مناقشة حديث

نجيب محفوظ المرفوض([1])

العدو الصهيوني هو سبب التخلف العربي

ولا حضارة عربية بدون ازالته

الحديث الذي أجرته مجلة المستقبل في عددها (386) مع نجيب محفوظ ، يثير العديد من الأسئلة والردود، أهمها رأي نجيب محفوظ المغلوط والخاطئ حول الصراع العربي الصهيوني . والعلاقة بين القضية الفلسطينية والحضارة. وتأثير كل منهما في الأخرى، وهذا الحديث يعيد الى الاذهان مواقف نجيب محفوظ من زيارة السادات لفلسطين المحتلة، ومجمل الكتابات التي كتبها تعبيرا عن هذه المواقف، وبالذات فيما يخص الترويج لافكار تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني ، ودفاعه المستميت عن هذه الافكار ، واعطاءه قسطا وافرا من كتاباته وتصريحاته لها.

يقول نجيب محفوظ عن القضية الفلسطينية والهدف العربي: " العرب اصحاب هدف وقضية، الهدف هو الحضارة والقضية هي فلسطين . ولكن الذي حدث طوال السنوات الثلاثين الماضية، أي منذ قيام اسرائيل وحتى الآن ، ان القضية غلبت على الهدف ، سأكون صريحا اكثر واقول : ان القضية ضيعت الهدف ".

من الواضح هنا ان نجيب محفوظ ، يقفز عمدا وبسبق اصرار- عن اساسية لا يناقش فيها أحد، وهي طبيعة الوجود الكياني المصطنع للعدو الصهيوني في المنطقة العربية، وعلاقة هذا الكيان – العدو بمسألة التخلف العربي. لا يناقش احد في أن (الحضارة) بمعنى التطور الانساني في المجالات كافة، هي الهدف للبشرية منذ بداية الخليقة، وهكذا سارت الاجيال البشرية في معمار التطور من المجتمعات البدائية – الرعوية ، وما قبلها ، الى ان وصلت اليوم الى عصر الذرة . ومن الطبيعي ان يكون التطور الحضاري الهدف الاسمى للأمة العربية ، فهي أمة تملك من الامكانيات البشرية والمادية ، ما يؤهلها لان تكون في مقدمة الامم اليوم، وعدم تحقيقها حتى الان الحد الادنى من التطور الحضاري ، فهذا عائد وبشكل حاسم واساسي لوجود الكيان المصطنع للعدو الصهيوني ، وسط جغرافيتها ، بشكل مقحم مخطط له مسبقا من الدوائر الصهيونية والامبريالية ... لان هذه الدوائر ارادت من المصالح المتعددة، التي لا يمكن تحقيقها الا ببقاء الامة العربية منقسمة على نفسها، متخلفة غير قادرة على تسيير امورها، ومواكبة عصر التطور الحضاري، وقد تحقق ذلك عبر اقامة الكيان الاستيطاني . لان هذا الكيان حقق للدوائر الصهيونية والامبريالية:

اولا- رسخ وجوده تقسيم المنطقة العربية، لان هذا الكيان شكل حائلا دون تواصل قسمي الامة العربية، لوجود فلسطين الجغرافي في قلب الامة العربية.

ثانيا- فتح وجودة باب العداء على مصراعيه، بينه وبين الامة العربية مما جعل همها الاساسي ، القضاء عليه وازالته ، ولما كان هذا العدو مدعوما – مجانيا – بترسانة الاسلحة الامبريالية، الامريكية بالذات، فقد دعا ذلك الامة العربية لان ترصد الجزء الاكبر من ميزانياتها ودخولها الاقتصادية للبحث عن تسليح يردع هذه الترسانة المعادية، فادى ذلك الى توجيه المليارات العربية الى التسليح بدلا من مشاريع العمران والانماء والتطور الحضاري ، والغاء العديد من المشاريع أو تأجيلها بسبب التوجه نحو التسليح. وقد أدرك العدو الصهيوني هذا جيدا ، فعمل على شن الحروب المتتالية، الغارات المتعددة، التي تحول دون دخول الامة العربية المضمار الحقيقي للحضارة، ونكتفي هنا بالتدليل على ذلك بمثالين:

الاول: الحرب العدوانية عام 1967، فضمن العديد من اسبابها الصهيونية كان ضرب الخطط التنموية، والنهوض الاقتصادي، الذي بدأت تحققه في القطر المصري قيادة عبد الناصر، وقد اكدت هذا السبب الصهيوني ، العديد من الدراسات العربية والاحنبية .

