الثقافة الوطنية المصرية في زمن التطبيع([1])

-       الظروف والسمات –

 

إن المفاهيم المضلله التي تشكل الملامح الفكرية لمرحلة "تطبيع العلاقات" تحاول جاهدة استقراء الحياة اليومية للمواطن المصري , خلال ربع القرن الماضي لتختار اللقطات الحياتية ذات العلاقة

بمشاكل المواطن الحياتية , كي تبدأ بتجييرها لخدمة المرحلة , على اعتبار أنهامن علامات المرحلة السابقة , وأن مرحلة السلام الجديدة, بالقفز على هذه العلامات وما يصاحبها – عادة – من منطلقات فكرية , واعتبارات نفسية , سوف تصل بالمواطن الى رخاء حتمي , يصبح سمة" مرحلة السلام " وأن هذا الرخاء من شأنه أن ينقل المواطن الى حياة جديدة, لها مواصفات مختلفة ومغايرة. تعتمد هذه المفاهيم المضللة على مجموعة من الأباطيل والتحريفات , تدور حول عدة محاور أهمها:

 

أولاً : طبيعة الحروب المصرية السابقة.

كان أول ما طرحه إعلام السلطة, بعد التوقيع على اتفاقيتي كامب ديفيد , أن مصر التي حاربت منفردة ثلاثين عاما من أجل فلسطين ,من حقها أن ترتاح , كي تحقق الرخاء والثراء , الذي حققه العرب الآخرون الذين لم يحاربوا. وقد تابع بعض الصحفيين والكتاب هذه الموجة , محملين هذه الحروب كافة الضوائق الاقتصادية التي يعاني منها المواطن المصري , وقد استمر العزف طويلاً على هذا الوتر , مما أثار سؤالاً كبيراً أمام الجميع , وبالذات الكتاب الوطنيون في مصر.. هذا السؤال؛ ما هي حقيقة الحروب المصرية من عام 48 حتى 1973؟ هل كانت فعلا من أجل فلسطين ؟.

ليس صحيحاً أن تلك الحروب , كانت – بشكل مطلق- من أجل فلسطين. فدخول حرب 1948, في عهد الملك فاروق , كانت مصر فيها دولة من سبع دول عربية , أرسلت جيوشها لنصرة الشعب الفلسطيني , الذي تعرض لهجمة امبريالية – صهيونية , هددت كيانه ووجوده. وقد كان قرار الحرب – من ناحية أخرى يؤكد اصالة الانتماء العربي لمصر, وعمق الاحساس العروبي عند الشعب المصري, إذ لولا هذا ما كان حزب الأقلية السعدي الحاكم آنذاك , أن يتخذ هذا القرار لولا معرفته بالإحساس الحقيقي لنبض الجماهير المصرية (1). وقد عجلت هذه الحرب بما أثارته حول قضية الأسلحة الفاسدة, وفي بلورة فكرة الثورة عند عبد الناصر ورفاقه لتلك الحرب, لا يخدم فكر الذين يحاولون التنكر للسياق العروبي الذي ينتظم التاريخ المصري , عبر كافة مراحله.

أما الحرب التي أثارها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، فلم يكن للقضية الفلسطينية علاقة بأسبابها من قريب أو بعيد , إذ لا جدال في أن تأميم قناة السويس , هو السبب الأساسي لذلك العدوان , وقد استهدفت منطقة بور سعيد, محاولة من المعتدين إعادة سيطرتهم الاحتكارية على القناة. وقد كان دور اسرائيل فيها ضرب الجيش المصري في سيناء , كي لا يتمكن من نجدة قطاعاته في منطقة القناة, المركز الرئيسي للعمليات الحربية. أما فلسطين , فقد كانت خسارتها في هذه الحرب باهظة , إذ تم احتلال قطاع غزة من اسرائيل , وتلكأت فيه حوالي ثلاثة شهور , رغم الانسحاب الفوري للفرنسيين والانجليز من القناة , وخسرت فلسطين في هذه المدة آلافاً من شبابها في مجازر جماعية على يد القوات الاسرائيلية المعتدية , لم تسلم منها أي قرية أو مدينة في القطاع.أما حرب 1967 , قفد فرضتها الامبريالية الامريكية ، على مصر عبد الناصر, مستخدمة أداتها في المنطقة العربية , دولة اسرائيل, لتقديم دور  عبد الناصر في الوطن العربي, خاصة بعد دوره في عدم ومساندة الثورة في اليمن الشمالية، ووضوح ملامح التغيرات الاشتراكية , وطموحات خطط التنمية في مصر، التي كرستها تجربة مثلى أمام دول العالم الثالث ، في مجال الخط الوطني المستقل ، وفي داخل الوطن العربي، كان دور عبد الناصر يتزايد يومياً في تأصيل التيار القومي العربي بأفقه التقدمي ، المعادي للإمبريالية والصهيونية. لهذه الأسباب كان العدوان الاسرائيلي المفاجئ في يونيو 1967، بعد سلسلة من التهديدات ، ألجأت عبد الناصر الى سحب قوات الطوارئ الدولية، واغلاق مضائق تيران ، وقد تم في هذا العدوان إحتلال ما تبقى من فلسطين , قطاع غزة والضفة الغربية بالإضافة الى سيناء المصرية والجولان السورية . وفي عام 1973 , كانت حرب اكتوبر , دخلتها مصر كي تحرر أراضيها المحتلة عام 1967 , وقد كانت الوحيدة من الحروب السابقة ,  التي دخلتها مصر بشكل معتمد ومخطط له . فهي حرب مصرية بحتة , وبعكس ما يروجه كتاب الإستسلام , فإن الإنجاز العسكري المدود فيها , نجم عنه "تحريك " قضية الشرق الأوسط , في قنوات مصرية – إسرائيلية , برعاية الولات المتحدة , إستعادة خلالها مصر أجزاء من أرضها المحتلة في سيناء , على حساب الإعتراف بوجود إسرائيل ,  على أرض فلسطين العربية . أما فيما يتعلق بالشعب المصري , فإن " هذه الحروب لم تستثر فيه التطلع الى السلام بقدر ما استثارت فيه الشعور بضرورة رفع الغبن , وضرورة إستعادة الحق والارض . وكانت الحرب لا السلام هي التي غرست في وجدانه بإعتبارها الأداة الفعالة الكفيلة بتحقيق أمانيه الوطنية والتقدمية" (2)

يتضح من ذلك حجم الأباطيل والقفز عن الحقائق , التي يلجأ اليها إعلام السلطة, وكتاب الإستسلام , مروجو الثقافة اللاوطنية في مسألة الحروب المصرية , إذ كانت مصر فيها , إما معتدى عليها لإسباب خاصة بها وبوقعها , أو محاربة من أجل إستعادة أرضها المحتلة  . أما ما يقرنه إعلام السلطة ,بهذه الحروب , من تدهور الإقتصاد المصري , وبالتالي إنحطاط مستوى دخل الفرد وحياته , فهي مجرد أكاذيب لا تدعمها الإحصاءات العلمية الموضوعية , تحاول من خلالها اللعب بعواطف الجماهير , على إعتبار أن مرحلة السلام سوف تجلب معها الرخاء المنشود , والتقدم المطلوب , رغم أن مرحلة ( اللا سلام ) السابقة مع العدو الإسرائيلي , لم تكن بأي حال من الأحوال مرحلة (اللا رخاء ) و ( اللا تقدم ) و ( اللاتنمية ) , بدليل " أن البنك الدولي يشهد في تقرير له عن مصر ( رقم 870 – 1 , الصادر في واشنطن بتاريخ 1967 ) بأن نسبة النو الإقتصادي سارت بمعدل 6 بالمئة سنوياً ( بالأسعار الثابتة الحقيقية ) طوال عشرة أعوام , من عام 1957 الى عام 1967 . وارتفعت هذه النسبة في وسط هذه الفترة من عام 1960 الى عام 1965 , الى معدل 6,6 بالمائة , وتقدمت مصر وقتذاك , بمعدل نموها هذا , دول العالم النامي جميعها , وبلغت ضعف معدل نمو أكثر بلدانه تحرراً في نفس الفترة ,ولم يتقدم مصر في معدلات النمو وقتذاك إلا عدد محدود من دول العالم الغربي المتقدم , وبالذات ألمانيا الغربية واليابان , وكذلك مجموعة الدول الشيوعية . وكانت هذه السنوات سنوات مواجهة ضارية مع إسرائيل لا سنوات سلام معها "(4) . إن الإحصائيات الرسمية تثبت – بما لا يدع مجالاً للشك – في أن فترات الحرب والتصدي , كان الإقتصاد المصري ينمو بشكل واضح , ويحقق في معدلات التنمية ما لم يحققه إقتصاد العديد من دول العالم الثالث , فقد " كان الإقتصاد المصري في عهد عبد الناصر وخاصة في الفترة 1960 – 1970 , أعوام التأميم والتنمية المخططة وحرب اليمن وعدوان 1967 , وفقدان موارد البترول وقناة السويس, يحقق معدلاً للنمو باسعار 59/60 الثابتة قدرة 4.9% سنوياً، وكانت الزراعة تحقق 2.7% والصناعة 2.6% وعلى الرغم من احتياج مصر الشديد الى زيادة الانفاق العسكري لمواجهة آثار العدوان ، لم تحقق الخدمات غير الانمائية معدلاً يتجاوز 6.5%، أما في عهد الرئيس السادات فقد كان معدل نمو الدخل القومي حتى عام 1977 وبأسعار عام 70 الثابتة لا يتجاوز 3.3% سنوياً ، فيما حققت الزراعة 1.3% فقط والصناعة 4% . أما الخدمات غير الانمائية فقد نمت بمعدل قدره 13.5% سنوياً ، بالرغم من اعتبار حرب اكتوبر آخر الحروب . إن ذلك يعني ببساطة أنه  فيما كانت تنمية عبد الناصر تحاتي قطاعات الانتاج المادي ، وأصبحت عملية التنمية في ظل السادات مجرد تضخيم للقطاعات غير الانتاجية ، أي القطاعات الطفيلية...

