هي  (الطبيعة الفنية). ويرى ((أن الطبيعة الفنية هي تلك التي تجعل في الشاعر جزءاً من حياته أياً كانت هذه الحياة... وتمام هذه الطبيعة أن تكون حياة الشاعر وفنه شيئاً واحدا لا ينفصل فيه الانسان الحي عن الانسان الناظم، وأن يكون موضوع حياته هو موضوع شعره، وموضوع شعره هو موضوع حياته، فديوانه ترجمة باطنية لنفسه..))([7])

و(عرار) واحد من أولئك الشعراء الذين ظفروا من هذه الطبيعة الفنية بأوفى نصيب، فمن أراد أن يعرف عرارا الانسان في مختلف حالاته، فليدرس وليقرأ عرارا الشاعر، فهو في شعره صورة لحياته، وحياته صورة لشعره. ولقد كان في موضوعات شعره كلها صادقا مع نفسه بلا افتعال ولا تزييف، ظهرت حياته في قصائده كما كانت تماما في ثنايا اليئة التي عاش فيها. وباستعراض أشعاره نجد أننا لسنا في حاجة إلى قراءة ترجمات لحياته، فشعره ترجمة وافية لها، فقد أوجز لنا عرار حياته كلها، بمختلف نواحيها، في إحدى قصائده، حيث يقول([8]):

وحياتي لا تسل عن كنــــــهها             

انها حان وألحان وصــــــــدح

وأمانـــــي شبـــــاب فاتـها        

 مثلما فات بني الأردن نجــــــح

وعثار الجـــد قد صــيرهــا          

 عبرة خرساء هيهات تســــــــح

        فهي أحيانا بشـعري آهـة               وهي أحياناً جوى يشجي وبرح

وهي طوارا في مغاني قصفهم           عربدات تُضحك الثكــلى وردح

وهي أحيانا هوى طرد الهوى 

يتبـــــنــاه فيشــــــفى ويصــــح

وهي أحقــــاد تلظــــى تـــارة               

فاذا بـي وبها عفـو وصفـــح

وهي أحيـــانا ظــلام دامــــس         لا أرى أنـى لـه يطـلع صبــح

كل هذه الجوانب التي أوجزها في القصيدة السابقة، تبدو جلية واضحة في بقية قصائده، يستطيع دارس حياته ،ن يستغني بها عن ترجمات سيرته، فيستنتج جوانبها كلها من القصائد العفوية التي كانت صورة صادقة لهذه الحياة. والمهم في صفة الصدق الفني أن تكون الأشعار نابعة من تجربة صادقة، وإحساس حقيقي، ومعاناة أصيلة، لهذا ينظر النقاد إلى مدائح المتنبي إلى كافور، على أنه كان فيها كاذبا، مع أن كثيرا من نعوته وصفاته التي خلعها عليه، كان كافور جديراً بها وذلك لأن المتنبي لم يكن يحس نحو كافور حباً حقيقيا، أو إعجابا صادقا. من هذه الزاوية، وهذا الفهم، نرى ان قصائد عرار كانت تصدر عن عاطفة أصيلة لا افتعال فيها ولا زيف، إحساسه فيها صادق مبدع، ينم عن معاناة حقيقية في تجاربه الخاصة والعامة، واقعه الموضوعي الاجتماعي جزء ذاتيته الشخصية نفسها. ففي أشعاره الوطنية، وبخاصة ما يتعلق بحب الوطن والتغني به يجد القارئ نوعاً من الافراط والمبالغة، ويبدو ذلك في قوله:

يقول عبود جنــــات النـــــعيم على            

                                                أبوابها حارس يدعوه رضوانا

من ماء راحوب لم يشرب وليس له             

                                             ربع بجلعاد أو حــــي بشيحانا

ولا تفيـــــــــأ في عجلون وارفـــــة              

                                                  ولا حدا بهضاب السلط قطعانا

إلى أن يقول([9]):

إن كان يا شيخ هذا شأن جنتكم                            فابعد بها إنها ليست بمرمانـــــا

وقل معي بلسان غير ذي عوج                             لا كنت يا جنة الفردوس مأوانا

