في بداية الحديث عن بيئة الشاعر من جوانبها المختلفة، يحسن
ان نحددها، وهي تلك البقعة التي عاش فيها. ولد مصطفى وهبي التل (عرار) في مدينة
اربد باللواء الشمالي من الاردن عام 1897 وتوفي فيها عام 1949، أي أنه عاصر النصف
الاول من القرن العشرين، لذا فان تعريفنا ببيئته سيكون ضمن هذا الإطار الزمني
المحدد، و بجوانبها المختلفة، سياسية و اجتماعية و ادبية. وقبل التفصيل في هذه
المجالات اود الاشارة الى ترابطها وتفاعلها التامين ، فلا يمكن فصل الجانب السياسي
عن الاجتماعي فصلا محددا، ولا الأخير عن الجانب الادبي، فظواهر المجتمع كلُ واحدُ،
أما ما يلاحظ من تخصيصنا كل زاوية منها بحديث مستقل، فما ذلك إلا لما يفرضه اسلوب
البحث المنهجي من طرق التحليل و التصنيف، أما في متن الموضوع فسنلحظ بوضوح
التاثيرات المتبادلة لهذه الجوانب، وبشكل بين جلي.
1- بيئته السياسية:
في بداية القرن العشرين، أو عند مولد الشاعر عام 1897، كانت
المنطقة التي ولد فيها وهي ما عرف فيما بعد بشرق الاردن جزءا لا ينفصل عن بلاد
الشام التي كانت تشمل سورية ولبنان و فلسطين وشرق الاردن([1])،
وظل شرق الاردن جزءا من بلاد الشام حتى اواخر عام 1918 حيث تم لبريطانيا احتلال
فلسطين، فعمدت إلى تقسيم بلاد الشام الى قسمين، الشمالي ووضع تحت الادارة
الفرنسية، والقسم الجنوبي ووضع تحت الادارة البريطانية، التي قامت بتقسيمه إلى
دولتين: فلسطين وشرق الاردن، وبقيت الاخيرة تحت الانتداب البريطاني إلى أن استقلت في
15 أيار- مايو 1923. لذا نلاحظ أن المنطقة التي ولد وعاش فيها الشاعر وقعت تحت
حكمين: الحكم العثماني- باعتبارها جزءا
من بلاد الشام- من عام 1516 حتى عام 1918، و الانتداب البريطاني من 1918
الى عام 1923 حيث استقلت في شهر أيار- مايو من العام نفسه. ولكن الواجب يدعو أن
نقرر أن هذا الاستقلال كان شكلياً، وذلك لتقيد الأردن التام بالسياسة البريطانية
التي كان ينفذها المعتمدون البريطانيون في البلاد، طبقا للمعاهدة التي عقدت بين
البلدين في 20شباط- فبراير 1928.
بقي الاردن جزءا من بلاد الشام حتى عام 1516 وكان المماليك
يحكمون المنطقة كلها، حيث قامت بالقرب منهم الدولة العثمانية. وفي بداية القرن
السادس عشر الميلادي كانت الدولة العثمانية تشهد عهد نشاط وقوة، بينما كانت
جارتها، دولة المماليك تمر بطور الانحلال والضعف([2]).
وفي عام 1516 تحرك السلطان العثماني سليم بجيوشه نحو دولة المماليك المجاورة
لدولته، والتقى الجيشان في
( مرج دابق) بالقرب من مدينة حلب، حيث انتصر الجيش العثماني، فكان ذلك
إيذانا بدخول البلاد العربية كلها تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية، وكان أول ما
سقط سورية التي كان شرق الاردن- المعني بالدراسة- جزءا منها.
طبيعة حكم الاتراك لشرق الاردن:
لم تبذل الحكومة العثمانية اهتماما جديا بهذه المنطقة، لان
طبيعة الحكم القائم على الاحتلال لم تجعل الحكام يفعلون شيئا يذكر من أجل الارتفاع
بمستوى البلاد، واقرار الامن والنظام، إلا بمقدار ما تستوجبه المصالح الخاصة
للدولة العثمانية في هذه المنطقة، لذا بقي شرق الاردن في بادىء الامر على حال
كبيرة من الفوضى كالتي كان عليها أيام المماليك، وقد جاءت التفاتة الحكومة
العثمانية الى شرق الاردن لكونه طريق الحجاج القادمين من بقية بلاد الشام، فوجدت
نفسها مضطرة في كثير من الاحوال، إلى تأمين سلامة الحجاج، وتوفير ما يلزمهم على
طول الطريق، فبدأت تبني الكثير من القلاع لرعاية الامن، والبرك لخزن المياه كي
توفر للحجاج قسطا من الراحة والامن، وتساعدهم أحيانا بقوى مسلحة لتحميهم من
اعتداءات البدو المقيمين على طريق الحج. ولكي لا ترهق نفسها بمزيد من الاموال
والتكاليف كانت تلجأ إلى عقد الاتفاقات مع شيوخ البلاد، فتدفع لهم مبالغ من المال،
وهم يتعهدون بتوفير الامن والمياه للحجاج.
كان الذي يتحكم في علاقة الدولة العثمانية، بهذه المنطقة،
مصلحة الدولة نفسها، لا مصلحة المواطنين، لذا لم تحاول ان تؤسس جهازا حكوميا له
فاعلية، بل تكتفي بين الحين والحين بأن تسيِّر عند تفاقم الامور حملات عسكرية الى
الجهة التي تحدث فيها الاضطرابات، فتضرب أهلها بلا رحمة ولا هوادة، كي تقوي هيبتها
في نفوس المواطنين.
ولما كان الامن الداخلي دون العناية الكافية كثرت الحروب
والغزوات بين القبائل البدوية وسكان القرى، حتى اضطر كثيرون من أهل القوى إلى دفع
ما كان يسمى (الخاوة )، وهي ضريبة يحصلها البدو على شكل حبوب أو ماشية أو نقود من
أهل القرى الذين يجاورونهم مقابل كف اعتداءاتهم عنهم والسماح لهم بممارسة زراعة
أرضهم. وقد أدى هذا إلى تناقص عدد السكان بسبب الهجرة والحروب، وإلى إهمال الارض
وعدم العناية بها، وانتشار اللصوص وقطاع الطرق([3]). يظهر من ذلك انعدام سيطرة الحكومة
المركزية على جميع نواحي البلاد، وبالتالي عدم ظمان الامن و الاستقرار للجميع، مما
جعل هيبة البدو تقوى، ونفوذهم يزداد، وهو امر اضطر سكان القرى في منطقة عجلون خلال
النصف الثاني من القرن الميلادي الماضي إلى الهجرة خوفا من البدو واعتداءاتهم. وقد
كان من العوامل التي ازداد لها تدهور الاحوال طبيعة الحكم العثماني القائمة على
الاحتلال و الاستغلال، حيث نلاحظ ان المسيرة الاساسية أو الطابع العام هو السيادة
التركية التي تمثل اقطاعيين من الاناضول، وتجار الاستانة بشكل مستبد مطلق همه
استثمار اخصب الاراضي التي كانت بيد الحكام الاتراك... وبهذا نرى أن تركيا لم تكن
في استعمارها الاقطاعي و التجاري الوسط، دولة صناعية رأسمالية كالدول الاوروبية
الصناعية المستعمرة، بل كانت عملية لمختلف الدول العربية، فعرقلت بذلك تطور البلاد
العربية الاقتصادي، وبينها القسم الجنوبي من سورية (أي شرق الاردن)، لانها سيطرت
على حياتها الزراعية، وكانت واسطة بين المنتج الاوروبي و المستهلك العربي([4]).
ومن ثم تأخر تطور شرقي الاردن نتيجة لهذه السياسة، وعاش فترة
طويلة تحت الاحتلال العثماني، ينقصه الامن و الاستقرار، والحكومة التي تهتم بتطوير
حياته السياسية و الاقتصادية. وكانت هذه الاحوال تتغير بنسب مختلفة حسب الحكام
الاتراك الذين يتعاقبون عليه، وتفاوت نزعتهم من بقاء الاحوال على ما هي عليه إلى
الالتفاف نحو التجديد و الاصلاح([5]).
