الفصل الثاني
سيرته
والده وميلاده
ولد مصطفى وهبي التل في 25 أيار-
مايو 1897([1])، في
مدينة اربد باللواء الشمالي من الأردن، ولعائلته مكانة اجتماعية بين عائلات شرقي
الاردن. وسمي (مصطفى) تيمناً باسم جده، وأضيفت اليه كلمة (وهبي) على الطريقة
السائدة بين العائلات التركية، وهي اضافة اسم الى الاسم الأصلي للمولود. أما والده
(صالح المصطفى اليوسف التل) فقد كان له تأثير واضح فيه، فهو قد تعلم في مدرسة اربد
الإبتدائية ثلاث سنوات، ونال الشهادة الإبتدائية، وحفظ القرآن، وما أن كبر حتى بدأ
يقرض الزجل، ثم سافر الى دمشق والتحق بمدرسة (عنبر) حيث قضى فيها خمس سنوات، ونال
الشهادة الإعدادية وعين معلماً في مدرسة (معان)، وبعد عام نقل معلماً مسؤولاً الى
مدرسة اربد، وفي خلال عمله استحدثت ناحية الكورة (لواء عجلون) فعين مديراً لهذه
الناحية، وانتقل الى (دير أبي سعيد)، وبعد فترة نقل مديراً لناحية الجولان (سورية)
... وغيرها من الوظائف، ثم زاول المحاماة، وعين مستنطقاً لمحكمة اربد الإبتدائية،
فمفوضاً للشرطة في اربد ثم حماة ... وعند وصول الملك عبدالله الى الأردن عام 1922
عين قاضياً لمحكمة صلح جرش، فمدعياً عاماً للسلط؛ فقاضياً لمحكمة صلح مادبا.
وهكذا، فان أول ما يلاحظ على سيرة
والد الشاعر أنه كان كثير التنقل من وظيفة الى اخرى، حتى أن بعض الوظائف لم يمكث
فيها أكثر من شهر واحد، وهذه الملحوظة مهمة، لأنها مع صفات أخرى ستنتقل الى ولده
الشاعر.
أما والدته فهي مريم جابر المجبلان
من مواليد قرية سوم- لواء عجلون- ومن أشهر صفاتها رهافة الحس ومضاء اللسان وشذوذ
الطبع وضيق الصدر، ويضاق الى هذا عنادها المشهور، فكانت حياتها الزوجية نزاعاً
ومشاكسة.([2])
وقد كان لبيئة (عرار)([3])
تأثير واضح فيه من جوانب عدة، امتد الى حياته وأغلب الصفات التي عرف بها، ولا يمكن
إهمال عنصر (الوراثة) وأثره في الأديب، واعماله الأدبية والفنية. ونظرية الناقد
الفرنسي (تين) في هذا المجال معروفة، حيث ارجع كل عمل ادبي أو فني الى عناصر ثلاثة
هي: الزمان والمكان والجنس. أما شاعرنا فقد ورث عن والده الذكاء البالغ الذي عرف
به في كل الميادين التي عمل بها، كذلك امتد اليه عن طريق والده خفة الروح والمرح
اللذان صبغا حياته الخاصة والعامة، الى حد اصبحت حياته وكأنها سلسلة متصلة من
الضحك والهزل، وليس بعيداً أن يكون الحس الشعري قد تأثر فيه بوالده الذي عرف عنه
نظم الزجل. فظهر عند ابنه (عرار) موهبة شعرية ناضجة. وهناك أوجه أخرى خالف فيها
حتمية الوراثة، فلم يرث عن والده الإعتدال في المزج والتفكير، وانما نشأ عصبياً
ثائراً قلقاً لا يعرف الإعتدال ولا يطيق الإستقرار على حال([4]).
ولقد ظهرت بوادر هذا المزاج العصبي المسرف في تطرفه عند (عرار) وهو ما يزال صغيراً
يتلقى العلم في مدرسة عنبر بدمشق([5])،
إذ حدث أن أضرب طلاب المدرسة مطالبين بتحقيق الأماني القومية، فحضر الى المدرسة
والي دمشق آنذاك اسماعيل فاضل باشا، ومعه هاشم بك مدير المعارف العام، والشيخ عبد
الجليل الدرة مفتش معارف الولاية، وكان معروفاً بولائه للأتراك، وحاول الشيخ الدرة
تهدئة خواطر الطلبة الثائرين، فوقف فيهم خطيباً، وبعد أن انهى خطبته انفجر فيه
عرار (عرار) صائحاً: " هذا كذاب دجال، وعليكم ألا تأخذوا بأقواله، بل امضوا
قدماً في اضرابكم حتى تلبى الأماني العربية، وليسقط الخطيب وشيعته"([6]).
ونفي (عرار) نتيجة لذلك الى بيروت.
وهذه الحادثة تبين النشأة المبكرة
للمزاج المسرف في عصبيته، وتوضح الطبيعة الثائرة الطبيعة الثائرة القلقة التي لا
تعرف الإعتدال في مختلف شؤون حياته، وهذا خلاف لما تميز وعرف به والده.
وفي حياته جانب آخر اشترك فيه مع
والده على الرغم من أنني لا أظن أن للوراثة فيه تأثيراً معروفاً، فلقد لاحظت قبل
قليل على والد الشاعر أنه كان كثير التنقل من وظيفة الى أخرى، حتى أن بعض الوظائف
لم يمض فيها أكثر من شهر واحد. وهذه الظاهرة تبدو واضحة عند الشاعر، اذ كان قلق
النفس ذا طبع شاذ لا يحصره حد، مستخفاً بالتقاليد والعادات، كما كان قليل الصبر
على العمل المحدد المنظبط، لذلك نراه قد شغل ما يزيد على اثنتين وعشرين وظيفة، في
تلك الفترة القصيرة التي ابتدأ فيها حياته العملية عام 1918([7])،الى
أن توفي عام 1949، لم يمكث في بعضها أكثر من أربعين يوماً، وفي اطوالها ما يقارب
العام والنصف. ويعود عدم استقراره الى نفسه الثائرة من ناحية، وانعكاساً لعدم
الإستقرار واضطراب الأحوال في بلاده، فعدم قناعة الشاعر أو رضاه بالظروف التي كانت
تحيط ببلاده، تنعكس عنده سخطاً وعدم الرضا، ويضاف الى ذلك تعرضه للنفي والاعتقال
والطرد من وظيفته أكثر من مرة بسبب مواقفه المناوئة للحكومة. وثمة ملحوظة أخرى لعب
فيها توجيه الوالد دوراً، وهي أن الشاعر اجتاز المرحلة الإبتدائية من دراسته في
مدرسة اربد الإبتدائية، وهي المدرسة التي اسسها جده، وتعلم فيها والده، وعندما
سافر للخارج توجه الى مدرسة (عنبر) بدمشق، وهي نفس المدرسة التي سبق لوالده أن
تعلم فيها خمس سنوات.
كان (عرار) من حيث ملامح صورته
الخارجية صاحب ( قامة طويلة ووجه طويل اسمر، وفم مزموم دائماً، ويدين وساقين تكاد
تتجرد إلا من العظام وطبقة رقيقة من الجلد، أما راحتاه فيكاد المرء يحسبهما كفتي
ميزان للحلي أو للحرير لصغرهما. وأما الشكل الإجمالي فأقرب ما يكون الى مومياء
متحركة. فلو كانت الأجسام وحدها مقاييس الرجولة والعظمة والإبداع، لما كان مصطفى
وهبي شيئاً ذا قيمة أو أثر في حياته)([8]).
هكذا كانت الصورة العامة ل(عرار) كما رسمها أحد اصدقاءه
الذين عاصروه، ورافقوه فترة من الزمن، ولو عرضنا هذه الصورة على المباحث العلمية
الحديثة، لوجدنا لها صدى عند مدرسة (لومبروزو) العالم الايطالي الذي درس ظواهر
الإجرام والعبقرية والجنون، ورأى " بعد تكرار التجربة والمقارنة، أن للعبقرية
علامات لا تخطئها على صورة من الصور في أحد من أهلها.. وهي علامات تتفق وتتناقض
ولكنها في جميع حالاتها وصورها نمط من اختلاف التركيب ومباينته للوتيرة العامة بين
اصحاب التشابه والمساواة. فيكون العبقري طويلاً بائن الطول، أو قصيراً بين القصر،
ويعمل بيده اليسرى أو يعمل بكلتا اليدين، ويلفت النظر بنزارة شعره أو بغزارة الشعر
على غير المعهود في سائر الناس. ويكثر بين العبقريين من كل طراز جيشان الشعور وفرط
الحس وغرابة الإستجابة للطوارئء، فيكون فيهم من تفرط سورته كما يكون فيهم من يفرط
هدوؤه" .([9])
وعلى الرغم مما في هذا الرأي من غرابة الا ان العقاد يرى ان
استقصاء هذه العلامات والمطابقة بين تفصيلاتها وبين الواقع يظهرانها صادقة في
حالات، مقاربة في حالات، غير أهل للتصديق التام أو النبذ التام. وعند مصطفى وهبي
التل من هذه العلامات التي تضعها مدرسة (لومبروزو) الكثير، إذ كان صاحب قامة طويلة
هزيلة، وكان نحيفاً معروق العظام، وكان عصبياً مسرفاً في عصبيته، وكان ميالاً الى
تطويل شعره الى حد غير معقول، ولما سئل احدى المرات عن سبب تطويله شعره، قال:
تأسياً بالخيام، وتميز بأن كفيه كانتا صغيرتين للغاية بينما انامله طويلة، طولها
لا يتناسب مع صغر كفه، وكان مفرطاً في ناحيتين الى حد الشذوذ، الاولى: افراط في
شرب الخمر الى حد يندر مثيله، وقال فيه: ([10])
اصبحت اشرب كنيانا ويشربني ولست ادري لعمري
أينا سكرا
والثانية: افراطه في قضاء أغلب اوقاته ليلاً ونهاراً بين
خرابيش النور (الغجر)، غير آبه بانتقادات الناس، ولا بلوم المعارف والأصدقاء، خاصة
إذا عرفنا نظرات الشزر وكلمات التقريع التي كان يسمعها من يتوجه الى خرابيش ([11])
(النور). ولكنه رغم ذلك هام بهم، وقضى أغلب لياليه بينهم يسمع طبلهم واغانيهم،
ويصم أذنيه عن كلمات اللائمين، بل دافع عنهم امام المحاكم وقت أن كان محامياً،
وطالب بحقوقهم ومساواتهم بغيرهم من المواطنين.