فعلى الرغم مما في هذه الابيات ومثيلاتها من مبالغة عنيفة، إلا أنها صادرة عن إحساس صادق، ووطنية عرفها عنه الجميع، كما أنها مطابقة لواقع الحال الاجتماعي والسياسي الذي عاش فيه الشاعر، فلولا هذه المحبة العنيفة العميقة لقومه ووطنه، لما كان قد رضي بالسجن والنفي والاعتقال. حتى قصائده الخمرية- كما رأينا سابقا- جاءت مطابقة لوقائع حياته الخاصة، المعروفة، فهو يتغنى بالخمر غناء صادقا، لا يعرف المبالغة، وفي أذهاننا مئات الحكايات التي تروى عنه في هذا المجال، إذ كان للخمر عنده وعند الندامى أصول معروفة واحترام واضح، يقول([10]):

هاتـــها واشرب ودع عبــــود من                 شرح متن ((الام))([11]) يستهويه متـح

لست صوفيـــــا ولــكنــــــــي إذا                          أحضر الذكر فذكري فيه شطـح

إنها رجــــس ولكــــن ربــنـا                          شأنـه عفـو وإغضـاء وصفــح

وبفــقــــه الديـــن متــن نــصـــه                         هامش الكاس لمتن الروح شرح

فــدع الشــيـخ عـلى مــنـبــــــره                          يعظ الناس وينهاهم ويــــــلحــو

قدر الله عليــــــــــنا شربها                   ليس خطـــاً قــدر الله فـنـمـــحـو

تحس في دفاع  عرار عن إدمانه الخمر، أن الشاعر صادق فعلاً فيما يقول، سواء كانت مارسته هذه عملا أخلاقيا أم لا... المهم أنه صادق الإحساس والمشاعر في نظمه، وهكذا هو دوما في نظمه للشعر، وليس هناك أصدق من قصائده في (النور)، إذ أن (الطبيعة الفنية)، التي أشار إليها العقاد، تملأ هذه القصائد، وتشعر أنك أمام شاعر يكتب الشعر في لحظات صفو حقيقية يخلو فيها مع مشاعره الداخلية الأصلية، بلا صنعة أو تكليف.

إن من يتتبع شعر عرار، يستطيع رصد هذه الأضواء الذاتية (الرومانسية)، ويمكننا تلمس جوانب مختلفة من نفسيته، فهو نفسه يتحسس دوما ذاته، معبرا عنها في كافة أحوالها، لأنه كان صادقا مع نفسه ومشاعره في عملية الخلق الشعري، لذا وجدت لحظات حياته المختلفة، انعكاساتها الصادقة بين سطور قصائده. ولربما يعجب المرءالعادي من إدمانه الخمر، ولهوه ومجونه الذي يفهم من تردده على خرابيش النور، وأن يتحمل في الوقت نفسه مسؤولية وطنية في صفوف المعارضة... فهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن إدمانه الخمر كان هروباً مؤقتا من واقعه الأليم، ولكن دون فائدة، فلقد كان هذا الواقع- من شدة تعاسته- يلح عليه وهو في أشد حالات سكره، فهو يقول([12]):

يقولون اني إن شربت ثلاثة                      

                          فلا خير للاردن من همتي يرجـــى

ثقي أن من يهديه حب بلاده                      

                          وإن أدمن الصهباء لا يخطئ النهج

ولقد انتشرت ملامح اليأس والتشاؤم، لتغطي مساحة غير قليلة من أشعاره، نتيجة لهذا الواقع المعيشي، فهو يقول عن بعض لحظات حياته([13])

وهي أحيانا ظلام دامس                                    لا أرى أنى له يطلع صبح

وفي عام 1925 أهدى لصديقه البدوي الملثم صورته، فكتب عليها الأبيات التالية([14]):

الأسى واليأس والألم                    فوق هذا الطرس مرتسم

صورة تبثك لاعجها                      لو يزين الشاخصات فـم

لا تقولوا: مالصاحبنا                    عابس([15])، والدهر يبتـســم؟

ذلك مس يلم بـــــــه                     كلمـــا يشجيـــــه([16]) ذكركم!

ومن جراء ذلك غلبت المسحة السوداوية على أشعاره، وبلغ فيها حداً من التطرف تمنى معه مغادرة الوطن، والرحيل عن ترابه، يقول([17]):

وبنفسي رحلة عن أرضــه                     عله يشفي من الارهاق نــــزح!

كل ما أرجوه لو أن منــــى                            عاثر الجد اذا يرجو تـــصــــح

أن أرى لي بيت شعر حوله                       من شلايا قومك السرحان سرح

في فلاة ليس للعلج بــــــها                         حية تسعى وثعبان يفـــــــــــــح

وفي لحظات أخرى أشد قسوة يصرخ من أعماقه([18])

بـ (صرماية) بعه فما هو موطني                         ولا أهله أهلي ولا أنا أردنــــــــــي

بـ (صرماية) بعه وبعني وبعهمو                          لأشياع (غورو) أو لأتباع (وزمني)([19])

وأظنني لست في حاجة إلى مزيد من استقراء أشعاره توضيحاً لهذه الطبيعة الفنية الصادقة في شعره، وتلمسا للاصداء الذاتية الرومانسية التي أرها من نفس الأصداء التي كانت عند بعض شعراء جماعة (أبولو)، وكان للشاعر صداقات مع شاعر من شعرائها هو (ابراهيم ناجي)،وكان ينطلق من نفس الواقع الذي انطلقت منه هذه الجماعة، إذ ((أن هؤلاء الشباب كانوا يعيشون في ظروف واحدة، وأحسوا جميعاً الفرق بين أحلامهم وطموحهم، وبين واقع الحياة المرير الذي حطم أمانيهم، وبهظ كاهلهم، ولفح بضرامة نفوسهم المرهفة الرقيقة))([20]).

لقد كان عرار رومانسيا مجاريا لحركة الشعر العربي في عصره، ولم تكن مجاراته لها في الموضوع والمضمون فقط، بل لقد عرف ما تستدعيه هذه الموضوعات والمفاهيم الجديدة من طريقة جديدة في النظم، فلم ينس أن يستعمل لغة عصره السهلة البسيطة، ذات المسحة الشعبية([21]). وهو في كثير من آهاته قريب من الآهات والزفرات التي عرفت عن شعراء جماعة أبولو، التي كانت لها انعكاساتها في الصورة الشعرية على امتداد الوطن العربي، ((إذ كان تجمع أبولو تجمعا له صورته العربية الواضحة التي تمثل تطور الشعر العربي كله في هذه المرحلة))([22]).

 

الخصائص الفنية في شعره

لقد توافر لشعر عرار في مجموعه، عدة خصائص انفرد بها وميزته عن سواه ولم تبد في نتاج شاعر آخر من معاصريه، كما جعلت شعره في شرق الأردن معروفا لدى الجميع، يميزونه ويتعرفونه لمجرد سماعه.

ومن أهم هذه الخصائص الفنية التي يميز بها شعر عرار عن غيره من شعراء المنطقة، تلك (المسحة الشعبية) التي صبغت أغلب قصائده وطغت عليها متمثلة في مظاهر شتى. وأول هذه المظاهر عنده الاستيحاء لكامل بلاده في كل شيء، فعج شعره بالالفاظ والتعابير الأردنية المحلية التي يصعب فهمها على غير الأردني، ولقد ورد في ثنايا الكتاب الكثير من هذه الالفاظ والتعابير، الشديدة الالتصاق بالبيئة الاردنية المحلية. وفي ديوانه أبيات كثيرة توحي لنا باصراره العفوي على مثل هذه التعابير المحلية الشائعة، لانها على ما يبدو أكثر من غيرها تعبيراً عما في نفسه من ثورة واضطراب كأن يقول([23]):

أدرها ايها الساقي    أدرها انتظم الشرب

وقل للعاتبين علي طردي للهوى : ((انكبــوا))([24])

وقوله([25]):

يا راهب الدير تبـــــنا عن محبـتهم                 وقد أنبنا (فلا كاني ولا ماني)([26])

وقوله([27]):

يا شيـــــخ يا من كلمــــــــــــا                ((عنفصت))([28]) قطب لي جبينه

وقوله([29]):

فاعرف مكانتــــــك من مكا     نته الرفيعة يا ((معود))([30])

وقوله([31]):

((فشروا)) لســـــــوف يظــــــل هـ                ذا الرأس معتمراً جنـــــونــه

وقوله([32]):

ودع المراسـم والرســــــوم              لمن عـقـولـهم ((شويـــــة))

وقوله([33]):

((فبلطوا البحر)) غيظا من معاملتي                وبالجحيم ان استطعتم فزجوني

ان شيوع هذه التعبيرات المحلية في قصائده، وبطريقة عفوية غير متكلفة، يدل من جانب آخر، على مدى تعمقه في أوساط الجماهير الاردنية، ولا سيما الاوساط القروية المغلوبة على أمرها، كما يدل على مدى تأثيرها قضية هذه الجماهير والحاحها على وجدانه ونفسه.