الثاني: ضرب المفاعل النووي العراقي في حزيران 1981، رغم كل تأكيدات المصادر العالمية، ومنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول أن هذا المفاعل لن يكن قادرا على انتاج الاسلحة النووية.

لذلك نصبح مقتنعين حقيقة ان وجود كيان العدو الصهيوني هو السبب في التخلف العربي، وعدم تحقيق التطور الحضاري للامة العربية. من هنا يصبح حديث نجيب محفوظ مغلوطا ومتجنيا ولا يخدم سوى اغراض العدو ذاته، هذا العدو الذي طالما زمرت اجهزته المعادية ونظرت لطبيعة وجوده الحضاري في المنطقة العربية، واستطاعت اقناع دوائر غربية وعربية بذلك ، منها دعوة سيد محمد احمد في كتابه (بعد ان تسكت المدافع) -1974- الذي طالب بالتعاون بين (الحضارة الاسرائيلية) ورأس المالي العربي، لتطوير المنطقة وتقدمها. وكذلك مواقف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قبل عام 1967، عندما زار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، واعلن عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني وادانته للعدوان الواقع عليه، وبعد عبوره للحدود وزيارته لفلسطين المحتله الواقعه تحت حكم واحتلال العدو، عاد مقتنعا بما اسماه انذاك (البؤرة الحضارية) وسط الصحراء العربية، مدافعا عن وجودها ودورها الحضاري ، ويقصد كيان العدو الصهيوني المحتل ، وقد جير بعد ذلك العديد من كتاباته واوساطه الوجوديه ومجلته ( الازمنة الحديثة ) لهذا الغرض.

وعودة الى حديث نجيب محفوظ ، وردودنا عليه، نسأل: من السبب اذن في التخلف العربي؟ قضية فلسطين أم وجود العدو الصهيوني ؟ وان السبب يكمن في العامل الطارئ الدخيل على تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وهو العدو الصهيوني، اذ لولاه ، وما تبع زرعه في المنطقة العربية معدلات اكثر من اقطار اخرى، نتيجة الموارد البشرية والطبيعية الضخمة المتوفرة للوطن العربي، لكن زرع العدو الصهيوني انتج ما عرف باسم ( القضية الفلسطينية) وبالتالي العمل العربي من اجل حلها عبر تحريرها. فكيف تصبح القضية الفلسطينية – عند نجيب محفوظ – السبب في الحيلولة دون تحقيق الهدف المتمثل في الحضارة.

 

الترتيب المنطقي في العمل الانساني:

واستمرارا في مناقشة اراء نجيب محفوظ نقول: انه عبر المتعارف عليه في الترتيب المنطقي لمواجهة الشعوب لمشاكلها، يصبح من المنطقي والحضاري ان تتصدى الامة العربية للمشكل الاساسي، وهو العدو الصهيوني ، اذ من غير الممكن كما يريد نجيب محفوظ ان نترك هذا العدو يتوسع كالاخطبوط السرطاني، متعللين بالبحث عن طريق الحضارة والتطور ، لانه ثبت بالملموس ان وجود هذا العدو من اهم الاسباب التي تحول دون تحقيق الحضارة والتقدم العربيين.

من هنا يصبح العمل من اجل تحقيق القوة والتقدم هاجسا مواكبا للعمل من اجل ازالة هذا العدو الدخيل في المنطقة العربية . اما ان يختزل نجيب محفوظ مسألة الصراع العربي- الصهيوني بكل ابعاده الماضية والحاضرة والمستقبلية، بتحريض يخدم الاستسلام ، فهو المرفوض.