موطنه
أما موطنه اربد فمن اقدم مدن اللواء الشمالي في شرق الأردن،
ويشكل موقعها اهمية خاصة تتمثل في كونها ملتقى لبعض الطرق التجارية بين بلاد
الشام، (سورية) وشرق الأردن من ناحية، وسورية وفلسطين من ناحية أخرى، لذا رحل
اليها بعض تجار الشام وافتتحوا فيها العديد من المحلات التجارية، ولهذا السبب
يلاحظ فيها ازدحام السكان بالنسبة لباقي مدن شرق الأردن. ومن الناحية التاريخية
فهي مدينة بالغة القدم، إذ يقوم جانب من مبانيها فوق تل اصطناعي كبير، وهذا التل
يضم في جوفه بقايا اربد القديمة التي تعود الى العصر البرونزي الأول حوالي عام
2500 قبل الميلاد. كانت هذه المدينة القديمة محاطه بسور ضخم مبني من حجارة سوداء
كبيرة، وما يزال جانب منه قائماً حتى الآن على الطرف الغربي للتل. ويظن أن اربد هي
"اربيلا" احدى مدن الديكابوليس، وهناك دلائل كثيرة- بقايا أثرية
ومخطوطات- على أن اربد كانت ذات اهمية كبيرة في أيام الرومان والبيزنطيين. ولكن
نمو المدينة السريع محا تلك البقايا حتى لم يبق منها سوى بضعة احجار منحوتة
وكتابات قليلة متفرقة([12]).
إلا أن المظهر العام للمدينة، وعدم وجود آثار ملفتة للانتباه، لايوحي بأنها على
هذا القدر من القدم والتاريخية، وكل ما يوحي بتاريخية المدينة هو ذلك التل القائم
على أطراف المدينة، والذي امتدت اليه مبانيها وبعض منشآتها.
وتتسم اربد واللواء الشمالي عامة، باعتدال المناخ صيفاً
وشتاءً، مما يحبب الإقامة فيها، ولا سيما أنها محاطة بكثير من المزارع والحقول
الخضراء، يخرج اليها المواطنون وقت فراغهم، للترويح عن انفسهم. ولقد كانت مدينة
اربد في عصر الشاعر، أقرب الى القرية في مستواها ومنشآتها ومبانيها، كما سبقت
غيرها في افتتاح المدارس الإبتدائية التي استقطبت طلاب القرى المجاورة.
نشأته ودراسته
في بيت متواضع، هو بيت مصطفى اليوسف التل، جد الشاعر، ولد (عرار)
وكان هذا الجد الذي سمي الطفل الوليد بأسمه أمياً لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن
بعد نظره جعله يسعى من أجل ادخال التعليم الى قريته (اربد)، واستطاع أن يؤسس فيها
مدرسة ابتدائية، دخلها ولده (صالح) والد عرار حيث تعلم فيها ثلاث سنوات، ونال
الشهادة الإبتدائية. كان التعليم المتوافر في البلاد آنذاك لا يتعدى الإبتدائي،
وكان على من يريد أن يكمل تعليمه التوجه الى الخارج، لذا فما أن انهى (عرار)
دراسته الإبتدائية في مسقط رأسه حتى توجه عام 1912 إلى دمشق ليلتحق بمدرسة عنبر،
وهي نفس المدرسة التي امضى والده خمس سنوات.
ولقد وافق وصوله دمشق احتدام الخلاف بين العرب والأتراك؛
فالعرب يطالبون بحقوقهم القومية، وبعض الاتراك يطالبون بتتريك البلاد العربية.
وتجاوباً مع الشعور العام للمواطنين العرب، تظاهر طلاب مدرسة (عنبر)، وحدث أن
تطاول الشاعر على الشيخ عبد الجليل الدرة- مفتش المعارف- ووجه إليه كلمات قاسية،
نفي على أثرها الى المدرسة السلطانية في بيروت، وحدث أن ساهم وهو في السنة الأخيرة
من دراسته في اضراب صاخب قررت إثره السلطات طرده مع مجموعة من زملائه الى مدرسة
تجهيز حلب، لينالوا شهاداتهم الثانوية منها.([13])
وفي هذه المرحلة الدراسية من عمر (عرار) نلاحظ اقتداء الإبن
بأبيه، إذ أنه تعلم في اربد في نفس المدرسة التي سبق لوالده أن درس فيها.
وإثر حادثة فصله من مدرسة دمشق، وطرده مع مجموعة من زملائه
الى حلب في كانون الثاني- يناير 1920، تبادل مع والده الرسائل، ومنها رسالة تكشف
عن جوانب مهمة من شخصيته، لذا آثرنا ايرادها لملاحظة هذه الجوانب، يقول: ([14])"...
ولنأت الى الحاشية الأخيرة من مكتوبكم: "وسترى خلاف ما رأيت إن بقيت على هذه
الاخلاق" ما هي الأخلاق هذه؟ الأخلاق التي إن بقيت عليها! أظنكم تعنون بذلك
طردي.. فبكل سرور وكل أسف أقول لكم ان طردي تحقق، وأحق منه عدم رجوعي للمدرسة،
والآن لا أرى بداً من التفصيل: بعد أن قررت المعارف ارسالنا لحلب ثم ارجاعنا
للمدرسة بشرط ألاّ يقال المدير الجديد، قام الطلاب باعتصام ثان بتشويق أولاد صفي
وهم المطرودون، وكان ذلك بتشويق يد أجنبية على ما أظن ، فعاندت المعارف بارجاعنا
وطردت ستة آخرين ، أما أسفي فلكونكم تتكدرون لطردي ، أما سروري فلكوني طردت ...
والآن أقول لك بأنه يمكنك أن تفخر بكون ابنك من طريدي المدرسة السلطانية بحادثة 1
كانون الثاني –يناير 1920 . وكن اميناً أن ندمي شديد لكوني لم اشترك في تلك الحركة
بكل قواي وكما يجب ... ولنأت الى جملتك الثانية.. (( وستندم ولكن لا ينفعك الندم))
فلماذا سأندم ؟ ألكوني طردت ؟ لا ... فلا ندم إلا المجرم الأثيم، أما انا فلم
اقترف جرماً ... وإن وجداني وقلبي ليشعران براحة ما مثلها راحة لهذا الطرد ، بل
لهذا القصاص الذي اناله لكوني معدوداً في زمرة المدافعين عن الحق)) وبعد ان يذكر
والده بحياة الفاقه والحرمان التي كان يعيشها عند اهله في اربد يقول :... (( من
جهتي أنا فإنني لا احب الرجوع الى عجلون إذا كنا سنعود الى ما كنا عليه من التخطئه
الإحتقار والعيشه المرة ، وأفضل الذهاب الى بيروت وإن كان يعزعلي بيع ديني ووطني
، إلاّ أن الضرورات تبيح المحضورات
، واني واثق من نفسي بأنني سأسعد واكون رجلاً كبيراً في المستقبل مهما عاكستني
الأقدار وعكرت مساعي الأيام)).
ويمكننا ان نلحظ بوضوح – من سطور رسالته هذه التي كتبها في
بواكير شبابه – ان وطنيته التي تفجرت عنده مبكرة ، لم تكن وطنية عاطفية دون تعقل ،
ولكنها وطنية مصدرها الإيمان بقضية شعبه وحقوقه ، يدلنا على ذلك افتخاره بطردة من
المدرسة للأسباب التي ذكرها ، ونلاحظ ايضاً حالة الفقر والحرمان التي كان يعيشها
الشاعر سواء في اربد او في دمشق، وأخيراً احساسه المبكر بأنه سيكون عظيماً مهما
عاكسته الأقدار ، وهذا ما حدث فلقد شهد له جميع من عرفوه بعظمة مواقفه ، وعظمة
نفسه ،وترددت أشعار على ألسنة الشعب في الأردن ، ونالت انتشاراً واسعاً.
حتى السعادة التي تنبأ بها ، قد حققتها على طريقته الخاصة ،
في تلك الأوقات الطويلة التي قضاها يعب كؤوس الخمر ، بين خرابيش النور ، على دقات
طبولهم ، وانغام مزاميرهم .
عرار في معترك الحياة
بعد طرد (عرار) من مدرسة عنبر في دمشق ، وسماح السلطات له
بالسفر الى حلب ، وبعد نيله شهادة الدراسة الثانوية ، عاد الى مسقط رأسه ليبدأ
مرحلة جديدة من حياته ، تميزت بالصخب والعنف والتوتر المستمر . ولقد اعتمد أغلب
الذين كتبوا عن هذه الفترة من حياته على المذكرات والأوراق التي خلفها الشاع في
مكتبتة ، كما اعتمد آخرون على المعلومات التي توافرت لديهم من معرفتهم الشخصية
للشاعر ، وهم القلة من الذين عاصروه ، واتيحت لهم الفرص لمعرفته والعيش معه. ولقد
ثبت لي بعد زيارة أهله ، والتعرف على بقايا محتويات مكتبته، أن أوراقه الخاصه
ومحفوظات مكتبته قد توزعها البدوي
الملثم ومحمود المطلق المحامي ([15])
واعتمدا عليها في تسطير حياته،
الأول في كتابه (عرار شاعر الأردن) ، والثاني في مقدمته لديوان الشاعر ((عشيات
وادي اليابس )) .لذا كان لا مفر من الإعتماد على ما كتبا عن حياته ، مع الإستعانه
ببعض المعلومات التي حصلت عليها من بعض الأشخاص الذين عاصروه ، ورافقوه فترات
مختلفة.
بعد حصول (عرار) على الشهادة الثانوية من حلب ، ومع تجاوز
الخلاف حول بداية حياته العملية، والذي سبق أن فصلت الحديث فيه
حيث كان الخلاف ينحصر في العاملين الأولين من بدء حياته
العملية، نجده في أواخر 1922 يعين معلماً للغة العربية بمدرسة اربد الحكومية، وفي
عام 1923 عين حاكماً ادارياً لبلدية وادي السير ، وشغل هذا المنصب قرابة اربعة شهور
، انتهت بعزلة ونفية الى جدة بأمر صادر من رئيس النظار آنذاك حسن خالد باشا ، بناء على ارادة سامية تقضي
بتسفيرة بأسرع وقت ممكن ، فمكث في سجن معان ومنها ارسل الى العقبة مروراً الى جدة
حيث بقي معتقلاً في سجن الرياض ما يقارب ثمانية اشهر الى أن تم الإفراج عنه . وكان
سبب اعتقاله ونفية معارضته للحكومة ونقدة للأوضاع الشائنة التي كانت تمر بها
البلاد . وكان مع مجموعة من الشباب المثقفين قد حملوا لواء المعارضة بعد تأسيس
امارة شرق الأردن ، رافعين اصواتهم ضد تغلغل الإنتهازيين في جهاز الدولة ،فلفقت
لهم الحكومة التهم مدعية انه وزملائه دبروا الثورة التي قام بها الشيخ سلطان بن
عدوان عام 1923 ، فكانت تلك التهمة الملفقة سبباً في نفيه مع بعض زملائه الى
الرياض.
يتحدث عرار عن هذا النفي الجائر بلهجة يتضح فيها الإحتجاج
والنقمة فيقول: ( ان معاملتي هذه عدا عن انها كانت مخالفه
للقانون والعدل والإنصاف ، فإنها كانت من قبيل البطر لا أقل ولا اكثر ،واظن الله
لم يخلقني لأكون ملهاة للمتلهي من رجال حكومة شرق الأردن بحيث يسوغ لهم نفيي واعتقالي لمجرد رغبتهم في ذلك
دون ان يستطيعوا الحصول على دليل ضدي )).([16])
بالنسبة لحياته، لا يمكن ابداً تسجيل الجانب العام منها
منفصلاً عن جانبها الشخصي الخاص ، فلقد كانت خيوطها متشابكة ، كل واحد يتأثر
بالأخر في كل المراحل ، فمثلاً كانت الفترة القصيرة التي قضاها في حياته العملية
حاكماً ادارياً لبلدة وادي السير ذات تأثير كبير في نفسه وحياته الخاصة ،ففيها
تعرف على الفتاة الشركسية الشقراء الشعر ، وتعرف كذلك على الفتيات اللواتي هام بهن حباً ، وهناك ايضاً
(وادي الشتا) حيث الملهمات اللاتي أبرزهن في شعره، وكن دوماً مصدراً هاماً من
مصادر الهامة، كما سيتضح لنا عند دراسة شعرة.
وفي عام 1925 عين حاكماً ادارياً لبلدتي الشوبك ووادي موسى ،
ومكث في هذه الوظيفة ما يقارب العام ونصف العام حتى طرد من منصبه في العاشر من
تشرين الأول-اكتوبر 1926 ، إبان الإضطرابات التي حدثت في وادي موسى ، وثورة
الأهالي على الحكومة ، وكان (عرار) في حياتة متمرداً على العادات والتقاليد ، وكان
تمردة يصل الى درجة الإنحراف والشذوذ . فمثلاً خلال وجوده في وظيفته هذه، تعرف على
سيدة حسناء جميلة ، هي شوما حرب الدحيات ، وبعد أن خطبها دخل بها ليلة الزفاف ،
وفي اليوم التالي توجه الى قرية(ابو خطوف) للفصل في قضية عشائرية، ومنها بعث الى
السيدة (شوما) بصك الطلاق ،ولم يعد الى الشوبك الا بعد عودتها الى اهلها . عين
الشاعر معلماً في مدينة معان في العشرين من تشرين الثاني – نوفمبر 1926 ، براتب قدرة عشر ليرات في حين كان راتبة
في الشوبك خمسة عشر ليرة ، وكانت هذه المعاملة – كما يقول – بايعاز من المعتمد
البريطاني لكي يحمله على الخضوع ويخرس
لسانة وقلمة الى الأبد.
وكعادته لم يمكث في هذه الوظيفة طويلاً ، اذ اعتقل وطرد من
عمله في كانون الثاني –يناير 1927 . كان ذلك في احدى الليالي حيث توجه مع صديقة
جميل ذياب الى بار (ابي ناصيف) في عمان، وشربا حتى الثمل ، فنشطا في نظم قصائد
لاذعة.... وانتهت تلك الليلة بعزلهما من الوظيفة ، وعادت لجنة التحقيق فقررت نقل
جميل معلماً الى ثانوية الكرك ، أما (عرار) فتم عزله من الوظيفة ، لأسباب ثلاثة
حددتها اللجنة برفع راية البلشفية ، والسكر في حانه عامة ، والتطاول على سمو
الأمير وحكمومتة بقصيدة سياسية . وفرضت علية الإقامة الجبرية في عمان لمدة اربعة
شهور تحت مراقبة الشرطة ، وبعد شهرين رفعت عنه المراقبة ، واخلي سبيلة ، ثم عين في
5 تموز – يوليو 1927 مديراً لمدرسة الحصن الإبتدائية.
وفي عام 1928 عقدت الإتفاقية البريطانة – الأردنية التي
اثارت موجة الصخب والإحتجاج بين صفوف الشعب ، وكان الشاعر لا يزال في وظيفته
مديراً للمدرسة المذكورة .
وفي هذه الظروف وصلة كتاب طرد من وظيفته بسبب اشتراكه في
الإحتجاج وتنظيم المظاهرات ضد المعاهدة ، فقد اعتبرته الحكومة محرضاً لأهالي عجلون
على المظاهرات والإحتجاج ، كما انه قاد الطلبة بعد اطلاق محافظ اربد النار عليهم .
وهنا نلاحظ تطور واضحاً في وطنية عرار ، يبدو من اشتراكه الفعلي في خضم الأحداث
بكل ما يستطيع ، وكأنه قد حقق ما كان قد ندم عليه سابقاً ، من عدم اشتركه في
مظاهرات مدرسة عنبر بكل قواه .
وفي عام 1930 قدم امتحاناً في القوانين والأنظمة المعمول بها
في الأردن ، فاجتاز الفحص بتفوق، ونال شهادة المحاماه ، وكان قد درس القانون دراسة
خاصة معتمداً على نفسه ، فزاول المحاماه في عمان واربد ، دون ان يتفرغ لها كلية ،
ولم يقف طموحه عند هذا الحد وانما تجاوزه الى دراسة فقه القانون، وفي فترة قصيرة
(( ألم بما لم يحط به بعض المتخاذلين ممن درسوا في الجامعات ، وساعده على ذلك
مواهب لا يستطيع احد انكارها)) ([17])
. ثم ترك المحاماه فترة بسيطة بسبب
اعتقاله ونفيه الى العقبة لإتهامه بكتابة مقاولات مناوئة في الصحف المحلية ، حيث
قضى في العقبة اشهراً ليعود في
العام التالي 1931 مدرساً في مدرسة اربد الثانوية . يتذكر صديقه محمود المطلق
المحامي فترة قدوم الشاعر الى مدرسة اربد الثانوية ، وكان المذكور طالباً فيها ،
فيقول ([18]) : ((
في يوم من ايام الخريف عام 1931 ، حينما كنت تلميذاً في مدرسة اربد الثانوية دخل
الى قاعة الدرس شاب طويل نحيف اسمر الوجه مستطيله، اسود العينين حاد النظرات يبدو
في الثلاثين من العمر ، وكان ذلك الشاب هو الشاعر مصطفى وهبي التل رحمه الله ، كان
يبدو بسيط المظهر قليل العناية بهندامه ، بريئاً من التكلف الى اقصى حد ، ولكنه مع
ذلك كان قوي الشخصية عظيم التأثير ، وبالرغم من انه كان يلثغ بالراء ، فقد كان اذا
تكلم ؛يسيطر على سامعيه، ومع انه كان محبباً وقريباً جداً الى النفس فقد كنا
نستشعر نحوه المهابه والإحترام .... كانت شهرة مصطفى في ذلك الوقت قد ملأت اسماع
الناس في الأردن وربما تجاوزت الأردن الى
ما جاوره من الأقطار ، فقد كان مصطفى شاعراً عظيماً ، وسياسياً
خطيراً.....)).