الاردن تحت الحكم البريطاني:
بقيت البلاد العربية تعيش تحت حكم الاتراك إلى أن كانت الحرب
العالمية الاولى 1914-1918، وهنا كان موقف العرب في غاية الدقة، فإما أن يقفوا مع
تركيا ضد الحلفاء وبذلك يكسبون ودها باعتبارها مركز الخلافة الاسلامية، أو أن
يقفوا مع الحلفاء ضد الاتراك لينالو حريتهم و استقلالهم. وبعد مشاورات([6])
بين الشريف حسين بن علي (أمير مكة) و السير مكماهون المعتمد البريطاني في القاهرة،
اتفق على الوقوف بجانب الحلفاء، واعلن الحرب ضد تركيا، مقابل منح الامة العربية
حريتها و استقلالها، بعد الحاق الهزيمة بالاتراك و الالمان وجلائهم. وعلى الرغم من
ان الاتفاق تناسى أجزاء كبيرة من البلاد العربية خصوصا في الجزيرة العربية و
الخليج العربي، الا أن الشريف حسين والزعماء العرب، ظنوا أن هذا الاتفاق ما يضمن
للعرب الحرية والاستقلال، ويخلصهم من ظلم الاتراك، لذا اعلنوا الثورة على الاتراك
في العاشر من حزيران-يونيو 1916 ([7])
وبذلك حددوا مواقعهم من تركيا، واختاروا القوة لاسترجاع حقوقهم.
في الايام القليلة الاولى التي اعقبت العاشر من
حزيران-يونيو، يوم اعلان الثورة، كانت القوات العربية الثائرة قد استولت على اغلب
مواقع الاتراك في الحجاز، وأخذ الامير فيصل يتصل بالقبائل البدوية في شرق الاردن،
وكان اول من لبى دعوته البدوي (عودة بن تايه) شيخ قبيلة الحويطات، وهي اكبر
القبائل التي تنزل في الجزء الجنوبي من شرق الاردن، وتسيطر على الطرق بين العقبة
ومعان ووادي السرحان، وهي الطريق التي يتحم على جيش الثورة ان يسلكها ليحرر بلاد
الشام. وسقطت المواقع التركية واحد تلو الاخر، وما لبثت القوات العربية ان تقدمت
في ايلول-سبتمبر1918 قاصدة دمشق فاحتلتها في الاول من تشرين الاول- أكتوبر 1918،
ثم دخلت حمص وحماة وحلب، ولم يمض شهر حتى حررت سورية كلها من نفوذ العثمانيين.
اعترف الاتراك و الحلفاء على السواء بأهمية الدور الذي قام
به العرب في الحرب، ولكن العرب لم يتمكنوا من جني ثمار ذلك الانتصار لان الحلفاء
كانوا قد خططوا لاقتسام المنطقة العربية بعد انتهاء الحرب، غير عابئين بما قطعوه
على انفسهم من عهود للعرب. وفي عام 1919، وبينما الجميع ينتظرون انعقاد مؤتمر
الصلح في باريس، كان العالم العربي (سورية والعراق وفلسطين) قد اصبح خاضعا للحكم
العسكري، باعتباره مناطق محتلة للعدو. وبناء على ما اتفق عليه الانجليز
والفرنسيون، اعتبر العراق وحدة مستقلة على رأسها مندوب بريطاني، أما سورية
وفلسطين، فلقد أذاع الجنرال اللنبي منشوراً ضَمَّنَهُ التعليمات الخاصة بادارتهما،
وقسمتا تبعا لذلك الى ثلاث مناطق، واطلق عليها "بلاد العدو المحتلة":
المنطقة الجنوبية (فلسطين) وتتولى السلطات الانجليزية ادارتها مباشرة، والمنطقة الشرقية
(سورية الداخلية وشرق الاردن) ويتولى ادارتها العليا الامير فيصل، والمنطقة
الغربية و الساحل السوري كله ويتولى الفرنسيون ادارتها مباشرة.
كان شرق الاردن يتبع الادارة العسكرية العربية التي يرأسها
الامير فيصل في دمشق، وهي ما عرف بالمنطقة الشرقية. وفي بداية الامر قام جعفر باشا
العسكري بادارة المنطقة العسكرية الممتدة من البلقاء شمالا الى تبوك جنوبا، بصفته
القائد العام للقوات العسكرية فيها، كما تولى رشيد الدفعي قيادة الفرقة الثانية،
واتخذ مركز قيادته في عمان، وقد عين القائد عبدالله الدليمي حاكما عسكريا ومتصرفا
للواء الكرك، ثم استعانت الحكومة بزعماء البلاد في ادارة المناطق، وبدأت بتعيين
مشايخ الاهالي مديرين، كل من ناحيته. وقد اتخذ مجلس المديرين في دمشق القرار رقم
(22) بتاريخ 15 ايلول-سبتمبر عام 1919 بشأن إلغاء التشكيلات التركية للمناطق، و
استحدثت تشكيلات جديدة، وقسمت سورية بموجبها الى ثمانية ألوية شملت ثلاثة منها
المناطق التي تكون منها شرق الاردن فيما بعد، وهي ألوية:
الكرك والبلقاء وحوران. وبمقتضى هذه التشكيلات أصبحت الألوية
مرتبطة بادارة الحكم العسكري مباشرة، باسم مدير الداخلية،كما ترك لرؤساء الادارة
في الألوية و الأقضية الجديدة أن يحددوا القرى التي ستتبع كل قضاء، وقد انشأت
الحكومة مجلسا للعشائر، مهمته حل المشاكل العشائرية حسب تقاليدهم.
ظل العرب ينتظرون موعد انعقاد مؤتمر الصلح لكي يحقق لهم
مصالحهم، غير ان فرنسا و انجلترا سبقتا ذلك، حيث اجتمع مندوباهما في سان ريمو،
نيسان-ابريل 1920، ووزعا الانتدابات حسب مصالح دولتيهما، ففرض الانتداب الفرنسي
على سورية ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين وشرقي الاردن والعراق. وقد ساءت
العلاقات العربية الفرنسية بسبب مقررات سان ريمو، وبدأ الجنرال غورو زحفه المعروف
على دمشق، وكانت موقعة ميسلون الشهيرة يوم الرابع والعشرين من تموز-يوليو 1920،
حيث دخل الفرنسيون دمشق، وأنذروا الملك فيصل بضرورة مغادرة البلاد، فغادرها في
الثامن و العشرين من تموز-يوليو 1920 بالقطار إلى درعا ثم إلى حيفا ومنها الى
إيطاليا.
كان المواطنون في شرق الأردن يساهمون في الأحداث التي تمر
بشرق الأردن، وقد وصل بهم الاحتجاج أحيانا إلى غاية العنف، كما فعل سكان لواء
عجلون الذين حملوا السلاح ضد الإنجليز محتجين على ازدياد النفوذ الصهيوني في
فلسطين، وتحمس الشباب الواعي فعقدوا اجتماعا في قرية (قم)([8])
، وقد تقرر فيه الهجوم على الإنجليز واليهود بسبب ما يدبرونه لمستقبل البلاد، وقد
غادرت جموع الآهلين في نيسان-ابريل 1920 على مدن سمخ و بيسان وبعض المستوطنات
اليهودية في المنطقة. وقد نتج عن هذا الهجوم انقطاع سير القطارات بين حيفا ودمشق
وتعطلت جميع المواصلات، وازداد خطر الاهالي، فقطعوا نهر اليرموك متوجهين إلى سمخ،
ونهر الاردن إلى بيسان، مما جعل الإنجليز يحاولون تدارك الوقف قبل استفحاله،
فقاموا بقصف تجمعات الاهالي بالطائرات.
وعندما أقرت حكومة الملك فيصل التجنيد الاجباري في الحادي
والعشرين من كانون الأول-ديسمبر 1919، تنادى المواطنون في شرق الأردن للانخراط في
صفوف الجيش. ومع بداية تحرك الجنرال غورو نحو دمشق، تحمس الموطنون فزحفت قوة كبيرة
من بدو الأردن متوجهين إلى دمشق، وفي الطريق علموا بهزيمة الجيش العربي في ميسلون،
فعادوا إلى قراهم، وهكذا اصبح شرق الأردن في خضم الأحداث، ولم يبق بمعزل عنها، بل
شارك فيها مشاركة فعالة.