وبالنتيجة انخفضت نسبة قطاعات الانتاج المادي السلعية والخدمية من الدخل القومي من 75% في عهد عبد الناصر (عهد الحروب والتصدي والمواجهه) الى 55% في عهد السادات ( عهد انهاء الحروب والسلام )" (5). وهكذا , فإن العقود الثلاثة (48-1973) التي كانت سنوات مواجهه مع الامبريالية والصهيونية ، لم تجلب لمصر التخلف والضوائق الاقتصادية ، في حين أن العقد السابق (73-1981) من السلام، لم يجلب لها الرخاء المزعوم.

 

ثانياً: الأمر الواقع والحاجز النفسي

من الأطروحات الفكرية ، التي تتصدى لها الثفافة الوطنية في مصر ، ما يردده إعلام السلطة وكتابها ،حول الوجود الاسرائيلي، 1لذي اصبح أمرا واقعيا في المنطقة العربية ، لا يمكن تجاوزه . إن حقائق التاريخ، خاصة جانبها النصالي ، لا تعترف بالأمر الواقع الذي يقوم على حساب حقوق تاريخية لشعوب أصيلة الحياة والامتداد على أرضها. وقد أكد هذا المفهوم أن مائة وثلاثين عاما من الأمر الواقع الفرنسي في الجزائر، لم يحل دون مواصلة النضال الجماهيري المسلح ، وصولا الى الاستقلال الكامل ، واعادة الانتماء العربي ، بعد أن كان الأمر الواقع الاستعماري ، يعتبر الجزائر امتدادا فرنسيا وراء البحار. كما أن الأمر الواقع العربي- الاسلامي في الأندلس، لمئات من السنين ، لم يحل دون عودة هذه البلاد الى حالها الاوروبي المسيحي ، الذي كانت تعيشه قبل الفتح العربي. لذلك، فإن إحدى وثلاثين سنة من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين العربية، لا يمكن أن تشكل أمرا واقعيا صهيونيا ، يمكن الاعتراف به ، واعطاؤه الصفة الشرعية، بدليل استمرار رفض عرب الأرض المحتلة لهذا الواقع، ومقاومته بكافة الأساليب ، منذ تكشف النوايا الاستعمارية في عام 1917. ورغم كافة أساليب القمع والصهر والتشريد، فإن الوجود العربي، تحت الحكم الاستيطاني الصهيوني ، يأبى أن ينصهر في البوتقة الصهيونية، محتفظا بصبغته العربية. لذلك فإن ما يقال عن الحاجز النفسي الذي يحول دون الاعتراف بدولة اسرائيل، تضليل واضح ، لأن الأمر يرتبط بحاجز من الجغرافيا والتاريخ والحقيقة والانتماء ، وهي أمور لا يمكن القفز عنها، مهما توفرت فرص التطبيع النفسي، التي من المحال وجودها، طالما الأمر يتعلق بالحقيقة التاريخية، والوجود السكاني القديم في انتمائه لأرضه وإطاره التاريخي.

 

ثالثا: السلام والحضارة

حاولت الأقلام التي أيدت اتفاقيتي الصلح مع العدو الاسرائيلي ، أن تنظّرَ لهاتين الاتقاقيتين على اعتبار أنهما خدمة لحركة السلام، وأن السلام من صفات الشعوب المتحضرة، أما الأقوام المتخلفة، فهي التي تدق طبول الحرب، وتدعو إليها(6). إن الثقافة الوطنية، تنظر الى هذه المسألة من اساسها على اعتبار أنه ليس صحيحا، ما يقال حول أن الصراع الدائر في المنطقة صراع بين قوى الحضارة وقوى التخلف، وبالتالي فإن السلام ليس من صفات الأقوام المتحضرين بشكل مطلق. إن الشعوب المتحضرة التي لها رصيد حضاري متواصل عبر القرون، يعطيها هذا الرصيد مناعة وحصانة أمام الهجمات الاستعمارية الغازية والاستيطانية، التي تهدف الى طمس الشخصية المستقلة المتميزة لهذه الشعوب ، كي تصبح تابعا للغزاة والمستوطنين ، وخادما لأهدافهم ومصالحهم. وإذا كانت هذه الدعوات التي تربط بين السلام والحضارة ، تنسجم مع راي فرويد القائل بأن " الحروب كانت دوما بين شعوب بدائية وأخرى متحضرة ، وأنها تندلع بين عصبيات مختلفة، وأنها قامت بين جنسيات دالت حضارتها"(7)، فإن هذا الرأي، لا يواكب المتغيرات التي أحدثها المد الاستعماري، حيث أصبحت للحرب عوامل سياسية واقتصادية، لا علاقة لها بالجنس. وإلا فكيف نفسر اندلاع الحربين العالميتين الاولى والثانية اللتين قامتا بين معسكرين ، ينتمي كلاهما للشعوب البيضاء، التي يرى- فرويد – أن زعامة الأجناس البشرية قد آلت اليهما، وأنها أجناس معروفة باهتماماتها العالمية، والتي بفضل قواها الابداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة ، ويعود ما أحرزناه من مكاسب علمية وانجازات فنية. وكذلك الحرب الامريكية ضد الشعب الفيتنامي ، وغيره من شعوب العالم . هل هي حروب بين شعوب متخلفة وأخرى متحضرة؟ أم أنها السيطرة الاستعمارية؟.

إن الذين يرددون هذه المقولات الخاطئة المضللة، في مصر بالذات، يتجاهلون حقائق التارخ الحضاري المصري، ويحاولون تطويعه ليكون مدخلا للاستسلام أمام العدو الصهيوني، في حين أن هذا التاريخ الموغل في الحضارة، كان يقوم دوما بمهمة التصدي للغزاة والمعتدين، منذ صده لغزو الهكسوس في عهد رمسيس الثالث . وفي العصر الاسلامي ، انطلاقا من مسؤولياتها الحضارية، تصدت مصر للأخطار الخارجية التي أحدقت بالمنطقة العربية، وبالذات الخطر الصليبي والمغولي، وهنا " عادت مصر تمارس رسالتها التاريخية، وتلعب دورها الاستراتيجي دفاعاً عن المنطقة. وبعد جهد مرير تحمل فيه الشعب المصري العبء الاكبر عسكريا واقتصاديا ونفسيا، كسرت شوكة الثليبين وطردوا من ديار العروبة والاسلام، وصدت موجة المغول منعوا من تدمير حضارة المنطقة"(9). وفي القرن الثاني عشر الميلادي تصدت مصر لثلاث حملات صليبية ، ومنها انطلق صلاح الدين الايوبي ليسجل انتصارا حاسما في "حطين" التي كانت بداية نهاية الحملات الصليبية، مما جعلها هدفا مباشرا لهذه الحملات، لانها ادركت ان مصر تقوم بالدور الاساسي في التصدي لها، وكان اشهر هذه الحملات الموجهة ضد مصر، حملة لويس التاسع في منتصف القرن الثاني عشر، حيث "حوصرت في طريقها الى المنصورة وخزمت في فارسكور واسر قائدها في دار ابن لقمان، وعاد الشام من جديد ارض المعركة مع الصليبيين فتقدمت مصر المملوكية الى اقصى شمال الشام حتى تخوم الاناضول وارمينيا والفرات لتسحق الصليبيين نهائيا مع نهاية القرن الثالث عشر على يد بيبرس"(10) لذلك فان الصراع الدائر في المنطقة العربية، ليس صراعا بين "متحضرين" ومتخلفين ، انما هو صراع بين قوى التحرر والاستقلال وقوى التسلط والاستعمار، كما ان الرصيد الحضاري للفرد والوطن، يحفزهما الى الثبات والتصدي حفاظا على هذا الرصيد الحضاري، واستمرارا في تنميته، لا الرضوخ والاستسلام لقوى العدوان التي تهدف الى هدر هذا الرصيد الحضاري، لاستعباد الشعوب واستغلالها.