في هذه الفترة بدأ اسمه يلمع ويذكر في كافة المواقف الوطنية
؛ وكانت سمعته قد ملأت اسماع الناس ، وتضافرت عوامل عدة جعلته يبلغ هذه الشهرة
الفائقة .
وكان في شعرة يتحسس آلام الشعب ومصائبه ، اجتماعية أو سياسية
،فانتشر شعره بين المواطنين في شرق الأردن ،بعد ان كان قد زج بنفسه في خضم الأحداث
السياسية ، معارضاً وناقداً، غير مكترث بالسجن والنفي والإعتقال ، وفي الوقت نفسه
كان رجلاً شعبياً ، لا يتعالى على عامة الناس، الأمر الذي اصبح معه رجلاً مشهوراً
، يحبه الشعب ويقدره، تخشاه الحكومة وتحسب له الف حساب . ترك (عرار) مهنته الأخيرة
(معلماً في مدرسة اربد الثانوية) ليلتحق بسلك القضاء رئيساً للكتاب في محكمة اربد
1933 ، وفي خريف العام نفسه عين ((مأمور اجراء )) في عمان . وخلال عمله في هذه
الوظائف الحساسة التي لها احتكاك دائم بطبقات الشعب ، لم يحدث ان آذى انساناً ،بل
كان دوماً ، وهو مأمور إجراء، سنداً لعامة الناس ضد فئة المرابين الذين ظهروا
بكثرة يمتصون ارزاق الناس مستغلين عوزهم وحاجتهم ، وفي اواخر عام 1937 ، عين في
وظيفة مدع عام ، اي وكيل نيابة ، في مدينة السلط . ثم نقل الى وظيفة مساعد النائب
العام في عمان ، وقد راقت له هذه الوظيفة فمكث فيها قرابة العامين والنصف ، وهي
مدة تزيد عن اي مدة قضاها في اي وظيفة اخرى . ولقد اتاحت له فترات اقامته في عمان
فرصة الإحتكاك بالقصر الأموي ، فقامت بينه وبين الأمير عبد الله علاقات وطيدة ،
يسودها المرح والدعابه واحياناً الزجر والغضب ..... وانتهت هذه العلاقة الى تعيينه
اميناً ثانياً للأمير في عام 1938 ويتوجه كما تقوم مذكراته ([19])
الى مصر في مهمه خاصة ، فيقابل مصطفى النحاس ويبلغه رسالة
شفوية من الأمير تتعلق بأمور ملكية خاصة ، كما يقابل اشخاصاً بارزين آخرين ، ويلقي
محاضرة في الجامعه المصرية عند وحدة الوجود .
كانت علاقته مع القصر والأمير لا تكليف فيها ولا روتينات ،
لذلك نجد كلاً منهما غير مستقر الرأي في الآخر ،فالامير مرة يعطف على
(عرار)ويقربه، ومرة اخرى ينفيه ويسجنه، و(عرار) مرة يتقرب الى القصر،وأخرى يشن
عليه اعنف الهجمات، الا ان تقربه الى القصر-كما ارى- المتمثل في قبوله وظائف ملكية
في القصر نفسه، لم يكن الا مداراة، لكشف المزيد من عيوبه وارتباطاته، أما رأيه في
القصر كنظام وسياسة فلم يتغير، من الملحوظات التي تسجل ضده، فإما مهادنة القصر، أو
معارضته، أما قبول الوظائف الملكية، ثم معارضة سياسة القصر فهذا من شأنه ان يطعن
في صدق وطنيته، وبخاصة لدى المواطنين العاديين، الذين من حقهم ان يفهموا أن
معارضته هذه لمجرد التغطية على قبوله العمل مع الملك. ولو كان (عرار) حريصاً على
سمعته الوطنية من كافة جوانبها ، لرفض العمل في القصر.
انتقل (عرار) بعد ذلك إلى منطقة البلقاء، حيث عين في السادس
عشر من تشرين الأول- أكتوبر 1942 متصرفاً- حاكماً ادارياً- في مدينة السلط، فقضى
فيها قرابة اربعة شهور، كان نهايتها عزله وسجنه، حيث مكث في السجن نحو سبعين
يوماً، وبعد خروجه ترك الوظائف الحكومية نهائياً ([20])، وعاد الى المحاماة التي ظل يعمل فيها الى
ان مات. وهكذا كانت حياته من ولادته إلى ان رحل عن هذه الدنيا، حياة غريبة كل
الغرابة، مثيرة من كل جوانبها، قام صاحبها، بدوره في كل ميدان اسند اليه بجدارة
تامة، خاصة في الجانب السياسي، حياة اوجبت على الاصدقاء والخصوم تقديره واحترامه.
كان من بين الاشخاص الذين عرفوا
(عرارا) عن قرب، وعملوا معه طيلة الفترة الأخيرة من حياته محمود المطلق المحامي،
الذي عمل معه في مكتب للمحاماة، افتتحاه في فندق السعادة في عمان ([21]).
ويلاحظ عليه، هذا الصديق، التنقل
الكثير في الوظائف- كما لاحظنا سابقاً- فيقول: "لقد كانت حياة مصطفى سلسلة من
المفاجآت والتقلبات، فمن الوظيفة الى السجن ومنه الى المحاماة ثم الى الوظيفة
ثانية، ومنها الى المحاماة أو الى السجن، وهكذا قضى حياته القصيرة في حركة دائمة
لا تعرف الهدوء أو الاستقرار". وهذه الملاحظة يوافقه عليها كل من عرف الشاعر
ودرسه، ولكنه يكمل ملاحظته بآراء أخرى تثير خلافاً وردوداً لا ترى رأيه، بل تناقضه
وتعارضه، فهو يكمل رأيه في الشاعر فيقول: ([22])
"... كان يتقلب من النعيم الى الشقاء ومن السياسة الى الوظيفة ومن معارض
الامير والحكومة الى مؤيد أو مهادن لهما، وبينما يرى في بحبوحة ولين من العيش،
تراه يهوي الى هاوية الفقر والمتربة، كان هذا شأنه في حياته التي اجتمعت فيها
المتناقضات، يذهب من قصر الامير الى خرابيش النور، ومن حانة (قعوار) الى منزل
الشيخ عبود ... كان متطرفاً في سائر احواله متردداً بين اليمين واليسار، قلبا حولا
لا يطيق اعتدالاً ولا يستقر على شيء ولا يركن الى حال" ([23]).
وهذا الرأي لا يوافق عليه الدكتور ناصر الدين الأسد، فهو يرى أن صديقه المحامي قد
خلط_ في كلامه السابق _ بين هذه الأحداث المتغيرة في ظاهرها وبين حياة الشاعر
الثابتة في جوهرها، إذ يحمل شعره نفسية واحدة وبشكل واضح لا يدع مجالاً للبس
والابهام.
والواقع- كما أرى- أن الشاعر كان
ثابتاً على مبدأ لا يحيد عنه، فلو أنه من المنافقين للقصر، والمتزلفين للحكومة،
لما تعرض للنفي والاعتقال، والطرد المستمر من وظائفه، مصدر رزقه الوحيد. ولأنه كان
صاحب مبدأ، كان يعارض وينقد ويحتج. وبالتالي يتعرض لهذا التقلب الظاهر في شؤون
حياته، بينما هو كشخص صاحب موقف، لا يحيد ولا يتقلب، فرأيه في القصر والحكومة كان
دوماً كما هو، أما تقريب الأمير له، فلم يكن إلا من باب ارضائه ليركن الى نعيم
القصر، فيكف لسانه عن الأمير وحاشيته، ومع ذلك لم يفت هذا الإغراء في عضده، فظل
الطرد والسجن مصيره والمعارضة والوقوف في وجه الأمير وحكومته قدره، وسيبدو ذلك
بوضوح عند دراسة أشعاره السياسية. وقد ادرك (عرار) نفسه هذه الحياة وكنهها، فصورها
بعمق إذ يقول: ([24])
فمن سجن الى منفى
ومن منفى الى غربه
ومن كر الى فر
ومن بلوى الى رهبه
فبي من كل معركة
أثرت عجاجها ندبه
وقبل ان يفارق الوطن، الذي أحب، ترك
وصيته لمحبيه، يقول: ([25])
يا أردنيات إن أوديت مغترباً
فانسجنها بأبي انتن أكفاني
وقلن للصحب واروا بعض أعظمه
في تل اربد أو في سفح شيحان
عسى وعل به يوماً مكحلة
تمر، تتلو عليه أي قرآن
وفي 25 أيار- مايو 1949 همد القلب
الكبير، في المستشفى الحكومي بعمان، لينقل وسط آهات خلانه ودموعهم، الى تل اربد ..
