الفصل الثالث
على الرغم من أن شهرة عرار اعتمدت
على كونه شاعرا، حققت اشعاره انتشاراً واسعاً بين المواطنين الأردنيين، إلا أنه
ترك بعض الاثار النثرية، نذكرها فيما يلي:
1- ترجمته
النثرية لبعض رباعيات الخيام، التي كان قد نشرها في مجلة ((منيرفا)) عام 1925،
وقد جمعها البدوي الملثم في كتابه
((عرار شاعر الأردن)) ص87-92. ويفهم من المعلومات التي وردت في الكتاب المذكور أن
مجلة ((منيرفا)) كانت قد نثرت ترجمة لبعض الرباعيات للشاعر اللبناني امين نخلة،
فلم تعجب الشاعر مصطفى وهبي التل، فبدأ يترجم الرباعيات، بينما ترجمها أمين نخلة
عن الانجليزية، وهذا ما أبعدها عن الروح التي تضمنتها الرباعيات بالفارسية، وما
دمت بصدد الحديث عن ترجمته للرباعيات، فأود أن أشير إلى أنني قد عثرت في بقايا
مكتبته على كتاب باللغة التركية اسمه (رباعيات عمر الخيام) للأديبين التركيين حسين
دانش ورضا توفيق. وقد احتوى الكتاب على نص الرباعيات بالفارسية، وترجمتها إلى
التركية. وقد وجدت على هامش النص الفارسي ترجمة شعرية عربية لما يقارب ثلاثين
رباعية، تبين لي بعد مقارنتها بالترجمات الشعرية العربية المعروفة للرباعيات، أنها
من ترجمة وديع البستاني. ومعنى هذا ـ كما أرى ـ أنه كان يستعين بترجمة البستاني في
دراسته للرباعيات الفارسية بوضع الترجمة العربية على هامش النص الفارسي، بالرغم من
أن ترجمة البستاني للرباعيات عن الانجليزية لا الفارسية.
2- رسالته
(اصدقائي النور)([1])وهي
مجموعة أحاديث بثها من الإذاعة الفلسطينية إبان الانتداب البريطاني، وهي حول
علاقته بالنور، وتجربته الشخصية معهم، وما لمسه بالممارسة عن عاداتهم وتقاليدهم،
وعلاقاتهم الاجتماعية. ونلمس منها مدى التعاطف الانساني الذي كان يشعر به نحوهم،
انطلاقاً من الظلم الواقع عليهم من المجتمع المحيط بهم. ومنها نتعرف على مفهومه
للعدالة الاجتماعية، التي يجب أن تشمل كل الفئات والطوائف، بعيداً عن التمييز
العرقي والعنصري.
3- مذكرته
الشخصية، والاشارة الوحيدة الدالة على وجودها، هي ما ذكره محمود المطلق المحامي
بشأنها عند كتابة مقدمة الطبعة الأولى من ديوان الشاعر ((عشيات وادي اليابس)) عام
1954. فقد أشار اليها في أكثر من موضع من المقدمة المذكورة، وقد حاولت الاطلاع
عليها عند محمود المطلق المحامي، فلم أوفق، كما لجأت إلى صديق صباه أحمد الشرع،
فلم أجد شيئاً منها عنده. لذلك لا أستطيع أن أؤكد إن كانت مذكرات كاملة، أم مجرد
ورقات كتب عليها الشاعر بعض اللقطات التي مرت به، وتعرض لها في حياته.
4- رسالته
(الأئمة من قريش)، وقصة هذه الرسالة أنه عندما كان الملك الحسين بن علي (قائد
الثورة العربية ضد الأتراك) في عمان، جاءته الأخبار أن الأتراك ألغوا الخلافة
الاسلامية ـ بعد انقلاب أتاتورك ـ وطردوا أبناء الخلفاء من بلادهم، فسعى الأمير
عبد الله لمبايعة أبيه خليفة للمسلمين، وأميرا للمؤمنين واشترك في ذلك وفود من
فلسطين وشرق الاردن والأقطار المجاورة، فبويع رسمياً في 14 آذار ـ مارس 1924. وبعد
أن توفي الحسين بن علي في الرابع من حزيران – يونيو عام 1931.
سعت بعض الجهات إلى الخلافة
الاسلامية، فوضع الشاعر كتيبه هذا، الذي عرف باسم (الأئمة من قريش) مذكراً الساعين
إلى الخلافة: (( أن العرب لا تدين الا لهذا الحي من قريش ([2])،
وأن المسلمين لا يقرون إلا إمامة سيد من سادة هذا البيت من هاشم)). وهو يشير بذلك
إلى أن الحسين بن علي وأولاده من رهط هاشم بن عبد المناف، وأن الخلافة يجب أن تكون
محصورة فيهم، وإلى ذلك ترجع تسمية ((المملكة الاردنية الهاشمية)).
5- كتيب
صغير الحجم بعنوان (طلال)، وضعه بالاشتراك مع المرحوم خليل نصر، صاحب جريدة
((الأردن)) التي نشر فيها الكثير من أشعاره وقدماه هدية إلى الأمير ((طلال بن
عبدالله))، ولي عهد الامارة الاردنية آنذاك، بمناسبة عقد قرانه، وهو انطباعات
وخواطر عن الأمير.
تلك هي الاثار النثرية التي عرفت
لشاعرنا مصطفى وهبي التل، وطبعت نصوصها وحدها أو ضمن كتب اخرى كما أشرنا من قبل.
وما عدا ذلك لم يعرف للشاعر المرحوم البدوي الملثم أنه عثر عليها، وأنها مرسلة من
الشاعر الى صديقه سليمان النابلسي ـ رئيس وزراء الأردن الأسبق ـ، وقد ورد في هذه
الرسالة قول عرار:.. غداً سأسافر
للقدس لطبع مجموعة قصصي الأردنية وهي: ((سدوم)) و((بنت يفتاح) و((حمام المزابل))
و((حراث مادبا)) و((حديث ليلة)) و((سحر المزابل)). وليس هناك وثيقة اخرى تشير إلى
هذه القصص التي لم يستطيع أحد حتى آلان
ان يعثر على نصوصها.