وما أن وافى عام 1920، حتى احتل الفرنسيون سورية كلها، وثبت
الانجليز سيطرتهم على فلسطين والعراق، وبدؤوا يعملون لتنفيذ مخططاتهم الخاصة
بالصهيونية في فلسطين. ولم يسكت العرب عن هذه الإجراءات الاستعمارية فنشبت
الاضطرابات والثورات في كل مكان، كان أول هذه الاضطرابات في فلسطين، يوم عيد
الفصح، إذ قام السكان العرب في القدس بهجوم على اليهود كما حدثت في سورية اصطدامات
عارضة في النصف الأول من عام 1920. إلا أن أخطر هذه الثورات كان في العراق في
العام نفسه([9]) ،
ثورة عارمة كلفت بريطانيا خسائر فادحة، ولما رأت بريطانيا أن الامور كادت تفلت من
يدها، بدأت تغير من نظرتها للمنطقة، فدعا ونستون تشرشل وزير المستعمرات إلى مؤتمر
عقد في القاهرة في آذار- مارس 1921 للنظر في وضع المنطقة. وقبل عقد المؤتمر
المذكور، وصل الملك فيصل إلى لندن، بعد أن كان قد غادر دمشق عند دخول الفرنسيين،و
أجرى مباحث مع الحكومة البريطانية انتهت إلى تفاهم يقضي بان تقوم الحكومة
البريطانية بتسليم ادارة العراق إلى حكومة عربية، وتحاول جهدها أن تعين فيصل ملكا
على العراق، ووعدته الحكومة البريطانية أيضا أن تدخل معه في مفاوضات لإِبرام
معاهدة تحالف تحل محل الانتداب.
في هذا الوقت، وبصورة مفاجئة، ظهر الأمير عبدا لله ( الملك
فيما بعد) في معان بشرقي الأردن في 11 تشرين الثاني-نوفمبر 1920 ومعه عدد من رجال
القبائل. ويقول الملك عبد الله نفسه([10])
بصدد قدومه إلى معان من مكة: "... ثم حدثت حوادث الشام وخرقت فرنسا حرمة الحق
والعهد بهجومها على سورية، وبالتسبب في خروج الملك فيصل منها. ثم حدث ما حدث
للوزراء السوريين الموالين لفرنسا في درعا([11])
، وطلب أهل الاخلاص من المشتغلين في القضية العربية في سورية، ارسال من ينوب عن
الملك فيصل من الشخصيات الملكية في البيت الهاشمي... فاستأذنت والدي، وطلبت منه أن
يحملني هذه الحركة شخصيا، فأذن لي وتوجهت من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة
ومنها بالخط الحديدي إلى معان..." وفي 8 كانون الأول-ديسمبر 1920 اصدر الأمير
عبد الله منشوراً مطولاً([12])
يشرح فيه أسباب قدومه، موضحا أنه جاء لمساعدة أهل سورية في الدفاع عن بلادهم، وطرد
الفرنسيين. وإزاء ما راج حول هذا الموضوع من إشاعات وضحت الحكومة البريطانية([13])
موقفها، واستنكرت أي عمل تقوم به أي جماعات ضد الادارة الفرنسية في سورية.
وصل الامير عبد الله عمان في الثاني من آذار-مارس 1921،
فوصلته الدعوة من السير هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين، لزيارة
القدس، ومقابلة تشرشل وزير المستعمرات البريطانية.
وكانت نتيجة مباحثاتهما الاتفاق على أن يرشح فيصل بن الحسين
ملكا للعراق، ويبقى الامير عبد الله في شرق الأردن على تفاهم مع الفرنسيين في
سورية، كما تقرر ان يزور المندوب السامي البريطاني في عمان لوضع الاساس لتشكيل
الادارة في كافة النواحي، ونتج عن هذا الاتفاق ان ظهرت في المنطقة لاول مرة وحدة
ادارية باسم "شرق الاردن" انتزعت من المنطقة المحتلة الشرقية، ووضعت تحت
السيطرة البريطانية.
إعلان استقلال شرق الأردن:
سافر الأمير عبد الله في الثالث من تشرين الأول-أكتوبر عام
1922 إلى لندن يرافقه رضا الركابي، رئيس الحكومة، للتفاوض مع الانجليز بشأن مستقبل
البلاد. وفي لندن تلقى تصريحا باعتراف بريطانيا بقيام حكومة مستقلة في شرق الأردن
برئاسته، بشرط أن توافق عصبة الأمم على ذلك، وأن تكون حكومة شرق الاردن دستورية،
وتمكن بريطانيا من القيام بتعهداتها فيما يتعلق بهذه البلاد وفقا لاتفاق يعقد بين
البلدين.وفي الخامس عشر من أيار- مايو 1923 تم إعلان استقلال شرق الأردن في حفل
رسمي حضره رجال الحكومة، ووفود من فلسطين، كان في مقدمتها المندوب السامي البريطاني،
هربرت صموئيل، والجنرال كلاريتون. واستمرت العلاقة بين الدولتين قائمة على تدخل
المعتمد البريطاني في عمان في كافة شؤون الاردن، اعتمادا على ما تقدمه حكومته من
معونة مالية، ووجود الجيش ونفوذ الخبراء البريطانيين المنتشرين في مختلف دوائر
الحكومة.
بعد مباحث طويلة بين الامير عبد الله والحكومة البريطانية،
حول طبيعة العلاقة ومستقبلها بين الحكومتين، تم في العشرين من شباط- فبراير عام
1928 التوقيع على معاهدة مع بريطانيا، اعترفت بالانتداب، وفرضت سيطرة بريطانيا على
جوانب الحياة في شرق الأردن([14]).
ولقد أثارت نصوص المعاهدة الشعب الاردني، فعقدت الفئات الوطنية مؤتمرا أعلنت فيه
عدم شرعيتها، فناهضت الحكومة ردود الفعل هذه، وأخذت تطارد أعضاء المؤتمر ولجنته
التنفيذية. وقد سنت-بإيعاز من السلطات البريطانية- ما يلزم من قوانين استثنائية
لكبت الحريات العامة، وتشديد قبضتها على الشعب لظمان تطبيق المعاهدة، حسب ما
يرتضيه الإنجليز. وفي هذا المجال قام الشاعر مصطفى وهبي التل- موضوع الدراسة- بدور
بارز، إذ كان من طلائع المعارضة، وقد سجن أكثر من مرة لمعارضته الملك عبد الله،
واشتراكه مع مجموعة أخرى من الشباب والمثقفين في تكوين جمعية سرية هدفها قلب نظام
الحكم، وسجن على أثرها في ايلول- سبتمبر 1923([15])
، وقاد المعارضة في اربد تجاه المعاهدة نفسها، ووقف يخطب في جموع المتظاهرين أمام
دار الحكومة، وأطلق عليهم قائد المنطقة رصاص مسدسه لتظاهرهم ضد المعاهدة الجائرة.
واتهمته الحكومة بتحريض أهالي عجلون أيضا على الإضراب([16])
، فطرد من وظيفته، وكان مديراً لمدرسة الحصن الابتدائية في 15 نيسان- ابريل عام
1928.
وهكذا تمت لبريطانيا السيطرة على نواحي البلاد كلها في شرق
الاردن، وكان الاستقلال الذي أعلن في 15 ايار-مايو 1923 استقلالا شكليا، أو كما
سماه الشاعر "استقلالا كرتونيا"([17]).
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عقد الانجليز مع الامير
عبد الله معاهدة جديدة في آذار- مارس 1946 حاولوا فيها أن يحققوا بعض رغباته،
فاعترفوا بشرق الاردن دولة مستقلة ذات سيادة، ولكنهم ضَمَّنُوا تلك المعاهدة من
النصوص ما يكفل سيطرتهم التامة. وبناء على هذه المعاهدة نادى الامير عبد الله
بنفسه ملكا على شرق الاردن يعيش تحت وطأة هذه المعاهدة حتى ضمت الضفة الغربية من
فلسطين إليه في 24 نيسان-إبريل 1950، فأصبحت المعاهدة تسري على ضفتي النهر،
الشرقية والغربية. وفي 14 كانون الاول- ديسمبر 1955- بعد مقتل الملك عبد الله
بأربع سنوات تقريبا- قُبلت المملكة الاردنية الهاشمية عضوا في هيئة الامم المتحدة.
2- بيئته الاجتماعية:
هبطت البلاد إلى حالة متردية من التأخر، خلال القرون
الأربعة، التي حكمها فيها الأتراك، وعم فيها الجهل والفقر، وحيل بينها وبين
الاتصال بالعالم الخارجي، فعادت إلى الوراء بدلا من أن تنفتح على الحياة العلمية و
الصناعية التي بدأت تعيشها أوروبا. وقد كانت سيطرة الأتراك الفعلية قائمة في المدن
الكبرى. أما الريف وأطراف الصحراء فقد كانت الأمور بأيدي زعماء العشائر البدوية،
ومشايخ القبائل الكبيرة. ولقد كان معظم ولاة الاتراك جهلة لا يهمهم سوى فرض
الضرائب على الأهلين، فكان من أثر سوء ادارتهم، وعدم اهتمامهم بنشر التعليم وتوطيد
الامن، أن تردت البلاد العربية في هوة من الضعف و التخلف.
ولم يلق شرق الاردن، في بداية الأمر، الاهتمام الكامل من
الحكام الأتراك، فكانت نظرتهم إليه قائمة على أنه الطريق الذي يعبره الحجاج
المسلمون القادمون عن طريق الشام، متوجهين إلى الأراضي الحجازية لتأدية فرائض
الحج. ونظرا لعدم توافر القوة المركزية القادرة على حماية الحجاج من سطوة العنصر
البدوي المتزايد، وجدت الدولة العثمانية نفسها ملزمة بعقد اتفاقيات مع زعماء البدو
الضاربين على طريق الحجاج، فتدفع لهم مبالغ من المال مقابل التعهد بعدم الاعتداء
على الحجاج، وتوفير المياه لهم. وكان زعماء البدو يفكرون بالثورة على الحكومة، اذا
ما عمدت إلى قطع رواتب المشايخ([18]).
وفي سنة 1905 دهش "لبي وهوسكنز"([19])
عند زيارتهما للكرك، وذلك ما لاحظناه من تمتع شيوخ القبائل وزعماء البدو بنفوذ
مطلق، على الرغم من وجود حامية تركية كثيرة العدد والعدة، وعرفا أن الحكومة تقدم
للزعماء والشيوخ، في هذه المنطقة، هبة مالية تقرب من ألف ريال فضة شهريا، هي ثمن
ما تتمتع به منطقتهم من دعة وهدوء. وقد أدت هذه الحياة التي تقترب في مسلكها من
النظام الاقطاعي إلى الاستغلال والرشوة و المحسوبية، وبالتالي اصبح هم الوالي أو
الحاكم الاثراء السريع على حساب المواطنين، فنتج عن ذلك مزيد من الاضطرابات و
الفوضى، و التمرد المسلح على الحكومة في أكثر من ناحية.
جدت على البلاد عوامل مختلفة، ساعدت على تطوير البيئة
الاجتماعية، منها هجرة الشركس إلى شرق الأردن بعد فتح الروس لبلاد القفقاس عام
1859، وإنشاء خط سكة حديد الحجاز الذي وصل القسطنطينية بالمدينة المنورة. وقد كانت
مساهمة هذا المشروع فعالة في تطوير العلاقات الاجتماعية في الثورة العربية، التي
نتج عنها احتكاكهم بالقوات العسكرية المشاركة في الحرب ضد الاتراك، والتي تضم
خليطا من البشر، من المشرق العربي والشمال العربي الافريقي، وكذلك من الانجليز
والفرنسيين.
وقد كانت هزيمة الاتراك على يد العرب إيذانا بتبلور الطبقة
المتوسطة وقيامها في المجتمع الاردني، وان تستمر في تحقيق المطامح العربية في
الاستقلال. وأصبح شيوخ البدو، وزعماء القبائل ورجال المدن معنيين بايصال البلاد
إلى كامل استقلالها، ولاسيما ان بعض رجال هذه الطبقة من اهل المدن الذين نالو قسطا
من التعليم و المال، على الرغم من انها ظهرت في ظروف اقتصادية صعبة، كانت تمر بها
البلاد، لذلك لم يكن حالهم ميسورا، كما هو حال الطبقات المتوسطة في بعض المجتمعات
الاخرى. ولقد تميزت الفترة التي تلت دخول القوات الفرنسية دمشق بازدياد نشاط
المعتمدين البريطانيين، وبقيام الحكومات المحلية في البلاد بسبب انعدام الحكومات
المركزية التي تفرض سيطرتها على عموم البلاد. ويصف خير الدين الزركلي مدينة (عمان)
في تلك الفترة وصفا يعطينا فكرة عن حالة البلاد آنذاك، فيقول([20]):
"... لم تكن عمان في ذلك الوقت أكثر من قرية، قليلة السكان، ضئيلة المباني،
مظلمة السبل، لا يصل بينها وبين تاريخ مجدها إلا ما شخص من آثارها، ولا يدل على
امكان الحياة فيها غير توسطها قبائل بني صخر وبني حسن و العدوان، يردون عليها بين
الفترة و الأخرى فيبيعون بعض ما تنتجه ماشيتهم ويبتاعون ما يكسبون، فللتجارة فيها
شبه سوق، ولولا ذلك لانفرد بسكناها جماعات من الشراكسة نزحوا إليها حوالي عام
1873، كما انفردوا بكثير مما حولها من قرى ومزارع..... ولكن ابتغاء الربح و طلب
الكسب هما اللذان حملا الى عمان تجارا من دمشق و نابلس و افتتحوا فيها حوانيت
صغيرة، فقصدها أهل الخيام و الأكواخ من البدو الضاربين حولها و المقيمين فيها جاورها
من القرى، فاصبحت ولها شيء من الشأن". وتميزت هذه الفترة أيضا بالفوضى و
الاضطرابات وعدم اطاعة أوامر الحكومة بل الانقضاض عليها وعلى رجالها، و اعلان
استقلال القرى و الانفراد بحكمها، لأقل خلاف يطرأ مع الحكومة.
أخذ التطور الاجتماعي يتجه بالبلاد نحو ترعرع الطبقة
المتوسطة و اتخاذها دور الصدارة، فكان لها تأثيرات واضحة فعالة، وبخاصة في الفترة
التي اعقبت المعاهدة البريطانية- الاردنية في نيسان- ابريل 1928، فقادت المظاهرات
ورفعت مذكرات الاحتجاج، وصعدت نضالها فعقدت مؤتمرا عاما في عمان في 25 تموز-يوليو
1928، صدرت عنه لائحة بميثاق وطني ممثل لطموحات الشعب كله([21])
، ولآمال الطبقة المتوسطة التي تصدرت قيادة الشعب. الا ان هذا التطور الاجتماعي
كان منذ نشوء الإمارة محفوفا بالمخاطر، لكون بريطانيا ظلت تبسط كامل سيطرتها على
البلاد وتوجه الأمور الوجهة التي تناسبها، من ذلك تلكؤها المعتمد في تحديد نوع
الادارة البريطانية في شرق الاردن، مما ادى الى اشاعة الفوضى بقيام حكومات محلية
في كل من اربد و الكرك و السلط، لدى كل منها معتمد بريطاني، يراقب الفوضى فيها،
ويوجهها لمصلحة بريطانيا.وبعد ان قامت الامارات بالاتفاق بين الامير عبد الله و
المستر تشرشل في القدس، ظل موقف بريطانيا متخاذلا في كثير من الاحداث، وبخاصة ما
كان يتعلق بالمساعدة المالية أو الحاجة الى قوات عسكرية لتوطيد الامن في كثير من
المناسبات، كما حدث في عصيان الكورة عام 1921، وفتنة الكرك عام 1922، وثورة سلطان
العدوان عام 1923، تلك الاحداث التي كانت لتحدث لولا سيطرة النزعة البدوية، وطغيان
الزعامات القبلية، وضعف الحكومة الواضح.
وكان من الممكن ان يساهم الجيش الأردني، بعد ان تشكلت
الادارة في شرق الاردن مساهمة فعالة في توطيد الامن والاستقرار، والقضاء على
الفوضى والاضطرابات، الا ان ضعف الامكانيات التي توفرت له آنذاك جعلته عاجزا عن
القيام بهذه المهمة، لذلك وقف الجيش عاجزاً في بادئ الامر امام عصيان الكورة،
السابق الذكر، الذي كان اختبارا لامكانية فرض هذا الجيش هيبته على البلاد، ولكن
ضعف قدراته جعله يخيب في قمع هذا العصيان. ومع تزايد قدرات هذا الجيش خاصة بعد
تسليم زمامه للفريق الانجليزي (بيك) و انفاق بريطانيا عليه، استطاع ان يؤثر في
طبيعة المجتمع الاردني، ويقمع عصيان الكورة، ويؤدب زعيمه كليب الشريدة في ايار-
مايو 1922، بعد ان فشلت القوات الوطنية سابقا في القضاء عليه. وقد اوقع ذلك الرعب
في نفوس الاهالي فكان ايذانا بتوافر القوة المدعومة بالايدي الاجنبية القادرة على
قمع الاضطرابات و السيطرة عليها.
وفي خضم هذه الاحداث و التطورات الاجتماعية، نستطيع ان نلاحظ
دورا للشاعر- موضوع الدراسة- إذ حدث تقارب بين الشاعر و المثقفين الاردنيين وبين
سلطان العدوان في ثورته على الحكومة، وقد جاء هذا التقارب من خلال المناصب
الإدارية، عند تأسيس الادارة، التي تولاها أصحاب الكفاءات القادمين من سورية
ولبنان و العراق و فلسطين، حيث كانوا أكثر كفاءة من ابناء شرق الاردن، وكان اغلبهم
يعمل بوحي عروبته الصادقة. إلا أنه بعد عودة شباب شرق الاردن الذين نالوا قسطا من
الخبرة و التعليم، بدؤوا يشعرون بان لهم الحق في الحصول على المناصب التي يستطيعون
القيام بأعبائها. ومن هنا بدأت النقمة والنفور؛ يتصاعدان بين الفريقين، حتى شاعت
بين شباب الاردن نزعة اقليمية ضيقة للغاية، شعارها (الاردن للاردنيين)، وقد تبناها
الشاعر مصطفى وهبي التل حتى آخر حياته.
ولم يؤثر
الجيش الاردني في بنية المجتمع تأثيرا فعالا، إلى أن تولى الكابتن (جلوب)
البريطاني مهمة المساعد للفريق (بيك)، فعهد اليه بتجنيد عدد من رجال البدو، لتأليف
قوة منهم تحفظ الأمن في الصحراء، وبدأ يستعمل السيارات في نقل هذه القوة، وبنى
عددا من القلاع، زودوها باللاسلكي لتأمين سرعة الاتصال. واستطاع بجهوده ان يكون من
شباب البدو ما عرف ب: "قوة البادية"، واقنع البدو بالكف عن الغزو وهجوم
بعضهم على مضارب بعض. وهكذا ساهم الجيش مساهمة فعالة في تطوير المجتمع الأردني، الذي
كانت تسيطر عليه الفوضى والاضطرابات و النزعات الانفصالية، فاستطاع ان يوطد الامن
ويطور بذلك نفسية المواطنين لقبول الاحكام المدنية، كما أوجد وضعا اجتماعيا جديدا
كل الجدة يتمثل في اعتماد البدو على الجيش كمصدر دائم للوظيفة التي تجلب الرزق
المستقر. واستمرت الطبقة المتوسطة، التي أشرنا إلى دورها، في قيادة نضال الشعب،
مستعملة الوسائل كلها إلى أن تم للمجتمع الأردني الاستقلال، حيث أصبح مجتمعا
جديدا، له ملامحه الخاصة بعد ضم الضفة الغربية من فلسطين لشرق الأردن، ليكوَّنا
معا "المملكة الأردنية الهاشمية".
3- بيئته الثقافية و الادبية
الحديث عن الجانب الثقافي لمجتمع ما، حديث متشعب الجوانب،
فهو يحتاج إلى استقراء المؤثرات و المكونات التي كان لها دور فعال في هذا المجال.
وفي مجتمع حديث التكون كشرق الاردن، يصعب بيان هذه المؤثرات لأنها
أهملت في اغلب الكتب والدراسات التي تناولت الحياة الثقافية
العربية، لذا سأحاول الحديث -بإجمال- عن المؤثرات التي كان لها دور في تكوين
الناحية الثقافية لهذا المجتمع، اعقبها بحديث مفصل عن الجوانب الادبية-بوجه خاص-
لارتباطها المباشر بموضوع الدراسة.
في ضوء التطورات السياسية والاجتماعية لمجتمع شرق الاردن،
نستطيع أن نقرر أن التعليم ظل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بدائياً للغاية في
هذا المجتمع الذي غلبت عليه النزعة البدوية، بكل ما تمثله من معوقات وعراقيل.
وبالتالي، ونتيجة لندرة المدارس كان التعليم ضيق النطاق محصورا في فئة قليلة، مما
جعل أثر التعليم في تقدم المجتمع-آنذاك-ضعيفا للغاية. ففي بداية الحرب العالمية
الأولى كان عدد المدارس قليلا، والتعليم فيها باللغة التركية، ولم يكن شرق الاردن
سوى أربع مدارس رشدية(تعادل المرحلة الابتدائية في أيامنا) في كل من الكرك والسلط
واربد ومعان، ولم تزد المدارس الابتدائية على عشر مدارس، بالاضافة الى بعض
الكتاتيب. وحينما تأسست أول حكومة في شرق الاردن عام 1921، ورثت من الاعباء ما
جعلها عاجزة عن تنظيم الجهاز التعليمي في السنة الاولى، ولم يكن في الاردن ذلك
العام سوى 25 مدرسة يقوم بالتدريس فيها 53 معلما و 6 معلمات([22])،
ولا يزيد مجموع نفقات هذه المدارس و المدرسين على خمسمائة جنيه في الشهر.
والمتبع لتطور عدد المدرسين من سنة الى أخرى، يلحظ أن
الزيادة والتطور، كانا رهينين بأحوال البلاد الاجتماعية والسياسية والمالية. وفي
أواخر القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، كان التعليم يعاني من
ندرة المدارس الثانوية، إذ لم تزد عن خمس مدارس، والذين تخرجوا منها كانوا قلة
معدودة. وفي الوقت ذاته، كان التعليم الجامعي معدوما، مما اضطر بعض الشباب للسفر
لتحصيل التعليم العالي في البلاد العربية وغيرها. وكان من الشباب الذين سافروا
طلبا للعلم، الشاعر مصطفى وهبي التل- موضوع البحث- إذ سافر الى دمشق عام 1912،
ليتم دراسته الثانوية، فالنحق بمدرسة (عنبر)([23])
، ثم بالمدرسة السلطانية في بيروت، بعد أن طرد من الأولى لاشتراكه مع بعض زملائه
في نشاط وطني ضد الأتراك.
ومن العناصر الاخرى، ذات الصلة بالجانب الثقافي في شرق
الاردن الصحافة. والصحافة في شرق الاردن حديثة العهد، نشأت مع ظهور الامارة عام
1920، وقبل ذلك لم تعرف البلاد أي نشاط صحافي بالمعنى المعروف، ويعود ذلك الى حالة
الجمود التامة التي كانت تخيم على الاردن في جميع جوانب حياته، بعد انتهاء السيطرة
العثمانية، التي ميزها الانحطاط و التخلف، وعقب تأسيس الامارة عرفت البلاد بعض
الصحف المختلفة التي لم تستطع مجاراة النهضة الصحفية في البلاد العربية الاخرى،
وظلت كذلك حتى عام النكبة الفلسطينية 1948 حيث تضافرت عوامل كثيرة على اطلاق
الصحافة نحو مستواها المطلوب.
وفي الفترة المقصودة بالبحث، شهدت البلاد حشدا ضخما من الصحف
و المجلات يومية واسبوعية، شهرية ودورية، نذكر منها: (الحق يعلو- الشرق العربي-
الحمامة- جزيرة العرب- الشريعة- صدى العرب- الاردن- الحكمة- الميثاق- الوفاء-
الجزيرة العربية- الرائد- الجهاد- العهد- النسر- الحرية- الجامعة الاسلامية- القلم
الجديد)، وغيرها كثير في مختلف النواحي و الاتجاهات([24]).
وتجدر الاشارة هنا الى محاولة لم يكتب لها النجاح و
الاستمرار، تلك هي محاولة الشاعر مصطفى وهبي التل اصدار جريدة تحمل اسم (الأنباء)،
وكان قد قدم طلبا للحكومة بهذا الصدد، وفي29 نيسان- ابريل 1928 أعد مادة العدد
الاول، وطبع الصفحة الاولى([25])
منه، الا ان المسؤولين في الحكومة شعروا بخطر افكار الشاعر التي سترفد بها الجريدة
المجتمع الاردني، فاصدروا فورا (قانون المطبوعات) الذي اباح لهم مصادرة العدد و
الاجهاز عليه قبل صدوره، وذلك لمعرفتهم المسبقة بمواقف الشاعر من قضايا الشعب و
الوطن، فرأوا ان خطره سيتفاقم اذا امتلك وسيلة اعلامية تنتشر بين المواطنين. ومن
خلال الصفحة الاولى، التي تم طبعها، من العدد الاول، نستطيع ان نلحظ الخط الذي
كانت ستتبناه هذه الصحيفة، لو قدر لها الظهور والاستمرار. فنحن نقرأ تحت اسم
الصحيفة مباشرة الجملة التالية: " جريدة حرة تصدر مرة في الاسبوع اذا اتاحت
لها الاقدار ذلك". اذن فالشاعر نفسه كان يحس ان طبيعة الحكم القائم لن تسمح
لصحيفته بمواصلة المسيرة. وتحت العبارة السابقة نقرأ بيت الشعر التالي:
أن للباطل اضطرابا على الحق وعقباه ان
يكون زهوقا
وفي العمود الثاني من هذه الصحيفة كتب يقول: "... أما
بعد فهذه جريدة "الأنباء"، أضع العدد الأول مها بين يديك، أيها القارىء،
وهو على ما ترى من تشويش، تنبيك ظواهره عن خوافيه، وتحدثك سطوره عن حكمة ظهوره
بهذه الصفة وهذا العنوان اللذين ما كنت لأرضاهما لصحيفة ستكون لسانك الناطق بالحق،
وقلبك الخفاق بحب الصراحة، وشعورك الفياض بالحرية، لولا (أن) اكسبرس التشريع بهذه
البلاد شاء ذلك، وحال بسيره الحثيث دون تحقيق ما كنت أريده لهذه الصحيفة من تسمية،
وما كنت أرجوه لعددها الأول من حجم ومن مواد، فاذا علمت ان قانون المطبوعات الذي
سن في هذين اليومين، إنما سن ليكون حائلا دون اصدار جريدة جديدة في هذا البلد
النازح، كما علمنا الاستاذ الشريقي، والبلد الرازح كما توجب علينا الصراحة ان
نقول، ما لم يدفع طالب اصدارها ضمانة نقدية قدرها مائة وخمسون جنيها، أمكنك ان تدرك
السر والحكمة في هذا الاستعجال اللذين قضيا علينا باصدار هذا العدد بهذه الصورة
التي ترى" هكذا كانت الحكومة آنذاك بالمرصاد للكلمة الحرة الشريفة، تسن من
القوانين ما تشاء، لتخمد الأنفاس، وتخنق الحريات.
ومن خلال دراستنا لما صدر في شرق الاردن من صحف ومجلات، نلاحظ
عليها التالي:
1- إن هذه الصحف والمجلات لم يكن لها دور مهم في تطوير
المجتمع الاردني، وذلك لأسباب عدة، أهمها: أن هذه الصحف والمجلات كانت جامعة غير
متخصصة في ناحية من النواحي، وبالتالي- فأغلبها- غير ملتزم بهدف معين يسعى
لتحقيقه، ومنها أن أغلب هذه الصحف كان قصير الأجل، فلم يصدر منها سوى أعداد قليلة،
وهذا لم يتح لها فرص التأثير في بيئتها، مضافا الى ذلك عوامل القمع والاضطهاد التي
كانت تتعرض لها الصحافة، فبقيت مقيدة بعيدة عن التعرض لمشاكل الشعب وقضاياه المهمة
المتصلة بصميم حياته.
2- كثرة الصحف و المجلات كثرة ملحوظة، ويعود ذلك إلى القلق
النفسي الذي كان يعاني منه الشباب الواعي، أثناء مرحلة الانتقال بين الحكم التركي
والانتداب البريطاني، حيث سادهم شعور التخوف على المستقبل من ناحية، والضغط وخنق
الحريات من ناحية أخرى، وقد ألجأهم ذلك الى اصدار الصحف و المجلات للتعبير عن
شعورهم، ومعالجة واقعهم المعاش، وكانت تصطدم محاولاتهم بالواقع الأليم، فتتوقف هذه
المحاولات عن مواصلة الصدور، لأسباب مالية، أو لرقابة حكومية، او لتدخل الأيدي
الأجنبية. وكثيرا ما نجد أن بعضها لم يصدر منه سوى عشرة أعداد أو أقل من ذلك.
3- امتداد الصحافة الحزبية اليها، كجريدة (النهضة) الناطقة
بلسان حزب النهضة العربية، و(الراية) الناطقة بلسان حزب التحرير وقبيل وفاة شاعرنا
بقليل، جريدة (البعث) الناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي، و(الرأي) لحركة
القوميين العرب. ولكن هذه الصحافة الحزبية لم تستطع أيضا القيام بدور التوجيه
والتطوير، لأن الحكومة كانت لها بالمرصاد، تهددها بكل أسلوب ممكن، وبالاغلاق و
الايقاف بوجه خاص.
4- عدم وجود الصحافة الادبية المتخصصة، فلم يعرف شرق الاردن
مجلة تخصصت في شؤون الأدب والثقافة، وكان الأمر يقتصر على المقالات المتفرقة في
الصحف والمجلات المتنوعة.
ان التأريخ للحياة الادبية في شرق الاردن، في هذه الفترة صعب
كل الصعوبة لان هذه المنطقة اغفلتها كتب التأريخ الادبي التي أرّخت للادب العربي
في هذه المرحلة. ولم يرد لها ذكر الا تلميحا بدون تفصيل، ويرجع ذلك الى ان شرق
الاردن وفلسطين، كان اضطرابهما السياسي تحت الحكم العثماني، ومن بعده الاجنبي،
يؤثر على حياتهما في الميادين كافة، وكان الجانب السياسي، بالتالي، يشغل الباحثين
عن الجوانب الاخرى وبخاصة الادبية، من هنا يجد الباحث في هذا الجانب صعوبة مصدرها
ندرة المراجع والمعلومات المتوافرة. وفي حين ان مصر ولبنان بدأتا تشهدان نقلة
حضارية، بعد الحملة الفرنسية على مصر، كان شرق الاردن يشهد حياة مغايرة تماما،
ويسير نحو النقيض، فبقي بعيدا عن الاتصال بالحياة الحضارية والنهضة الحديثة في
القرن التاسع عشر، وضل أسير حياته المختلفة في كل الميادين: أدبية وعلمية، ثقافية
واجتماعية.
وفي خضم هذا التأخر الذي شمل الحياة الاردنية، كان " من
الطبيعي ان يسير الشعر، في آخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، على النهج الذي
سار عليه الادب عامة آنئذ وان يكون انقطاع صلته بالشعر العربي القديم العريق، وجهل
الشعراء بالشعر الأوروبي و الاتجاهات الشعرة والحركات الفنية المختلفة، وجريهم على
المسالك التي عبدها لهم شعراء العصور المتأخرة، وبلادة الحياة من حولهم، وضعف
استجاباتهم للحوادث التي تصطرع من بين أيديهم- كان من الطبيعي ان تشوه هذه العوامل
جميعها صورة الشعر ومضمونه، وتحيله نثرا منظوما أشبه ما يكون بنظم الفقهاء والنحاة
حين يصبون قواعدهم فيما عرفوه من بحور مقفاة"([26]).
ان الذي ادى بالشعر الى هذه الحالة من التأخر و الجمود كان
ظروف العصر التي اشرنا اليها تحت حكم الاتراك في منطقة سورية، التي كان الاردن
جزءاً منها، فانقطاع الصلة بالشعر القديم مرده الى عدم اهتمام الاتراك بالتراث
العربي ونشره ليصبح في متناول ايدي الجميع.
ومن ناحية ثانية عدم اهتمامهم بالثقافة العربية عامة، بدليل
جعلهم اللغة التركية لغة التعليم
الرسمية في المدارس الحكومية. أما جهل الشعراء بالشعر الأوروبي و الاتجاهات
الشعرية والحركات المختلفة، فهو يعود الى ندرة التعليم الثانوي و العالي داخل
البلاد، وبالتالي انعدام المدارس الاجنبية التي كانت قد بدأت في الانتشار آنذاك في
سورية ولبنان، وكان ابناء شرق الاردن عندما تسمح لهم ظروفهم المالية بالسفر
للخارج، يتوجهون نحو الاستانة التي كانت تعاني من العجز نفسه في الاطلاع على
الآداب الأوروبية، فغاية الاهتمام العثماني آنذاك كانت منصبة على اقتباس النظم
العسكرية الأوروبية، وما يتصل بشؤون الحرب، لكي تسطيع تركيا الهزيلة الوقوف امام
أطماع الدول الغربية.
تلك كانت صورة الشعر في شرق الأردن، وأسبابها، في أواخر
القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، ولكن هذه الصورة لم تستمر طويلا، فكثير
من البوادر المتصلة بالنهضة الحديثة في مجال الأدب، كان قد ظهر في هذه الآونة على
شكل الانتاج الادبي الجديد المتطور الذي انتجته قريحة بعض أبناء البلاد الذين
غادروها طالبين العلم خارج وطنهم، ولكن هذا الانتاج لم يؤثر في البيئة لانهم كانوا
قلة ضئيلة، كما أنهم كانوا مرتبطين بتحصيلهم العلمي المرتبط بالقديم، أكثر من
تقبلهم للجديد. ونستطيع ان نتصور ركود الحركة الأدبية في الاردن، اذا عرفنا أن
البلاد لم تعرف مطلقا اي جمعية أدبية أو فكرية قبل عام (1948)، اذ لم أعثر على أي
مؤسسة ترعى هذا الجانب، وتمده بعوامل التطور([27]).
يشير الدكتور ناصر الدين الأسد([28])
إلى ما تعاقب على (فلسطين و الأردن) من أحداث مهمة في العقدين الأولين من القرن
العشرين، ويقصد بها اعلان الدستور عام (1908)، حيث كانتا ما تزالان تحت الحكم العثماني،
واعلان الحرب العالمية الاولى عام 1914، وانفصال البلدين مع سائر الاقطار العربية
عن الدولة العثمانية، وخضوعهما للانتداب البريطاني عام 1918. ثم يشير الى الأثر
الذي تركه إعلان الدستور متمثلا في إطلاق بعض الحريات، وكثرة الصحف التي ظهرت
آنذاك، ثم يأتي بوصف لأهم الصحف التي ظهرت في فلسطين. ولكن الدكتور ناصر الدين
الأسد فاته- في هذا المجال- ان يلاحظ أنه في الفترة المذكورة لم تظهر في شرق
الاردن أي صحيفة مهما كان نوعها وحجمها، اذ كان بدء معرفة البلد بالصحافة عام
1920، عندما أصدر الامير عبدالله (الملك فيما بعد) في معان جريدة صغيرة سميت (الحق
يعلو).
كما يجب ان نلاحظ ان اعلان الدستور المذكور لم يحقق للولايات
العربية ما كانت تحلم به من أمان قومية خاصة، وتعزيز لمكانة لغتهم العربية الفصحى،
اذ كان رجال الاتحاد والترقي يتطلعون الى تذويب الشعوب التي تتكون منها امبراطوريتهم
في بوتقة عثمانية خالصة.
بعد تقسيم البلاد العربية، وقعت فلسطين وشرق الاردن تحت
الاحتلال الانجليزي، ولكن هذا الاحتلال لم يأت لشرق الاردن بالذات بجديد يذكر في
ميدان الادب والثقافة، غير أن الجو العام لم يبق كما هو، اذ طرأت مظاهر وعوامل
جديدة، كان من شأنها تنشيط الحياة الأدبية، وإدخال ألوان جديدة تختلف عما كان
سابقا. من هذه العوامل الطارئة تطور الطبقة المتوسطة وما تبعه في الحياة
الاجتماعية من آثار للدور الذي قامت به هذه الطبقة، ممثلة في أبنائها الذين تلقوا
تعليمهم الأولي في البلاد، أو أكملوه في الأستانة وبلاد الشام، ذلك الدور الذي
قادت به المجتمع نحو تحقيق المزيد من الحريات والاستقلال. ولقد ظهرت مشاعر هذه
الطبقة الوطنية واضحة جلية عند تشكيل الحكومة العسكرية العربية في دمشق عام 1918،
وبعد ذلك، فقدمت هذه الطبقة كل ما لديها من طاقات الشباب المتعلم للمساهمة في إدارة
الحكومة العربية القائمة في دمشق لأنها كانت البوتقة التي انصبت فيها المشاعر
الوطنية عند الشعب عامة، والطبقة المتوسطة خاصة، وإزاء هذه الظروف الوطنية
والنفسية الجديدة لم يكن بد من تجاوب الأدب معها، كي يعبر عن هذه المشاعر الجماعية
التي تصطرع في نفوس الجماهير العربية في تلك المنطقة. ولكن الأدب بصورته التي
عرفناها في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لم يكن قادراً على التعبير
عن هذه الاحاسيس والمشاعر الجديدة، وإزاء ذلك من الطبيعي أن تبدأ العوامل الجديدة
تأثيرها في الادب، فيتجه لتعبير عن هذه المطامح الطارئة، وساعد هذا بدوره على أن
تبدأ الملامح الجديدة في النمو و التبلور في العقدين الاولين من القرن العشرن([29])
. وبقدر ما علقت هذه الطبقة من آمال على الحكومة الناشئة، وأميرها فيصل،
كانت الصدمة التي تلقتها ندما انهارت هذه الحكومة، وأخرج الأمير فيصل من دمشق، بعد
دخول الجنرال غورو دمشق في 24 تموز- يوليو 1920 كانت هذه الصدمة عنيفة فأحدثت ردود
فعل لها عين الحدة، وبخاصة في الاعمال الأدبية الذاتية التي كانت نتيجة لهذه
الظروف. كان اشاعر مصطفى وهبي التل الأمثلة الصادقة على تصوير الصدمة القاسية
وخيبة الأمل الشديدة التي تلقتها الطبقة المتوسطة في تلك الظروف التي أشرنا اليها،
فأملت عليه تلك الصدمة، وما واكبها من أحداث، أن يكون جريئا منددا بالقصر
والانجليز، غير عابىء بالنفي والاعتقال.
ومن العوامل الجديدة التي ساعدت على تطوير الحياة الادبية
ونموها سهولة الاتصال بالبلاد العربية والخارج، بعد وقوع البلاد تحت الاحتلال
الانجليزي ززقزع جارتيها سورية ولبنان تحت الاحتلال الفرنسي، وقد حاول الحكم
الاجنبي توسيع بعض الحريات الممنوحة للمواطنين، وأن يدخل ما أمكنه لتطوير التعليم،
ترغيباً لهم في الحكم الجديد. أما الجديد الذي كان له أثر واضح في تطوير الحياة
الادبية، فهو سهولة الاتصال والتنقل بين الدول العربية والاجنبية ولا سيما دول
الانتداب، فقبل ذلك لم تكن وسائل النقل متوفرة، بل كانت شبه معدومة، وكان الانتقال
داخل البلاد صعباً كل الصعوبة، فما بالك اذا كان الانتقال الى البلاد البعيدة. وقد
صور خير الدين الزركلي صعوبة المواصلات آنذاك، وهو من معاصري تلك الفترة بقوله([30])
: " لم يكن في عمان آنئذ سيارات تحمل الناس منها الى المحطة، ومن المحطة
اليها، والمسافة بينهما ثلاث كيلومترات، وانما الركوب على عجلات الخيل هو كل شيء
هناك من وسائل النقل والتنقل. ورأى المقيمون في عمان المضطرون لزيارة الامير كل
يوم- دفعاً لعتبه وتجنباً لسخطه- ان اضاعة ساعتين من كل صباح، بين الغدو و الرواح،
حال غير محمودة، فاتفقوا- وانا في زمرتهم- على النقلة الى المحطة". ونستطيع
أن نعرف الآن مدى صعوبة المواصلات آنذاك، وانعكاس ذلك على الحياة الادبية، حيث أن
الآداب انما تتقدم وتتطور من اثر التقاء البيئات، وتأثير بعض آدابها في بعض.
ومع الانتداب الاجنبي تحسنت وسائل المواصلات في المنطقة،
فنتج عن ذلك سهولة الاتصال بالدول المجاورة والاطلاع على ما لديها من آداب حية
متطورة، بالقياس الى ما كان متوفراً في شرق الاردن آنذاك. لم يكن بد من أن يؤثر
ذلك في البيئة الادبية الاردنية، يضاف اليه الصحف والمجلات الادبية التي بدأت تصل
من مصر ولبنان، بعد الانتداب، وبخاصة مجلات "الهلال والمقتطف ثم الرسالة
والثقافة" وما أحدثته هذه المجلات من حركة فكرية دائبة، حتى لقد كان
"جمهور المثقفين ينتظرون مواعيد وصولها بلهفة، ويتابعون ما يكتب فيها متابعة
عميقة نافذة"([31])،
وسنلاحظ لدى شاعرنا مصطفى وهبي التل- عند دراسة شعره- تأثير هذه المظاهر الجديدة،
اذ بدأ نظم الشعر الناضج بعد الحرب العالمية الاولى، متأثراً بهذه العوامل الطارئة،
كما ساعده على ذلك السفر والتنقل، فتردد كثيراً على دمشق وحلب، كما زار القاهرة
حيث اتصل فيها بصديقه الشاعر ابراهيم ناجي، كما اطلع على جانب من الآداب التركية
والفارسية والفرنسية.