ليبقى قريبا من الندامى، الذين أحبوه، وأمضوا معه فترات سعيدة من حياتهم.
ثقافته وأثرها في شعره وحياته:
عرفنا ان عراراً قد تلقى تعليمه
الإبتدائي في مسقط رأسه (اربد)، ثم سافر الى دمشق ليلتحق بمدرسة عنبر، وقد أمضى
فيها خمس سنوات، حصل في نهايتها على الشهادة الثانوية، كما أوضحنا قبل قليل.
وفي فترة تلقيه العلم والدراسة كانت
اللغة التركية، هي اللغة الرسمية آنذاك، لذا تعلمها واجادها، بل كان بشهادة
اصدقائه ضليعاً فيها، وتدل على ايضاً أوراقه ومخلفاته، ففي الكتاب الذي سبق أن
ذكرت حصولي عليه من بقايا مكتبته، وهو باللغة التركية، والذي كتب فيه اشعاراً أطلق
عليها ديوان (زهور الغاب)، في هذا الديوان يقول عرار:
(( وعربت هذه
الابيات من قصيدة كمال بك المشهور)) :
رأينا الحكم معوج
وأهل الحكم ظلام
فاقسمنا بأنا لن
نكن للظلم
خدام
ولو شئنا لصرنا في
عداد القوم حكام
وزيادة على ذلك فقد تعلم اللغة
الفارسية، وألّم بها الماماً حسناً مكنه أن يقرأ ويتذوق الأدب الفارسي كرباعيات
الخيام، بل يترجمها الى العربية نثراً وشعراً. واحيانا كان يكتب ترجمات شعراء عرب
آخرين على كتاب رباعيات الخيام باللغة التركية، والذي أشرت اليه سابقاً، ومن هذه
الترجمات:
كم حبيب كان الجليس الأنيسا
كلما جئت أو طلبت الكؤوسا
كم حبيب سل الثرى والرموسا
واحد اثر واحد ودعوني
وأسى يلهب الحشى أودعوني
فرغ البيت والمقابر ملأى
وعيوني الملأى تفيض انسكابا([26])
وهناك رباعيات أخرى كثيرة ترجمها
عرار نثراً، وأثارت حولها نقاشاً عنيفاً بينه وبين أدباء آخرين، ولها قصة عرفت في
عصره، وأوردها البدوي الملثم في كتابه([27])،وكان
ذلك في عام 1925 عندما شرع الشاعر امين نخلة في ترجمة الرباعيات، وبدأ ينشرها في مجلة
(مينرفا) لصاحبتها ماريني عطاالله، وعند اطلاع عرار على هذه الترجمة أرسل للمجاة
رأيه فيها، ذكر انه قد استهوته الرباعيات عندما قرأ ترجمة البستاني لها، فبدأ يقرأ
ما كتب حولها في العربية والفارسية والتركية، وهذا ما دفعه الى ترجمة الرباعيات من
لغتها الأصلية، ويرى ان ترجمة البستاني جاءت اقرب للأصل من ترجمة السباعي، وذلك
لأن البستاني لم يعتمد في نقاه على مؤلف واحد، بل قرأ ودرس ما كتب عن الخيام في
اللغات التي يعرفها، بعكس السباعي الذي اعتمد على ترجمة الشاعر الانكليزي (فيتز
جرالد)، فجاءت ترجمته أقرب للأصل الإنجليزي، بينما جاءت ترجمة البستاني اقرب للأصل
الفارسي. كما يرى ان ترجمة امين نخلة ليست في المستوى الذي توهمته المجلة، بل هي
أبعد من الترجمتين السابقتين عن الأصل الفارسي، وأقل احتفاظاً بروح المؤلف. ثم
يورد عرار ترجمة لكل رباعية ترجمها امين نخلة ليقارن بين الشاعر لها وترجمة نخلة،
وقد استمر بنشر هذه الترجمات في (مينرفا) شهرياً حتى بلغ ما ترجمه ونشره قرابة
الثماني والعشرين رباعية([28]).
ولقد استفزه امين نخلة على صفحات المجلة بقوله انه لا يعرف الفارسية، ليتمكن من
توضيح اخطائه بالترجمة، وان ترجمة (عرار) تجعل المرء يتساءل: أيقرأ عربية ام
فارسية، وقد رد عليه (عرار) مؤكداً أن ترجمته اقرب الترجمات المعروفة للأصل
الفارسي، وأحفظها لاسلوب الخيام ومغزاه، وذلك لأنه لا يترجم الرباعية الواحدة الا
بعد أن يدرس كل ما يمكنه درسه من المواضيع الفلسفية والتصوفية التي يرجح أن الخيام
استوحاها معنى رباعياته.
وعند هذا الحد احجم أمين نخلة عن
الرد عليه وعن نشر ترجمته لرباعيات أخرى، واكتفى عرار بما ترجم ونشر منها.
أما معرفته باللغة الفرنسية، فأمر
غير مؤكد بشكل نهائي، وان تحقق ذلك فهو _ كما ارى _ لا يعدو مجرد المام بسيط بها،
فقد ورد في مخطوطته (زهور الغب) قصيدة بعنوان ((بعد المعركة)) كتب انها عن
((فيكتور هوجو))([29])..
وهي ترجمة اقرب الى النظم منها الى الشعر، كما أنه تصرف فيها، مورداً اسماء عربية
في متن القصيدة. وهذه الترجمة هي الشاهد الوحيد الذي عثرت عليه حول صلته باللغة
الفرنسية.
وقد عرف عن (عرار) ولعه بمسائل
اللغة العربية وشواردها، وكان يتعقب ذلك في كتب التراث العربي، وكان يدخل في
مناقشات حامية على صفحات الجرائد والمجلات، مما يدل على اطلاعه الواسع وتمكنه في
هذه الناحية ([30]).
ومن خلال هذا العرض لأوجه معارفه وثقافته، نرى أنها كانت محدودة، انحصرت في مجال
واحد لا يعدو اعجابه بالخيام، مما جعله يتعقب الرباعيات، يقرؤها بالفارسية،
ويترجمها نثراً، وأحياناً أخرى يقارن ترجمتها ليبدي رأيه فيها، أما اطلاعه الفلسفي
فلا يعدو معرفته بأسس المذاهب الفلسفية المشهورة، والتي حاول ان يشتق منها لنفسه
مذهبا معينا في الحياة، ويضاف الى ذلك بعض المعلومات القانونية التي درسها دراسة
ذاتية كي يحصل على اجازة المحاماة، وهذا مع ملاحظة الوضع الثقافي_ الأدبي لبلاده
في الثلاثينات، وهو لن يعود أن يكون انعكاساً لذلك، مع لمحات موهبته وذكائه اللذين
لا بد ان يميزا صاحبهما عن غيره من متعلمي عصره. وهذا ما حدا بزميله وصديق حياته
محمود المطلق المحامي ان يقول([31]):
((... لم يكن مصطفى واسع الثقافة والاطلاع والمعرفة، وانما كانت معارفه بسيطة
وثقافته محدودة، فقد تلقى في صباه تعليماً يعادل الثانوي ان لم يقل عنه، وفي
دراسته هذه تعلم التركية التي كانت اللغة الرسمية، وصار له المام بالفارسية التي
كانت تدرس آنذاك... ولم يحاول فيها أن يوسع ثقافته كثيرا، وأن يطلع على المذاهب
الفكرية الحديثة في العلوم والفنون والآداب، ولهذا كان مستوى ثقافته اقل كثيرا من
مستوى ذكائه الفطري)). ومن يتتبع حياته الخاصة يعرف انها لم تتح له فرص الثقافة
والدراسة والاطلاع، فقد قضى عمره متنقلا بين عشرات الوظائف، وبين الأسفار والسجون،
وقضى جل وقته بين خرابيش النور، فلم تعر حياته الاستقرار المادي والمعنوي، فهام
على وجهه بين النور (الغجر)، فكان اعتماده على ذكائه الفطري اقوى من اعتماده على
الثقافة الواسعة المنظمة، وهذه الوقائع تدل على مدى مبالغة البدوي الملثم عندما
تصدى في كتابه المذكور([32])
للرد على رأي محمود المطلق السابق اذ جعل (عرار) موسوعة ضخمة، يندر ان تتوفر لمثقف
في مثل عصره وظروف بيئته، ونوعية حياته التي اشرنا اليها. فقد ذكر البدوي الملثم
أن عراراً كان متعمقاً في نظريات داروين وسبنسر وتعاليم تولستوي ولينين، واعلام
الفلسفة العربية امثال المعري وابن رشد وابن سينا وابن خلدون والغزالي وابي حيان
التوحيدي، وكان يتبنى فلسفة عميقة الغور نادى بها امثال اقبال وطاغور وغاندي وشور.