 

رابعاً: الحرب بالنيابة:

من المغالطات الواضحة التي تهدف الى استغلال عواطف الجماهير المصرية، وتشكل محورا اساسيا من محاور التصدي الملقاة على عاتق الثقافة الوطنية المصرية، ما يركز عليه اعلام السلطة من ان الشعب المصري ظل يحارب طيلة ثلاثين عام نيابة عن الامة العربية، حيث لحقه الخراب والدمار الاقتصاديين، في حين حقق الشعب العربي في الاقطار الاخرى الرخاء والرفاهية وقد ركزت وسائل الاعلام الرسمية، على هذا الجانب، بضراوة شديدة عقب وضوح الرفض العربي لاتفاقيتي كامب ديفيد، الى حد استعداء المصريين وبث روح الحقد بينهم، وقد اصبح واضحا، ان المصريين يلمسون ان الحملة العربية على خط السادات يقابلها الاعلام المصري بحملة لا تقل عنها ضراوة وليس هي بالحملة التي تنم عن مشاعر اخوية، او انتماء الى اصل واحد، بل يلمس المصريون في الاعلام الرسمي استثارة لمشاعر عدائية للعرب، تستند في بعض الاحوال الى اسباب قابلة للاستغلال، وفي اخرى الى دعاوي تحمل قدار يصعب اغفاله من التلاعب بالحجج"(11) ان هذه المغالطات تزيف بعض الحقائق وتقفز عن حقائق اخرى:

أ‌.    ليس صحيحا ان الشعب المصري في حربه وتصديه لاسرائيل، طوال ثلاثين عاما، كان يحارب نيابة عن الامة العربية، فقد لاحظنا(12) ان اغلب هذه الحروب كانت دفاعا عن مصر نفسها، التي اصبحت هدفا للامبريالية والصهيونية منذ استقلال خطها عن المعسكر الغربي، ونضوج التيار العربي التقدمي في سياستها في عهد عبد الناصر.

ب‌.   ليس صحيحا ان الشعب العربي في الاقطار العربية الاخرى، كان في السنوات الثلاثين الماضية، يعمل من اجل الثروة والرخاء بشكل مطلق ، متناسيا الشعب في مصر وضوائقه الاقتصادية، اذ ان العديد من الاقطار العربية كانت تقوم بمهمات نضالية لتحقيق استقلالها الوطني عبر النضال السياغسي كما في تونس وعبر النضال المسلح كما في الجزائر واليمن الجنوبية وبعضها كان يتصدى للعدوان الامبريالي – الصهيوني كما في سوريا والعراق، اما فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني، فقد كان دوما الواجهة الامامية للتدصي لهذا العدوان منذ وعد بلفور وحتى الان، وقد قدم في انتفاضاته التي لم تتوقف عشرات الالاف من الشهداء.

ت‌.   اما فيما يتعلق باقطار الخليج والجزيرة العربية التي تميزت بثراء ورفاهية خاصة، نتيجة تفجر النفط في ارضها، فهي تشكل الاستثناء وليس القاعدة ورغم ذلك قدمت هذه الاقطار لمصر بالذات من الدعم المالي والمساعدات الاقتصادية ما لم تقدمه لبقية الاقطار العربية الاخرى، وهذا وحده يدلل على احساس هذه الاقطار بالدور المتميز والخاص الذي تقوم به مصر. ففي الفترة اللاحقة لحرب اكتوبر 1973 استطاعت مصر ان تحصل خلال خمسة اعوام على دعم من هذه الدول وصل الى 17.6 الف مليون دولار، ومنه 3.7 الف مليون دولار في صورة دعم من قبل الحكومات العربية مباشرة و735 مليون دولار في شكل قروض من هيئات عربية مختلفة، والف مليون دولار هبة من "هيئة الخليج للتنمية في مصر" والف مليون دولار في صورة ودائع بالبنك المركزي المصري(13)، ان القول بان هذه المساعدات اقل بكثير مما كان يجب ان تدفعه هذه الحكومات لمصر صحيح الا انه لا يبرر مقولات الاعلام الرسمي ، التي تستغل عواطف المصريين، عبر تزييف الحقائق لتبرير ارتماء النظام الحاكم في احضان الامبريالية والصهيونية في سياسة استسلامية، على حساب الحقيقة التاريخية، والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

 

بالاضافة الى مواجهة المقولات الخاطئة المضللة السابقة التي يقوم عليها الاعلام الرسمي، ويروج لها كتاب النظام الحاكم، تواجه الثقافة الوطنية في مصر وهي بصدد التعامل مع الجماهير – معضلة شاقة وصعبة ، تتمثل في سيطرة اجهة السلطة على مجالين خطيرين:

1.   الاذاعة والتلفزيون:

ان خطورة هذين الجهازين تأتي من انهما من الاجهزة الاعلامية التي تدخل كل بيت، بدون استئذان من احد كما يقولون وفي الساحة المصرية، تتضاعف هذه الخطورة لسببين:

أ‌.    إن هذين الجهازين مملوكان للدولة بالكامل، وتفرض عليهما سيطرة مطلقة لانها تعتمد عليهما اعتمادا اساسيا، في طرح وجهة نظرها، وبالمقابل لا توجد اجهزة الاذاعة والتلفزيون الخاصة(14)، التي تستطيع منافستها واعطاء وجهة النظر النقيضة، بنفس الاسلوب القادر على الدخول الى كل بيت.

ب‌.  ان نسبة الامية التي تزيد في مصر عن 85% تجعل الاذاعة والتلفزيون قادرين على ممارسة تأثير اكثر فعالية دون توفر التعليم والثقافة والمستوى الذي يسمح بمناقشة ما تطرحه هذه الاجهزة ، مما يجعل التسليم به شبه مطلق. من هنا نلمس اهتمام النظام بهذين الجهازين، ومراقبة العاملين فيهما، كي لا يتسرب من خلالهما ما يناقض سياسته وتوجهاته(15). لذلك فان اجهزة النظام تدرك حقيقة من حقائق العصر الذي نعيش فيه، وهي ان مسلسلة ا واحدة من مسلسلات الاذاعة او التلفزيون تبث كمية ثقافة او في معظم الاحيان )انتى ثقافة – ضد ثقافة )، اكبر بكثير من كل ما كتبه طه حسين او توفيق الحكيم والعقاد، واثروا به في مثقفي مصر والعالم العربي منذ اوائل هذا القرن الى الان، ذلك ان جماهير هؤلاء الاساتذة الكبار جميعا لا يمكن ان تكون قد تعدت ربع مليون بالغ ثقافيا ولا خوف عليه البتة من راي خاطئ او قلق خاطر، بينما جمهور اي مسلسلة اذاعية او تلفزيونية لا يمكن ان يقل وبأي حال من الاحوال عن أربعة ملايين وفي وقت مركز واحد لا يزيد عن الشهر"(16). ومما يزيد الامور خطورة ان هذه الملايين جماهير ، الخوف عليها شديد، اذ هي ارض عذراء لم يخطر في عقلها او وجدانها خط ثقافي واحد، وما سوف تراه، ستتاثر به تأثرا خطيرا جدا، يؤثر في حياتها وفي سلوكها وفي النهاية في صياغة مجتمعنا نفسه وقيمه"(17).

ولقد تضاعف اهتمام النظام المصري بهذين الجهازين عقب توقيعه اتفاقيتي  كامب ديفيد ، لانه ادرك خطورة القضايا والمفاهيم التي بدا يروج لها، وصعوبة الاقتناع بها، لان اغلبها تناقض البديهيات التي تعلمها المواطن المصري، عبر السنين رغم كافة المظاهر السطحية، التي يعتبرها البعض دليلا على استجابة هذا المواطن لاطروحات النظام وتوجهاته، ويدرك رئيس النظام (السادات) خطورة هذه المفاهيم وصعوبة اقناع المواطن المصري بها، فهو يقول : انه عقب انقلابه في مايو 1971، واجه واقعا بالغ التعقيد، يحتاج الى طاقات فكرية لتغييره، وان التقدم مستحيل دون التغيير(18). ويشبه العقيدة القومية والوطنية تجاه الخطر الصهيوني بالحاجز المرجاني الضخم عند استراليا، الذي يمكن ان يشطر اي سفينة تقترب منه الى شطرين(19). لذلك فان النظام الحاكم يعمل جاهدا لاستغلال هذين الجهازين، كي يمكنه الاقتراب من الحواجز المرجانية للشعب المصري، دون انشطار دفته.

 

2.   التربية والتعليم:

من الصعوبات التي تواجه المد الثقافي الوطني في مصر، سيطرة النظام الحاكم على الجهاز الاكثر خطورة، وهو جهاز التربية والتعليم وينصب اهمام النظام على هذا الجهاز، لكونه صاحب علاقة يومية مباشرة مؤثرة في وجدان وعقل قطاع كبير من الجماهير، هو قطاع الطلبة في مراحل التعليم المختلفة، وهو ذو اهمية خاصة، لانه كان دوما يقوم بدور اساسي في ميدان العمل الوطني والسياسي انه الميدان الذي يتربى فيه الطالب على السلوكيات التي تقدم اليه على انها المثل الاعلى، ويتعلم المفاهيم التي يجب ان يؤمن بها، وينقلها بالتالي الى غيره، انه ميدان يملك من الادوات والوسائل ما يجعله قادرا على تربية النشء على المفاهيم والمعتقدات الوطنية او عكسها تبعا للتوجهات التي تحكم القائمين عليه، وتؤثر بدورها على نوع البرامج المقدمة والافكار التي يعملون على غرسها في النفوس والعقول، ان خطورة هذا الميدان انه يواكب النشء من مرحلة الطفولة حتى سن الشباب في المدارس الثانوية والدراسة الجامعية.

إن طبيعة المرحلة السياسية، حيث تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني تفرض على النظام المصري التزامات معينة في ميدان التربية والتعليم، انسجاما مع بنود اتفاقيتي كامب ديفيد، التي هدفت العديد من نصوصها الى تحقيق الغزو النفسي للمواطن المصري، لقد نص البند الخامس من المادة الثالثة على ان يعمل الطرفان على تشجيع التفاهم المتبادل والتسامح ويمتنع كل طرف عن الدعاية المعادية تجاه الطرف الاخرة". ان هذا يعني عند التطبيق العملي في ميدان التربية والتعليم، امورا خطيرة، تمس التكوين النفسي والعقلي للطفل والشاب المصري، فهي تفترض – من بين امور عديدة ، ما يلي:

1.    اعادة النظر في برامج التربية والتعليم المصرية، في كافة المراحل الدراسية، لكتابتها بطريقة جديدة تنسجم مع روح بنود اتفاقيتي كامب ديفيد، التي تحث بشكل صريح، على امتناع كل طرف عن تقديم الدعاية المعادية اتجاه الطرف الاخر، ان هذا يعني عند التطبيق العملي في ميدان التربية والتعليم، امورا خطيرة ، تمس التكوين النفسي والعقلي للطفل والشاب المصري، فهي تفترض – من بين امور عديدة، ما يلي:

أ‌.    التوقف عن استعمال كلمتي " العدو الاسرائيلي " واستبدالهما بـ "دولة اسرائيل" وقد بدئ بذلك فعلا في كافة اجهزة الاعلام الرسمية.

ب‌.  تزييف التاريخ العربي، ليصبح الوجود الاسرائيلي، ان تستمر المناهج التربوية المصرية، تردد وتؤكد الحقيقة التاريخية القائلة، بعد وعد بلفون عام 1917 استمرت الدوائر الامبريالية والحركة الصهيونية في جهوده الرامية الى اقامة وطن قومي لليهود على ارض فلسطين العربية، وتم اعداد الخطط اللازمة لهجرة اليهود باعداد كثيفة، وفي عام 1948 نشبت الحرب بين اليهود والعرب، حيث تم اعلان قيام دولة اسرائيل بعد قتل الالاف من الفلسطينيين وتشريد الالاف خارج وطنهم". ان مثل هذه الحقائق التي توضح طبيعة الوجود الاستعماي الاستيطاني لدولة اسرائيل يجب ان تختفي من كتب التعليم المصرية، انسجاما مع نصوص اتفاقيتي كامب ديفيد وروحها والفهم الصهيوني لكيفية تطبيقها.

ت‌.  حذف كل ما يسيء لليهود في البرامج التربوية، وكل ما يتنافى مع التسامح المزعوم وعدم الاشارة اليه حتى لو كان ذلك ايات من القرآن الكريم او احاديث نبوية.

ث‌.  التوقف عن ذكر جرائم اليهود القديمة والحديثة، لان هذا يدخل ضمن الحملات المعادية التي نصت اتفاقيتاكامب ديفيد على وقفها فلم يعد من المقبول تكرار الحديث عن جرائم اليهود في "دير ياسين" وكفر قاسم ومدرسة بحر البقر ومصانع حلوان... الخ هذا المسلسل الطويل العريق في الابادة والاجرام.

2.    البدء – في مناهج التربية والتعليم باعبتار دولة اسرائيل، دولة مجاورة لها وجود طبيعي تقوم بينها وبين مصر علاقات طبيعية عادية مثل العلاقات الطبيعية المألوفة بين الدول المتجاورة، على ان تشمل هذه العلاقات ميادين الحياة كافة.

 

الدور التخريبي:

وقد بدأ النظام الحاكم في مصر  دورة التخريبي اللا وطني في ميدان التربية  والتعليم ففي اغسطس 1979 شنت اجهزة اعلامه حملة واسعة ومكثفة حول ما اسمته "الثورة التعليمية" ووضعت وزارة التربية والتعليم بالاشتراك مع المجالس القومية المتخصصة، مشروعا باسم "ورقة تطوير التعليم" وامعانا في التمويه طرحت هذه الورقة على رجال التعليم ولجنة التعليم بمجلس ا لشعب، والاحزاب والتنظيمات السياسية الجماهيرية(20)، وقد كشفت جريدة هيرالد تربيون في 21 يونيو 1979 الهدف القريب والمباشر لورقة تطوير التعليم هذه في حديث اجراه توماس ليبمان مع مستشاري المواد الدراسية في وزارة التربية والتعليم المصرية وهم المشرفون والمنفذون لكل تغيير في المناهج يقول توماس ليبمان على لسان عبد الفتاح عرفه مستشار المواد الاجتماعية  (التاريخ والجغرافيا والتربية القومية) وجودة سليمان مستشار التربية الدينية واللغة العربية، ان التغيير في المناهج والكتب الدراسية يعد له منذ سنة 1973 اي منذ اتفاقيات فك الاشتباك التي نصت على وقف حملات الدعاية والكراهية المتبادلة لتهيئة اطفال المدارس لمعاهدة السلام. وبمقتضى معاهدة السلام المتوقعة، استبعدت كل ادانة لاسرائيل، وكل هجوم على الصهيونية وكل دعوات الصراع المسلح، اما المستشار التعليمي عبد الفتاح عرفة فيقول : كانت الاحداث في الواقع تسير في هذا الاتجاه منذ 1971 عندما اعلن السادات في اول خطاب له انه سيبحث امكانية السلام مع اسرائيل وقد استبعدت مصر واسرائيل في افتاقية فك الاشتباك سنة 1975 استخدام القوة في حل المنازعات واتفقتا على وقف الدعايات العدائية المتبادلة، ثم يقول وهو يشير الى الكتب الدراسية على مكتبه : لقد انجزنا بالفعل التغييرات المطلوبة وقبل ذلك كانت معالجتنا للامور تختلف لاننا كنا مهزومين وكذلك نصا جديدا في الصف السادس الابتدائي حول المعالم الرئيسية للتاريخ المصري منذ عبد الناصر سنة 1952 يعزو الهزيمة المصرية في حرب ونيو 1967 الى سوء تصرفات عبد الناصر واغعوانه ويوقل النص ان اسرائيل استغلت نقاط الضعف ولكنه لا يصف الاسرائيليين بالعدوان او يلومهم على فعلهم اما جودة سليمان مستشار التربية الاسلامية واللغة العربية فيقدم نموذجا اخر على التغييرات التي بدأ استحداثها فيقول ان التمرينات اللغوية في الماضي كانت تهدف الى غرس روح الكفاح والانتقام في نفوس الشباب المصري ضد اسرائيل وذلك بالتركيز على احداث مثل ضرب مدرسة بحر البقر وقتل ثلاثين طفلا وجرح ستة وثلاثين او ضرب مصانع الحديد بأبي زعبل، ولكننا ثأرنا لانفسنا في حرب اكتوبر وانتهى الموضوع.

لذلك طهرنا المناهج والكتب من مثل هذه التمرينات، لم يعد ثمة شيء من هذا القبيل في كتبنا ودروسنا(21).

ان هذه التغييرات اللاوطنية التي بدأت اجهزة السادات احداثها في مناهج التربية والتعليم المصرية، تنسجم مع التغييرات التي احدثتها دولة الكيان الصهيوني في المناهج التعليمية في قطاع غزة والضفة الغربية، عقب احتلالهما في حرب 1967 فقد قامت السلطات الاسرائيلية بمسح شامل للكتب المدرسية في المراحل كافة، حيث عمدت الى:

أ‌-    إعادة كتابة مناهج التاريخ، بطريقة مزورة تظهر الوجود الاسرائيلي بانه وجود تاريخي في المنطقة العربية، وان حرب عام 1948 كانت "حرب تحرير" اعادوا فيها وطنهم القومي التاريخي من الدخلاء والغرباء.

ب‌-  اعادة كتابة مناهج الجغرافيا ، حيث تم اطلاق عشرات الاسماء العبرية على الععديد من المدن والقرى العربية مساهمة في طمس صبغتها العربية، وتعلق الاستراتيجية الصه8يونية اهمية كبيرة على هذه الاجراءات التي قد يراها البعض ثانونية، وقد حصل خلاف واسع اثناء صياغة مقررات اتفاقيتي كامب ديفي، حول تسمية "الضفة الغربية" واصر المفاوض الاسرائيلي على تسميتها العبرية "يهودا والسامرة" وكان الحل الحقيقي تضمين الاتفاقية تفسيرا يقول: "في كل فقرة يظهر فيها اصطلاح (الضفة الغربية) هو مفهوم ويمكن فهمه من جانب حكومة اسرائيل بانه "يهودا والسامرة".

ت‌-  حذف كل ما يسيء الى اليهود في المناهج التعليمية، بما فيها كتب التربية الاسلامية، حيث تم اعداد طبعات من القرآن الكريم، حذفت منها الايات التي تتعرض لليهود، وتحث على الجهاد والتصدي للكفار، كما استبعدت الاحاديث النبوية والمشابهة، اما كتب الادب والنصوص فقد تمت غربلتها من النصوص والاشعار القومية، التي تبث روح الكفاح والتصدي وتنمي النزعة العربية في نفوس النشء(22).

إن خطورة هذه المناهج المنقحة تنقيحا لا وطنيا، في مصر كما في فلسطين المحتلة تهدف الى اشاعة التربية والثقافة اللاوطنية، التي تجعل النشء والشباب ينسجم في سلوكه واقواله، مع المرحلة التي تشكل الخيانة والتراجع سمتها الاساسية كما انها تهدف مستقبلا الى خلق فجوة فكرية سلوكية بين جيلين من الشباب: الجيل الذي اكتمل ثقافة وتربية وسلوكا في ظل المفاهيم الوطنية، والجيل الجديد الذي يتربى ويتعلم في ظلها، وهذه الفجوة ليست هيئة فهي تعني في الممارسة زوالتطبيق صداما بين الجيلين يحدث انعكاسات سلبية في ميادين الحياة كافة لذلك فان الامل معقود على المدرسين الوطنيين الذين يرفضون هذا الجزر اللاوطني وما يصاحبه من تزوير للحقائق التاريخية ويشعرون بالتزامهم الوطني تجاه امتهم فيقومون بتدريس الفقرات الوطنية التي تم حذفها من المناهج ويؤكدون دوما على ترسيخ المفاهيم الوطنية والمنطلقات القومية لدى اطفالهم وطلابهم كما ان للبيت ا همية بالغة في هذا الجانب لان الطفل والطالب، يأخذ من محيطه الاسري العديد من المفاهيم والسلوكيات وقد ثبت هذا الدور المهم للبيت في الظرف الفلسطيني اذ لم ينجح الاقتلاع والنفي من الوطن في اضعاف صورة الوطن والتعلق به والعمل من اجله لدى الاجيال الفلسطينية التي نشأت وتبربت بعيدا عن ترابه لان الوطن ظل ينمو يوميا في النفوس ويأخذ تجلياته المتنوعة في العقول من خلال التربية اليومية في البيت الفلسطيني داخل الاسرة التي تعلمه وتزرع في نفسه وعقله كل ما هو مطلوب عن هذا الوطن كي يظل حيا ناميا متجددا وبذلك ثبت خطا التقديرات الصهيونية التي راهنت على عنصر الزمن، بانه كفيل بانهاء صورة الوطن لدى الاجيال الفلسطينية التي تولد وتنشأ في المنفى فيكون انتماؤها بالتالي لهذه المنافي التي ولدت وعاشت وتربت فيها، اقوى واوثق من انتمائها للوطن الذي لم تره ولم تعش على ارضه لقد ثبت خطأ هذه المراهنة الصهيونية بدليل ان اغلبية حملة الببنادق في الثورة الفلسطينية من الشباب ولدوا خارج فلسطين المحتلقة.

اما في حالة الوضع المصري، فان الامر ايسر واسهل لان المعلم الوطني والبيت الوطني يعيشان على ارضهما والمطلوب فقط هو التصدي للاعلام والمناهج الرسمية التي تحاول تزييف حقائق التاريخ وتمرير مقولات لا وطنية وسياسات تهدف الى سلخه عن محيطه العربي، وانتمائه القومي واجباره على التعايش مع عدو صهيوني استيطاني يحتل الارض العربية ويشرد شعبا عربيا من وطنه ان هذا يستدعي عملا دؤوبا من التجمعات السياسية والهيئات النقابية الوطنية كي تعبئ كافة القطاعات لمواجهة هذه المواجهة اللاوطنية التي بدأت تتسرب الى وسائل الاعلام ومناهج التربية والتعليم في مصر.

 

بداية الرد الوطني:

ان هذه المراهنة على دور الشحصيات والهيئات والتجمعات الوطنية، ليست مراهنة في فراغ لكنها تستقرئ التاريخ النضالي للمواطن المصري الذي كان دوما يرفض السلام مع قوى العدوان والاحتلال لذلك فان افكارا تهدف الى تبييض صفحة الولايات المتحدثة الامريكية وتصويرها بانها صديق مخلص لمصر وانها غيورة على تقديمها ورخائها لا يمكن ان تمر بسهولة وكذلك فان محاولة اظهار دولة اسرائيل بانها حقيقة واقعية منطقية وطبيعية، وانها لا تشكل خطرا على مصر وشعبها، وان الاعتراف بها والتعامل معها يتم لمصلحة مصر، ليس من السهولة ان يقر به المواطن المصري، وبالذات طلائعه الواعية المثقفة لقد ادرك المواطن المصري بالفكر والممارسة طوال ثلاثين عاما، ان عداء امريكا لمصر لا نقاش فيه وانها من خلال قاعدتها في المنطقة "اسرائيل" تعمل دوما على اذلال مصر وتقزيم دورها العربي، ان الدور الامريكي القبيح، في كل ساحات العالم والتناغم المستمر للسياسة الاسرائيلية مع هذا الدور لا يمكن ان يأخذ دورا جديدا مغايرا في الساحة المصرية، مهما حاولوا تجميل هذا الوجه المفضوح وكذلك دور اسرائيل العدواني ووجودها الاستعماري في المنطقة العربية.

إن ما حدث يوم 30 يناير 1981 في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، يؤيد هذا الافتراض ويؤكد ان التطبيع مع العدو الصهيوني لا يمكن ان يمر في الشارع المصري، الذي تشرب العداء لامريكا واسرائيل ليس اقحاما في مفاهيمه السياسية ومعتقداته الفكرية، ولكن لان منطق الامور وطبيعة الحياة يرفضان فرض تعايش غير واقعي ينافي الحقيقة ويناقض كل ما تعلمه وعاشه المواطن، وبطريقة تحد واضحة، تستفسز مشاعره ومعتقداته، وتتحدى وجدانه ووجوده وتهدف الى طمس شخصيته المستقلة وسلخها عن محيطها العربي. ما الذي حدث يوم 30 يناير 1981 في معرض الكتاب الدولي؟ في هذا التاريخ من كل عام تقيم الهيئة العامة للكتاب في مصر معرضا دوليا للكتاب ، تشارك فيه غالبية دور النشر العربية وبعض دور النشر الاجنبية، وفي يناير 1981 كان موعد المعرض الثالث عشر وهو اول معرض يقام بعد البدء بسياسة تطبيع العلاقات وتبادل السفراء مع العدو الاسرائيلي الذي تم في 26 فبراير 1980 وقد نمى لعلم دوائر الكتاب المصرية والعربية عزم دولة العدو الاسرائيلي على الاشتراك في المعرض فاتفقت اربعة اتحادات نقابية مصرية نقابة الصحفيين ونقابة المهندسين ونقابة الاطباء ونقابة المحامين يدعمها حزب العمل الاشتراكي وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي على موقف مشترك هو مقاطعة الجناح الذي يتولى عرض الكتب الاسرائيلية وبيعها، مع دعم "دار الفتى العربي" التي تتولى طبع ونشر الكتب الوطنية الخاصة – الى حد كبير – بكتب القضية الفلسطينية التي تتوجه للطفل العربي اثناء ذلك كانت السفارة الاسرائيلية قد فشلت تماما في اقناع اية دار نشر مصرية لتولي عرض الكتب الاسرائيلية فقامت بالاتصال بوكيل تجاري يعمل في حقل الاستيراد والتصدير يحمل اسم "ادكو انترناشيونال" تملكه زوجة جورج راغب، مدير دار النشر الفرنسية "هاشيت" سابقا، التي اغلقت مكاتبها منذ سنوات في مصر، وتم اقناع صاحبة التوكيل التجاري المذكور بدخول المعرض وكيلة للكتب الاسرائيلية وحدث ان جاء الجناح الاسرائيلي مجاورا لدار الفتى العربي في السراى السابع، حيث فع على الجناح العلم الاسرائيلي ولافتة خشبية عليها اسم اسرائيل، وعند دخول السفير الاسرائيلي صالة المعرض محاطا برجال الامن والتلفزيون الاسرائيلي، حاولوا اخفاء العلم الفلسطيني المرفوع مع العلم اللبناني على دار الفتى العربي، فبدأت معركة عنيفة بالايدي، كسرت فيها اللوحة الخشبية التي تحمل اسم العدو، وضرب حاملها ومزق العلم الاسرائيلي وبصق على السفير وقد انضم كل المصريين الموجودين في القاعة الى شباب دار الفتى العربي في المعركة ضد العناصر الاسرائيلية وانطلقت الهتافات مدوية: "عاش كفاح الشعب الفلسطيني" ثورة حتى النصر، تسقط الصهيونية وتسقط اسرائيل، فاضطرت سلطات الامن الى اغلاق المعرض بكاملها ساعتين لتهريب السفير الاسرائيلي والطاقم الاسرائيلي في جناح ادكو انترناشيونال خارج المعرض ثم نقلت الجناح بأكمله الى السراي الثالث، وهي صالة خاصة بالدول، يمنع فيها بيع الكتب وتوزيعها فهي للعرض فقط وبقى جناح دار الفتى العربي في مكانه شاهدا على صلابة الارادة الشعبية المصرية، وفي الايام التالية، تدفق الاف المواطنين المصريين على جناح الدار في تظاهرة مصرية – فلسطينية يشترون كتب الدار ويحصلون على علم فلسطين الذي توزعه الدار، يلصقونه على صدورهم ويتوجهون جماعات الى السراي رقم (3) حيث الجناح الاسرائيلي يهتفون ضد اسرائيل رغم رجال الامن الذين يتولون حراسة الجناح ويمنعون الجماهير من الاقتراب منه(23).

ولقد تفاعل الشارع المصري مع هذه القضية فبالاضافة الى مقاطعة الكتاب والمثقفين المصريين للجناح الاسرائيلي قام عشرات من الكتاب والصحفيين واساتذة الجامعات والمهنيين والطلاب بتوزيع  اعلام فلسطين وتوزيع بيانات تدعو لمقاطعة الكتاب الصهيوني في المعرض، واعلن كتاب مدينة المنصورة تضامنهم مع كتاب ومثقفي القاهرة، فاصدروا بيانا جاء فيه:

" يا ابناء شعبنا .. ها هي اسرائيل تدنو من القلب في مسعاها الحثيث للنيل منا، ها هي اسرائيل تصوب نحو العقل فينا، برصاص من نوع اخر، قوامه كتابات تحمل وجهها العنصري ليتبدل تعصبها تسامحا، واغتصابها حقا، وتخلفها الانساني كعصابة مسلحة الى ابهار برقي مزعوم، ها هي كتب غير مقدسة ولا كريمة وان تجملت تأتي محمولة الينا على اسنة حراب عدوة مدركة وان تخفت فاذا لم يكن هنا موضع لمجابهة الحراب فلنطا هذه الكتب لنقاطع معرضا فيه كتاب لاسرائيل وقد وقع على هذا البيان العديد من الكتاب المعروفين في مصر كان من بينهم : فؤاد حجازي (كاتب روائي ود. محمد المخزونجي (قصاص) وعبد الحليم قنديل (شاعر) أما في القاهرة ذاتها – ساحة المواجهة – فقد اصدرت الاحزاب والهيئات الوطنية بيانا دعت فيه الى عدم دخول جناح ادكو في معرض الكتاب، وعدم شراء الكتب الاسرائيلية ا تلقي مطبوعات مجانية او هدايا منه، ودعت الى مقاطعة الحفلات التي يدعو اليها الناشرون الاسرائيليون وطالب البيان دور النشر المصرية والعربية في المعرض برفع العلم الفلسطيني على اجنحتها وقد وقع على البيان فؤاد نصحي عن حزب العمل ولطفي واكد عن حزب التجمع وكامل زهيري عن نقابة الصحفيين ونبيل الهلالي عن نقابة المحامين ومحمد الجندي عن دار الثقافة الجديدة، وعبد العظيم مناف عن دار الموقف العربي ومحمود بقشيش عن اتيلية الفنانين ولجنة الدفاع عن الثقافة القومية بحزب التجمع وقد استمر التوتر في داخل المعرض اليوم التالي للافتتاح اذ عمد الكتاب والمثقفون الى توزيع الاعلام الفلسطينية متلفحين بالكوفية الفلسطينية مما اضطر قوات الامن الى انزال العلم الاسرائيلي نهائيا من المعرض وقامت مباحث امن الدولة باعتقال العديد من المواطنين المتظاهرين امام الجناح الاسرائيلي، من بينهم حلمي شعراوي عضو حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وعضو مجلس تحرير مجلة التقدم (المجلة الداخلية للحزب) وصلاح عيسى عضو امانة لجنة الدفاع عن الثقافة القومية والكاتب التقدمي المعروف(24).

وقد عرض المناضلان حلمي شعراوي وصلاح عيسى يوم السبت 13/1/81  على نيابة امن الدولة العليا، وحضر معهما التحقيق الاساتذة نبيل الهلالي عضو مجلس نقابة المحامين وعبد العزيز محمد المستشار القانوني لنقابة الصحفيين ممثلا للمجحلس ونقبيب الصحفيين والاستاذة اميرة بهى الدين عن لجنة الدفاع عن الحريات بجزب التجمع، وعدد اخر من كبار المحامين وتولى التحقيق معهما رئيس نيابة امن الدولة تحت اشراف رجاء العربي المحامي العام، وبعد التحقيق اصدر قراره بحبسهما (15) يوما بتهمة القيام بعمل عدائي ضد دولة اجنبية "اسرائيل" يهدد قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وقد يترتب على هذا الفعل اشتعال الحرب بين البلدين.

 

تطورات القضية

لقد تفاعلت هذه القضية في الشارع المصري، بشكل دلل على انها ليست قضية ثانوية، انما هي قضية وجود فعلا، اذ كانت اول مواجهة ثقافية للتطبيع تحدث في مصر اثبت الشعب المصري من خلال طلائعها المثقفة انه لا يمكن ان يكون لا مباليا امام السياسات الخيانية التي تتنافى مع طبيعته ومشاعره، ويكفي للتدليل على ذلك ان نرصد بعض ردود الفعل هذه.

الدكتور سعيد صلاح الدين النشاني، استاذ مساعد بكلية الهندسة جامعة القاهرة وجه نداءا للشعب المصري ناشده فيه مقاطعة الجناح الاسرائيلي ومما جاء فيه : "ليكن الكتاب الصهيوني في المعرض كتابا محرما على كل المثقفين الشرفاء ، بينك وبين الكتاب الاسرائيلي ارواح 88 الف شهيد مصري اشتر كتابا اسرائيليا تقتل بثمنه اليوم طالبا فلسطينيا، وتقتل غدا مواطنا مصريا، ثمن الكتاب الاسرائيلي رصاصة في قلب مواطن عربي .. لنستمر جميعا في مقاطعة الجناح الاسرائيلي، وفي رفع العلم الفلسطيني في مواجهته.

على اثر ما حدث في المعرض، خصص حزب العمل الاشتراكي برئاسة المهندس ابراهيم شكري، ندوته الاسبوعية يوم الثلاثاء الموافق 3/2/81 لمناقشة موضوع "اخطار التغلغل الثقافي الاسرائيلي داخل مصر عن طريق نشر الثقافة الصهيونية، وقد اجمع المتحدثون ان اسرائيل تستعمل شتى الوسائل واخطر اساليب التسلل العسكري الاستعماري لتحقيق الاختراق المطلوب للثقافة العربية في مصر، وقد كان اهم ما طرح في الندوة:

أ‌-   حذر المهندس ابراهيم شكري من اساليب الغزو التي يتبعها العدو الاسرائيلي، وطالب باليقظة لمواجهة هذا الغزو المرفوض وطالب الشعب بان يرفع الاعلام الفلسطينية وقال: انه لا ينبغي ان يقول اي مواطن: من اين يأتي بهذا الاعلام فعلينا ان نطبعها ونلصقها على السيارات والمنازل يوم 26/2 ولتعلم اسرائيل بعد ان اصبح لها سفير في مصر، اننا نرفض هذا التطبيع، وكل هذه الاتجاهات ونقول لها فلسطين اولا ثم بعد ذلك الحديث عن الاشياء الاخرى.

ب‌-  اوضح فكري الجزار عضو مجلس الشعب، ان عملية الغزو الثقافي الذي تقوم به اسرائيل الان هو شيء بديهي ولا غرابة فيه ولكن الغرابة هنا ان يقبل مواطن مصري الهزيمة من داخل بلاده واوضح انه من المأساة ان تتولى الهيئة العامة للاستعلامات المصرية بطبع مذكرات اسحق رابين وتوزيعه على الموطنين بالمجان وقد جاء في الكتاب او المواطن المصري لا يجيد الا الجري ووصفه بانه جبان ولا يستطيع المواجهة، وهذا في حد ذاته قمة المأساة.

ت‌-  اشار فؤاد نصحي عضو اللجنة التنفيذية العليا لحزب العمل الاشتراكي الى ان مصر شاركت من قبل في فضح سياسة اسرائيل الثقافية والتعليمية التي تقوم على اضطهاد العرب داخل فلسطين المحتلة سواء عام 1948 او عام 1967 والحكومة المصرية على علم بكل ما يحدث داخل فلسطين من حرمان الطلبة العرب من التعليم واضطهاد المدارس العربية الموجوده ومنع التوسع الثقافي في الارض المحتلة، واضطهاد المعلمين والمربين العرب وقد ادان مؤتمر اليونسكو في نيروبي اعمال اسرائيل في تغيير معالم الحضارة العربية والكتب المدرسية وآيات القرآن الكريم في الكتب الدينية المدرسية .. وللاسف نجد الان الحكومة المصرية تتجاهل كل هذا ، وتسمح للثقافة الاسرائيلية بالتغلغل في القاهرة نفسها.

هذا وقد ابدى العديد من المواطنين ، من حضور الندوة رفضهم الكامل لهذا الغزو الثقافي واعلنوا رفضهم التطبيع مع العدو الصهيوني في كافة الميادين(25). كما اثبت استطلاع للراي في اوساط المثقفين المصريين وقوف غالبية هؤلاء المثقفين على اختلاف اتجاهاتهم وانتمائاتهم ضد تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني وبالذات في الميدان الثقافي لانه اخطر المجالات التي تركز الصهيونية على التسلل اليه لغزو عقل المواطن المصري ووجدانه، وهذه نماذج من آراء الكتاب والمثقفين يتضح منها موقف الثقافة الوطنية المصرية.

الكاتب المسرحي نعمان عاشرو، يقول: انه ضد اي نوع من انواع التطبيع في العلاقات مع اسرائيل سواء اكانت ثقافية ام سياسية ام اقتصادية.

احمد حمروش (الرئيس الاسبق لمؤسسة ا المسرح كاتب وصحفي ومؤرخ، اصدر ورأس تحرير مجلات التحرير والهدف والكاتب والفجر وادار تحرير الرسالة الجديدة وكتب للجميع) يقول: انه يرفض اية علاقة مع اسرائيل ويرفض الوجود الاسرائيلي في الاراضي العربية.

ادوار الخراط (روائي وقصاص عضو المجلس الاعلى للثقافة) يرى: ان الثقافة الاسرائيلية اذا صح ان نعتبرها ثقافة، قائمة على القيم العنصرية والاستعلاء العنصري والتمسك بالغيبيات والهجوم على الثقافات الاخرى والزعم بالتفرد، وكل ما يتصل بالعنصرية من بلايا هنا على الثقافة المصرية وثقافة القومية العربية بصفة عامة، بل على الثقافة الانسانية كلها ان تقف وان تحفر الخنادق وتناضل ضد ما هو لا ثقافة وما هو مضاد بطبيعته للثقاة والحضارة ليست المسألة مجرد ضوابط وقيود بل هي اخطر من هذا ولكن الامر يندرج في داخل الهجوم الثقافي للمجتمع الغربي الاستهلاكي وليست اسرائيل – كما نفتأ ان نردد – الا راس رمح في هذا الهجوم المضاد لا للثقافة فقط، بل للحضارة الانسانية كلها وانا كمثقف لا املك سوى الكلمة ولارأي لمواجهة اي لون من الوان التطبيع الذي يروج للنتائج العنصري في مجال الثقافة وغيرها من المجالات.

محمد يحيى (محرر بمجلة المختار الاسلامي وعضو هيئة التدريس بكلية الاذادب – جامعة القاهرة) يؤكد على ان مكونات الثقافة الاسرائيلية هي الدين اليهودي ومجموعة من الافكار المستمدة منه والمصاغة في انظمة فكرية مشهوردة (التلمود ، تعاليم الكابالا، الافكار الباطنية في التأويل والماسونية وهي النسخة الغربية المنقحة والمزيدة من الباطنية) واخيرا بعض الافكار الغربية التي اضيفت عليها النزعة اليهودية وحورت بحيث تبدو نتاجا خالصا لما يسمى بالعبقرية اليهودية لذلك فان فكرة الثقافة الاسرائيلية مرفوضة اسلاميا ووطنيا وانسانيا فهي اسلاميا مرفوضة لانها عبارة عن دين محرف موضوع يرتكز على الخرافة  العنصرية وهي وطنيا مرفوضة لنفس الاسباب ولانها مشهرة كسلاح في وجه مصر لابتزازها واخضاعها وتقديم التبرير النظري للاستعمار الغاصب القائم على ارض فلسطين والذي بانت اطماعه في مياه مصر والعرب ومواردهم(26).

 

ردود فعل وطنية اخرى:

استمر التصدي الوطني لسياسة التطبيع، وقد تمكنت طلائع الثقافة الوطنية، عبر مواقفها السابقة ان تؤصل تيارا وطنيا في الشارع المصري ، يعتبر معاداته للتطبيع، والتوعية الجماهيرية ضده مهمة وطنية لا تراجع عنها، ان استمرار مواقف رفض التطبيع دليل واضح على ان الثقافة الوطنية تقوم بدور فاعل في مواجهة افكار الاستسلام ومواقف الردة والتراجع ويكفي ان نختار لقطتين من اعمال المقاومة هذه:

1-    المهندس الشاب سعد حلاوة، الذي قام باحتجاز مجموعة من موظفي الدول في اسيوط صباح 26/2/1980 حيث كان مقررا رفع العلم الاسرائيلي على سفارة اسرائيل في القاهرة، ماذا كان يقصد من عمله هذا؟ في راينا ان سعد حلاوة المهندس الوطني المثقف كان يدرك ان النظام الحاكم لن يستجيب لمطالبه التي اعلنها: الغاء اتفاقيتي كامب ديفيد وعدم قيام علاقات مع العدو الاسرائيلي. ورغم ذلك اقدم على عمله هذا رافضا كل نداءات السلطة للاستسلام وكانه اراد تصعيد الموقف كي تصل السلطة الى نقطة لا مفر فيها من قتله، وقد كان ذلك لقد كان سعد حلاوة يعي انها م واجهة خاسرة مع السلطة ولكنه ارادها احتجاجا بالصوت القوي المعمد بالدم، يعلن ان الشعب المصري ضد التطبيع وضد الاعتراف بالعدو الاسرائيلي.

2-    اقام حزب العمل الاشتراكي برئاسة المهندس ابراهيم شكري، ظهر يوم الثلاثاء 26/2/1980 في نفس لحظة رفع العلم الاسرائيلي على سفارة العدو بالقاهرة احتفالا في مقر الحزب بحدائق القبة خصص لرفع العلم الفلسطيني على مقر الحزب، وقد شهد الاحتفال العديد من الوطنيين المصريين القوا كلمات عبروا فيها عن اعتزازهم بنضال الشعب الفلسطيني واستنكروا الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه.

المهندس ابراهيم شكري: اذا كنا في هذه اللحظة نرفع علم فلسطين فهذا العلم ليس مجرد قطعة من قماش بل هو في نظرنا وفي نظر الشعب المصري كله يمثل اصرار لان يكون الفلسطينيين وطن ولهم حق الحياة في ارضهم واذا كانت اسرائيل قد نجحت في ان يرفع علمها على ارض مصر الطاهرة، وان يكون لها سفارة فعليها ان تعلم ان علمها مجرد علم واحد.. القضية هي قضية الشعب الفلسطيني وان السلام لا يمكن ان يتحقق الا اذا كان للفلسطينيين وطن.

قال المحامي فتحي رضوان: ايها العلم الخفاق في اجواز الفضاء انت لست قطعة من قماش انما انت فلذة اكبادنا لقد انزلوك من عليائك وهم يظنون ان صفحتك قد طويت كذبوا فأنت في القلوب والافئدة توحي لنا بالعمل والجهاد فلا نقبل اطلاقا ان يكون لاسرائيل دولة في ارض عربية بل ستكون فلسطين كلها للعرب، وليشهد هذا العلم على قسمنا لنبدا من اليوم جهادا طويلا لترتفع الاعلام الفلسطينية على كل فلسطين.

وفي مساء اليوم ذاته حيث تصادف عقد الندوة الاسبوعية للحزب خصصت الندوة لمناقشة موضوع تطبيع العلاقات وتبادل السفراء مع العدو الاسرائيلي وتحدث فيها العديد من الكتاب والمثقفين والمواطنين كان من بينهم الكاتب الصحفي مصطفى بهجت بدوي والدكتور حلمي الحديدي الامين العام المساعد لحزب العمل الاشتراكي ورشاد الشبراخومي عضو اللجنة التنفيذية للحزب والشيخ ابراهيم العزازي عضو مجلس الشعب، وكامل زهيري نقيب الصحفيين (آنذاك) وآخرون .. وقد اجمعوا على رفض تطبيع العلاقات مع اسرائيل وناشدوا الجماهير لمواصلة المقاطعة في المجالات كافة(27).

 

3-    ماذا جرى في 26/2/1981 في الذكرى الاولى لتطبيع العلاقات وتبادل السفراء؟ ان رصد الوقائع التي حدثت في هذه الذكرى تؤكد ان رفض التطبيع يتصاعد وتقوم العناصر المثقفة الوطنية بدور بارز في تعبئة الراي العام المصري ضده مع التأكيد على الانتماء العربي لمصر، ودورها المسؤول نحو القضية الفلسطينية.

 

اذاع الائتلاف الوطني المصري بيانه الثلاث، وقد وقع البيان 85 شخصية  قيادية مصرية من بينها غالبية المثقفين الديمقراطيين ندد البيان بسياسة السادات الخارجية وكشف التناقض بين تصريحاته وممارساته ودعى الى حتمية عودة مصر الى دورها العربي التحرري، وتأليف حكومة اتحاد وطني تقوم بالغاء جميع القوانين المقيدة لحريات المواطنين وتجميد كافة الاتفاقيات والعلاقات مع اسرائيل واعادة العلاقات القومية بين مصر وشقيقاتها العربيات في تضامن حقيقي ممكن وفعال. وهذه عينات من الموقعين تبين دور السياسيين والمثقفين الوطنيين في التصدي لسياسة الاستسلام.

 

من الوزراء السابقين:

الدكتور نور الدين طراف،  محمود رياض، محمد عبد السلام الزيات، الدكتور مراد غالب، عبد الخالق الشناوي، د. زكي هاشم، د. فؤاد مرسي، د. اسماعيل صبري عبد الله، عبد العظيم ابو العطا... وغيرهم.

 

من اعضاء مجلس الامة:

المستشار ممتاز نصار، د. محمود القاضي، عادل عيد، كمال احمد، احمد طه، محمود زينهم، احمد ناصر، حسن عرفه، ابو العز الحريري، عبد الهادي ناصف، قباري عبد الله ... وغيرهم.

 

من الكتاب والمثقفين:

د. جابر عصفور، د. عبد المنعم خربوش ، د. يحيى الجمل، د. محمد خلف الله، عصمت سيف الدولة، نبيل الهلالي، مصطفى بهجت بدوي، محمد عودة، محمد سيد احمد، محمد سلماوي ، لطفي الخولي، جلال الدين الحمامص.. واخرون(28).

وكان هذا الائتلاف قد اذاع بيانين سابقين طالب في البيان الاول من الشعب المصري ان يقاطع الاسرائيليين وسياسة تطبيع العلاقات مع اسرائيل اما في البيان الثاني فقد طالب باسقاط قوانين القمع وتسلط رئيس الجمهورية وتفرده باتخاذ القرارات.

 

الدور المتميز لمثقفي المحامين الوطنيين فقد عقدوا صباح 26/2/81 مؤتمرا حضره ما يقرب من (330) محامي ممثلين لنقابات المحامين الفرعية في مختلف المحافزظات وقد ترأس المؤتمر المحامي احمد ناصر والقيت العديد من الكلمات الرافضة للتطبيع ولكافة العلاقات مع العدو الاسرائيلي ثم القى المحامي محمد المسماري نص البيان الرسمي الصادر عن نقابة المحامين جاء فيه انه تحت شعار تطبيع العلاقات تتعرض ثروتنا القومية وثقافتنا وتراثنا الاسلامي وحضارتنا العربية لغزوة صهيونية ثقافية واقتصادية شاملة، وتمتد اطماع التسلل الصهيوني من بترول سيناء الى مياه النيل(29) الى محاولة السيطرة على اقتصادنا الوطني باكمله مستغلة التفوق التكنولوجي لاسرائيل وبسبب اتفاقيات كامب ديفيد ، وتطبيع العلاقات مع اسرائيل عدوة الامة العربية عزلت مصر عن الامة العربية والعالم الاسلامي ودول عدم الانحياز ودول صديقة اخرى..."(30). وفي نهاية الاحتفال قام الحضور بحرق العلم الاسرائيلي  وارسلوا برقية تأييد للسيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

في مساء 26 فبراير 1981 احتفل حزب العمل الاشتراكي بالذكرى الثانية لرفع علم فلسطين على مقر الحزب (سبق رصد الحادثة) وقد اعلن ابراهيم شكري رئيس الحزب في الاحتفال سحب حزبه لتأييده السابق لاتفاقيات كامب ديفيد، واعلن ادانته لها، لانها فشلت في تحقيق اهدافها.

ان هذه الظواهر وتلك المواقف، تثبت صحة الرأي القائل بان اتفاقيات كامب ديفيد احدثت فرزا واضحا في مواقف الكتاب المصريين بحيث اصبح الحديث عن ثقافة واحدة خطاً فادحاً خاصة بحق الكتاب والمثقفين الوطنيين الذين يناضلون  بكافة الوسائل وعبر الوان الابداع المختلفة، مما اوجد تراكما واضحا لتيارين مختلفين داخل الثقافة المصرية: تيار الثقافة الرسمية وتيار الثقافة الوطنية الديمقراطية وهما بحاجة الى دراسة مستقلة تفصل اهتمامات هذين التيارين وتركز على خط كل منهما من الفن والابداع والتواصل مع الجماهير.

 

المصادر:

1-   د.ابراهيم سعد الدين، مجلة الفكر العربي، العدد 4-5 ، سبتمبر- نوفمبر 1978 ص 194.

2-   محمد سيد احمد- مصر بعد المعاهدة. دار الكلمة، بيروت ، 1980 ص 61.

3-   المرجع السابق ص 63. (إن هذا التقرير الصادر عن البنك الدولي بحق الاقتصاد المصري، يثبت ما ذهبنا اليه من أن حرب 1967 فرضها الاستعمار العالمي على مصر، لتقزيم دورها العربي، وإجهاض خطط التنمية فيها).

4-   للإطلاع على بعض الأرقام الخاصة بهذا التدهور الاقتصادي، وزيادة الاعتماد على المعونات الغربية، تراجع الكتب التالية:

-   مصر في 18 و 19 يناير، حسين عبد الرزاق ص 64-70.

-   مصر بعد المعاهدة، محمد سيد أحمد ص 65-68.

5-   عبد الله محمود- مجلة دراسات عربية، العدد (11) سبتمبر 1980 ص 77-78.

6-   كان أعلى أصوات هذه الدعوة المضللة توفيق الحكيم في برقيته التي أرسلها للسادات في 7/5/79، وقد قال فيها كما نشرتها الصحف المصرية:" تحية لموقفكم الراسخ أمام الأقزام ، لقد أفزعهم صلح الفئتين المتحضرتين بعد اطمئنانهم الى ضعف مصر لتذل تحت أقدامهم ومالهم وجهلهم سوى المقاطعة والتخريب وخوفهم من قوة مصر بعد الصلح، لأنهم يريدونها منهكة القوى بالحروب لتستنجد بهم وتتملقهم فيحتقرونها. فإلى الأمام نحو الكرامة والحضارة. وخطوة من المتحضرين نقابلها بخطوتين، ولن ترجع مصر الى الوراء مع المتخلفين"[نص البرقية في الصحف المصرية الثلاث "الجمهورية" – " الأخبار" – "الأهرام" 8//1979].

7-   فرويد – الحرب والحضارة والحب والموت، ترجمة د. عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة ط2، 1977 ص 14.

8-   المرجع السابق ص 15.

9-   محمد العزب موسى- وحدة تاريخ مصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1972 ص 207؟

10- د. جمال حمدان – شخصية مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة 1980.

11- محمد سيد أحمد- مصر بعد المعاهدة ص 16.

12- راجع الفقرة السابقة رقم (1) بعنوان " طبيعة الحروب المصرية السابقة".

13- محمد سيد أحمد- مصر بعد المعاهدة ص 64.

14- هذه الملاحظة ليست خاصة بمصر فكافة الدول العربية، تمنع وجود محطات الإذاعة والتلفزيون الخاصة، فيما عدا ما شهدته الساحة اللبنانية، إبان الحرب الأهلية، حيث ظهرت عدة محطات إذاعية خاصة، تعبر عن وجهة نظر الأحزاب السياسية.

15- نذكر بهذا الصدد حملة التصنيفات المشهورة التي شهدها هذين الجهازين، في بداية تولي السادات الحكم، وبالتحديد عقب انقلابه في 15 مايو 1971، حيث قام بطرد العديد من العاملين في الإذاعة والتلفزيون بتهمة الاشتراك فيما عرف آنذاك بقضية " مراكز القوى" وكان ممن شملتهم تلك التصفيات محمد عروق مدير إذاعة صوت العرب. كما حدث مع السيدة تماضر توفيق التي أقيلت من منصبها في التلفزيون المصري لأنها كانت وراء رفض التعامل مع التلفزيون الاسرائيلي، وتبادل البرامج معه.

16- د. يوسف إدريس- جريدة الأهرام 1/2/1980.

17- د.يوسف إدريس – المصدر السابق.

18- أنور السادات- البحث عن الذات.

19- المرجع السابق.

20- د. حسن فتح الباب وسيد خميس- مجلة دراسات عربية، العدد (11) سبتمبر 1980 ص 96.

21- المصدر السابق ص 97.

22- للإطلاع على تفاصيل من التغييرات التي ألحقها العدو الاسرائيلي بمناهج التعليم في الأرض المحتلة، تراجع الكتب التالية:

-   تعليم العرب في اسرائيل- د. صالح سرية، مركز الابحاث الفلسطينية، بيروت.

-   تعليم الفلسطينيين، الواقع والمشكلات، نزية قورة، مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت.

23- لمزيد من التفاصيل تراجع:

-   مجلة " المستقبل" اللبنانية الصادرة في لندن، العدد (208)، 14 فبراير 1981.

-   جريدة الرأي العام الكويتية، العدد 6200، الصادر في 13 فبراير 1981.

-   الصحف المصرية الصادرة أيام 1و 2و 3 فبراير 1981.

24- علقت جريدة " الشعب" الناطقة بلسان حزب العمل الاشتراكي في عددها الصادر في 10/2/1981، على استمرار اعتقال المواطنين المصريين في هذه القضية بقولها: " ليس هناك من سبب يدعو لإلقاء القبض على مواطنين مصريين يمارسون حقهم المشروع في الاحتجاج على اشتراك اسرائيل في معرض الكتاب في القاهرة، فالاحتجاج على تغلغل الثقافة الصهيونية العنصرية، ورفع أعلام فلسطين لا يمكن أن يعتبر جريمة. ولذلك فنحن نطالب بالافراج فورا عن كل الذين تم إلقاء القبض عليهم، ومنع اسرائيل من الاشتراك في معرض الاسكندرية للكتاب". [ المعروف أن العادة جرت أن ينتقل المعرض الى الاسكندرية بعد انتهائه في القاهرة].

25- للإطلاع على مزيد من مناقشات ندوة حزب العمل الاشتراكي هذه، تراجع جريدة " الشعب" الناطقة بلسان الحزب، العدد (94)- السنة الثانية، فبراير 1981.

26- للإطلاع على المزيد من آراء ومناقشات الكتاب والمثقفين المصريين، الواردة في هذا الاستفتاء حول التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، تراجع مجلة الثقافة الوطنية [مختارات غير دورية، يشرف عليها صلاح عيسى وفريد زهران] الجزء الثاني، يناير 1981 ص 4-22.

27- تفاصيل احتفال الحزب وندوته الاسبوعية في جريدة "الشعب" الناطقة بلسان الحزب، العدد (45) 4 مارس 1980.

28- للإطلاع على تفاصيل هذا البيان ونوعية الشخصيات الموقعة عليه وأعمالهم السابقة والحالية، يراجع:

- جريدة الوطن الكويتية، السبت 7 مارس 1981.

- مجلة الدستور الصادرة في لندن، مارس 1981.

29- بخصوص الأطماع الصهيونية في مياه النيل، أصدر كامل زهيري نقيب الصحفيين السابق كتابا مهماً باسم " مياه النيل في خطر" وقد صدرت منه أكثر من طبعة داخل مصر وخارجها منها طبعة دار ابن خلدون- بيروت 1980.