ولقد ظهرت هذه المسحة الشعبية عنده في مظهر آخر، وهو اللجوء إلى الأمثال العامية لنقل مشاعره واحاسيسه إلى قرائه، وهم غالبية الشعب. وكأنه قد فطن إلى أن المثل العامي (الشعبي) يرد غالبا على ألسنة ابناء الشعب خاصة في الريف الاردني، فعمد، إلى صوغ الأمثال الشعبية في أبيات أطلق عليها (القاعدة الكلية) ، ومنها قوله([34]):

((علمك بعمان قرية))

علمي بعمان من بعض القرى فاذا               

                                عمان عاصمة الاردن تحميـــــــه

((مسبة الدين بمطرحها تسبيح))

مسبة الدين تسبيح بمطرحــــــها                            

                                      وأتعس الخلق من بالوعد ترضيه

((بين حانا ومانا ضاعت لحانا))

ما بين حانا ومانا رب مسبلــــة                     

                                       ضاعت وكم شارب جزت نواصيه

وغير ذلك كثير من الأمثال الشعبية التي عرف الشاعر أن معانيها البعيدة والخبرات التي ترمز اليها مختزنة كلها في ضمير الشعب، وتعبر عن وجدانه لذلك نقلها في قصائده، فراجت على ألسنة كل الناس من المتعلمين وسواهم. ويتسع مدى (المسحة الشعبية) عنده، فاذا هو- زيادة على ماسبق- يسجل ((في شعره الشيء الكثير من حياة الاردنيين وعاداتهم وتقاليدهم وأمثالهم وحوادثهم فكان ديوانه إلى حد بعيد هو ديوان الاردن، وقد فتح عيون مواطنيه على جمال بلاده وتغنى بمحاسنها، فجاء شعره سجلاً حافلاً بتمجيد الأردن والاشادة بما فيه من مواطن الحسن والجمال([35]))).

ومن ابرز (الخصائص الفنية) لشعر (عرار) خفة الروح والمرح والفكاهة التي كانت تنعكس من نفسية الشاعر على أغلب قصائده. فلقد عرف عن الشاعر أنه كان يتمتع بروح مرحة تحب الفكاهة والدعابة، وقد كانت حياته تفيض بالدعابة والسخرية، سواء في ذلك حياته العادية اليومية، مع خلانه ومعارفه، وحياته الوظيفية الرسمية مع رؤسائه وموظفيه ((ولكن في  قوة ورصانة، فقد كان له من اعتزازه بقلمه واعتداده بنفسه، ومن أنفته وتمرده ما يعلو به عن الإسفاف ويصونه من الابتذال، وقد تجلى هذا في شعره بصورة واضحة قوية، فبالرغم من أن أكثر الموضوعات التي طرقها تتميز بالبوهيمية وعدم الجدية، فقد أسبغ عليها مصطفى بشخصيته القوية لوناً جديا يميل إلى الصرامة في بعض الأحيان، ولكنه لا يخلو ابداً من العذوبة وخفة الروح))([36]). ويروى عنه في هذا المجال الكثير من الدعابات والطرائف([37])، وكان لا بد أن ينعكس أثر ذلك واضحاً جلياً في شعره.

ومن أوضح نماذج هذه الفكاهة الراقية قوله حين كان حاكما إدارياً لناحية الشوبك مداعباً صديقاً له([38]):

خل السجائــــر وادن لي غليوني             اقضي([39]) به وطرا من التدخيـــن

هلم نشـــــرب قهوة عربيـــــــــة        قد صين سر عبيرها لمصون

ما قائد الدرك المدل بشربه                     كأساً لقد قرنت بشر قرين    

لجانبك العالي ومثلك قلّ مــــــن                    يسقي السلاف أجن من مجنون

لا تغتر بتعففي عن شربــــهـــــا                وبنفض ظهر الكف إذ تدعوني

لمواكب الحانات بعض هوادجي          وهوادج الخمار بعض ظعوني

الله يعلم انني بزقــــــــاقـــــهــــا              ودنانها المفتون منـــــذ سنيـــن