ولا بد في هذا الصدد من الاشارة الى
ما كتبه انور الجندي عن (عرار) في كتابه (الشعر العربي المعاصر، تطوره وأعلامه)).
فقد كتب عنه خمس صفحات، وهي كتابة غير مسؤولة، على الرغم من أنها اقتباس من كتاب
البدوي الملثم. ودليلنا على عدم علمية ما كتب أو موضوعيته، قوله ص/431/: ((...
ولعرار مؤلفات منها ((مسرحية سدوم)) وديوانه الذي طبع بعد وفاته، وله ديوان
((عشيات وادي اليابس)) الذي لم يطبع)). وهكذا الكلام بعيد عن الصحة والمنطق، ولا
اتصور كيف تجرأ على إيراده في كتابه المذكور، الذي يعتبره تأريخا لتطور الشعر
العربي المعاصر وأعلامه، فديوان (عرار) الوحيد الذي طبع هو ((عشيات وادي البس))وقد
طبع بعد وفاته بخمس سنوات تقريبا. أما ((سدوم)) فيسميها أنور الجندي (مسرحية)،
بينما هي (قصة9، كما يفهم من سطور رسالة الشاعر لصديقه سليمان النابلسي، في حين ان
البدوي الملثم نفسه عاد في كتابه المذكور، ليشير أليها إشارة سريعة في
ص/326/بقوله: ((من آثار عرار القلمية قصة وضعها في عام 1947 بعنوان ((سدوم)) وفي
أحد فصولها عالج حبه للاردن))، وقوله (في أحد فصولها) يفهم منه أنها رواية، قصيرة
أو طويلة. وهكذا فعرار يير الى ((سدوم)) على أنها ((قصة)) في مجموعته القصصية،
وأنور الجندي يسميها ((مسرحية))، ويفهم من كلام البدوي الملثم أنها ((رواية))، دون
ان يقوم أي منهما بنشرها إن كان قد وضع يده عليها، ليظهر أقصة هي أم مسرحية أم
رواية.
2-
شعره
أ- ديوانه
المطبوع
نشر عرار أشعاره في أثناء حياته في
صحف ومجلات متفرقة، كان أهمها صحيفة ((الأردن)) التي كانت تصدر في عمان لصاحبها
خليل نصر. ولقد كان في نية عرار ان يجمع أشعاره في ديوان قبل أن يتوفى، ولقد قطع
في ذلك شوطا، فالاشعار موجودة لديه في قصاصات الورق والصحف والمجلات التي كان ينشر
فيها، وقد أرسل الى صديقه الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي يستكتبه مقدمة
للديوان المزمع جمعه وطبعه، فكتب اليه الكلمة التالية([3]):
(( يجد المتمعن في شعر الاستاذ عرار
أو مصطفى وهبي التل روحا خفيفا وثابا وأسلوبا جذابا صادقا وخيالا رقيقا، واهتماما
فائقا بالمعنى وقلة اكتراث باللفظ، مع الاحتفاظ بانتقاء ما هو صحيح من الكلمات
التي تجعل لاسلوبه طابعا خاصا ولشعره مزايا خاصة، وتجعلني اعتقد انه جدير باسم
الشاعر الحقيقي. نعم لا أنكر تأثره بشعراء الفرس والترك والعرب، وبما يقرؤه مترجما
عن الاداب الهندية، إلا أني أرى له مع تأثره هذا شخصية خاصة في شعره، تدلني على
أنه على الرغم من تأثراته الشتى بآداب شتى قد طبع شعره بطابعه الخاص، وأعطانا
جوهرا خالصا هو عصارة روحه ومرآة نفسه وصدى محيطه وعصره، هو هذا الذي تقروه في
عشيات وادي اليابس)).
ولقد اختار لهذا الديوان، المزمع
جمعه وطبعه اسم ((عشيات وادي اليابس)) قبل وفاته، وقد أشار الى هذه التسمية التي
عرف بها الديوان في قصيدة (عشيات وادي اليابس... تقدمة احترام الى فتاة وادي
اليابس)، التي يقول فيها:
ياأخت واد ([4])قد
دعوتك باسمه
وله نسبت ـ تبركاً ـ ديواني
ولكن الشاعر توفي قبل القيام بجمع
قصائده في ديوان، على الرغم من إلحاح زملائه المستمر:
قالوا لشعرك عشاق بودهم
أن يجمعوا بعضه في شبه ديوان
فقلت شعري أشلاء مبعثرة
كأنها عمري في كل
ميدان ([5])
وظل الديوان (أشلاء مبعثرة)، هنا في
صحيفة، وهناك في مجلة، حتى عام 1954، أي بعد وفاته بحوالي خمس سنوات، حين تولى نجل
الشاعر ((مريود)) جمع القصائد من الصحف والمجلات وأوراقه الخاصة، وكتب مقدمة
الديوان صديقه محمود المطلق المحامي، وكان قد قام بتنسيقه وتنقيحه، ونشر القصائد
بترتيب عفوي ودونما قصد، حيث لم يوفق إلى معرفة تاريخ كل قصيدة وقد ظهرت الطبعة
الأولى من الديوان بمساعدة شركة الطباعة الحديثة في عمان في أيلول – سبتمبر 1954
في /196/صفحة.
ويعتقد محمود المطلق المحامي ((أنه
قد ضاع بعض شعر عرار ولم ينشر في هذا الديوان لأن شعره لم يجمع في حياته، ولكني
أعتقد أن ما ضاع منه ليس بالشيء الكثير أو المهم... وقد اضطررت الى حذف إحدى
المقطوعات الشعرية وبعض الأبيات التي لا يجوز نشرها، لأنها تمس بصورة ظاهرة
أشخاصاً معينين، ولكن مجموع ما حذف من هذا القبيل قليل لا يكاد يتجاوز العشرين
بيتا )) ([6]). لكني
لا أثق فيما يزعمه محمود المطلق من أن (( ما حذف قليل لا يكاد يتجاوز العشرين
بيتا)).
وذلك لأن الجانب الذي عرف به
الشاعر، وهو المعارضة السياسية المناوئة للقصر والمعتمدين الانجليز، لم ينشر من
أشعاره فيه الا القليل في الديوان المطبوع. ولقد ظهرت كافة جوانب حياته الخاصة
والعامة في أشعار الديوان المطبوع ما عدا هذا الجانب السياسي المعارض المناوىء، إذ
لم يرد منه في هذا الديوان سوى أبيات قليلة. ولقد قمت بالاتصال شخصيا بالمرحوم
البدوي الملثم ((يعقوب العودات))، الذي عرف الشاعر معرفة وثيقة، وبسؤاله عن هذا
الجانب أفادني بأن هناك الكثير من هذه الأشعار مما لم ينشر في الديوان، وأنه يحتفظ
بجزء كبير منها، إلا أن الأوضاع السياسية السائدة في شرق الاردن تمنعه من نشرها،
وبالتالي رفض إمدادي بها. كما أن السيد أحمد الشرع، صديق الشاعر، وعد بتزويدي ببعض
هذه الاشعار، إلا أنه لم يف بذلك.
وهناك دليل آخر علمي وماموس، يدل
على أن ما حذف من أشعاره السياسية، وغيرها، كثير جداً يتعدى مئات الأبيات. هذا
الدليل نجده في عشرات الأبيات السياسية وغير السياسة التي تضمنها كتاب البدوي
الملثم([7])،والتي
لم يرد ذكرها مطلقاً في الديوان المطبوع. ومن هذا يتضح ان ما حذف من أشعاره كثير
جداً، ولقد أحصيت منها في كتاب البدوي الملثم المذكور مائتين وتسعين بيتاً، وغيرها
الكثير أيضاً في مخطوطته (زهور الغاب)، التي سيأتي الحديث عنها في ملحق في نهاية
الكتاب. وأغلب الأشعار التي لم ترد في الديوان المطبوع لا ينطبق عليها قول محمود
المطلق المحامي في مقدمة الديوان: (( أنه تعمد إهمال نشر بعض القصائد وبعض الأبيات
لأنها رديئة جداً، ولا يمكن اعتبارها في مستوى الشاعر)). إن أغلب هذه الأشعار لا
ينطبق عليها قوله هذا، وبشكل خاص تلك المعاضات الشعرية التي كان يشترك بها في
ديوان الأمير عبدالله، بل هي ـ كما أرى ـ تبين لنا مستوى موهبة الشاعر، وفطرته في
النظم، حيث كان يسمع القصيدة فيعارضها، وتعرض عليه القصيدة فيشطرها تشطيراً جميلا،
وهي كما رأينا كثيرة العدد وليست كما يقول مقدم ديوانه (( انها ليست بالشيء
الكثير)).
تلك كانت طبعة ديوانه ((عشيات وادي
اليابس)) الأولى التي ظهرت في ايلول- سبتمبر 1954.
ويتبين مما ذكرت ان هذه الطبعة قد
أغفلت الكثير من قصائد الشاعر، والتي أصنفها بما يلي:
(1)
القصائد السياسية التي كان يتعرض فيها الشاعر للقصر
والحكومة ورجال بريطانيا في البلاد، وهي ليست بالقليلة، بل يحفظ منها الشعب في
الأردن الكثير، وقد أوردت في ثنايا الكتاب بعضها.
(2)
القصائد التي تضمنها كتاب البدوي الملثم السابق الذكر،
والتي أشرت الى جانب منها، وهي كثيرة العدد وتضم ـ فيما تضم ـ القصائد التي كان
يشترك بها في ديوان القصر الأميري، مع الأمير عبدالله وزواره من الأدباء والشعراء،
ومجموعها يزيد على ثلاثمائة بيت موزعة في ثنايا الكتاب ([8]).
(3)
القصائد التي عثرت عليها أثناء البحث في بقايا مكتبته في
اربد، والتي تضمنتها مخطوطة أطلق عليها (ديوان زهور الغاب)، وسيأتي الحديث عنها.
لذلك فإن ديوانه المطبوع (عشيات
وادي اليابس) لا يمكن اعتباره جامعاً لكل أشعاره، إلا بعد أن تضاف اليه القصائد
السابقة، بأنواعها الثلاثة.
ب-
الطبعة الثانية من ديوانه
صدرت في عام
1973 الطبعة الثانية من ديوانه ((عشيات وادي اليابس)) بتصدير للدكتور محمود
السمرة، ذكر فيه مبررات إصدار الطبعة الثانية، وأنا أوافق الدكتور السمرة على هذه
المبررات، وبخاصة ما قال عنه (( أن في أوراق الشاعر الخاصة شعراً لم تضمنه الطبعة
الأولى، يستحق أن ينشر))... إلا أنني أخالفه في ملحوظته التي يقول فيها: ((وهذه
الطبعة الجديدة تهمل المحاولات الأولى للشاعر في نظم الشعر، وما كان تقليدا مصنوعا
لقصائد قديمة، لأنها ليشت الصورة الحقيقة له، وهي تبدو غريبة عنه، ناشزة بين
قصائده)). إن هذه الملحوظة تتنافى مع المنطق العلمي الموضوعي، فليس من حق أحد لن
يهمل تراثاً لشاعر أو كاتب، على أساس مستوى هذا التراث، من حيث القوة والضعف، فأيا
كان مستواه، يظل جزءا من أدبيات الشاعر او الكتاب، ويستطيع الدارس ان يعرف منه
الكثير، خاصة إذا كان من المحاولات الاولى، لأن دراسة الشاعر ـ أي شاعر ـ لا تكون
قريبة من الكمال، ما لم يكن بين يدي الباحث جميع ما قاله الشاعر منذ صباه، لنعرف
كيف تدرج في شعره، وما هي نوازعه ورغباته يوم كان أقرب الى الفطرة وعدم التصنع...
وهذا ما نلحظه في أيامنا هذه بالنسبة لشعراء آخرين، توفوا منذ زمن، إذ يسارع
الباحثون الى نشر ما يعثرون عليه من قصائد لم ينشرها الشاعر، على الرغم من مرور
اكثر من عشر سنوات على وفاته ... ... إن ما يصدر عن الشاعر، أياً كان مستواه، يظل
ملكاً للتاريخ الأدبي، لا ينبغي إهماله تحت أية اعتبارات، ومن هنا جاء اهتمامي
بمخطوطة عرار ((زهور الغاب)).
ومن هذا المنطق
العلمي، انظر باهتمام الى مجموعة القصائد الجديدة التي ضمتها الطبعة الثانية من
الديوان، على الرغم من أن بعض هذه القصائد ينطبق عليه ما قال عنه الدكتور محمود
السمرة أنه (المحاولات الاولى للشاعر). إن هذه المجموعة من القصائد تبدو منسجمة
تماما مع الخصائص الفنية والموضوعية، لأشعار الشاعر، التي تعرفنا عليها من خلال
الطبعة الاولى للديوان، بل تزيد بعض أفكار الشاعر تأكيدا، يجعل من هذه الافكار
منطلقات أساسية عنده.
وتبقى ملحوظة
أخيرة، تتعلق بالقصيدة الأخيرة في الطبعة الاولى، وبها نفسها في الطبعة الثانية([9])،
وهي المسماة ((بقايا ألحان وأشجان)). ففي الطبعة الاولى غطت هذه القصيدة الصفحات
من /184 إلى /189/، الا أنه في الفحة /187/ كرر خطأ ما جاء في الصفحة /183/،
وبالتالي سقط من هذه القصيدة في الطبعة الاولى ما كان يجب أن تتضمنه الصفحة /187/.
أما الطبعة الثانية فقد تضمنت ما سقط من الاولى، وهو من قوله: ([10])
قالو ((تمشكح([11])))
في يافا لقد صدقوا
إني
((تمشكحت)) زغم العاذل الشاني
حتى قوله:
لولا الهوى لم
أرق دمعاً على طلل
ولا حننت إلى أطلال عمان([12])
وعددها ثمانية
عشر بيتا.
إلا أن مقارنة
هذه القصيدة كما وردت في الطبعة الثانية من الديوان، مع المقاطع التي تضمنها كتاب
البدوي الملثم منها، توضح أنه قد سقط منها في الطبعة الثانية خمسة أبيات تأتي
تاليه للبيت السابق، وهي:
الحمدلله ليست
(مصر) لي وطنا
وأشكر الله أني لست عماني
لا أنت مني ولا
أهلوك خلاني
ولا نداماك يا عمان ندماني
عمان! عمان! إن
الكوخ قد عصفت
به الرياح فلست اليوم عماني
شربت كأسا ولولا
أنهم سكروا.
بخمرتي وسقوني الصاب إخواني
لقلت ياساقي([13])
هلا ـ والوفاء كما
ترى تنكرـ هلا جدت بالثاني؟
وتبدو هذه
الأبيات منسجمة في موقعها هذا البيت مع البيت السابق لها، والذي تحدث فيه الشاعر
عن (عمان) بقوله:
لولا الهوى لم
أرق دمعا على طلل
ولا حننت إلى أطلال عمان
وفي الأبيات
المذكورة ـ كما نرى ـ واصل حديثه عن (عمان) وما لاقاه من أهلها من تنكر وعدم
الوفاء...الخ.
اتجاهات
شعره وأغراضه
1- شعره
السياسي
كان جميع أبناء
المنطقة يعلقون أهمية خاصة على إعلان السلطان عبد الحميد دستور عام 1908، إذ خيل
اليهم أنه سيحقق المزيد من الحريات التي طالما انتظروها. ولكن هذا الدستور لم يحقق
للولايات العربية الحرية التي تعلقت بها أماني العرب، وإن أتاح لهم بعض الحريات
الثانوية، وذلك لأن حرص السلطان عبد الحميد على دستور عام 1908 لم يكن يفوق حرصه
على دستور عام 1876، الذي سبق أن عطله.
وكان قد بدأ
بالفعل يخطط مع العناصر الرجعية لتطويق أماني الشعب، لولا إطاحة الجيش به، وتسلم
رجال الاتحاد والترقي الحكم.
ومن ناحية
انعكاس هذه التأثيرات على الحياة الأدبية، يكاد يجمع الباحثون([14])
الذين تعرضوا للشعر السياسي في هذه المنطقة ـ بلاد الشام بما فيها شرق الاردن –
حتى ما قبل عام 1908، على أنه اتخذ اتجاهات ثلاثة، سنعرض لها سريعاً كتوطئة لدراسة
الشعر السياسي عند عرار:
1- الاتجاه
الرسمي- العثماني، حيث كانت بلاد الشام عند إعلان دستور عام 1908 تشكل منطقة واحدة
خاضعة للحكم العثماني، يعين عليها ولاة لادارة شؤونها، لذا يقصد بالاتجاه الرسمي-
العثماني، تلك القصائد السياسية التي كانت تلبس ثوب المجاملة والتزلف لرجال السلطة
والنفاق لهم، وكذلك القصائد التي كانت تنبعث من الايمان بالجامعة العثمانية وضرورة
بقائها والمحافظة عليها. ولقد وجد في هذا التيار هاتان النزعتان المتناقضتان، فمن
الشعراء من كان يسير في فلك الدائرة العثمانية ليس حباً في رجالها، ولكن جرياً
وراء المصالح الشخصية، ومنهم من كان يرى في الجامعة العثمانية خير حافظ لعظمة
الشرق والاسلام عن إيمان وقناعة.
2-
الاتجاه المعارض، حيث كان يقف شعراء آخرون على النقيض
تماما، فلم يسكتوا على المظالم العثمانية، وبخاصة في العهد الحميدي الذي تميز
بالاستبداد، وسوء الادارة وإهمالها... وغير ذلك مما جعلهم يقفون في وجه الحاكم
معلنين سخطهم واحتجاجهم([15]).
3-
الاتجاه العربي الشامل، ولقد كان هذا التيار نتيجة
الاحساس الواعي لدى شعراء الشام بأن ما تعانيه بلادهم من اضطهاد واستبداد، يشمل كل
البلاد العربية، التي تحكمها إدارة عثمانية واحدة. لذا بدأت قصائدهم تأخذ صفة
الشمول، وتخاطب الامة العربية كلها، دون قصرها عن بلاد الشام. ومن القصائد التي
اشتهرت في هذا المجال، ونالت حظا وافرا من الانتشار، قصيدة الشيخ ابراهيم اليازجي
التي يقول فيها:
تنبهوا
واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
فيم التعلل
بالآمال تخدعكم
وأنتم بين راحات القنا سلب
كم تظلمون ولستم
تشتكون وكم
تستغضبون فلا يبدو لكم غضب
ومن تتبع نماذج
تلك التيارات نرى مدى التطور الذي طرأ على الشعر السياسي، إذ أصبحت نظرته شاملة
للمنطقة العربية، وأصبح نداؤه عامل ليعبر عن الظلم الذي يشمل الأمة العربية كلها.
وعند النظر
لتحديد موقف عرار من الاتجاهات التي عبر عنها الشعر السياسي في بلاد الشام نجد أنه
لم يشارك في التعبير عن الموضوعات التي عبر عنها شعراء الشام، وهم يتمثلون
الاتجاهات الشعرية السابقة، وذلك لأن ظهوره في ميدان الحياة كان حوالي عام 1912
تقريبا، وهذه السنة تمثل أول الغيث عنده، وكان لا بد من مرور عدة سنوات كي تنضج
موهبته، ويشارك في الاحداث من حوله، ويتأثر بالظروف التي تحيط ببلاده. إذن فعدم
مشاركته في التعبير عن الاتجاهات الشعرية السابقة، كان بسبب انتهاء بواعثها عندما
برز ناضجا في الحياة الادبية، ومشاركا بالفعل في الحياة السياسية. فعندما بدأ نظم
الشعر الناضج، في عام 1916 تقريبا لم يكن هناك اية علاقة تربط العرب بالاتراك، بعد
إعلان الثورة العربية بقيادة الحسين بن علي. لذا كان لابد أن يبدأ عرار بالتعبير
عن الظروف التي جدت على بلاده، بعد تنكر الحلفاء لوعودهم للحسين بن علي.
ولما كان الشاعر
فردا يعيش في مجتمع، يتأثر به ويؤثر فيه، كان لا بد أن ينخرط في مجتمعه، ليعبر عما
يحيط بالمجتمع من أحداث وظروف، برغم ما ينادي به أصحاب الادب للأدب، ودعاة النظر
الى القيم الذاتية والفنية، فالواقع أن مثل هؤلاء الأدباء الذين يتركون مجتمعاتهم
وما تواجه من أحداث ومشاكل، إنما هم أدباء لم يدركوا دورهم حق الادراك، فلم يوجد
الأدباء عبثا في أية امة، فهم بشر يعيشون وسط مجتمع، ولهم من الأدوار ما لغيرهم،
وبالنسبة لظروف الأمة العربية، خاصة في العصر الحديث، فهي تعيش ((في عصر صراع، ومن
واجب الأديب ان يصارع مع أمته، وأن يكون جزءاً حيويا في هذا الصراع بل جزءاً
متداخلا فيه، يستمد منه بواعثه وأفكاره ومبادئه... اما أن ينفصل عنه مؤثرا أن يعيش
لنفسه وفرديته المحضة فإنه يتخلى عن مسؤوليته إزاء مجتمعه الذي يعيش فيه والذي
يستمد منه حياته))([16])،
وعند دراسة موضوعات شعر (عرار) السياسي، سنراه يتمثل هذا الرأي تماما، فهو شاعر
يندمج اندماجا إيجابيا في مجتمعه، يؤثر فيه، ويتأثر به، قبل من أجله عدم الاستقرار
والنفي والسجن، مؤكداً التزامه الكامل بشؤون مجتمعه وشجونه، ويبدو ذلك جليا من
استعراض موضوعات شعره السياسي التالي:
1- نقد
الاوضاع السياسية القائمة
من بين
الموضوعات السياسية التي أولاها عرار كامل اهتمامه، نقد الاوضاع السياسية القائمة
في بلاده آنذاك، خاصة بعد إعلان قيام إمارة شرق الاردن، وتسلم الأمير عبدالله زمام
الأمور فيها، ولقد أمل عرار ـ وأمثاله من الغيورين المخلصين ـ من حكومة الأمير
عبدالله أن تقود البلاد ـ فعلاً ـ نحو الاستقلال الكامل، لذا وفد الكثيرون الى
البلاد ليتخذوا منها منطلقا لكفاحهم ضد الاستعمار الأجنبي، خاصة بعد تقويض حكومة
الأمير فيصل واخراجه من دمشق. ولكن الذي يبدو أن هؤلاء الوطنيين، رأوا أن ممارسات
الأمير وحكومته تتناقض تماما مع الأهداف التي قدموا من أجلها، وعند هذا الحد انقسم
هؤلاء الاخوان الوافدون الى فريقين: فريق آثر الاستمرار في الاقامة بالبلاد،
خائضاً ضد الحكومة معارك النقد والتجريح، وفريق آخر لم يستطع الاحتمال بعد أن
تكشفت له حقيقة الأمير وحكومته فألفى نفسه مضطرا الى مغادرة البلاد، أما الأمر
بالنسبة لعرار فيختلف عن بقية الشعراء، فهو ليس وافدا على البلاد من الخارج، حتى
يغادروا إن لم تعجبه أمور الحياة، ولكنه ابن البلاد، حاضره ومستقبله متعلقان
بثراها، ليس في وسعه ان يغادرها، لذا لم يكن أمامه الا ان يصمد فوق تراب وطنه
مناضلا من أجل تصحيح الاوضاع الزائفة، غير عابىء بالنفي والاعتقال، بالسجن والطرد
من وظيفته، مصدر رزقه الوحيد.
ولقد كان من بين
القضايا التي أثارتها الطبقة المتوسطة، وهي تقود حركة كفاح الشعب، اعتماد الحكومة
في شرق الاردن على كثير من الوافدين على البلاد، وتعيينهم في مناصب حساسة، وأثاروا
هذه القضية بشكل إقليمي محض، متناسين أن هؤلاء الوافدين عرب مثلهم، يتحملون نفس
المسئولية إزاء الأردن وشعبه، خاصة في الوقت الذي لم تكن الحدود الاقليمية قد رسخت
بالشكل الحالي. ولقد غالى عرار في تبنيه لهذه القضية، ورفع لها شعار (الأردن
للأردنيين)، واتهم من معاصريه بالاقليمية الشديدية، لشدة تركيزه على هذا الشعار،
الذي كان يبدو عنده بمظهر الحرص والغيرة على مصالح الوطن ومقدراته. ومن الجائز ان
يكون عرار قد لمس من بعض هؤلاء الوافدين عدم المبالاة والتفريط في حقوق الاردن،
إلا أن ذلك لا يغفر له مطلقا تبنيه القوي لشعار (الأردن للأردنيين)، فهي وان كانت
اقليمية مبررة من ناحية، إلا أنها من الناحية الاخرى تبين ضيق أفقه القومي، وإلا
لأحس فعلا بأن كل عربي في الاردن تهمه مصلحة البلاد ومستقبلها، أما المتسلطون
واللامبالون والمفرطون في حقوق الشعب، فكانوا من الوافدين وأبناء شرق الاردن على
حد سواء، وهذا ما يدين تزمته الشديد، وتطرفه في هذه القضية.
لقد كانت نقمته
شديدة على هذه الفئات فهو يقول([17]).
لله قومي كيف
عكر صفوفهم
طيش الشيوخ وخفة الشبان
وتسول المتزعمين
حقوقهم
من زمرة ((ألاذان))([18])
والغلمان))
وتظاهر
المتصدرين لبيعهم
- لاعن تقى – بحماية الاديان
إن نقمته عليهم
لم تكن عارضة عفوية، إنما كانت عن اقتناع تام بأنهم يسرقون حقوق الشعب، ويضربون
عرض الحائط بمصالحه ومستقبله، وكل همهم أن يبقى الشعب محتاجا ذليلا، لا يرفع الرأس
مطالبا بحقوقه:
هب الهوا وشجاك
ان نسيمه
في ضفة الأردن ريح سموم
وأنا وأنت أذل
من وتد ومن
عير
باسطبل الهوان مقيم([19])
والشعب أضيع
عندهم من سائل
قذر يمد ذراعه للئيم
والمرهقوه على
حساب شقائه
بمناعة من بؤسه ونعيم([20])
شدد عرار حملته في هذا الجانب على
الفئات النافقة، الباحثة عن مصالحها الشخصية، وبالتالي فان وفاءها مؤقت مصلحي، لن
يدوم، ولن ينفع الوطن، ولن يتقدم به خطوة واحدة. وعندما رثى الملك حسين بن علي _
قائد الثورة العربية _ تعرض لهذه الفئة، فقال([21]):
أرأيت كيف العرش حف بربه، المترزقون
فاتته معرفة الامين فضل معرفة
الخؤون
حتى إذا صح الصحيح ومحص الذهب
القيون([22])
وأماط عصف الحادثات هزال من ظن
السمين
هب الذين عليه أمس تكأكأوا يفرنقعون
فأتاك أن وفاءهم لخلا نضارك لن يكون([23])
ولقد كونت له هذه الفئات، أحد أسباب
الهرب إلى مجتمع النور، حيث لا نفاق ولا دجل، لا زيف ولا افتراء:
هيا لنسري عند من لم يعرفوا طعم الخصام
ودع السياسة للألى قد أتقنوا صف
الكلام
لبسوا الحرير وشعبنا يا
هبر لا يجد ((المضام))([24])
نقضوا العهود فلا عهود ولا وفاء ولا ذمام
والتزاما بواجبه تجاه الوطن، اندفع
عرار لمهاجمة الحكام الذين يتغاضون عما ترتكبه هذه الفئات في حق البلاد وشعبها،
وهذا الموقف من الشاعر جدير بالتقدير، لأنه كان في عصر ساد فيه النفاق والتزلف
للحكام طعما في هداياهم، والمصالح التي تتحقق عن طريقهم.
يخاطب الملك عبدالله معاتباً
ومعنقا:
عهدي برغدان أحرار إذا نهضوا
لنصرة الحق لم يدم لهم ودج
ما بالهم لا أدال الله دولتهم
لا ينبسون، وان انطقتهم ثبجوا([25])
ولكنه عندما يئس من صلاح الأحوال
على يد الملك وحكومته، تحول عتابه الى هجوم سافر، يعنف الملك تعنبفاً حاداً لا
يحتماه الانسان العادي، فكيف الملك؟ يخاطبه قائلا([26]):
إليكها عن أبي وصفي مجلجلة
أبا طلال وما قولي ببهتان
..............................
...........................
رفعت كل وضيع لا يقام له
الا بسوق الخنا وزن لميزان
وقلت هؤلاء أولاء قومي ينهضون بكم
وحسبكم أنهم
من خير أعواني([27])
هلا رعيت رعاك الله حرمتنا
هلا جزيت تفانينا بإحسان
بمثل هذه الجرأة كان عرار يواجه
الملك عبدالله غير عابىء بالنتائج، فعمد الملك إلى تقريبه للقصر لقتل روحه
الوطنية، فعينه في عام 1938 أمينا ثانيا للقصر الملكي، والا فما مبرر إسناد هذا
المنصب الخطير لشخص يتعرض دوما للقصر، ويفند سياسة الحكومة، ويكشف تخاذل الملك؟.
وكان مما تصدى له الشاعر أيضا، تلك
الاوضاع السياسية النحرفة التي كان يقصد منها تضليل الشعب، تارة تحت اسم (الاصلاح
والتطوير) وأخرى باسم (الاستقلال). لذا فلم تغره الأوضاع التي نتج عنها ما سمي
الاستقلال عام 1923. فلقد اعتبره استقلالاً مزيفا، هشا كورق الكرتون، فندد به
قائلا([28]):
يا هبرلا ((بشرى)) ولا ((حواره))([29])
يطربها عزفك بالقيثاره
يا هبر حسب الأمة الحماره
حكومة براجة بصاره
((فلان))([30])
فيها لولب الوزراه
يا هبر استقلالنا الكرتوني([31])
أخرجني كما ترى عن ديني
فدرت بين الناس كالمجنون
اسألهم عنه فما دلوني
الا على ((قعوار))([32])
والخماره
وبينما كان عرار يشدد من نقده
للأوضاع السياسية القائمة، لم ينس أن يتطلع بنظره نحو المستقبل، ليرى كيف سيكون
إذا ما جاء نتيجة طبيعية للأوضاع القائمة، والتواطؤ الفعلي السائد، وكان يراه
مستقبلا فاجعا، كما أقبل فيما بعد، قال في أبيات وردت في كتاب البدوي الملثم
السابق الذكر([33])،ويبدو
من مضمونها أنها قيلت بعد اعلان وعد بلفور عام 1917:
يا رب إن بلفور انفذ وعده
كم مسلم يبقى وكم نصراني؟
وكيان مسجد قريتي من ذا الذي
يبقي عليه إذا أزيل كياني؟!
وكنيسة العذراء أين مكانها سيكون
إن بعت اليهود مكاني؟!
وهكذا كان عرار عنيفا جريئا في
تصديه لما ساد بلاده من أوضاع خائفة متخاذلة، ملتزما بوطنه وحقوق شعبه.
2- تحية
الرجال المخلصين
عندما شدد عرار في حملته ضد
المتسلطين على مقدرات بلاده، كان من الطبيعي ان يتطلع ببصره الى الفئة المناهضة
للفساد والتسلط، الى الرجال المخلصين الذين وضعوا مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات،
وكما كانت حملته على الفئة الأولى عنيفة شديدة، كان تقديره للفئة الثانية حارا
يملؤه الاعزاز والتقدير. وأول من أشاد بمواقفهم المخلصة، الحسين بن علي، قائد
الثورة العربية ضد الأتراك، قال في تموز-يوليو 1931 يرثي الحسين وهو منفي آنذاك في
العقبة:
لانت قناتك للمنون وقلما
كانت تلين
فعفا الحمى ممن أعز
وغادر الأسد العرين
وبقلب عنوان العروبة والحجا سكن الوتين
صرخ النعي وماكنى والناس غير مصدقين
أمحور الشعب الهضيم
وناشر الحق الدفين
ومقيل عثرة امة
أعيى النهوض بها القرون
الى أن يقول:
أ أصبحت أم أخطأت في مسعاك نهج المحسنين
شأنها لن يعنى بمثلها مؤرخك الرصين
يكفيه انك كنت عف النفس وضاح الجبين
لم تشر اذ بلفور سامك موطناً دنيا
بدين ([34])
ومن هؤلاء الرجال ، الدكتور محمد
صبحي أبو غنيمة ، من الزعماء الوطنيين المعروفين في الأردن ، وكان صديقاً عزيزاً
للشاعر ، وزميله في مراحل الدراسة الأولى ، وعملا معاً في الحقل الوطني ، فكانا
على رأس المعارضة التي وقفت في وجه المعاهدة الانجليزية – الأردنية ، وعندما كان
((أبو غنيمة)) على رأس حركة المعارضة لقي الكثير من الإضطهاد على يد الانجليز
وأذنابهم ، مما اضطره الى الارتحال عن الأردن ، والإقامة في دمشق حيث ظل يواصل
جهاده ضد الانجليز .
وعند عودته الى الأردن زائراً عام
1945 بعد غيبة دامت خمسة عشر عاماً ، اغتنم عرار هذه المناسبة ، ورحب به معبراً عن
تقديره له ، إذ قال في مقطوعة ([35])
:
قالوا كبا جواده وما كبا
قالوا نبا حسامه وما نبا
قالوا خبا سراجه وما خبا
لكنه حر أبي
ان يصفعن ويضربا
فشرقوا
وغربا
واليوم قد
عاد الى
موطنه
فياهلا ([36])
معزازاً
مبجلاً
يا مرحبا يا مرحبا
ومن هذه الحرارة التي يتكلم بها
عرار عن الرجال المخلصين ، الذين خدموا المصلحة العامة للوطن والمواطن ، يبدو لنا
أن هذا محور أصيل عنده ، إذ أنه في حياته الخاصة والعامة كان لا يرحم المخادعين
المنافقين ، فما بالك إذا أصبح الأمر يتعلق بالوطن اذي أحبه ، وهام به هياماً
شديداً . وهناك رجال آخرون أشاد ببطولتهم وتفانيهم في خدمة الشعب والوطن .