ولا يخفى ما في هذا القول من مبالغة
غير علمية، لا تتناسب مع ما كام معروفا عن (عرار)، ولا مع ظروف بيئته، وظروفه
الخاصة.
ويكمل محمود المطلق المحامي رأيه في
ثقافة (عرار) فيقول وهو بصدد الحديث عن ثورته النفسية: (( ولكن ثورة مصطفى كانت ثورة عاطفية عرضة
للتقلبات لأنها لم تكن مبنية على قواعد علمية واصول منطقية صحيحة، فقد كانت تنقصه
المعرفة الصحيحة لعلوم التاريخ والاقتصاد السياسي، وكان لا يعرف شيئا عن قوانين
تطور المجتمع البشري، ولهذا فانه لم يقدم لنا أية حلول نظرية لمشاكل الأردن
السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يكن في وسعه ان يقدم هذه الحلول))([33]).
لكن المتتبع لمراحل حياة الشاعر يرى
ان ثورته على الإستعمار، والأوضاع الذليلة البائسة التي كان يمر بها وطنه، لم تكن
أبداً_ كما يرى المطلق _ ثورة عاطفية عرضة التقلب، بدليل انه لم يهادن القصر
والحكومة، فحتى المعتمدون الإنجليز في البلاد لم يسلموا من ثورته ونقمته، وما سجنه
ونفيه واعتقاله وطرده من وظيفته شبه الدائم إلا الدليل الواضح على انها لم تكن
ثورة عاطفية قابلة للتبدل والتغير، فلو انها كانت كذلك لخمدت بعد أول سجن ونفي،
ولكن استمرارها كان اقوى من كل ما تعرض له الشاعر(34)[34].
كما انه ليس محتماً على كل من يشترك في ثورات التحرر الوطني ان يكون ملماً بقوانين
تطور المجتمع البشري، ولو كان الأمر كذلك ما نجحت ثورة من الثورات، فيكفي الثائر
ان يؤمن بحرية بلاده وبعبء وجود عنصر اجنبي مستغل، يفقده حريته واستقلاله. أما
الجانب الآخر الذي يعيبه المطلق على (عرار)، فليس من مهمته_كشاعر _ أن يقدم الحلول
لمشاكل بلاده السياسية والإجتماعية والاقتصادية، على أنه قد تعرض لها، واشار اليها
الإشارات التي يحتملها فن الشعر([35]).
تلك كانت ثقافة (عرار)، ثقافة
متنوعة، لكنها محدودة، مقيدة بظروف حياته الخاصة، وانعكاساً للمعارف والثقافات
البسيطة التي كانت متوافرة في عصره وظروف بيئته.
مذهبه في الحياة
لقد كفانا عرار عناء البحث عن
فلسفته، او مذهبه في الحياة، ففي أحاديث له ضمنها رسالة سماها (أصدقائي النور)([36]).
افصح عن هذا المذهب، كما يراه ويمارسه في حياته، يقول في هذه الرسالة تحت
عنوان(( فلسفتي)) : " وقد
فاتني أن اخبركم أني رجل طروب، وأني في حياتي الطروبة افلاطوني الطريقة، أبيقوري
المذهب، خيامي المشرب، ديوجيني المسلك، أن لي فلسفة خاصة هي مزيج من هذه المذاهب
الفلسفية الأربعة التي ابتدعتها لنفسي، غير حاسب لأحد غير الله حساباً، وضارباً بكافة
الاعتبارات القشرية التي تواضع عليها الناس عرض الحائط، ليقيني أن معظمهم يضمرون
غير ما يظهرون، وأن لا صلة بين حقيقتهم الراهنة وبين ما عرفهم الناس عليه من
أوضاع: فلله عندي جانب لا أضيعه وللهو مني والصبابة جانب
قلت "الصبابة" ولم أقل
"الخلاعة" لا لأحمل المستمعين على اعتباري من أولياء الله، بل لاقرار
الحقيقة فحسب، فانا طراد هدى يفتنني الجمال اينما كان، فالحسن بنظري هو مصدر كل
خير، والخير عندي هو أصل كل لذة، والجمال واللذائذ كاللالىء لا يقلل من قيمتها
ابداً أن ليس لها من اثر في خلجان البحار ومحيطاتها كالاطنطي والباسفيكي، وأنها
موفورة في خلجان البحار التي (على الهامش! ) والتي لولا الحياء من الامانة العملية
لما تنازل الجغرافيون لاثباتها في خرائطهم! ولذلك ارى أن على الشاعر أن يتحرى
الجمال، وأن يفتتن به لذاته ولجوهره وليس للقشور التي تحف به ولا لما يحيط به من
مظاهر الترف.. مثله في ذلك كمثل الفيلسوف الذي يتحرى الحقيقة لذاتها ويطلب الحكمة
لنفسها، لا لأنها صدرت عن فلان أو قال بها علان".
صاغ (عرار) مذهبه في الحياة، او كما
يسميه فلسفته، من المذهب الفلسفية الأربعة المشهورة، وسنرى كيف حقق ذلك، فهو يقول
أنه (افلاطوني الطريقة)، والمعروف ان فلسفة افلاطون كانت- كما يعتبرها- توفيقاً
بين فلسفات سابقة في نظرية اطلق عليها اسم (المثل). وكان يرى أن هذه المثل لها
وجود عقلي يسبق مشخصاتها المادية، وهذه المثل هي مبدأ المعرفة والوجود، واولها
مثال الخير. وهو يرى ان الخير يجب ان يكون كاملاً وكافياً ومرغوباً فيه من كل
الذين يعرفونه. وأكثر الاشياء في رأيه قربا من هذه الصفات التي يشترطها للخير، هي
صفات الكمال والكفاية والرغبة من الجميع، أكثر هذه الاشياء المعرفة واللذة، فلا
احد يختار احدهما اذا امكنه الحصول على كليهما، ومن حيث افضلية احدهما على الأخرى،
يرى ان اللذة تنشأ عن انتعاش المادة الحية، على أن هناك لذة حية تنشأ عن الرجاء،
واللذات غالباً ما تصحبها الافكار الزائفة وهي نفسها قد تكون زائفة. لذا فهو يرى
ان الخير محال ان يكون لذة او معرفة على حدة لان كلا من هذين ليس كاملاً، فلا بد
ان يكون الخير مزيجاً من افضل ما فيهما، بما في ذلك جميع العلوم واللذات الضرورية
الخالصة. واكثر الجوانب في هذه المزيج قيمة هو الجمال والتناسب والصدق، وكل من هذه
الامور الثلاثة اقرب الى الخير من اللذة، وكان الترتيب النهائي عنده القيم:
التناسب، الجمال، العقل، العلم، اللذة الخالصة ([37]).
كانت ذروة الفلسفة الافلاطونية تتركز حول الوصول بالانسان الى قمة السعادة
والفضيلة عن طريق الخير، مع مراعاة تفضيل المعرفة على اللذة، واللذة يجب ان تكون
من اللذات المترعفة عن اللذات الزائفة التي تصبغها الشوائب.
اما المذهب الابيقوري، فيدور حول
محور (الخير)، فكان يبحث عن الخير الاعظم وسبيل الوصول اليه. ولما كانت الحواس
اساس المعرفة عنده فقد كان يرى ان الخير في اللذة وانها خير على الدوام. فاللذة
عنده غاية، لكنه لا يعني لذائذ المتهتكين ولا اللذات التي قوامها الشهوة الحسية،
انما كان يعني التحرر من ألم البلدان ومما يعكر صفو العقل، فهي تركز على اللذة
الفاضلة، فالحياة السعيدة هي التي تكون حياة على نحو فاضل بالفعل.
أما فلسفة (ديوجين) الكلبي 413-323
ق.م. التي يقول عرار ازاءها أنه (ديوجيني المسلك) فتدور حول الوسيلة التي تحقق
الفضيلة التي عنها وحدها تنتج السعادة. ويرى أن تحقيق هذا النوع من الفضيلة الذي
عن طريقه تتحقق السعادة انما يكون عن طريق بلوغ الاكتفاء الذاتي، الذي يأتي بدوره
عن طريق تحرر الانسان من أي قيد خارجي من قيود الاسرة، او قيود المجتمع، وكذلك
تحرره من اي اختلال داخلي في الرغبات او الانفعالات، محتفظاً لنفسه بسيادته على
تلك المملكة التي لا يمكن لأحد ان يسلبه اياها وهي نفسه، هذا التحرر من القيود
الخارجية، الذي هو عنده الاكتفاء الذاتي، يتطلب حياة شاقة وتمرساً متصلاً من
الناحيتين العقلية والجسمية([38]).
وعلى ما يبدو فان اهتمام (عرار)
بالديوجينية، كام من حيث المسلك كما اشار، لان في حياته الخاصة الكثير مما عرف عن
(الكلبيين) حيث كانوا يشترطون للانضمام الى زمرتهم أن يعدل الشخص عن مباهج الدنيا،
وينزل الى منزلة الطبقة العامة من الناس، مرسلاً شعر رأسه ولحيته. كما كانوا
يطوفون الشوارع في التماس ارزاقهم كالشحاذين المحترفين، وليس لهم من مأوى سوى
المعابد والامكنة العامة، وكان فيهم الكثير من الشذوذ، مثل أن يقف الواحد منهم
عارياً تحت المطر في الشتاء، او في الشمس المحرقة صيفاً([39]).
أما الفلسفة الخيامية، فتحتاج الى
وقفة اطول، لأنها كانت ابعد تأثيراً في حياة عرار وسلوكه، فهو قد اتبع الخيام في
كثير من نواحي حياته، ومظهره كما تخيله. كانت فلسفة الخيام تعتمد على وجود قدرة
قاهرة فوق البشر وهي (القدرة الكلية)، فهو مؤمن بوجود صمداني سرمدي هو الله. وكان
يرى ان الكائنات سيل يستمر من الأزل الى آخر الأبد، والانسان في هذا السيل يمضي
وهو جاهل، لا يدري من اين اتى ولا
اين يذهب. كما يرى الخيام ان العناصر في تفكيك وتركيب دائمين، فالانسان يموت وتودع
جثته في التراب فتنحل وتتبعثر، وقد يدخل بعضها في عفصة سروة او زهرة خبيزة. وعنده
ان العالم يبقى يسير على هذا الاساس من الانحلال والتركيب دون انقطاع وتوقف، واذا
تبعثرت عناصر معينة، اصبح من المستحيل ان تعود مؤلفة الجسم الأول. لذلك فان الخيام
ينعي على الموت، وهو شديد الألم لأن احداً ممن ماتوا لم يعد ليعرفنا بأحوال الذين
رحلوا وغابوا، ويعتقد ان الانسان لن يعود الى هذه الدنيا، ومن هنا قادته هذه
النظرة الى التشاؤم. اهذا خطط فلسفته العلمية على اساس تحقيق الحد الاقصى من
السعادة والشهوة واللذة.
فما دام امر الدنيا كما صوره سابقاً
فعلام اضاعة العمر في النوم وعدم انتهاز الفرص، لذا فعلى المرء ان يستغل كل دقيقة
من حياته في منادمة الكأس واحضان الحبيب، وعندما يتراءى له الحرمان من الخمر بعد
الموت، نراه يطلب ان يغسل بها ويصنع نعشه من كرمها، حتى اذا تحلل جسمه تمنى لو
تصنع منه الدنان والاقداح. من الناحية النظرية كانت فلسفته محورها الاساسي الايمان
بوجود قوة خفية تسير الانسان وتهيمن عليه تاركة له فرصة الاختيار، ومن ناحيتها العلمية
ترتكز على إدمان شرب الخمر، وتحقيق اللذات، فالخمر وحدها تحقق له سمو الروح،
والسعادة لا يحصلها الا في مجالس الشراب مع الندامى([40]).
تلك هي المذاهب الفلسفية الاربعة
التي يقرر عرار انه كان يستوحيها في حياته وفلسفته، ولو نظرنا الى هذه المذاهب
نظرة مقارنة لوجدناها قريبة من بعضها، وتلتقي في اكثر من نقطة، وربما كان ذلك هو
سبب اعجاب عرار بها وتركيزه عليها مجتمعة. فعند النظر في نقطة التقاء هذه المذاهب،
نجد ان الفلسفة الافلاطونية تدور حول الخير واجدة اياه في المعرفة واللذة، او ان
الخير مزيج من افضل مافي المعرفة واللذة من صفات، وكان افلاطون يركز على ضرورة
تحصيل اللذات الصحيحة لا الزائفة المليئة بالشوائب. كما ان فلسفة ابيقور تدور كذلك
حول محور الخير واجدة اياه في اللذة الفاضلة لا المتهتكة، واللذة مصدرها السعادة،
والابيقورية بذلك لا تختلف كثيراً عن فلسفة افلاطون فالفلسفتان تجمعهما دائرة
واحدة هي دائرة الخير واللذة. وان اختلفت فلسفة الخيام مع هاتين الفلسفتين في بعض
الجوانب، فهي عند التطبيق تلتقي معهما، فالخيام يركز على ادمان شرب الخمر
والملذات، وكذلك فلسفة ديوجين، تلتقي مع الفلسفات السابقة، ولو من بعيد، فديوجين
يركز على الفضيلة، والفلسفات السابقة ترتكز على الخير، ولا فرق بين هذا وتلك.
وديوجين كان يرى ان تحقيق الفضيلة يأتي عن طريق الاكتفاء الذاتي الذي يستتبع
المشقة ليتحرر من القيود الخارجية ويستأصل رغباته الجسمانية، وهي في هذه النقطة
الأخيرة تلتقي مع فلسفة افلاطون وابيقور، فينما ركز الأخيران على اللذة الفاضلة
الخالصة من الشوائب، نجد ديوجين يركز على التخلص من الرغبات الجسمانية، وهو في
الأمر لا يعدو التخلص من الرغبات البعيدة عن دائرة الخير والفضيلة، فهو يلتقي
معها_ ولو من بعيد_ ضمن دائرة الفضيلة، واللذة الفاضلة غير الزائفة.
وعند النظر فيما قاله (عرار) عن
نفسه، نجد انه كان يتصرف في حياته متمثلاً خلاصة المذاهب السابقة كما فهمها،
وتراءت له مجتمعة.
فهو يقول: " الحسن في نظري
مصدر كل خير، والخير اصل كل لذة".
فهو يلتقي هنا مع الفلسفات السابقة
في ان الخير اصل اللذة. كما انه يلتقي مع الخيام التقاء كاملاً في فلسفة الشراب
والسعادة، التي تتحقق في مجالس الشراب مع الخلان و والندامى، كما كانت حياته
تطبيقاً لهذه الفلسفة التي اختطها مزيجاً من الفلسفات السابقة. فلقد كان
(عرار)_لتأثره بالافلاطونية_ مغرماً بالجمال، وطالما تغنى بجمال الشركسيات، وفتيات
وادي السير، وفاتنات وادي اليابس. ومن شدة هيامه بفاتنات وادي اليابس، اهدى لهن
ديوانه وسماه باسمهن "عشيات وادي اليابس".
يا أخت واد قد دعوتك باسمه
وله نسبت – تبركاً- ديواني([41])
وكان (عرار) يتغنى بالجمال اينما
وجده، وانعكاس غناؤه_ احياناً_ غزلاً رفيعاً بكل حسن وجمال رآه. ولكن عرار يلتقي
مع "ابيقور" اكثر في بحثه عن الخير الذي كان يجده في اللذة الفاضلة غير
المتهتكة. فلقد قضى جل عمره يعيش بين طائفة "النور" للذة البريئة التي
كانت تسمو بروحه، ممثلة في اغانيهم وموسيقاهم التي تبعث في نفسه الشجى، وتغرقه في
الأحزان، التي هي احزان واقعة وشعبه، يقول: ([42]).
ياأخت سلمى ([43])
في غناك عذوبة
تبكي ويغرق دمعها احزاني
ما شمت ومض اليأس في نبرتها
الا استبنت بشجوها الحاني
ويشدد (عرار) على انه يرتاد مضارب
النور، ينشد اللذة الفاضلة البعيدة عن اللذات الفاحشة، التي اشتهر بها مرتادو
مضاربهم. يقول في رسالة بعثها الى نجلة (وصفي)([44]):
تذكر اني اذهب لعند النور لسماع الموسيقى كشاعر، فحسبك ان تتصور اني كنت في ترددي
على مضارب النور شريفاً، واني كنت أرفع من أن يخامرني أي خاطر خاطىء، لم يستطع احد
ان يعيب على مسلكي ذلك، أو أن يعيرني بترددي على مضارب النور، بل كان الناس يرقبون
قصائدي عن النور بلهفة وشوق، ويتدارسونها ويحفظونها، ولو ان غيري ذهب لعند النور،
لقامت عليه قيامة الناس، ولإعتبروه من فاسدي الأخلاق، وذلك لأنه ليس كل انسان مثلي
يترفع عن الدنايا الاخلاقية، ويكبح جماعة نفسه في بؤرات المفاسد فوجه رجولتي انما
كان في كوني قد استطعت ان اكون نظيفا وشريفا في بيئة قذرة.
ويلتقي (عرار) اكثر مع الخيام في
فلسفته ضمن دائرة ادمان الخمر وطلب الملذات عن طريقها، ولقد كانت فلسفة الخيام
اكثر الفلسفات قبولاً عنده، وتأثيراً في نفسه وحياته. وعند دراسة اشعاره سنرى ان
فلسفة الخيام، ضمن دائرة الخمر، سيطرت على روحه ومسلكه في الحياة، فمنشدة تأثير
الخمر عليه، ما عاد يفرق هل هو الذي سكر عند الشرب ام هي:
صبحت اشرب كنياكا ويشربني
ولست
ادري لعمري أينا سكرا([45])
كان الخيام عندما يتمنى الأشياء
التي تحقق لذاته، ويراها محققة لسعادته، لا يتمنى جملة كثيرة معقدة من الاشياء
التي ألف الناس ان يروها اركان السعادة وشروطها زلكنه يقول:
ان نلت من حنطة رغيفا وكوز خمر وفخذ شاه
وكان إلفي معي بقفر فقت
بذا عيشة الولاه([46])
وما كان يتمناه (عرار) لا يختلف عن
ذلك كثيراً:
بالجميل اللذيذ لا تهجريني او تدرين ما
الجميل اللذيذ
ضجعة في الصفا وقد رقد الناس وعود وقينة ونبيذ([47])
وبماذا اوصى الخيام ان يفعل به
الصحب اذا مات:
اجعلوا قوتي الطلا واحيلوا كهرباء
الخدود للياقوت
واذا مت فاجعلوا الراح غسلي ومن الكرم فاصنعوا تابوتي([48])
ونفس الوصية، كانت وصية عرار لخلانه
قبا مماته، وهذا الاتفاق والتأثر يدل على مدى سيطرة الخيام وفلسفته عليه، فهو يقول
لخلانه:
أنا إن مت فاغسلوني بخمر ان ماء الكروم تحيي عظامي
حنطوني بتربها ثم رشوا كفني
من رحيقها المختوم
وادفنوني في حانة عند دن
بيننا مسكرالدنان مقيم
([49])
من كل ما سبق نرى ان عراراً لم يكن صاحب فلسفة خاصة به، انما هو مجرد
تأثير بفلسفات سابقة، بلغ تأثره بها حداً كبيراً، جعله يشتق منها مذهباً خاصاً،
يقتدي به في حياته، فهو لم يقرر شيئاً جديداً بعد سابقيه، انما اقتدى بآرائهم
الفلسفية، وتأثر بمناحي حياتهم، ومارسها.
عرار والنور
أ- اصل النور
ارتبط اسم شاعرنا (عرار) ارتباطاً
وثيقاً ب(النور)، يضاف ذلك شغفه بسلوكهم، وهيامه بتقاليدهم، وقضاؤه جل وقته بينهم،
مما حدا بنا الى التعريف بهم، قبل الحديث عن علاقة شاعرنا بهم، وأوجب بدوره، البحث
عن الشعراء الاخرين الذين كانت لهم علاقة قريبة أو بعيدة، مباشرة وغير مباشرة
بعالم النور الغريب العجيب.
على الرغم من عالمية المجتمع
النوري، وتواجده في كل الامصار، الا ان الباحثين وعلماء الاجتماع لم يختلفوا في
تحديد اصل طائفة بشرية اختلافهم في تحديد دقيق لأصل (النور) كمجتمع بشري، ولهذا
علاقة فيما يجتمع عليه كافة الباحثين من تهرب (النور) الواضح من الحديث عن اصلهم
الأول، فالنوري، صغير أو كبيرا يحدثك في اي موضوع، الا التطرق القريب او البعيد
الى اصله. ولقد كان ظهورهم الاول في أوروبا في مناطق مختلفة وفي فترات متقاربة
زمنياً، وقد اشاعوا اثناء ذلك الكثير من الروايات الخيالية والعاطفية حولهم. فلقد
ظهروا في عام 1417 في المانيا مرتدين ملابس بالية، حاملين معهم خطابات من
الامبراطور سيجسموند يرخص لهم فيها بالمرور في المدن والمقاطعات الالمانية. وكان
لما اشاعوه حول انفسهم انهم نزحوا من مصر اذ حكم عليهم بالنفي سبع سنوات تكفيراً
عما ارتكبه أسلافهم برفضهم قبول العذراء مريم وولدها عيسى عليه السلام عندما هاجرا
من مصر([50]). وانهم
ارتدوا حينا عن المسيحية الى الوثنية , على رواية بعضهم , والى الاسلام على رواية اخرين , فلما تابوا وعادو الى
المسيحية , رحلو الى البابا في روما يستغفرونه عن خطاياهم , فحكم عليهم بالترحال
المستمر سبعة سنوات , وبعد انقضاء فترة العقوبة , طابت لهم هذه الحياه فظلوا عليها ترحال دائم
وتجوال لاينقطع , وربما كانت
اشارة قدومهم من مصر سبب تسميتهم
لدى الاوروبيين GIPSIES
.
اما في المراجع العربية فقد سموا
(الزط) , قال الفيروز ابادي في القاموس :((الزط بالضم : جيل من الهند معرب جت
بالفتح ...
الواحد زطي )) . وقد أيد هذا التعريف البلاذري في قوله : ((
... اتى الحجاج بخلق من الهند , واصناف ممن بها من الامم , معهم اهلوهم واولادهم
وجواميسهم فاسكنهم باسفل كسكسر .. )) ([51])
, ونفس التسمية ترد عند ابي عبدالله الخوارزمي في كلامه عن طبقات الناس بالهند :
(( الاشراف هم البراهمه وهم العباد , واحدهم برهمي , السودية هم اصحاب الزراعة ,
والبيشية هم الصناع ... الزط هم
حفاظ الطرق وهم جنس من السند يقال لهم جتان )) ([52]).
ولفظته ((جتان)) هذه قريبه من تسميتهم اليوم في اسبانيا , اذ يطلق عليهم ((GITANO)) .
وتسميتهم بالزنط . ترد ايضا عند الطبري
وابي الحسن المسعودي .
ان هذا الاتفاق على كون اصلهم من
الهند ايدته دراسات العلماء اللغويين , ومنهم العالم الالماني جرمان , الذي توصل -
عبر دراساته للغة الغجر ومعارنتها
باللهجات المتداولة في الهند للشبه الكبير بين لغتهم ولغة SURAT المتداولة في شمال غربي الهند.
أما عن تسمية (الزط) فهناك من يرى ([53])
انها مأخوذه من اسم قبيلة ((زوتس )) التي كانت تعيش عند مصب نهر الأندس . وقد حاول
العرب مراراً غزو هذه القبيلة ، ولم يتمكنوا من قهرها الا في ايام حكم الوليد
الأول، الذي اسر عدداً هائلاً منها في عام 710 ودفعهم بالقوة الى حدود نهر ثيجريس
في كردستان . الا ان الظهور الواضح للزط
في الحياة العربية كان في ايام الخليفة المأمون العباسي ، بعد ان اتى
الحجاج بهم من الهند . وقد شكلوا خطراً محدقاً على الحياة العادية للمواطنين
والحكومة ، فقطعوا طريق بغداد البصرة ، ومنعوا وصول المؤن الى بغداد من ميناء
البصرة . وظل خطرهم قائماً
الى ان استخلف المعتصم بالله 833 ، فأعد العدة لمحاربتهم ، وتطهير الطرقات
والموانئ منهم ، فأرسل اليهم رجلاً من أهل خرسان يسمى (( عجيف بن عنبسة )) ومعه ما
يلزم من الخيل والعدد ، فقطع عنهم بعض الأنهار ثم التحم معهم في معركة حامية ، قتل
منهم فيها 300 رجل ، واسر 500 آخرون ، وقد ارسل عجيف بن عنبسة الى ديوان المعتصم
بالعديد من رؤوس الأسرى .
وهناك رواية اخرى لهذه الحادثة ،
تقول بأن عجيف بن عنبسة بعد ان قهرهم في عام 834 ، خرجوا اليه بعد ان اعطاهم
الأمان ، فعبأهم في السفن والزوارق ، ودخل بهم بغداد يوم عاشوراء سنة 835 ، وكان
الخليفة المعتصم في سفينته فمر به الزط
وهم ينفخون الأبواق ، وقاموا في السفن عدة ايام الى ان تم نقلهم الى خانقين
،ثم الى الثغر ، الى عين زربة . وعندما استولى الروم على عين زربة في عام 1856
اجتاحوا تجمعات ((الزط)) واخذوهم كأسرى . ومن بعد هذا التاريخ ، بدأ ظهورهم في
الإمبراطورية البيزنطية . ولقد كانت خسائرهم في هذه الواقعه على يد الروم كثيراً
من الضحايا ، ويبدو ذلك من قصيدة شاعرهم ([54])
. التي وجهها لأهل بغداد ، وفيها يقول :
يااهل بغداد موتوا دام غيظكم
شوقاً الى تمر برني وشهريز
نحن الذين ضربانكم مجاهرة
قسراً وسقناكم سوق المعاجيز
لمتشكروا الله نعماه التي سلفت
ولم تحوطوا اياديه بتعزيز
فاستنصروا العبد من ابناء دولتكم
من يازمان ومن بلج ومن توز
ومن شناس وافشين , ومن فرج
المعلمين بديباج وابريز
والابسي كيمخار الصين قد خرطت
اردانه درز برواز الدخاريز
والحاملين الشكى نيطت علائقها
الى مناطق خاص غير محزوز
يفرى ببيض من الهندى علائقها
ينو بهلة في ابناء فيروز
فوارس خليها دهم مودعة
على الخراطيم منها والفراريز
مسخرات لها في الماء اجنحة
كالابنوس اذا استحضرن والشيز
متى تروموا لنا في غمر لجتنا
حذرا نصيدكم صيد المعافيز
واختطافا وازهاقا كما اختطفت
طير الدحال حثاثا بالمناقيز
ليس الجلاد جلاد الزط فاعترفوا
اكل الثريد ولا شرب القواقيز
نحن الذين سقينا الحرب درتها
ونقنقنا مقاساة الكواليز
لنسفعنكم سفعا يذل له
رب السرير ويشجى صاحب
فابكوا على التمر ابكى الله اعينكم