لو كنت كنانيا وجندك وسكيــــــا                    وشربتكم تالله لا تـــــــروونـي([40])

وخاصة اخرى تميز بها شعر (عرار) عامة، وهي أنه يرسل القول ارسالا تلقائيا عذبا، لا تكلف فيه ولا تصنع، وهذه خاصة تبدو طبيعية بالنسبة لشاعر مثله يكتب ما يعيش، ويعيش ما يكتب، فهو لا ينتظر ايعازاً خارجيا يفرض عليه النظم حتى يتكلفه، إنما أشعاره من وحي خاطره وحياته، وهذا ما جعله يهتم بالمعنى دون اللفظ، فهو لا يعيد النظر في ألفاظه وكلماته كي يتدلها ويغير فيها، إنما كان اهتمامه موجها إلى أن يكون ما يقول معبرا عن المعاني التي تختلج بها نفسه، بأية ألفاظ، حتى ولو كان بعضها مخالفا لقواعد النحو والصرف، أو كان عاميا غير فصيح، وقد اكسب ذلك أغلب أشعاره سلاسة وبساطة، فهي تنساب سهلة يشيع فيها نغم غنائي يقربها من النفس، ويضمن لها الانتشار السريع على مختلف الألسنة. وهذه الروح الغنائية ملحوظة لديه، ودليلنا عليها ترديد أشعاره لدى جميع الطبقات من متعلمين وغير متعلمين، وتحول بعضها إلى أغان عذبة مصحوبة بمسحتها الحزينة التي تزيد من تغلغلها في النفوس، كقوله([41]):

يا جيرة البان ليت البان ما كانـا                

                            ولا عرفنا بوادي السير خلانــــا

أوليتنا كلما طاف الحنين بنـــــا            

                                        وسامنا من ضروب الوجد ألوانا

وعادت النفس تذكارات صحبتكم                  

                                  نسطيع تعزية عنكم وسلوانــــــا

وقوله([42]):

أهكذا حتى ولا مرحبــا!                        لله اشكو قـــلبك القلبــــــــا

أهكذا حتى ولا نظــــرة                       ألمح فيها ومض شوق خبا

أهكذا حتى ولا لفــــــتة                             أنسم منها عرفك الطيبـــــا

ناشدتك الله وأيامنـــــــا                           ونشوة الحب بوادي الصبا

وغصة الذكرى وآلامها                           وحرمة الماضي وما غيبـا

لا تسأليني أي سر لقــد                        أحال عمري خاطراً مرعباً

وقوله([43]):

بين الأنين وغصة الذكـــرى                   أبعد بعمر ينقضي هجـــــــرا

وانفض يديك من الحيـــاة اذا                  يوما اطقت عن الهوى صبرا

ما قيمة الدنيا وزخرفهــــــــا           ان كان قلبك جلمدا صخـــــرا

يغضي إذا حيته آنســــــــــة                   ويهش ان نظرت له شــــزرا

وغير ذلك الكثير، حيث تشيع في قصائده الروح الغنائية النابعة من بساطته في التعبير، وإحساسه الصادق في عملية الخلق الشعري.. وقد غُنٍّيَ الكثير من قصائده ونال انتشارا واسعا.

وخاصة اخيرة في شعر عرار، فصلت القول فيها عند الحديث عن شعره الاجتماعي الساخر، وفي اتخاذه بعض الرموز البشرية كهياكل عامة بنى عليها، ومن خلالها، نقده الاجتماعي، وأهم هذه الرموز التي اخترعها الشاعر أو اختارها من واقعه: (الهبر) الرجل النوري البسيط، و(الشيخ عبود) صديقه، الذي اتخذه رمزا ينقد فيه الأخلاقيات القديمة، والعادات والسلوكيات التي ما عادت تواكب العصر وظروفه، وعرار في هذا ((لعله كان أول شاعر عربي حديث اخترع نماذج عليا في الشعر وجعلها رموزاً لقضايا حيوية))([44]).