يقول نجيب محفوظ: "....ان من يرغم انه يريد الحرب عليه ان يحارب ويخلصنا، ومن لا يريد الحرب ولا يقدر عليها، عليه ان يفاوض". ان قول نجيب محفوظ هذا دعوة واضحة للاستسلام ، تستغل حالة العجز العربي الراهن لتجعله سببا مقنعا للتفاوض مع العدو والاعتراف به ، وهي نفس المبررات التي طرحها السادات لاعترافه بالعدو، عندما طرح ان مصر تعبت من الحرب. تعبت وهي تحارب نيابة عن الآخرين ، ويقصد العرب، وانها تريد البحث عن حلول لمشاكلها، واذا بمصر بعد خمس سنوات من الاعتراف به، لأن الاسس والبديهيات الوطنية تقر بان عدم القدرة حاليا على تحرير أي وطن محتل ، لا يمكن اقرارها سببا للتفريط بالوطن المحتل، والاعتراف بالعدو. وهكذا فان عدم القدرة على تحرير فلسطين المحتلة الآن، نتيجة الضعف العربي لا يمكن ان يكون سببا للمساومة عليها والتفريط بها، لان قضايا الشعوب القومية لا تخضع لاعتبارات الزمن، وتبدل موازين القوى المحلية والدولية، وفي التاريخ البشري العديد من الاوطان التي استمر احتلالها مئات السنين، دون ان يكون هذا سببا للتفريط بها. ومن المعروف ان استمرار احتلالها هذه المدة الطويلة يعود الى ضعف شعوبها، وعدم قدرتها على طرد الغاصبين المحتلين في فترة زمنية اقصر. ويكفي ان نذكر بالاحتلال الفرنسي للجزائر الذي استمر ما يزيد على مائة وثلاثين سنة والاحتلالات اليابانية والفرنسية والامريكية المتتالية لفيتنام....

من كل ما سبق، يتضح حجم  التخريب والتضليل الذي يمارسه نجيب محفوظ بآرائه هذه، لانه يقلب الحقيقة، ويضعها في خدمة العدو الصهيوني، وفي خدمة افكار الاستسلام والمساومة. وهذا في حد ذاته مدعاة للاسف والحزن الكبيرين ، اذ ينهي نجيب محفوظ حياته الشخصية والادبية، بمثل هذه المواقف اللاوطنية، وهو الكاتب الكبير الذي سبق ان قدم اعمالا ادبية كبيرة، سجلت فترات حافلة من تاريخ الشعب العربي في مصر. وهنا لا بد ان يتذكر الراصد لمسيرة التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني اراء نجيب محفوظ السابقة عن اليهود: اعمالهم اخلاقهم وصفاتهم ، تلك الاراء التي وردت في اكثر من رواية له مثل " زقاق المدق" ، " السكرية"، "بداية ونهاية" و " خان الخليلي " وكيف يتنكر لها الان ، ويضع قلمه في خدمة التطبيع  مع العدو والدعاية له ولافكاره الاستسلامية. ومن جهود نجيب محفوظ هذه يكفي ان نذكر المثلين التاليين :

1-  محاولاته الدؤوبه لفرض اول سفير للعدو الصهيوني في القاهرة (الياهو بن اليسار) على ندوته الاسبوعية التي كان وما يزال يقيمها في كازينو قصر النيل مساء كل يوم جمعة.

2-  موافقته الشخصية على تقديم روايته " ثرثرة فوق النيل" مسرحه على خشبة مسارح العدو المحتل لفلسطين، وكتابتهكلمة سيئة ذليلة، طبعت على الورقة التعريفية للمسرحية... جاء فيها:

" ارجو ان تكون هذه المسرحية رمزاً للصداقة ، وسبيلاً الى تحقيق السلام في الشرق الأوسط، فإن اعجبتكم هذه المسرحية، فالفضل في ذلك يرجع الى العالم الاسرائيلي سوميخ الذي اوصى بها، والى الاستاذ الذي ترجمها ، والى الفنان الذي.

 



[1] نشرت هذه الدراسة في جريدة "الرأي" الاردنية، بتاريخ 17/7/1984م.

انتهى الكتاب
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة