الواقع الثقافي المصري

في زمن التطبيع([1])

عقب اتفاقيتي كامب ديفيد، طرحت القيادة الاسرائيلية، ما عرف باسم " تطبيع العلاقات" بين الطرفين المصري والاسرائيلي، أي الانتقال بها من مرحلة العداء الى مرحلة طبيعية، كتلك التي تحكم العلاقات بين أية دولتين متجاورتين، تقوم بينهما علاقات طبيعية عادية، منذ سنوات بعيدة. ولقد كانت سياسة التطبيع هذه من الأمور التي نصت عليها الاتفاقيات المذكورة، ودلل الكيان الصهيوني، من خلال إصراره على الركض السريع في تطبيقها، على أنه يدرك النواحي التي يمكنه من خلالها إحداث الخلل والازدواجية في وجدان المواطن العربي في مصر، ومن ثم الوصول الى المواطن العربي في الساحات الأخرى، خاصة أن عشرات الألوف من العرب يزورون مصر سنوياً، ويحتكون بالتالي بالمواطن المصري، وربما- مستقبلا- اليهودي الذي يفرض فيه أنه سيوجد في مصر يوميا.

لقد كان تبادل السفراء بين القاهرة وتل أبيب في 26/2/1980، أولى الخطوات التي حققها العدو الصهيوني، وكان رفع العلم الاسرائيلي في سماء القاهرة انتكاسة لا مثيل لها، قابلها الشعب العربي في مصر بالشجب والاستنكار، وكان يعبر من خلال ذلك عن أصالة انتمائه العربي، هذا الانتماء الذي تمكنت قيادة عبد الناصر أن تجيره لصالح إنضاج الوعي القومي في العالم العربي، الذي عبر عن نفسه بشكل جماهيري، في العديد من المناسبات القومية, لقد كانت ردود الفعل المصرية، في الجانب الجماهيري، تثبت أن هذا التطبيع أمر يخالف المجرى الطبيعي لحركة التاريخ العربي، وهو أمر لا يمكن أن يعترف به الوجدان المصري، أيا كان حجم التآمر، والكيفية التي يحاولون أن يتسللوا من خلالها، لإشاعة ثقافة لا وطنية بين الجماهير العربية في مصر، وقد كانت ردة الفعل الجماهيرية مضادة وعنيفة:

-  وزع حزب العمل الاشتراكي الاعلام الفلسطينية على عناصره، في مختلف المحافظات المصرية، ورفع شعار " مليون علم فلسطيني مقابل كل علم اسرائيلي".

وبالفعل، قام أعضاء الحزب وأنصاره والمواطنين المصريون من مختلف الفئات والطوائف، بإلصاق الاعلام الفلسطينية على الجدران، ورفعها في الساحات والميادين، في عمل جماهيري، دلل على أن حركة التاريخ لا يمكن أن تتمكن قوة مهما كان حجمها، أن تلوي عنقها.

-  " لا تتعاملوا مع الاسرائيليين ". كان عنوان البيان الذي وزرعته السكرتارية العامة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، يوم 17 فبراير 1980، قبل تبادل السفراء بأيام قليلة. وقد طرح الحزب في هذا البيان عملية التزييف والخيانة التي تتم باسم السلام، موجهه النداء للجماهير المصرية، كي تتوقف عن كافة أشكال التعامل مع العدو الاسرائيلي....." ... في هذه الظروف يفتح الباب للسياحة الاسرائيلية والشركات الاسرائيلية للدخول الى سوقنا ومعها الثقافة الصهيونية المدعومة في ذلك كله بالاحتلال الاسرائيلي للأرض المصرية والعربية، في الوقت الذي تتخلى فيه ذلك كله بالاحتلال الاسرائيلي للأرض المصرية والعربية، في الوقت الذي تتخلى فيه أجهزة الثقافة الرسمية عن مواجهة الغزوة الصهيونية القادمة التي تعلن صراحة عداءها لمقدساتنا الروحية والدينية.. كل هذا يتم وبلدنا مقطوعة علاقاتها مع امتنا العربية، ونحن في شبه عزلة عنها وعن الشعوب الاسلامية وبلدان عدم الانحياز، وهذا يفتح الطريق ليجعلنا تحت رحمة القوة الامريكية والاسرائيلية وانهاء دور مصر التاريخي القيادي في المنطقة، ويهدد امن مصر والمستقبلي.. ان هذا لن يقبله شعب مصر، لانه يمس مستقبله ومصيره ومصير الاجيال القادمة وسوف يرفضه ويقاطعه فلنوقف التعامل مع كل ما هو اسرائيلي: السفارة الاسرائيلية البضائع الاسرائيلية، السياحة الاسرائيلية، الصحف والكتب الاسرائيلية.. وكل اوجه التعامل مع اسرائيل.. ولنوقف التعامل مع كل من يتعامل مع الاسرائيليين من المصريين، ولنعتبرهم خارجين عن الاجماع الوطني القومي اذا لم يستمعوا الى صوت الضمير والعقل. انها قضية مصير وضمير لكل المصريين اجمعين.ز فلنوقف التعامل مع كل ما هو اسرائيلي"، من بيان حز التجمع في 17 فبراير 1980.

إزاء ردات الفعل هذه ، أدرك العود الصهيوني ان ابواب المواطن المصري لن تكون مشرعة امام افكاره وثقافته ، لكان لابد من سياسة النفس الطويل، واللجوء الى سلطة النظام الحاكم، كي يفرض بقوة القوانين، والاجراءات التعسفية، ما يفهمه من امور التطبيع، وكان دوما يذكر بما نصت عليه اتفاقيات كامب ديفيد، خاصة في المادة الثالثة تحت عنوان "العلاقات الثقافية".

1. يتفق الطرفان على اقامة علاقات ثقافية عادية بعد اتمام الانسحاب المرحلي.

2. يتفق الطرفان على ان التبادل الثقافي في كافة الميادين امر مرغوب فيه، وعلى ان يدخلا في مفاوضات في اقرب وقت ممكن وفي موعد لا يتجاوز ستة اشهر بعد الانسحاب المرحلي، بغية عقد اتفاق ثقافي.

كما نصت المادة الخامسة، في البند الثالث على ان " يعمل الطرفان على تشجيع التفاهم المتبادل والتسامح، ويمتنع كل طرف عن الدعاية تجاه الطرف الاخر.." ويتضح حجم الاجحاف بحق المواطن المصري، الذي تنص عليه هذه البنود، اذ انه من الامور غير المنطقية ان تقام علاقات ثقافية، وتمثيل دبلوماسي بين قطرين ، يحتل احدهما اراضي القطر الاخر، في حين ان القطر الذي يقوم بالاحتلال، وهو الكيان الاسرائيلي، لا يتمتع بمشروعية قانونية او تاريخية، في وجوده المزروع عنوة في داخل الوطن العربي.

ورغم مرور اكثر من عام على فتح السفارة الاسرائيلية في القاهرة، الا ان هذا التطبيع في العلاقات الثقافية بالذات، ما يزال يواجه بالرفض الكامل من المثقفين المصريين، اذ يتولى المثقفون الديمقراطيون الوطنيون، من خلال " لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية" التصدي لكافة محاولات التسلل الثقافي التي يقوم بها العدو الصهيوني، وقد استطاعوا اقامة حركة تنوير ووعي حقيقيين، ازاء اخطار الغزو الثقافي الاسرائيلي، التي تهدد المستقبل الثقافي الوطني في مصر.

 

التطبيع الثقافي.. لماذا؟

إن اصرار العدو الصهيوني على التطبيع في المجالات الثقافية بالذات، ينبع من ادراكه ان المجال الثقافي، هو المؤهل والقادر على غسل دماغ المواطن، وتسريب الافكار والثقافة اللاوطنية الى عقله ونفسه. لذلك لا نستغب ان يكون العمل الاول الذي قام به السفير الاسرائيلي، عقب تسلم عمله في 17 فبراير 1980، ان قم شيكا لتوفيق الحكيم، على انه قيمة حقوقه المادية العائدة اليه، من ترجمة كتبه وطبعها في دولة الكيان الاسرائيلي، محاولا من خلالا هذا العمل فتح ثغرة في صفوف الكتاب المصريين، ورغم ذلك، فان هذه المحاولات لم تسفر عن كسب الا توفيق وحفنة قليلة جدا من الكتاب الانتهازيين الذين عرفوا دوما بالوقوف مع المواقف الارتزاقية، والذين لهم ماض طويل في الانحرافات الفكرية امثال حسين فوزي، والقليل من صغار الصحفيين الذين وجدوا ان هذا الظرف هو الوحيد الذي يوصلهم الى المناصب العليا، من خلال التطبيع الاعمى لسياسة النظام، امثال ابراهيم سعده، الذي كان محررا مجهولا في جريدة " اخبار اليوم" فاذا هو رئيس لتحرير جريدة "مايو" التي اصدرها السادات لتنطق باسم حزبه المسمى" الحزب الوطني الديمقراطي".

ان التطبيع في الميدان الثقافي، كما تفهمه دولة الكيان الاسرائيلي، وانسجاما مع البنود السابقة من اتفاقيات كامب ديفيد، تعني في التطبيق العملي:

1. إعادة كتابة التاريخ العربي، لتزييف العديد من الحقائق والبديهيات التاريخية المتعلقة بالطريقة الاستعمارية الاستيطانية التي اقحمت الكيان الصهيوني في الوطن العربي، حيث اقامت دولته اسرائيل على الارض العربية في فلسطين، مع تشريد اغلبية شعبها.

2. التوقف عن تدريس الادبيات والوثائق والنصوص المعادية لليهود والصهيونية ودولة اسرائيل، حتى الوارد منها في بعض الكتب المقدسة كالقرآن الكريم، وذلك انسجاما مع المادة الخامسة من مواد اتفاقيات كامبد ديفيد، التي تنص في بندها الثالث على ان "يسعى الطرفان على تطوير تفاهم وتسامح متبادلين ووفقا لذلك يمتنعان عن تقديم الاعلام المعادي كل للاخر".

 

إن هذه الامور تبدو من وجهة النظر الاسرائيلية في غاية الاهمية، ويجب البدء بتنفيذها فورا، لانها ترتبط بمواد اخرى من الاتفاقية، سبق الاشارة اليها، وهي المتعلقة بابرام معاهدات ثقافية، واقامة تبادل ثقافي بينهما. اذ من غير المعقول أن يقوم تبادل ثقافي بين ثقافتين، تنظر احداهما للاخرى على انها ثقافة تخريبية ومعادية. لذلك يتوقع- في حال استمرار هذه الظروف التطبيعية – ان يبدأ النظام المصري، حملة تمشيط لكافة البرامج التعليمية، والمؤلفات المدرسية والجامعية، كي يعاد توليفها بطريقة تصبح منسجمة مع روح اتفاقية الكامب اللاوطنية، وقد بدأت اجهزة الاعلام الرسمية بالكف عن استعمال كلمتي " العدو الصهيوني و"العدو الاسرائيلي" وحل محلهما ما يسمى "دولة اسرائيل" و"حكومة اسرائيل". كما بدأت لاصحف والمطبوعات الاسرائيلية، تدخل القاهرة، وتوزع يوميا في أغلب المحافظات، خاصة الاسكندرية والقاهرة.

 

الخطورة المستقبلية:

إن هذه الامور الطارئة في الساحة المصرية، تشكل – في مجمل توجهاتها- خطورة كبيرة، وهي لذلك تحتاج الى دراسات اجتماعية ونفسية، لانها ليست من الامور السطحية العابرة، ولكنها تتعلق بكيفية تشكيل وجدان الطفل والطالب المصري، وتحدد بالتالي انتمائاته وتوجهاته. ان دراسة اولية لهذه الترتيبات الطارئة، تنفيذا للاتفاقيات المعقودة، تشير الى امور خطيرة، اذا ما استمرت سياسة التطبيع، وفق المفاهيم الاسرائيلية، التي تضغط بكل قواها، وبشكل ابتزازي:

1- البدء بتلقين الاطفال والطلاب المصريين ثقافة لا وطنية، تتعامل مع العدو الصهيوني، على اعتبار كونه جارا طبيعيا، وهذا يعني انه يتمتع بوجود شرعي في المنطقة العربية، سكانا وارضا، له ما للجار من حقوق ووواجبات. ان هذا الامر يعني ظهور جيل عربي- في مصر – ممسوخ الهوية، فاقد الانتماء الحقيقي، مضلل الاراء والتوجهات.

2- ظهور الانقسام في الرأي، والازدواجية في الموقف، بين هذا الجيل من الاطفال والطلاب المصريين، والجيل السابق له الذي تربى وترعرع في ظل المد الناصري، حيث تشبع بالمفاهيم القومية التي كان المحور الاساسي في استراتيجيتها يقوم على تحرير الوطن العربي من كافة اشكال النفوذ الاجنبي، بما فيه الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. كيف يتعايش هذان الجيلان، وهما يحملان فكرا متناقضاً؟. الجيل الحالي الذي يتلقى تربيته وتعليمه في ظل المفاهيم الاوطنية، سوف يتعلم النظر الى دولة سرائيل على انها جارة طبيعية، لها شرعية باقي دول المنطقة، في حين ان الجيل الذي سبقه ، ما يزال يعيش معه، تلقى ثقافة وتربية وطنيتين، ينظر من خلالهما لهذه الدولة على انها غازية محتلة، يجب اقتلاعها وتصفية وجودها الاستيطاني.

3- إن خطر هذه المفاهيم اللاوطنية، لا يقتصر على القطر المصري وحده، بل ان بقية الساحات العربية مهددة بتسلل هذه المفاهيم، وما يتبعها من ممارسات ومواقف، وذلك من خلال الاحتكاك والتعايش مع المواطنين المصريين في الساحة المصرية، عبر الزيارات وحركة لاسياحة الى مصر. ان السائح العربي، سوف يألف مرة واخرى منظر اليهودي في القاهرة، ويبدو الامر عاديا مع تكراره، وهذا من شأنه تخفيف حدة التعبئة المعنوية التي تحفز لتوجيه الطاقات العربية نحو خدمة القضية المركزية للامة العربية، ان هذا الامر تعيه الادارة الاسرائيلية، لذلك حيظت حركة السياحة والانتقال بين مصر ودولة اسرائيل بقسط ملموس من بنود اتفاقيتي كامب ديفيد، وهي بنود تسعى الى تحقيق التعايش الطبيعي، والنظرة العادية للمواطن الاسرائيلي في مصر.ز فقد نصت بعض هذه البنود على ما يلي:

 

الفقرة (جـ) من البند الثالث:

"يتفق الطرفان بان شبكة العلاقات العادية التي سوف تقوم بينهما، ستتضمن اعترافا كاملا، وعلاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية، ووضع حد للمقاطعات الاقتصادية ولحواجز التفرقة والتمييز، التي تعترض تنقل الاشخاص والبضائع، وتضمن التنفيذ المتبادل لاجراءات قانونية منطقية لمواطنيها ولرعايا الجانب الثاني، والمسيرة التي بواسطتها يتعهد الطرفان بتطبيق شبكة العلاقات هذه".

البند الرابع من الملحق رقم (3) – الفقرة (أ):

" مع استكمال الانسحاب المرحلي، يسمح لكل طرف بحركة تنقل حرة لرعايا وآليات الطرف الثاني الى اراضيه وفي اراضيه وفقا للقوانين المرعية ازاء رعايا وآليات الدول الاخرى، ولا يقوم اي طرف بفرض قيود مميزة على حرية تنقل الاشخاص والاليات من اراضيه الى اراضي الجانب الاخر".

البند السادس من الملحق رقم (3) الفقرة (هـ):

"يتفح الفرطان من جديد ويشقان طرقا وسككا حديدية بين بلديهما، ويفحصان امكانية اقامة اتصالات طرق وسكك حديدية اضافية بينهما".

البند السادس من الملحق رقم (3) – الفقرة (و)

" مع استكمال الانسحاب المرحلي تقام بين الاطراف اتصالات عادية بريدية وهاتفية وتلكس، ولنقل معطيات وخدمات لاسلكية وكابلات، ومحطات ارسال تلفزيوني بواسطة كابلات وراديو واقمار صناعية، وفقا للمعاهدات والقوانين الدولية ذات العلاقة بالامر".

هذا بالاضافة الى بنود وفقرات أخرى، تضمنتها الاتفاقية وملاحقها، تهدف الى تسهيل وتسريع التسلل الى الشارع العربي في مصر، بشكل يجعل الوجود اليهودي في المنطقة طبيعيا وشرعيا، ومألوفا من المواطن المصري، ومن بعده المواطن العربي القادم للسياحة او الاقامة في مصر.

 

جدوى المقاطعة العربية:

ان هذه الامور، تطرح للمناقشة بشكل جدي، موضوع المقاطعة العربية لمصر، تلك المقاطعة التي صدرت بشانها قرارات من مؤتمر قمة بغداد عام 1979. لقد اتفق على مقاطعة النظام المصري، بسبب اعترافه بالعدو الاسرائيلي، وبالتالي مقاطعة الشركات والافراد الذين يتعاملون معه. إن للمقاطعة وعدمها من السلبيات، ما يجعلها بحاجة لدراسة متأنية للأخذ بالجانب الأقل في السلبيات. إن عدم مقاطعة النظام جريمة لا يمكن السكوت عليها، لأنها تسوغ العمل الخياني الذي قام به، وهذا من شأنه أن يشجع أنظمة أخرى، للالتحاق بنفس المسيرة الخيانية، ويؤيد هذا الافتراض ان بعض الانظمة العربية قد ايدت النظام المصري في هذه الخطوات، ودافعت عنه، وسارت عمليا في نفس المسارن خاصة فيما يتعلق بإعطاء التسهيلات للوجود العسكري الامريكي في المنطقة العربية.

اما المقاطعة الشاملة للنظام المصري، فهي تحمل بعض السلبيات التي تخدم المخطط الامبريالي المرسوم لمستقبل مصر، لان هذه المقاطعة تعني ترك الساحة المصرية تعيش في فراغ عربي، وتصبح مرتعا اقتصاديا وثقافيا للادوات الامبريالية، التي تحمل بسلخ مخصر – بشكل نهائي – عن امتدادها العربي. ان خلو الساحة المصرية من الوجود العربي، باشكاله المختلفة، يخدم هذا المخطط ، ويترك المواطن المصري تحت تأثيره وجهة نظر واحدة، في وقت تسيطر اجهزة الاعلام الرسمية، على كل القنوات الاعلامية والثقافية. إنه من الخطورة ان يترك المواطن المصري لتأثيرات اكاذيب وتضليلات الصحافة الرسمية كجريدتي "الاهرام" و"مايو"، وجريدة "الانباء" الاسرائيلية الناطقة بالعربية، رغم ان كافة المصادر الوطنية تؤكد – حتى الآن – العزوف الكامل للقارئ المصري عن شرائها.

 

دور القوانين والتشريعات التعسفية:

ان البنود والفقرات التي سبق ذكرهما، من اتفاقيتي كامب ديفيد وملاحقهما، ليس من السهل تطبيقها وتحقيقها في الشارع المصري، لان عمق الوجود العربي والانتماء القومي لدى المواطن المصري، وبالذات طلائعه المثقفة، لا يمكن التغلب عليه ونقله الى النقيض بسهولة. لذلك يلجأ النظام المصري الى سن القوانين والتشريعات التعسفية الجائزة، التي تسهم في خدمة هذا المخطط ، عن طريق تقييد حرية الصحافة والحد من الاعمال الجماهيرية والنشاطات السياسية المعارضة، ويتم ذلك بقوانين تشرع باسم " الديمقراطية"، وتطبق بطريقة تجلعها ديمقراطية النظام ورموزه، ومن يدور في جاذبيتهم، اما اشخاص المعارضة، فعند تطبيق هذه الديمقراطية عليهم، يتضح لنا ان الامر مختلف، واذا بها ديمقراطية "المفرمة" كما يقولون. ان مناقشة هذه القوانين امر ضروري، كي ندرك صعوبة الاوضاع التي يعيشها المواطن المصري، وحجم المعاناة والتضييق اللذين تتحرك من خلالهما حركة المعارضة بشقيها: السياسي والثقافي.

 

1- القرار الجمهوري رقم (2) لسنة 1977م:

وهو القرار الذي صدر في 3 قبراير 1977 في اعقاب الانتفاضة الجماهيرية التي شهدتها مصر في 18 و19 يناير 1977(1). هذا يعني انه جاء ليحاكم الحالات المشابهة لتلك الانتفاضة، والحد منها، عن طريق العقوبات الصارمة المشددة، وكي يعطي هذا القرار طابعا جماهيريا، اجرى حوله الاستفتاء المشهور في 10 فبراير 1977، الذي كان فاتحة سلسلة من الاستفتاءات، ما انفك النظام يلفقها، كلما وجد نفسه امام مأزق معين، وانفضاضه الجماهير من حوله(2). وقد اطلق على هذا القرار اسم "قانون حماية امن الوطن والمواطنين"، وجاء متضمنا من المواد ما يعطي الدولة واجهزتها حق القمع باسم "حماية الوطن،. واخر ما فيه المواد التالية التي تشكل الغرض الذي جاء القانون من اجله، وهو ضمان عدم تكرار الانتفاضة الجماهيرية المذكورة، وردع القائمين بها اذا تكرر حدوثها.. هذه المواد هي:

المادة (6): يعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة كل من دبر او شارك في تجمهر يؤدي الى اثارة الجماهير بدعوتهم الى تعطيل تنفيذ القوانين واللوائح، بهدف التأثير على ممارسة السلطات الدستورية لاعمالها او منع الهيئات الحكومية او مؤسسات القطاع العام او الخاص او معاهد العلم من ممارسة عملها باستعمال القوة او التهديد باستعمالها. وتطبق العقوبة على مدبري التجمهر، ولو لم يكونوا مشتركين فيه على المحرضين والمشجعين.

المادة (7): يعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة العاملون الذين يضربون عن عملهم عمدا متفقين في ذلك او مبتغين تحقيق غرض مشترك، اذا كان من شأن هذا الاضراب تهديد الاقتصادي القومي.

المادة (8): يعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة كل من دبر او شارك في تجمهر او اعتصام من شأنه ان يعرض السلم العام للخطر.

ان هذه المواد الثلاث، لا تحتاج الى مناقشة فنصوصها تكشف المراد منها، رغم الصياغة الضبابية التي توهم انها جاءت من اجل الصالح العام، في حين انها جاءت لتكبح ولتحاكم جماح الصالح العام (الجماهير) اذا ما فكرت التحرك ضد النظام الذي يصادر حريتها ويستولي على مصالحها لحساب رموزه.

 

2- قانون العيب:

لم يثر قانون او قرار في مصر، ما اثاره قانون " حماية القيم من العيب" من مناقشات حامية، اتفقت في مجملها – على اختلاف مواقف اصحابها وانتماءاتهم – على رفض هذا القانون، وقد كان هذا الرفض الجماعي دليلا واضحا على ما شعر به الجميع من خطورة هذا القانون وبالذات لانه جاء في فترة يعاني فيها النظام من مآزق متعددة في المجالات الداخلية والخارجية، في الداخل، تفاقمت الازمة الاقتصادية بشكل واضح، ادرك معه الشعب استحالة الوصول الى الرخاء المزعوم، الذي يعد به النظام، رغم توفر دخول مالية جديدة، وطروء ظروف تمكنه من تحقيق هذا الرخاء، وأهمها:

1- توقف الحرب من تسع سنوات تقريبا، بمعنى ان النظام لم ينفق خلال هذه الفترة اية اموال على التسليح، ولم تتحمل الخزينة مصاريف حربية طارئة، دون ان تتحسن ظروف المواطن الحياتية، وتعود اهمية هذا الظرف الى ان النظام كان يدعي دوما ان سوء الوضع الاقتصادي في البلاد، يعود الى الحرب المتصلة ضد اسرائيل طيلة ثلاثين عاما، وأوهم الجماهير المصرية ان السلام مع اسرائيل هو المدخل للرخاء الاقتصادي والاجتماعي، ادراكا منه لضغوطات التي يشكلها العامل الاقتصادي على نفسية المواطن المصري، ان مرور تسع سنوات على توقف الحرب مع اسرائيل، واربع سنوات على قيام الصلح والسلام معها، دون تحسن الوضع الاقتصادي للمواطن، في فترة ما سمي "الانفتاح" بالذات، جعله يدرك عمليا كذب وعود النظام، خاصة رؤيته لظهور طبقات طفيلية جديدة، تمكنت من تكوين ثروات طائلة على حساب القوت اليومي للمواطن، والبناء الاقتصادي العام للدولة، وهي الطبقة التي اطلقت عليها الصحافة "القطط السمان".

2- إعادة فتح قناة السويس منذ تسع سنوات، واصبح ددخلها الذي يزيد عن الف مليون دولار سنويا ، مبلغا مضافا للدخل القومي العام، وهو مبلغ لا يستهان به في خطط التنمية الاقتصادية.

3- عودة ابار النفط المصرية في سيناء الى الملكية المصرية، بعد توقيع معاهدتي كامب ديفيد، وهذا يعني ان هذه الابار العائدة اراحت الخزينة المصرية من الاموال التي كانت تنفق لاستيراد الحاجات النفطية، وبدات توفر كميات للتصير، نصت ملاحق الاتفاقيات المذكورة، على اولوية اسرائيل في شرائها بالاسعار التجارية(3).

إن توفر هذه الظروف الثلاثة، كان يجب ان يسهم بشكل سريع وواضح في تحسن احوال الاقتصاد المصري، بشكل ينعكس على الحياة اليومية للمواطن، الا انه لاحظ الارتفاع الهائل لاسعار كافة المواد التموينية، ورفع الدعم الحكومي عن اغلبها،

مما جعله يتاكد ان ما قال في اجهزة الاعلام الرسمية، وعلى ألسنة المسؤولين الحكوميين، على الرخاء القادم، مجرد أكاذيب للاستهلاك المحلي، يقصد منها تحدير المواطن، ونزع فتيل الغضب والانفجار من نفسيته التي بدأ نقدها واحتجاجها، يصل الى الشارع عبر النكته المشهورة بأنها التعبير الجماهيري عن أحوال البلاد، من نواحيها كافة، ومن خلال عشرات الدوريات والنشرات التي بدأت تجمعات الشباب، تصدرها في أغلب المحافظات(4). لذلك كان رئيس النظام السادات [تم اغتياله في 6 اكتوبر 1981] يؤجل موعد الرخاء المنتظر من عام الى آخر.

أما في الخارج، فقد وقع النظام المصري في عزلة عربية واسلامية، وانتقادات عديدة من أطراف دولية، لأن إقدامه على توقيع الاتفاقية الاستسلامية مع العدو الصهيوني، تم على حساب التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني. وبدأ للجميع في مصر وخارجها،أن النظام الحاكم قد أعطى للحركة الصهيونية أكثر مما كانت تتوقعه، لأن ما حدث كان مغايرا لمجرى حركة التاريخ، أيا كانت وجهة النظر التي يتبناها المحلل والدارس. وقد تمثلت عزلة النظام، وفداحة الجريمة التي ارتكبها، عندما تم طرده من الجامعة العربية، ونقل مقرها الى تونس، وطرده من منظمة المؤتمر الاسلامي، ورفض وصول وفده الى مؤتمرها الاول الذي عقد بعد توقيع الاتفاقيات الخيانية، ذلك المؤتمر الذي انعقد في المغرب في بداية العام 1978، وقد حاول النظام التسلل الى أوساط المؤتمر، عبر ممثله حسن التهامي، الذي أثبتت الوقائع أنه كان وراء أغلب الاتصالات التمهيدية، التي أدت الى زيارة السادات لفلسطين المحتله، وما أعقبها من صفقات خيانية.

لقد وضعت هذه الظروف الداخلية والخارجية، النظام في موقف حرج، جعله يقدم منذ فبراير 1977 على سنّ مجموعة من القوانين والقرارات، تهدف اساسا الى تضييق نطاق الحريات، وقمع الاصوات المعارضة، سواء كانت لأفراد أم لنقابات أم لأحزاب سياسية. وقد كان أخطرها " قانون العيب" الذي يتكون من (44) مادة، تتعلق بمسؤولية المدعي الاشتراكي عن تأمين حقوق الشعب وسلامة المجتمع ونظامه السياسي، وامور أخرى، تدور كلها حول كيفية حماية نظام الحكم وإطالة عمره، عن طريق خنق المعارضة بكافة أشكالها ، تدور كلها حول كيفية حماية نظام الحكم وإطالة عمره، عن طريق خنق المعارضة بكافة أشكالها، وتجريم أعمالها ومواقفها باسم القانون . ولقد تعمد واضعوا القانون أن تأتي صياغته في عبارات غامضة، وألفاظ مطاطية، بحيث تسمح بنوده باستيعاب كافة الأمور والحالات المعارضة لسياسة النظام، ووضعها تحت طائلة العقوبة الصارمة. كما أن العديد من هذه الأمور والحالات التي حددها القانون، هي نسبية، تختلف النظرة أليها من فرد الى آخر، لأنها تتعلق بالقيم والأخلاق، التي هي في الأساس- ومنذ القديم – أمور تختلف مقاييسها باختلاف نزعات الأفراد وميولهم ومعتقداتهم، بالاضافة الى عوامل الزمان و المكان، المتغيرة دوما.

إن المادة الثالثة من هذا القانون ، تبين سوء النية المسبق لدى واضعه، وقصده المتعمد في صياغة ضبابية فضفاضة، تكون قادرة على استيعاب ومحاكمة كل أقوال المعارضة وأفعالها. فقد نصت هذه المادة على ما يلي: " يسأل كل مواطن ارتكب أحد الأفعال الآتية:

1- الدعوة الى أي من المذاهب التي تنطوي على انكار للشرائع السماوية أو تنافى مع أحكامها.

2- الدعوة الى مناهضة قيم الدولة السياسية أو الاجتماعية او الاقتصادية او الى كراهيتها او الازدراء بها أو الى سيطرة طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات أو الى القضاء على طبقة اجتماعية.

3- تحريض النشئ او الشباب للانحراف نتيجة للدعوة الى التخلي عن القيم الدينية او الخلقية او الوطنية او للقدوة السيئة في المجالات العامة.

4- إذاعة أو نشر أخبار أو بيانات كاذبة أو محرضة من شأنها إثارة الرأي العام أو بث الحقد والكراهية أو تهديد الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي.

5- إذاعة أو نشر عبارات أو رسوم شائنة أو متطرفة من شأنها خدش الشعور العام أو النيل من هيبة الدولة أو مؤسساتها الدستورية.

6- تكوين تنظيم غير مصرح به قانونا أو الدعوة له أو الانضمام اليه أو التخفي وراء تنظيم متى كان الهدف من ذلك كله تهديد الوحده الوطنية أو السلام الاجتماعي.

7- الإذاعة أو النشر في الخارج لأخبار أو بيانات كاذبة أو مغرضة من شأنها الاساءة الى النظام السياسي للدوله أو وضعها الاقتصادي أو التأثير في علاقاتها بغيرها من الدول".

ويتضح من هذه البنود الواردة في المادة الثالثة, عدم تحديدها الدقيق الواضح للأمور التي يسأل عنها المواطن، ويحاسب عليها، هذا بالاضافة الى عموميتها، التي يمكن أن تحشر فيها كافة الأعمال المعارضة تحت طائلة هذه القانون. فإذا توقفنا أمام البند الثاني فقط، ظهر لنا سوء القصد المسبق من وضع هذا القانون. يقول هذا البند عن أمر من الامور التي يعاقب عليها المواطن:" الدعوة الى مناهضة قيم الدولة السياسية أوالاجتماعية أو الاقتصادية او كراهيتها أو الازدراء بها..." . إن هذا يعني  تجريم أي نقد لسياسة الدولة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لأن أي نقد أو تفنيد لأوجه الاهمال والقصور والتبديد الحكومي غير المشروع، ينطبق عليه هذا البند. وفي المستوى التطبيقي العملي، تعني هذه المادة بنصها الوارد في القانون، أنه ليس من حق مواطن أو هيئة نقابية أو تجمع حزبي، أن يرد على بيانات الحكومة، ويفند مواقفها وأعمالها، لأن هذا معنا " مناهضة قيم الدولة "و " ازدرائها ". إن بنود المادة الثالثة منافية للقيم كافة، وعدوان صارخ على الحقوق الاساسية للمواطن.

أما العقوبات التي وضعها قانون العيب، لمن يقع تحت طائلة بنوده، فهي عقوبات تعيد الى الأذهان احكام القرون الوسطى، وقوانين الاحتلال البريطاني, فقد نصت المادة التاسعة، على أن من تثبت مسؤوليته وفقا لمادة من مواد هذا القانون، يحكم عليه بتدبير أو أكثر من التدابير التالية:

1- الحرمان مدة لا تتجاوز خمس سنوات من كل او بعض الحقوق الآتية:

أ‌.  الترشيح لعضوية المجالس النيابية العامة او الشعبية او المحلية.

ب‌. الترشيح لرئاسة او عضوية مجالس ادارة التنظيمات النقابية او الاتحادات او الاندية او الهيئات او الشركات المساهمة او المؤسسات الصحفية او الجمعيات التعاونية او الاستمرار فيها.

ت‌. تأسيس الاحزاب السياسية او الاشتراك في ادارتها او عضويتها.

ث‌. مزاولة النشاط الاقتصادي الذي وقع الفعل بمناسبته، او الاشتغال بالمهن الحرة المنظمة بقوانين، والتي لها تأثير في تكوين الراي العام أو تربية النشء او الاقتصاد القومي.

3. المنع من الوظيفة العامة مدة لا تجاوز خمس سنوات.

4. المنع من مغادرة البلاد مدة لا تجاوز خمس سنوات.

5. الزام الشخص بالاقامة في مكان معين او جهة معينة او حصر اقامته او تواجده بها مدة لا تجاوز خمس سنوات.

 

إن هذه الاجراءات والعقوبات التي جاء بها قانون العيب، رغم مخالفتها الاولية الواضحة، لابسط مبادئ حقوق الانسان، الا انها تصر على الامعان في القمع والاضطهاد وكبت الحريات، خدمة لمصالح النظام الحاكم وبقائه، فهي تضيف الى ما سبق جواز "مضاعفة الحد الاقصى لمدة التدابير المنصوص عليها في البنود السابقة، وذلك في حالة العودة او اذا ترتب على الفعل الموجب للمسؤولية اضرارا بمصلحة قومية للبلاد، ويعتبر عائدا كل من ارتكب فعلا مما يترتب المسؤولية لاحكام هذا القانون بعد الحكم عليه في المرة الاولى". ويكفي لبيان ارهاب هذا القانون، ان نتوقف أما ما يسميه " الإضرار بمصلحة قومية للبلاد" والذي بستوجب مضاعفة العقوبه المذكورة. ما الموقف من قضية " الصلح مع العدو الاسرائيلي"؟. يرى النظام الحاكم، ان هذا الصلح يحقق المصلحة القومية للبلاد، في حين ان افراد وهيئات واحزاب المعارضة، ترى في هذا الصلح تفريطا بالحقوق والسيادة المصرية، وتنكرا للحقوق التاريخية، المشروعة للشعب الفلسطيني، لذلك فهي ترفضه وتقاومه. ان هذا يعني – في مفهوم القانون المذكور- ان كل من يخالف ويناوئ الصلح مع العدو الاسرائيلي، سيجد نفسه تحت طائلة عقوبات هذا القانون المشددة والمضاعفة. انه قانون يجرم ويحرم ويمنع ويقمع كل انواع النشاط، وكما قال بيان حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي: "إن الأفعال المحرمة في مشروع هذا القانون، حسب النصوص الفضفاضة الواردة فيه، يندرج تحتها كل نشاط فكري وفني وادبي وعلمي وسياسي، يقوم به المواطنون المهتمون بالشؤون العامة. والهدف منه هو قتل كل تحرك ومبادرة لا يوافق عليها الحزب الحاكم (النظام). كما ان العقوبات الواردة بمشروع هذا القانون تحرم المواطن من اهليته السياسية بمنعه من الانضمام للاحزاب وحق الترشيح للمجالس النيابية والمحلية والنقابات والهيئات. وتحرم المواطن من اهليته المدنية وحقه في ادارة امواله وفي بعض الاحوال  ومصادرتها، ثم حرمان المواطن من حقوق الانسان الطبيعية بمنعه من السفر الى خارج البلاد وتحدجيد اقامته في منطقة معينة او منعه من الاقامة في منطقة معينة.. وكل هذه العقوبات تخالف الشرائع السماوية والميثاق العالمي لحقوق الانسان ودستور 1971 وهذه العقوبات موجهة ليس فقط للمعارضين السياسيين، بل موجهة ضد كل من تتعارض مصالحه الاقتصادية ونشاطه الاقتصادي مع رجال الحزب الحاكم وقيادته" – من بيان حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي حول هذا القانون-.

لذلك قوبل هذا القانون بمقاومة شديدة من الافراد والهيئات النقابية وغالبية اعضاء مجلس اعضاء مجلس الشعب، ومن بينهم اعضاء من حزب الحكومة، اذ ادرك الجميع خطورة هذا القانون، وقصده المسبق المتعمد خنق الحريات وارهاب كل الاصوات والعارضة لسياسة النظام الحاكم، وهذا دليل واضح على مأزق النظام الخانق، وعزلته داخليا وعربيا، ومدى تخوف الافراد والهيئات والنقابات والاحزاب المصرية من جور هذا القانون وظلمه الواضحين.

كان اشد هجوم عليه، وتفنيد له، تلك الحملة الواسعة في الصحافة وبين الجماهير، التي نظمها وقام بها حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدودي".. ومما جاء في بيان الحزب السابق الذكر.. "ان الحكومة كلما اشتدت عزلتها عربيا وعالميا، وكلما تعقدت امامها المشاكل الداخلية – نتيجة ما تتبعه من سياسات اقتصادية – لجأت الى مزيد من التشريعات المقيدة للحرية. وقد ازدادت عزلة مصر عربيا واسلاميا وفي العالم الثالث، بعد ان انتهجت السياسة الجديدة التي جعلتها منحازة تماما الى االمعسكر الامريكي والصهيونية العالمية، وقد بدأت في الداخل ايضا موجة التأييد لسياسة الحكم فيما يقال له السلام مع اسرائيل تنحسر، وبدأت الشكوك حول نتائج هذه السياسة تتزايد، وبدأت الاصوات المعارضة من اتجاهات كثيرة تتصاعد في الوقت الذي تستمر فيه الحكومة وباصرار في دفع ما يقال له تطبيع العلاقات مع اسرائيل دفعا الى مراحل من التنفيذ غير المتأني، على حين ان اجزاء منارض الوطن مازالت  السيادة عليه منقوصة. وفي مواجهة ذلك كله وجدت الحكومة نفسها مرغمة على مزيد من اجراءات قمع الحريات وتكميم الافواه، بل والتفتيش في المعتقدات والاراء والضمائر بغية تجريمها.. ومن ثم تفتق ذهنها عن مشروع القانون الذي اطلق عليه اسم "حماية القيم من العيب".

الدكتور حلمي مراد(5)، كتب مقالا في صحيفة "الشعب" الناطقة باسم حزب العمل الاشتراكي، فند فيه القانون واعتبر الاساس الذي يقوم عليه مشروع القانون، هو مؤاخذة المواطنين عن قيم غير محددة، كإتيان افعال ماسة بالمصالح القومية العليا او بالوحدة الوطنية او السلام الاجتماعي.. وهي عبارات مطاطة هلامية، يمكن تطويع كلام اي انسان لاخضاعه لها.. فأي بحث عن المتاعب الاقتصادية او متأجرة بمعاناة المواطنين .. واي مقارنة بين اوضاع سكان القاهرة واهل الريف، يمكن ان يعتبر مخلا بالسلام الاجتماعي، لما يمكن ان يؤدي اليه من اثارة الريفيين ضد المثقفين في العاصمة.. الخ"

اما كامل زهيري نقيب الصحفيين السابق(6)، فقد اعتبر القانون مخلا بكل القيم والمبادئ، لان ما يقال "من ان العقوبات التي ينص عليها القانون لن تكون سوى تدابير مثل الحرمان من الحقوق السياسية او الترشيح الى مجلس الشعب او النقابات، وكأن هذه العقوبة مسألة يمكن التغاضي عنها.. مع ان الشخصيات العامة ليس لها من رأسمال اشد من السجن الانفرادي، لانها نوع من السجن المعنوي، الذي لا يقل ايلاما عن السجن المادي.. ان سجن الاذهان لا يقل خطرا عن سجن الابدان"

اما نقابة المحامين، فقد عقدت ندوة ، تحدث فيها الدكتور محمد حلمي مراد والدكتور محمد عصفور والاستاذ احمد الخواجه نقبيب المحامين السابق(7) فندوا فيها القانون مادة مادة. كما عقد مجلس النقابة – قبل حله الاخير(8) -اجتماعا اتخذ فيه عدة قرارات مترابطة، تبدأ بمقاطعة التطبيع حتى رفض مشروع القانون، لما يتضمنه من عدوان على الحقوق الاساسية للانسان المصري ومخالفة للدستور القائم، كما عقد مجلس النقابة – قبل حله – اجتماعا طارئا، اتخذ فيه عدة قرارات حول الوضع الديمقراطي في مصر، ودارت اغلب القرارات حول قانون العيب والقوانين الاخرى المقيدة للحريكات  ومن هذه القرارات ما يلي:

1- تعديل الدستور بالغاء منصب المدعي العام الاشتراكي.

2- رفض مشروع قانون حماية القيم لما يتضمنه من عدوان على الحقوق الاساسية للانسان المصري ومخالفا لنصوص الدستور القائم.

3- المطالبة بالغاء حالة الطوارئ لزوال اسبابها.

4- المطالبة باقامة ديمقراطية سليمة واطلاق حرية تكوين الاحزاب دون قيود وموانع، والغاء العزل السياسي.

5- الغاء كافة التشريعات المقيدة للحريات.

6- تشكيل لجنة لاعداد بيان في القضايا العامة للعمل الوطني، و ينشر بمجلة المحاماة ويتم توزيعه.

7- اتخاذ موقف وطني صلب في هذه القضايا.

 

من الامور الخطيرة التي تضمنها قانون العيب محاولته الالتفاف على القضاء المصري، الذي أثبت نزاهة وصلابة منقطعة النظير، وكان في حالات عديدة سندا شرعيا، يلجأ اليه كل من تزج بهم أجهزة الدولة في قضايا باطلة، كما لاحظنا موقفه الصلب، الوطني الواضح، في قضية المتهمين بأحداث يومي 18و 19 يناير 1988، فمن المؤكد أن حكم محكمة أمن الدولة الذي سبقت الاشارة اليه، شكل صدمة كبيرة، لأجهزة النظام التي لفقت هذه القضية ، وتوقعت أن تحصل من المحكمة على إدانة للأشخاص الذين تم ضبطهم في هذه الأحداث، وقد بلغ عددهم (176) شخصا . وقد جاءت محاولة الالتفاف على القضاء المصري، عن طريق سلبه بعض صلاحياته، وإحالتها الى ما عرف في القانون باسم " محكمة القيم"، وبالذات القضايا التي يرى المدعي العام الاشتراكي أنها مخالفة للقيم. وموضوعه القيم – كما قلنا- نسبية، وبإمكان المدعي العام الاشتراكي أن يحشر فيها كافة  الأمور التي تتعرض لنقد خطط النظام ومواقفه.

لقد نصت المادة (56) من القانون المذكور على تشكيل هذه المحكمة من سبعة أعضاء: أربعة من أعضاء مجلس الشعب، وثلاثة من مستشاري محكمة النقد وتصدر المحكمة أحكامها بالأغلبية المطلقة، ويكون الحكم نهائيا غير قابل للطعن فيه بأي طريقة من طرق الطعن. وقد شكك الدكتور حلمي مراد في شرعيتها القضائية، لأنها تضم أفراد من خارج الهيئة القضائية، وهم أفراد مجلس الشعب، لذلك فهي لا تعتبر هيئة قضائية، إنما تعتبر من الناحية القانونية لجنة إدارية ذات اختصاص قضائي، يجوز الطعن في قراراتها أمام القضاء الاداري.... بل إنها هيئة غير دستورية، لأن مجلس الشعب ليس من بينها اصدار قرارات جزائية على المواطنين، ويعتبر هذا عدوانا على اختصاص السلطة القضائية وهي سلطة مستقلة.. فضلا عن أن أعضاء مجلس الشعب الذين سيجلسون مجلس القضاء، في هذه المحكمة الخاصة، سيختارون في غالبيتهم إن لم يكونوا كلهم من حزب الأغلبية الحاكم، فكيف يتولون محاكمة المواطنين من خصومهم السياسيين، فيكونوا بذلك خصما وحكما، وهو ما يخالف الاصول المرعية في المحاكمات، بل يعد انتهاكا لحقوق الانسان التي نص عليها الاعلام العالمي الصادر عن الامم المتحدة، والذي يقضي بأن من حق كل انسان ان توفر له محاكمة محايدة نزيهه. أم بيان حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي فقد اعتبر تشكيل المحكمة بهذه الطريقة التي احالت اليها بعض اخصاصات القضاء عقابا للقضاء المصري لأنه وقف في جملة مواقف تحمي الحرية وتحافظ على الدستور وترعى حقوق القانون لذلك يراد له أن يعاقب وأن يحرم من بعض وظيفته في اخطر مجالاتها وهو مجال حماية حريات الناس وحقهم الدستوري في التعبير.

ان للتتبع لمسيرة النظام الحاكم في مصر، يلاحظ أنه منذ وصوله للسلطة في مايو 1971 كان يعمد دوما الى سن القوانين والتشريعات التي تحاكم وتضبط الاتجاهات المناوئة له ولمواقفه بمعنى أنه يضيق على الحريات ويقمع الاتجاهات الكاشفة لفساده وأخطاءه باسم القانون.وفي مرات عديدة يضفي على هذه القوانين صفة الجماهيرية عن طريق الاستفتاءات الشعبية مع تجاهل كل الاصول الدستورية والفنية التي ولا بد أن تصاحب الاستفتاءات سواء من حيث  الموضوع او من حيث الشكل، كما لاحظ بيان لحزب التجمع. ويكفي في مجال مصادرة الحريات واشكال التعبير باسم القانون ان نذكر المسلسل الامني القضائي الذي اتبعته اجهزة الحكم عام 1978 مع جريدة " الاهالي" الناطقة باسم حزب التجمع حيث كان يتم ضبط العدد المطبوع وهو مايزال في المطبعة بناء على ما يسمى " بلاغ من احد العاملين في المطبعة" يخبر أن العدد المطبوع يتضمن مقالات تخل بأمن الدولة، فتتحرك اجهزة الامن لضبط العدد والاستيلاء عليه ثم تتقدم بمذكره للنيابة تطلب اقرار اجراءات الضبط واحالة الجريدة للمحكمة.... وخلال هذه العملية وما يصاحبها من اجراءات يحال دون توزيع العدد ووصوله الى المواطن. وقد تكررت هذه المسرحية- الامنية، مع ما يزيد على عشرة اعداد من الجريدة حتى اظطر الحزب لوقفها عن الصدور بعد ان تأكد أن هذه المسرحية ستستمر مع كل الاعداد ويدعي النظام بعد كل ذلك أنه لم يوقف الجريدة بل أن الحزب هو الذي اوقف صدورها. وواضح ان هذه الاجراءات تقوم على تجاوز اجهزة الامن ونيابة امن الدولة للتطبيق القانوني الصحيح للمواد التي استندوا اليها في اجراءات الضبط اذ تشترط هذه المواد " ركن العلانية" في حين ان الجريدة كانت تصادر في المطبعة قبل ان توزع او تطرح للبيع اي قبل تحقق العلانية التي يشترطها القانون.

3- قانون الصحافة الجديد

هذا القانون هو آخر القوانين التي الحقت بترسانة القوانين والتشريعات التي سلح بها السادات اجهزة نظامه لتطبيق مرحلة ما بعد كامب ديفيد، ان لجوء النظام الى هذا التطويق المسلح بقرارات تعسفية غير قانونية ولا شرعية يدل على تأكد النظام من ان اتفاقيتي كامب ديفيد لا تحظيان بموافقة وتأييد الشعب المصري رغم الاستفتاء المزعوم الذي جرى حولهما. ان قانون الصحافة الجديد دليل آخر على ان النظام يخشى الكلمة الملتزمة المعبرة عن طموحات الجماهير وتطلعاتها. ان النظام الذي يحسب حساب الكلمة المعارضة فيسن القوانين والقرارات لشلها يدلل على ان خطواته ومواقفه تسير بشكل معارض للمواقف التي يؤيدها شعبه كما ان هذا النظام يكون قد وصل الى قمة ضعفه بحيث اصبحت الكلمة تؤثر في جداره وتنذر بانها سلاح فعال من اسلحة هدمه وتقويضه . ويبدو ذلك من دراسة بعض النواحي في قانون الصحافة الجديد:

أولا: يهدف قانون الصحافة الجديد الى تطويق كافة انواع النقد لسياسة النظام عن طريق وضع الصحافة في قيود لا تمكنها من القيام بدور الناقد والمفند لخطوات النظام وسياساته وذلك بتضييق حاسم يحدد على حرية الصحفي. لذلك فإن اول ما يلاحظ على القانون هو انهاء حرية الصحافة ووضعها في القالب الذي يناسب سياسة النظام. وقد قيد حرية الصحافة بوسائل متعدده عبر مواد مختلفة تضمنها. فقد نصت المادة الثالثة منه على ...." الصحفيون مستقلون ولا سلطان عليهم في اعمالهم لغير القانون" . إن الاستقلال الذي نص عليه في هذه المادة استقلال شكلي، لأن القانون الذي اعتبرته المادة السلطان الوحيد على هذا الاستقلال، يقيد الحرية الصحفية، وهي السمة الاساسية للاستقلالية المنصوص عليها. فحسب المادة المذكوره، يتوجب على الصحفي المصرين ان يمارس استقلالية في حدود القانون، وقد كان النظام يعرف ان القوانين القديمة والجديدة كفيلة بان تضيق الخناق على حريته، وتحد م ن هذا الحرية بطريقة تجعله لا يجروء على نقد النظام وممارساته والا فسوف يقع تحت طائلة هذه القوانين، التي درسنا بعضها، ورأينا ما فيها من جبروت وطغيان. وكيفي لبيان هذ الاستقلالية المزعومة التي تقديها القوانين، وتقمع صاحبها القرارات، ان نذكر بعض مواد هذه القوانين، التي تتربص بالصحفي، ان هو فكر في استخدام حقه في "الاستقلالية".

على ان "يعاقب بالحبس كل من عرض الوحدة الوطنية للخطر، بان لجأ الى العنف، او التهديد، او اية وسيلة اخرى غير مشروعة لمناهضة السياسة العامة المعلنة للدولة، او للتأثير على مؤسساتها السياسية والدستورية في اتخاذ قرار بشأنها".

ان هذه المادة تعني ان اي انتقاد لاتفاقيتي كامب ديفيد، اللتين وقعهما السادات ونظامه مع العدو الصهيوني، يعتبر مناهضة لسياسة الدولة العامة المعلنة، وهو بالتالي يهدد الوحدة الوطنية، ويعرضها للخطر، لان مجرد ا لنقد والهجوم على هذه الصفقات غير المشروعة الممتدة من محادثات الكيلو (101) حتى الاتفاقيات الاخيرة، يعتبر من الوسائل التي يقع صاحبها تحت طائلة المادة السابقة.

اكد قانون الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي (قانون رقم 33 لسنة 1978) ما سبق ان ادانته المادة السابقة فقد تناولت المادة التاسعة منه العقوبات الخاصة بالجنح التي تقع بواسطة الصحفي على ما ينشره او يذيعه اي مصري في الخارج اذا كان من شأنه المساس بالمصالح القومية العليا للبلاد، او فساد الحياة لاسياسية ، او تعريض الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي للخطر.

ان هذه المادة من قانون (33) لسنة 1978 بالاضافة الى تأكيدها على ما تدينه مواد قانون رقم (34) لسنة 1972، فانها تأتي في صياغة ضبابية غير محددة، كي تتمكن اجهزة النظام من حشر كافة اعمال المعارضة واقوالها، تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها. فهي لم تحدد المقصود بـ "المصالح القومية العليا للبلاد"، وبالتالي فان هذه العمومية غير المحددة تفرض تساؤلات عديدة منها:

أ‌.  هل اعطاء الولايات المتحدة الامريكية تسهيلات عسكرية في الاراضي المصرية، ينسجم مع المصالح القومية العليا للبلاد؟

ب‌. هل كشف الطبقات الطفيلية التي افرزتها مرحلة الانفتاح عقب حرب اكتوبر وبيان كيفية ثرائها غير المشروع، يعرض الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي للخطر؟

ت‌. هل عزل بعض الافراد المعارضين للسلطة عن العمل السياسي، ينسجم مع مفهوم الوحدة الوطنية؟ الا يعرض هذا العزل السلام الاجتماعي للخطر.

 

وتساؤلات اخرى عديدة، تبين بوضوح ان كافة الامور التي هي من صميم عمل الصحفي ومسؤوليته اتجاه وطنه ومواطنين، لا يمكن له بحال من الاحوال، ان يعطي رأيه فيها، لان مواد القوانين، تجرمه، وتضعه في موقف مناوئ لمصلحة البلاد العليا. وهذكا فان ما يمثل مصلحة البلاد من وجهة نظر الصحفي الوطني، يعتبر من وجهة نظر النظام واجهزته، اخلالا وتفريضا بهذه المصلحة يستحق عليها العقوبات الشدديد’ن لذلك فان حرية الصحفي واستقلاليته مرهونة بافق النظام وقوانينه.

 

ثانياً: يتناول قانون الصحافة الجديد ناحة مهمة، تتعلق بحياة المواطن والضمانات المتوفرة له، فيضعها ضمن المخطورات التي لا يسمح للصحافة بتناولها. فقد نصت المادة الثامنة على انه "يحظر على الصحيفة تناول ما تتولاه سلطات التحقيق او المحاكمة بما يؤثر على صالح التحقيق او المحاكمة او بما يؤثر على مراكز من يتناولهم التحقيق او المحاكمة". يتضح من هذه المادة، ان النظام الحاكم قصد منها عدم تدخل الصحافة في معالجة القضايا ذات الطابع السياسي والجماهيري، التي تكون قيد التحقيق او في المحكمة، بحجة عدم التأثير في سير المحاكمة، في حين ان الغرض هو ضمان عدم تأليب الجماهير وتوعيتها ازاء مثل هذه القضايا، خاصة ان المعارضة السياسية تحاول دوما اللجوء الى القضاء المصري، ازاء مخالفات النظام، وما يلحق عناصرها من غبن وظلم. بالاضافة الى هذا تنص المادة المذكورة على "تلتزم الصحيفة بنشر بيانات النيابة العامة". والمعروف ان بيانات النيابة العامة لا ترقى الى مستوى الاحكام القضائية. ما الذي قصده النظام من حظره على الصحف تناول القضايا التي قيد التحقيق او في المحكمة مع إلزام الصحف بنشر بيانات النيابة العامة؟. ان هذا يعني نشر الراي الذي تتبناه الحكومة واجهزتها الامنية، فالنيابة العامة تمثل تصور الدولة، وبياناتها تعكس رأيها في القضايا المطروحة، في حين ان الصحافة الحرة مفتوحة لكافة الاراء، وبالذات الاشخاص او الهيئات التي لها علاقة بالقضايا المطروحة في المحاكم. وبالامكان تصور الفرق الكبير بين راي النيابة العامة ورأي الصحافة الحرة في قضية محددة، هي انتفاضة 18 و19 يناير 1977. لقد تم القاء القبض على (176) شخصا ، اتهمتهم نيابة امن الدولة بانهم كانوا وراء حوادث هذه الانتفاضة، من خلال انتماء غالبيتهم الى الحزب الشيوعي المصري، وحزب العمل الشيوعي، وتوالت بيانات النيابة العامة، تزج بالعديد من التهم حولهم، وتحرض الراي العام ضدهم، مؤكدة انها اسمكت معهم بالاوراق والمنشورات التي تثبت ادانتهم بافتعالهم الحوادث خدمة لمصالح جهات اجنبية. هذا في حين تصدت صحيفة "الاهالي" الناطقة بلسان حزب التجمع التقدمي الوحدوي(9)، لتلك الافتراءات مركزة على الاسباب الاقتصادية التي حركت انتفاضة الجماهير بشكل عضوي، بعيدا عن اي تخطيط مسبق، وقد اثبتت افتعال اجهزة امن الدولة للعديد من حوادث التخريب، لتبرر قمع الانفتاضة بالقوة. وقد استمر الحال على هذا الوضع: النيابة العامة تصر على التهم المنسوبة للمعتقلين، وحركة المعارضة تؤكد براءتهم حتى جاء حكم المحكمة في 19 ابريل 1980، وقضى ببراءة كل المتهمين ما عدا (19) منهم، تراوحت الاحكام الصادرة بحقهم بين سنة وثلاث سنوات.