شعره في الميزان

كان لطبيعة العصر الحديث أثر في تبدل نظرة النقد والنقاد للعمل الابداعي (الشعر). فلو تأملنا كتب النقد والبلاغة القديمة باحثين عن فهم الناقد القديم للشعر والشاعر لوجدنا مؤلفي هذه الكتب – بشكل عام –  غير متفقين على مقاييس معينة ثابتة لجودة الشعر وإجادة الشاعر، وهم يختلفون في هذا كل حسب ذوقه ومذهبه، ولكنهم يكادون يجمعون على أمر واحد وهو نظرتهم إلى الشعر واتفاقهم على أنه صناعة لها قوانين تحتاج إلى عناية ودقة، وهذا ما جعل جلهم يرجحون اللفظ على المعنى. فها هو ابن طباطبا العلوي (ت 322هـ) يرى أن عملية الخلق الشعري تتلخص في ان يحضر معانيه نثراً في فكره، ثم يعد له اما يوافقها من ألفاظ وقواف، ووزن يسهل له القول عليه. ثم يبدأ الشاعر صنعته فيثبت ما اتفق له من ابيات تشاكل المعاني التي تروقه. ويصف الأبيات كما اتفق تواردها، إلى أن ينتهي من معانيه، عندئذ يعيد النظر في الأبيات ليربط بينها، ويبدل الألفاظ المستكرهة بأخرى سهلة نقية، ويغير في قوافيه كلما رأى قافية أحسن من الأخرى في معنى دون غيره، فابن طباطبا يطلب من الشاعر أن يكون نساجا حاذقا([45]). ولا يخرج صاحب الوساطة علي بن عبد العزير الجرجاني ( ت 392 هـ  ) عن هذا الفهم في قوله : (( الشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة, فانها المواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتستميلهم إلى الاصغاء... ))([46]) . وكذالك صاحب الصناعتين ( أبو هلال العسكري ت 395 هـ ) الذي يناصر اللفظ على المعني مناصرة قوية... وطريقة وصفه لعملية الشعر لا تختلف بشيء عن طريقة ابن طباطبا المتقدم ذكرها, حيث يقول([47]):

 

(( .. إذا أردت أن تعمل شعرا, فاحضر المعاني التي تريد نظمها في فكرك, وأخطرها على قلبك, واطلب لها وزنا يتأتى في إيرادها وقافية تحتملها, فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية ولا تتمكن منه في قافية اخرى..)). ثم يأتي المرزوقي ( ت 421 هـ ) فيضع تعريفه لما يسمى ( عمود الشعر ) وأسسه السبعة([48]) وهذه ساعدت في تحويل الشعر خلال العصور التالية إلى زخارف فارغة وألفاظ خالية من كل روح أو ابداع أو عاطفة .. كما حصرته في دائرة المعاني الجزئية وحدود الصنعة اللفظية, وأسلمته إلى قضية السرقات, تلك القضية التي استهلكت جزءا كبيرا من طاقة الشعراء والنقاد.. فالشعر عندهم صناعة, والشاعر صانع حاذق.

أما في عصرنا الحاضر, فقد اختلف مفهوم الشعر والشاعر بحكم الظروف الكثيرة التي طرأت على مسيرة الادب والنقد العربيين, إذ ما عاد الشعر وسيلة للتكسب والعيش, بل أصبح أكثر التصاقا بنفسية قائله, وتعبيراً عن حياته وخواطره. وقد انتهت نظرة الصنعة الحذق في عمل الشعر, وأصبح الشعر عملية وجدانية ابداعية طارئة لا يحضر لها الشاعر, بل تأتيه فجأة حسب احوال نفسه, ومدى الحاح التجربة على وجدانه. وعند النظر في مفاهيم رواد حركات التجديد في شعرنا المعاصر, نعرف مدى الاختلاف البين بين هذه المفاهيم الحديثة, وما قال به النقاد القدامى, فهذا البارودي – رائد التجيديد في الشعر العربي – يقول([49]): ((.. وبعد, فان الشعر لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر, فتنبعث اشعتها إلى صحيفة القلب, فيفيض بلألئها نور يتصل خيطه بأسلة اللسان, فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك ويهتدي بدليلها السالك)).

وعبد الرحمن شكري يرى أن((العواطف هي القوة المحركة في الحياة, وهي للشعر بمكانة النور والنار([50]))). والمازني يقول([51]): (( لابد في الشعر من عاطفة يفضي بها اليك الشاعر ويستريح, أو يحركها في نفسه ويستثيرك)). أما أدونيس ( علي أحمد سعيد ) فيرى أن (( الشعر نوع من السحر لانه يهدف إلى أن يدرك مالا يدركه العقل. مهمة اللغة هي إذن أن تقتنص ما لا يمكن اقتناصه عادة, أو على الاصح ما لم تتعود هذه اللغة اقتناصه))([52]). والناقد الحديث لا يتناول الشاعر تناولا مجرداً, بل يتناوله مرتبطا بفنه وتجربته. فالشاعر الحق هو من نستدل على شخصيته من شعره , فشعره دليل لحياته العامة والخاصة وتعبيرا عنها. وبتطبيق هذا المفهوم على البارودي, يقول العقاد([53]): (( استعرض ديوان البارودي كله لا ترى فيه بيتا واحدا إلا وهو يدل على البارودي كما وصفته لنا أعماله وصوره لنا مؤرخوه, وهذه آيه الشاعرية الأولى )). فالشاعر وشعره وجهان لعملة واحدة, وفي فهم الشعر للشاعر ونفسيته وأدوار حياته وظروفه, وفي فهم الشاعر وحياته وظروفه, فهم لشعره واتجاهات هذا الشعر ونوعيته.

والحقيقة أن شعر (عرار) انما هو مرآة لحياته وظروفه, تتجسم فيه ملامح الشاعر وميوله وحقيقة تفكيره وتناوله للأمور, فهو مرآة نفسه وصدى محيطه وعصره, وسجل صادق لحياته الخاصة والعامة, يدور معه في هذه الدوائر الصغيرة التي كان يعيش فيها, ولا يكاد يخرج عنها. ويصدق فيه وصف العقاد لديوان البارودي, فشعر عرار يدل عليه ما عرفناه في حياته الخاصة والعامة, أو كما وصفته لنا أعماله, وصوره لنا معاصروه, وهذه من مميزات الشعراء الأصلاء. يقول عنه نديمه محمود المطلق المحامي([54]): (( عاش مصطفى ( عرار ) حياة صاخبة فيها الكثير من الجد والكثير من اللهو, كما فيها الكثير من السرور والكثير من الألم, وقد جاء شعره صورة حية صادقة لهذه الحياة التي عاشها بخيرها وشرها, بجدها وعبثها )). ان شعر عرار – دون مبالغة – وثيقة ميدانية على لحظات حياته الخاصة، وحياة وطنه وقومه، في شعره تتحسس عراراً الانسان الذي هو صورة للانسان الأردني في آلامه وآماله، في حزنه وسروره. وفي شعره تحس بوقائع الحياة الاردنية في مختلف ميادينها. في شعره رائحة الأزهار والورود الأردنية، وقد أوردنا الكثير من أشعاره الدالة على ذلك.

أسلوبه الشعري

لم يكن مستوى عرار الثقافي بالمستوى الرفيع، فمعارفه كانت بسيطة، وتحصيله العلمي كان محدوداً، ومع أن الله منحه ذكاء وقاداص، إلا أنه لم يستفد منه كما يجب، فلم يحاول أن ينمي ثقافته ويوسع اطلاله ومعلوماته، وأغلب وقته كان مضيعاً بين الشراب والطرب، ولهذا جاء شعره يحمل الكثير من الأخطاء الغوية والأسلوبية والعروضية، بعيداً عن التنقيح والتهذيب، يظهر فيه اثر الفوضى والاهمال، وسبب ذلك اهتمامه بالمعنى أكثر من اهتمامه باللفظ، فقد دفعه ذلك إلى الخروج عن بعض ما هو مقرر من القواعد اللغوية والأسلوبية في بعض الأحيان. ولكننا مع ذلك لا نستطيع إلا أن نقر بصدق مشاعر عرار واحساسه في شعره... وقد وصفه صديقه محمود المطلق المحامي بقوله: ((لم يكن مصطفى واسع الثقافة والاطلاع والمعرفة، وإنما كانت معارفه بسيطة، وثقافته محدودة، فقد تلقى في صباه تعليما يعادل التعليم الثانوي إن لم يقل عنه وفي دراسته هذه تعلم التركية التي كانت اللغة الرسمية، وصار له إلمام بالفارسية التي كانت تدرس آنذاك.. ولم يحاول فيما بعد أن يوسع ثقافته كثيرا، وأن يطلع على المذاهب الفكرية الحديثة في العلوم والفنون والآداب، ولهذا كان مستوى ثقافته أقل كثيرا من مستوى ذكائه الفطري، فقد كان مصطفى خارق الذكاء، ولكنه كان بوهيميا قليل الجد لا يميل الى الدرس بمقدار ما يميل إلى إشباع مشاعره، وتحريك نوازعه الشعرية بالشرب والغناء وطرد الهوى))([55]).