يضاف الى هذه الظروف الجديدة، التي ساعدت على نمو الحركة
الادبية، تطور الوعي القومي ومقاومة الاستعمار، فازاء الممارسات الاستعمارية في
البلاد التي عرفناها عند الحديث عن الجانب السياسي، كان لزاماً ان يساهم الادب في
هذا النضال، وسنرى انعكاس هذا الجانب واضحاً كل الوضوح عند شاعرنا، فلقد هاجم
الاستعمار بعنف ورفض الاستقلال الشكلي الممنوح للبلاد، ودان ربط البلاد بعجلة
السياسة البريطانية عن طريق المعاهدات والاتفاقيات.
ومما تجدر ملاحظته بصدد تطور الشعر ونهضته في شرق الاردن
الأثر الواضح الذي خلفه بعض الشعراء العرب الذين كانوا قد اقاموا في البلاد، ونذكر
منهم الشاعر فؤاد الخطيب، اللبناني الاصل، الذي كان وكيلا لوزراء الخارجية في
الحكومة التي تألفت عام 1916، وكان أول من تجاوب مع الثورة العربية، في قصيدته
المشهورة التي منها قوله([32]):
حي الشريف، وحي البيت، والحرما
وانهض، فمثلك يرعى العهد والذمما
يا صاحب الهمة الشماء، انت لها
إن كان غيرك يرضى الأين والسأما
واسمع قصائد ثارت من مكامنها
ان شئتها شُهُباً، أو شئتها رجما
من شاعر عربي، غير ذي عوج
قد بارك الله منه: النفس والكلما
ومنهم الشاعر خير الدين الزركلي الذي قد قدم الى الاردن في
موكب الامير عبدلله عندما دخلها قادماً من الحجاز، بعد أن كان قد غادر دمشق إثر
معركة ميسلون. وعلى الرغم من قصر إقامته في الاردن، الا أنه ساهم في حياتها
الادبية ([33])،
بشكل ملحوظ، وذلك لما كان يتمتع به من سمعة ومكانة أدبية، وما كانت تلاق قصائده من
انتشار.
تلك كانت أهم الملامح العامة للحياة
الادبية في شرق الاردن، في الفترة التي عاشها الشاعر، جاء حديثنا عنها تأريخاً
عاما للبنية الادبية في اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث كانت
البلاد ما زالت تعاني من جمود الحكم العثماني وتأخره، فجاء الادب انعكاساً لذلك،
الى أن كانت الحرب العالمية الاولى، وكان ما كان بين العرب والاتراك، ووقوع
المنطقة تحت الانتداب الاجنبي، فجدت عوامل ومظاهر جديدة، أدت الى نهضة الادب وبعده
عن حالة الجمود التي كان يعانبيها زمن الاتراك، وتقبله التدريجي لظروف عصره،
وتعبيره عن نفسيات قائليه.
[1]) ) لمزيد من التفاصيل بهذا الشان،
يراجع كتاب جورج انطونيوس- يقظة العرب ص 47 وما بعدها.
[2] راجع في تفاصيل ذلك الكتاب: ساطع الحصري- البلاد العربية
والدولة العثمانية ص38 وما بعدها.
[3] انظر في ذلك كتاب: منيب الماضي وسليمان موسى- تاريخ الاردن في
القرن العشرين ص3 وما بعدها.
[4] هاشم ياغي- القصة القصيرة في فلسطين والاردن ص8.
[5] لمزيد من الايضاحات والتفاصيل حول حياة شرق الاردن تحت الحكم
العثماني تراجع الكتب التالية:
ساطع الحصري- البلاد العربية والدولة
العثمانية ص37-54.
توفيق علي برو- العرب والاتراك ص20-75،75
وما بعدها، وأماكن أخرى.
فيليب حتي- تاريخ سورية ولبنان وفلسطين.
الجزء الثاني ص306-322.
محمد انيس- الدولة العثمانية والشرق
العربي ص140-164 وأماكن اخرى.
[6] بصدد هذه المشاورات وتفصيلها يراجع كتاب مذكرات الملك عبدالله
بن الحسين.
[7] بالنسبة لسير المعارك بين الجانبين يرجع الى:
- لورانس: الثورة في الصحراء ص103-446
(تفاصيل مطولة للمعارك).
- منيب الماضي وسليمان موسى: تاريخ شرق
الاردن في القرن العشرين ص29-77.
- مذكرات الملك عبدالله بن الحسين.
[8] قرية في لواء عجلون بشرق الاردن.
[9] راجع تفاصيل هذه الثورة في كتاب جورج انطونيوس- يقظة العرب
ص429 وما بعدها.
[10] مذكرات الملك عبدالله ص153-155.
[11] ما حدث أن وفدا من اعضاء حكومة علاء الدين الدروبي، التي
تألفت غداة ميسلون، سافر من دمشق الى درعا في 21 آب-أغسطس 1920 للتباحث مع زعماء
حوران في أمر الغرامة التي فرضها الفرنسيون على أهل سورية، ولما كان السخط عارما
ضد أولئك الوزراء المتعاونين مع فرنسا، قام الاهالي الثائرون بقتل علاء الدين
الدروبي وعبد الرحمن اليوسف من أعضاء الوفد، وعلى اثر ذلك عقد شيوخ المنطقة
اجتماعا قرروا فيه مواجهة رد الفعل الفرنسي، وارسلت الرسائل الى اهالي شرق الاردن
للاشتراك مع أهل حوران في صد الغارة الفرنسية المتوقعة، كما أرسلوا الى الملك حسين
بن علي أن يبعث بأحد أبنائه لقيادتهم، وينجدهم بما لديه من معدات.
[14] لمزيد من التفاصيل حول بنود هذه
الاتفاقية يراجع كتاب محمد عزة دروزة: الوحدة العربية ص365.
[15] البدوي الملثم- عرار شاعر الاردن
ص288-289.
[16] محمود المطلق المحامي- مقدمة
ديوان"عشيات وادي اليابس" ص5.
[17] كرتوني: تسمية تطلق في شرق الاردن
على النوع الرديء من الورق الذي يستعمل للتغليف، ويقصد انه استقلال مزيف.
[18] هناك امثلة كثيرة من كتاب منيب
الماضي وسليمان موسى: تاريخ الاردن في القرن العشرين ص8.
19 محمود
العابدي – من تاريخنا – المجموعة الثانية
نقلا عن :LIBBY AND HOSKINS : THE JORDANVALLY AND PETRA
[20] خير الدين الزركلي- عامان في عمان
ص29-30.
[21] للاطلاع على مقررات المؤتمر يراجع
كتاب منيب الماضي وسليمان موسى: تاريخ الاردن في القرن العشرين ص291-292.
[22] لمواكبة تطور التعليم، وازدياد
المدارس والمدرسين في شرق الاردن، تراجع: حولية الثقافة العربية (السنة الاولى)
لساطع الحصري ص43 وما بعدها.
[23] سميت بهذا الاسم نسبة لصاحب الدار
وهو يهودي من دمشق- عرار شاعر الاردن البدوي الملثم هامش ص24.
[24] لمعرفة نوعية هذه الصحف والمجلات،
واتجاهاتها ومؤسسيها يراجع:
أ-
أديب
مروة- الصحافة العربية، نشأتها وتطورها ص347 وما بعدها.
ب-
سليمان
موسى- مجلة رسالة الاردن العدد الاول 1959.
[25] لها صورة ونكوغرافية في كتاب البدوي
الملثم- عرار شاعر الاردن ص298.
[26] د. ناصر الدين الاسد- الاتجاهات
الادبية الحديثة في فلسطين والاردن ص115.
[27] عثرت على ما يشبه الندوة الأدبية في
التفاف جماعة من الادباء والشعراء حول بلاط الامير عبدالله بن الحسين- الملك فيما
بعد- مؤلفين ما يشبه البلاط الادبي، ولكن هذا الاتفاف كان عديم التأثير في البيئة
الادبية، لانه كان مجرد لقاءات تحكمها العلاقات الشخصية، ولم تنظمها روابط فكرية
لها تأثيراتها التي تمتد في البيئة المحيطة.
[28] د.ناصر الدين الأسد- الاتجاهات
الادبية الحديثة في فلسطين والاردن ص41-42.
[29] راجع كتاب الدكتور هاشم ياغي- القصة
القصيرة في فلسطين والاردن ص128.
[30] خير الدين الزركلي- عامان في عمان
ص37.
[31] د. ناصر الدين الأسد- الاتجاهات
الادبية الحديثة في فلسطين والاردن ص53.
[32] القصيدة كاملة في :ديوان الخطيب
ص423-429.
[33] عرض في كتابه "عامان في
عمان" الجوانب المختلفة للاردن؛ ومنها الادبية، خلال هذه الفترة القصيرة التي
عاشها في البلاد.