3- الحملة على الأيدي الأجنبية
كانتمهمة المعتمدين البريطانيين في
شرق الأردن ، في فترة الانتداب البريطاني ، الحفاظ على ربط شؤون البلاد بعجلة
السياسة البريطانية ،ونتج عن ذلك تدخل هؤلاء المعتمدين في نواحي البلاد المحلية
والخارجية كافة ، وكانوا وراء كل الاضطرابات التي شهدها شرق الأردن ، بل كانوا من
المحرضين على قيام الحكومات المحلية([37])،
فتقاعسوا عن نجدة الحكومة الناشئة
أمام حركات الأهالي ، ونزعات التمرد ، كي تبقى البلاد رهينة سلطاتهم ، وفي خدمتهم
.
ولقد وضع عرار هذه الجماعة نصب
عينيه ، وشن حملة شديدة عليهم وعلى القوانين التي كانوا يسنونها لإذلال الشعب ،
وتقييد حرياته ، يقول ([38])
:
قانون (هوبر)حال بعض جريضه
دون القريض ودون كل بيان ([39])
قومي وقومك ([40])
في الصغار وجهلهم
معنى الحمية ،كفتا ميزان
وأنا وأنت على اختلاف قبيلنا
في عرف (بيك)([41])
وجيشه سيان
فالمعتمدون البريطانيون – على حد
تعبير عرار – لا يفرقون بين المواطنين في شرق الأردن وبين النور ، فكلهم سواء
يخضعون لقانون جائر ، ويرسفون تحت أغلال ظلم قاس . ومن شدة جور الاستعمار
البريطاني ، ورجاله المعتمدين في البلاد ، كان المواطنين يتحسرون على الأيام
الخوالي ، حيث لايد أجنبية تعبث بمقدارتهم ، وتقيد حرياتهم . و(عرار) الذي يعيش في
نفس الظروف ، يقول([42]):
يا أخت رم ([43])وكيف
رم وكيف حال بني عطيه
هل ما تزال هضابهم شماً وديرتهم
عذيه ([44])
سقياً لعهدك والحياة كما نؤلمها
رضيه
وتلاع وادي اليتم ضاحكة وتربتها غنيه
وسفوح شيحان ([45])
الاغن بكل يانعة سخيه
أيام لم يك للفرنجة في ربوعك أسبقيه
ولقد كانت الاعيب الاستعمار في
البلاد قاسية ، ضيقت الخناق على ارزاق الناس وحريتهم ، كي يصلوا نقطة اليأس
القاتلة ، فيعمدوا الى الاقرار بالأمر الواقع. وبرغم أيمان عرار بوطنه وتعلقه
بثراه ، ففي مثل تلك اللحظات اليائسة ، كان يتمنى لو يرحل عن هذا الوطن، ولو إلى
صحراء لا وجود فيها لأجنبي ، يقول ([46]):
موطني الأردن لكني به
((كلما داويت جرحاً سال جرح )) ([47])
وبنفسي رحلة عن أرضه
عله يشفي من الارهاق نزح
كل ما أرجوه لو أن منى
عاثر الجد إذا يرجو تصح
أن أرى لي بيت شعر حوله
من شلايا قومك السرحان سرح
في فلاة ليس لعلج بها
حية تسعى وثعبان يفح
بل يورد عرار ضمن أسباب ادمانه
الخمر ، سوء معاملة المعتمدين الأجانب ، فيذكر صراحة (كوكس) المعتمد البريطاني
فيقول ([48]) :
يا هبر ما في شربنا للكاس بعد
اللتيا والتي من باس
والله لولا ((كوكس )) يا ابن
الناس ما رلاح هذاك العراء الكاسي
كما ترى لأعين النظاره
وبالفعل لقد كان تعنت المعتمدين
الانجليز ، وسوء معاملتهم للمواطنين ، وتصرفهم في شؤون البلاد الداخلية والخارجية
، مما يخرج الانسان عن طوره الطبيعي فيلتمس نسيان الواقع والسلوان عنه بمختلف
الوسائل .
إزاء كل هذه الأوضاع المناقضة
لأماني الشعب ، كان لابد من وقوف كل المتخلصين لمقاومة المستعمر بكل ما يملكون من
وسائل وقدرات ، وكانت الطبقة المتوسطة قد قادت الشعب في معركته باذلة ما في وسعها،
فتارة تنظم المؤتمرات الوطنية ، وأخرى تقدم عرائض الاحتجاج للمعتمدين الانجليز ،
وثالثة تنظيم المظاهرات لإسماع صوت الشعب للقصر والمعتمدين . ولقد كان سلاح عرار
في هذا الميدان صوته الشعري ، الذي رفعه عالياً صاخباً ، محرضاً على الثورة ،
داعياً الى مقاومة الاستعمار ، فلا
بقاء إلا للقوي . وقد عمد في بداية أمره الى تقريع الشعب الأردني ، مما يذكرنا
بطريقة جمال الدين الأفغاني في مصر ، وطريقة عبد الرحمن الكواكبي في الشام،يقول
عرار([49]):
كم صحت فيكم وكم ناديت من ألم فلم تفيقوا لصيحاتي وأناتي
ومرة ثانية يعنف مواطنيه ، عن طريق
تذكيرهم بأشباه الرجال الذين يتحكمون في مصائرهم ، مثيراً بذلك هممهم للنضال ،
ومواجهة الأجنبي :
وقالوا : إنه حجر
فقلنا : إنه حجر
وصفوا دونه
سررا الا
فلتخسأ السرر