تأثر عرار بشعراء مثل الشاعر الفارسي عمر الخيام، ولكن تأثره هذا لم يمح شخصيته من شعره، فعلى الرغم من ذلك ظل لعرار في شعره طابعه الخاص المميز ذو المسحة الشعبية والروح الخفيفة.. فشعره يزخر بالألفاظ والتعابير العامية، والأقوال الدارجة، والنكات الشعبية، وهذه اللمسات تبدو جلية في كل قصائده فتعطي شعره نكهة خاصة، وتطبعه بالطابع الأردني([56]).

وفي جانب الصياغة نجد ان عراراً يكثر من استعمال الكلمات العامية الشائعة، لإحساسه بأنها أكثر قدرة من غيرها على نقل مشاعره وأحاسيسه، ولأنه في بعض المواقف تستطيع الكلمة العامية أن تحمل طاقة إيحائية وتعبيرية تعجز عنها الكلمة الفصيحة، وذلك في مثل قوله:

1- هات اسقني قعوار ليس يهمني

                                   قول الوشاة عرار (سكرانان)([57])

2- ليس الزعامة شرطها

                        لبس الفراء البجدليه([58])

3- وسبرت اغوار السراة

                         وقستهم            بالسرسرية([59])

4- ومدجج قاد السرية

                                  وهو (قواد)  السرية([60])

5- إن الصعاليك مثلي مفلسون وهم

                                       لمثل هذا الزمان (الزفت) خبوني([61])

6- باعوا العقائد بالقلائد وانبرى

                               منهم لبيع تراث يعرب (أزعر)([62])

7- (فشروا) لسوف يظل هذا الرأس معتمرا جنونه([63])

8- واشتط يشربها إلى أن يغتدي (سكران طينه)([64])

الاخطاء اللغوية

ذكرنا ان قصائد عرار لا تخلو من الأخطاء اللغوية والاسلوبية، ويعود ذلك-في رأينا- إلى ضعف ثقافته، وقلة تحصيله اللغوي، وعدم اهتمامه بتنقيح شعره وتهذيبه، إذ لم تجمع قصائده قبل موته، ولم يحاول-على ما يبدو-اعادة النظر فيها. وقد أشار محمود المطلق المحامي، كاتب مقدمة الديوان، إلى ذلك، فقال في تصديره للديوان: ((لقد وردت في الديوان أخطاء لغوية ونحوية كثيرة، نتركها كما جاءت في الأصل، إذ لم يكن من حقي إصلاحها لو استطعت ذلك، كما أنه لم يكن في وسعي أن أشير إليها)). ولو حاولنا حصر تلك الأخطاء لأعيانا ذلك، ولكننا سنشير إلى بعضها على سبيل المثال:

1- يدخل (قد) على الاسماء مثل قوله:

أ- ياهند من حسبان قد بارق             رف رفيفا واضحا مسهبا([65])

ب- أتهذي بالسلو وقد                    غرام الغيد أضنانا([66]).

ج- واقصر ملامك انني رجل لقد         بالكأس بعت خوابيا من ديني([67])

2- يدخل (سوف) على الأسماء:

وسوف الألى قالوا عرار قد ارعوى           ومن يرعوي بعد الضلال لبيب([68])

3- يدخل (لن) على سين الاستقبال:

أنا لم أكن يوما وزيرا              ولن سأرأسها الوزارة([69])

4- يستعمل الا مع الضمير المتصل، وهذا نادر وشاذ كقوله:

سلمى ورب الراقصات إلى منى           ما راض قلبي عالهوى إلاك([70])

5- يستعمل كلمة (خدنة) كمؤنث ل (خدن) وخدن تستعمل للمذكر والمؤنث:

وأصحاب ألفناهم      وخدنات واخدانا([71])

6- يدخل الضمير المتصل على (زال) كقوله:

ودع المنى والشمل دعه وشأنه          ما زاله بفؤاد ل