ان هذه البراءة الجماعية للمعتقلين في هذه القضية، يثبت خطورة الامر، عندما يقتصر في بيان حقيقة قضية ما، على بيانات النيابة العامة، لانها تعرض الموقف والرأي الذي يخدم سياسة الدولة ووجهة نظرها، حتى لو كان ذلك على حساب تزييف الوقائع والحوادث، في هذه القضية، نرى انه لو اقتصر في بيان الحقيقة على بيانات النيابة العامة، دون الرد عليها وتفنيدها في صحف المعارضة.

لكان الحكم مختلفاً، لأن وجهة النظر الأخرى التي بسطتها المعارضة، واصرارها على التحري الدقيق، والتحقيق العادل، هما اللذان أوحيا إلى هيئة المحكمة بسماع أكبر عدد من الشهورد، والتدقيق في أقولاهم بشكل يخدم معرفة الحقيقة، وقد أوصل هذا الامر هيئة المحكمة إلى حقائق وحيثيات لا تختلف كثيراً عما كانت تعرضه حركة المعارضة، فقد أكد الحكم المذكور عدة أمورك

أ‌-  انتهاء المحكمة من دراسة الظروف التي احاطت بأحداث هذين اليومين إلى أنها كانت نتيجة مباشرة لقرارات رفع الاسعار، وحدثت بصورة تلقائية دون تحريض أو استغلال للموقف.

ب‌-          تعمد أجهزة الدولة المباحثية التضليل والزج بالعشرات في هذه القضية، دون الاعتماد على معلومات دقيقة ممحصة، كما أكد حكم المحكمة على أن التحريات المقدمة من مباحث أمن الدولة، تنتمي إلى مصادر مجهولة مما يجعلها موضعاً للظن، وقد استمت بطابع العجلة التي افقدتها ما ينبغي لها من دقة وتمحيص، ثم أنه قد عراها التناقض والتضارب والغموض، بدليل أن اذون الضبط والتفتيش شملت المئات من الأشخاص، واذا بالنباية العامة تستبعد جل هؤلاء الاشخاص فلم تستبق منهم في مجال الاتهام إلا (176) شخصاً.

ت‌-          وجهت حيثيات الحكم نقداً حاداً للنيابة العامة لقيامها في كثير من الأحيان بأجراء التحقيق خارج مبنى النيابة، سواء في مبنى هيئة الأمن القومي أو في مبنى مباحث أمن الدولة أو في سجن القعلة وغيره من السجون، مما لا يشعر للتهمين بالطمأنينة عند مباشرة التحقيق معهم.

ث‌-          أشارت هيثيات الحكم إلى أن الكمية الهائلة من الكتب والصحف والنشرات المضبوطة مع المتهمين، والمقدمة على أنها وثائق إدانة لهم، أسفر فحصها عن أنها كتب يتم عرضها للبيع والشراء بالأسواق كما يتم تداولها بين الناس، فهي إذن كتب مباح شراؤها واقتناؤها لمن يريد من الأفراد دون قيود، إذ ليس بالأوراق دليل على منعها من التداول، وبالتالي فإن حيازتها لا تشكل جريمة.

ج‌-          هاجمت حيثيات الحكم شاهد الاتهام الرئيسي محمد حاتم زهران، رئيس قسم الحركة بسنترال شبرا، ووصفه بأنه شاهد متلون، لا يستقر على حال ولا يثبت على رأي، واستعرضت تناقض اقواله وعدوله المستمر عنها، وقالت إن ما فعله (اجتراء على اخلاقيات الشهادة أمام جهات التحقيق) ووصفت موقفه بأنه (مثال للعبث وصورة شائنة لمن يتجرد مما تفرضه آداب وخلاقيات ونزاهة الشهادة أمام جهات القضاء).

إن هذه الحيثيات الواردة في حكم محمة أمن الدولة العليا، بصدد قضية المتهمين في أحداث انتفاضة 18 و 19 يناير 1977، وأغلبها يفند ما جاء في بيانات النيابة العامة وتحريات مباحث أمن الدولة، ويطابق تماماً وجهة نظر المعارضة، يوضح خطورة الاقتصار في مثل هذه القضايا على بيانات النيابة العامة لذلك فإن قانون الصحافة الجديد، عندما حظر على الصحيفة تناول ما تتولاه سلطات التحقيق، فقد كان يقصد خدمة الحيثيات التي تقدمها أجهزة الدولة في القضايا المعروفة على سلطات التحقيق والمحاكم، وحرمان الرأي العام المحلي من سماع وجهات النظر المعارضة لرأي الحكومة ونيابتها.

ثالثاً: يتولى قانون الصحافة الجديد التطويق المسبق لصحافة المعارضة، إذ يضع القيود التي تحول دون تمكن المعارضة السياسية من إصدار الصحف المعبرة عن وجهة نظرها، وذلك من خلال وضع العوائق المالية والاعتبارية، فقد نصت المادة 19 على ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن ماشتين وخمسين الف جنيه اذا كانت (الصحفية) يومية ومائة الف جنيه إذا كانت اسبوعية، يودع بالكامل قبل إصدار الصحيفة في أحد البنوك المصرية، إن هذا الشرط المالي، يعتبر في إغلب الأحوال تعجيزياً لا يتوفر لأفراد المعارضة، في حين أن القانون يعتبره شرطاً أساسياً لاصدار الصحيفة، أما الناحية الثانية من التطويق المسبق، فهي الجانب الاعتباري، الشخصي، الذي حددت المادة (18) من خلاله الفئات التي يحظر عليها.

إصدار الصحف أو الاشتراك في إصدارها أو ملكيتها باية صورة من الصور، وهي:

1- الممنوعون عن مزاولة الحقوق السياسيةز

2- الممنوعون من تشكيل الاحزاب السياسية أو الاشتراك فيها.

3- الذين ينادون بمبادئ تنطوي على إنكار للشرائع السماوية.

4- المحكوم عليهم من محكمة القيم.

فالشرطان الأول والثاني، يعزلان كافة أفراد زوجهات المعارضة، ويحولان دون إصدارهما أو اشتراكهما في إصدار وملكية الصحف، أما الشرط الثالث فهو للاستهلاك المحلي، ولبيان غيره النظام على الدين، إذ ليس هناك من ينادي بإنكار الشرائع السماوية، ومنذ عرفت مصر الطباعة والصحافة لم نسمع عن صحيفة تصدر لتنادي بإنكار الشرائع المساوية، لأن الجميع وبالذات الكتاب والصحفيون يدركون أن مجتمعنا العربي، لا يتقبل هذه الدعوات، ولا يرحب بأصحابها أما الشرط الرابع فهو لزيادة المساحة التي يشملها حظر إصادر الصحف، لأن الأشخاص المحكوم عليهم من محكمة القيم، هم الأشخاص الذين جاء (قانون العيب) لمحاصرة أقوالهم وأفعالهم، ورأينا مدى تعسف هذا القانون ، وتعمده المسبق لسد كل الثغرات التي يمكن النفاذ منها لننقد سياسية الحكم ومواقفه، وبالذات في مرحلة ما بعد كامب ديفيد.

رابعاً: أما فيما يتعلق بالصحف القائمة فعلاً، والتي أسماها قانون الصحافة الجديد (الصحف القومية) ويقصد بها المؤسسات الصحفية المملوكة ملكية عامة، وهي الجمهورية والمساء والاخبار والأهرام، فقد نقل القانون ملكيتها من الاتحاد الاشتراكي إلى مجلس الشورى، الذي تشكل ليتولى الاشراف على الصحافة القومية(10) حسب المادة (23) التي نصت على أن المؤسسة الصحفية القومية مملكوكة ملكية عامة ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى، ويضمن النظام بهذه الملكية الجديدة السيطرة الكاملة على هذه الصحف وتجييرها لخدمة وجهات نظره، لأن مجلس الشورى تم تشكيله عن طريق انتخاب ثلثي اعضائه وتعيين الثلث الآخر، وهو بحكم هذا الوضع مجلس تابع للحزب الحاكم وهو منشأ بالأساس حيث لا قرار له ليتولى ملكية الصحافة القومية ومن المفيد أن نذكر أن بعض أحزاب المعارضة قاطعت انتخابات هذا المجلس، ولضمان السيطرة الحكومية الكاملة على هذه الصحف، حدد القانون الجديد تشكيل مجلس إدارة الصحيفة القومية، بطريقة تجعل للدولة الاشراف الكامل على كل ما يجري في (الادارة والتحرير)، إذ نصت المادة (30) على أن يشكل مجلس الإدارة من (15) عضواً على الوجه التالي:

أ‌-  رئيس مجلس الادارة ويختاره مجلس الشورى.

ب‌-          ستة من العاملين بالمؤسسة يتم انتخابهم بالاقتراع السري المباشر على أن يكون اثنان ممن الصحفيين واثنان من الاداريين واثنان من العمال، وتنتخب كل فئة ممثليها.

ت‌-          ثمانية اعضاء يختارهم مجلس الشورى على أن يكون من بينهم أربعة أعضاء على الأقل من ذات المؤسسة الصحفية.

ويتضح من هذا، أن تسعة أعضاء من مجلس إدارة الصحيفة المكون من خمسة عشر عضواً، يختارهم مجلس الشورى، في الوقت الذي تنص فيه المادة المذكورة على أن تصدر القرارات بأغلبية أراء الحاضرين، ةعند التساوي يرجع الجانب الذي من بينه الرئيس.

أن هذا يعني، في التطبيق العملي تحول الصحف القومية إلى وسائل مجيرة بالكامل لخدمة الدولة وسياساتها، في وقت اصبح تبعاً للقانون الجديد ليس من السهل على المعارضة السياسية أن تصدر صحفها الخاصة والتي تستطيع من خلالها طرح وجهات نظرها وهذا من شأنه أن يترك الرأي العام المصري تحت تأثير إ‘لام السلطة التي تسيطر أيضاً على الإذاعة والتلفزيون هذا بالاضافة إلى العديد من نواحي التقييد والحظر وضرب الحريات، تضمنها القانون الجديد، خدمة لسياسة الدولة وتوجهاتها في هذه المرحلة، لأن النظام يعي تماماً أنها توجهات معادية لإرادة الجماهير، لذلك لا بد من كبت كافة أصوات المعارضة.

 

ردود فعل الثقافة الوطنية:

إن الظروف السابقة، التي بدأت تحكم الحصار على الصحافة والثقافة في مصر، اثارت العديد من مواقف الكتاب الوطنيين، الذين ادركوا خطورة هذا النهج السياسي، وتنظيراته الإعلامية، فكان أن عمدوا لمواجهة هذه الردة الخيانية، إلى تشكيل لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، التي تكونت بمبادرة من خزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وتضم في عضويتها غالبية مثقفي مصر الوطنيين، على اختلاف انتمائاتهم الفكرية والسياسية، وذلك إثر اجتماع عقدوه في 31 مارس 1979، لقد أدرك هؤلاء المثقفون حجم الخطر المحدق بالثقافة العربية في مصر، لذلك يؤكد برنامج اللجنة على ضرورة التصدي للمنطلقات الفكرية المعادية، ويرصد البرنامج المنطلقات التي تهدد مقومات الشخصية العربية في مصر ، وذلك بقصد إقامة جدار متين من الثقافة الوطنية، يتصدى لحركة الجزر والثقافة المستسلمة اللاوطنية، لأن الاقلام التي تنظر لخدمة الخط المستسلم، في أوساط الكتاب المصريين، تمثل خطراً حقيقياًن فتأثيرها في الشارع المصري، أكثر من تأثير الأقلام الوطنية بحكم أن الأولى (المستسلمة) تسيطر على كافة الصحف القومية، وفي خدمتها الاذاعة والتلفزيون أيضاً، وهما جهازان خطيران في غالبية دول العالم الثالث، حيث يتضاعف تأثيرهما بحكم نسبة الأمية العالية.

إن تكثيف العمل في داخل مصر، لمواجهة خطر انتشار مفاهيم الاستسلام في صفوف الكعاب والمثقفين، أمر له اهمية خاصة، إذ رما من ثقافة قومية عانت الهزيمة إلا أذا استشعرت هذه الهزيمة في أعماقها، ومن اداخلها أو أقرت بتفوق الثقافة الغازية عليها، وساتسلمت لهذا التفوق وما من شخصية قومية تهزم إلا أذا بذر بذور الهزيمة فيها مفكروها ومثقوها وذوو الرأي فيها ورسخوا في وعيها الاحساس بالدونية" (11) إن الراصد الافكار الثقافة اللاوطنية المستسلمة يدرك أن هذه الثقافة حددت المنطلقات التي تنطلق منها الثقافة الوطنية وأهم هذه الافكار والمنطلقات التي تصدت لها الثقافة الوطنية مجموعة من الأكاذيب تشكل محول تحرك الإعلام الرسمي اللاوطني، واهمها:

أولاً: الادعاء بأن مصر حاربت ثلاثين عاماً من أجل القضية الفلسطينية خسرت فيها حوالي ستين ألفاً من الشهداء في الوقت الذي كانت بقية الاقطار العربية منصرفة إلى إلى ماشغل اخرى وأن هذه الحروب المتصلة هي سبب الفقر وتدني المستوى المعيشي للمواطن المصري وقد أن الأوان كي تستريح مصر وشعبها من هذه الحروب التي لم تجلب لها غير الخراب والفقر والدمارز

ثانياً: إن الولايات المتحدة الامريكية تملك 99% من أوراق حل قضية الشرق الأسوط وقد كان بإمكانها المساهمة الفعالة في حل هذه القضية لولا أن النظام السابق (عهد عبد الناصر) ناصبها العداء بدون مبررات موضوعية مما جعلها تناحاز كليا لطرف الاخر (العدو الصهيوني) بدليل أنها تقوم الآن بدور الشريك الكامل في مفاوضات الحل، متخذة موقفاً موضوعياً لا ينحاز لطرف من الأطراف.

ثالثاً: إن وجود دولة اسرائيل في المنطقة العربية أمر واعي، لا محيد عن الاعتراف به والانسجام مع ما يتطلبه هذا الاعتراف من إنهاء روح العداء والخصام والبداء بمرحلة جديدة تحطم الحاجز النفسي التذي يحول دون التفاهم والتعايش مع هذه الدولة.

رابعاً: إن السلام يحتاج من الشجاعة والمقدرة ما لا يقل عما يحتاجه الحرب منهما وقد اثبت انتصار حرب اكتوبر إمكانية الانلاطق في التعامل مع دولة اسرائيل من موقع الند بعد أن ازال هذا الانتصار كل العقد النفسية فلم يعد للاسرائليين الحق في التصرف مع الاخرين على اعتبار انهم القوة التي لم تقهر كما ان الذي يخطو نحو السلام من موقع الند والقوة يدلل على خليفة حضارية ومصر تتمتع برصيد حضاري عمره سبعة الاف سنة يؤهلها لهذا الموقف بجدارة

خامسا :ان الأمر الواقع المتمثل في وجود دولة اسرائل واعتراف اغلبية دول العالم بهاء وحماية الولايات المتحدة الامريكية المستمر لهذا الوجود يجعل من الشجاعة والعقل ان ننظر الى القضية الفلسطينية نظرة جديد ة اذا هناك فرق بين الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وما يمكن الوصول اليه من هذه الحقوق في ظل الأمر الواقع وموزين القوى الدولية الراهنة ونذا يعني الامتثال للامر الواقع والظروف المعاصرة بحيث يصبح الهدف النهائي هو الوصول الى دولة فلسطينية في القطاع والضفة عبر عدة مراحل يتفق عليها خلال المفاوضات التي تجريها الأطراف ذات العلاقة

ان المفاهيم المضلة السابقة التي تشكل الملامح السياسية والفكرية لمرحلة تطبيع العلاقات تحاول الان ان تكون لها تيارا بين الكتاب والصحفيين الرسمية تحقيقها بسهولة وجعلها ثقافة سائدة في ويروج لها لا يمكن لاجهزة الاعلام الرسمية تحقيقا بسهولة وجعلها ثقافة سائدة في الشارع املصري لذلك فان التيار الوطني التقدمي في الثقافة والصحافة المصرية في داخل مصر بالذات يجعل من مهماته الاساسية التصدي لهذه المفاهيم لبيان تزييفها لحائق التاريخ وقفزها عن العديد من الاعتبارات وتفسيرها للوقائع بطريقة تستغل فيها معاناة الجماهير وضائقتها الاقتصادية التي هي من صنع النظام وفساد سياساته ان هذا التصدي الوطني يشكل في املجال الثقافي المصري تيارا وضحا يناضل بصالبة مثبتا ان الانتماء الوطني العربي بوجهه التقدمي هو الصفة الاساسية لغالبية الكتاب واملثقفين في مصر وأن سقوط قلائل لا يغير هذه الصفة

 

الهوامش:

1. من المفيد أن نذكر أن النظام المصري اطلق على هذه الانتفاض الجماهيرية اسم انتفاضة الحرامية، مذكراً بما صاحبها من عمليات تخريب وحرائق اثبتت تحريات المعارضة أنها كانت من فعل اجهزة النظام كي يجد المبرر لقمع هذه الانتفاضة ولقد جاء حكم محكمة امن الدولة الصادر في 19 من ابريل سنة 1980 أمن الدائرة التي يرأسها المستشار منير صليب ليكذب اقاويل وتسميات النظام فقد تحدث هذا الحكم بالتفصيل عن المتاعب والمعاناة التي كانت تطحن الشعب وشكلت في رأي المحكمة السبب المباشر لحوادث هذين اليومين لذلك قضى الحكم ببراءة كل المتهمين في القضية فيما عدا (19 ) منهم تراوحت الاحكام الصادرة بحقهم بين ستة وثلاثة سنوات وقد شملت احكام البراءة الكتاب والشعراء والصحفيين المتهمين في القضية وهم عزت عامر محمود الشاذلي فريد زهران هشام عبدالفتاح محمود توفيق عبدالقادر الشهيب رشدي أبو الحسن عريان نصيف زهدي العدوي سمير عبدالباقي حسين عبدالرازق زين العابدين فؤاد صلاح عيسى، أحمد فؤاد نجم، وحكم على الشاعر حمدي عبيد بالحبس لمدة سنة وقد تضمنت أسباب الحكم عدداً من المبادئ ال