![]() |
الدعوة إلى
الكفاح المسلح
في أدب غسان
كنفاني(*)
لسنوات طويلة اعقبت نكبة 1948
، ظلت القضية الفلسطينية في الأوساط العربية والدولية، مجرد قضية شعب من اللاجئين
، ينبغي النظر اليه بعطف واحسان، يترافق مع تقديم ما امكن من معونات مادية تمكنه
من العيش. وفي الميدان الفلسطيني ذاته، شغل الشعب الفلسطيني اللاجئ بهمومه
الحياتية،حيث كانت السنوات الأولى من النكبة قاسية للغاية، وبالذات في أوساط
المخيمات الفلسطينية، نتيجة عملية النزوح الكبيرة وانعدام فرص التشغيل والعمل.
ولامبالغة ي القول أن
الاهتمامات السياسيه تراجعه في تلك السنوات-أمام ضغوطات الحياة وقسوتها، من هنا
كان مهما دور الخلايا السياسية المنظمة والكتاب الوطنيين الملتزمين في قرع الجرس،
وتوجيه انظار قطاعات الشعب الفلسطيني
نحو لب القضية الفلسطينية ، وجوهر الصراع مع العدو الصهيوني ، من حيث ان
هذا الصراع لا يمكن حسمه الا بالكفاح المسلح، من هنا تاخذ الدعوة للكفاح المسلح في
أدب غسان كنفاني بعدها الخاص وأهتمامها المميز، مدللة على وعي غسان السياسي، ودوره
الريادي في مجتمعه.
في
قصصه القصيرة التي ضمنها مجموعتة
الأولى "موت سرير رقم 12"(1961) كانت غالبية شخوصه ذات الهموم الوطنية"
ماتزال مبهورة بوقع النكبة وآثارها وما يلح على ذكراتها من المعاناة
التي عاشتها ابان احداثها في فلسطين التي اصبحت الان محتلة.
ففي
قصة" البومة" (1959) لا يتمكن الرأوي فيها-بطلها-من النوم من جراء تحديق
البومة الموجودة في رسم الروزنامه على الحائط. ورغم كل محأولاته النسيان، الا أن
عيون البومة تلاحقه، إلى أن يتذكر أنها تكاد تكون نفس البومة التي شاهدها واقفة
على شجرة قبل عشر سنوات-أي في عام 1948-عندما كلفوه بحمل صندوق ذخيرة وأسلحة
لتخبئته في حديقة مجأورة، مخافة أن يكتشفه اليهود.ووسط صور الذكرى تضج في مخيلته احداث
1948 ومعاركها، وتشعر أنه يحس بالاسى والخجل مما حدث وعدم قدرة شعبه على المواجهة
وحسم الحرب لصالحه، خاصة عندما يتذكر اصرار وتحدي البومة آنذاك التي صمدت على الشجرة وسط
القنابل الحارقة. وكذلك (خيري) في قصة"شيء لايذهب"(1958) يتذكر
وهو مسافر في القطار حبيبته (ليلى) .."لم أكن قط استحق ليلى...كانت احسن مني
بكثير، كنت جبانا، أخاف من الموت.ورفضت أن أحمل سلاحاً كي أدافع عن حيفا..كنت في
رأس الناقورة عندما قالوا ان حيفا سقطت في يد اليهود، ولا أدري لماذا تذكرت
لحظتذاك جملة قالتها ليلى قبل أن أغادر حيفا:
-أنني لا استطيع أن أنسى التسعة أيام القاسية...ولكنني
أريد أن استمر في الدفاع عن حيفا. أنا أعرف أنني قدمت شيئا اكثر من حياتي، ولكنني
اريد ان أقدم حياتي نفسها فهذا افضل".
وكذلك
بطل قصة "منتصف ايار"(1960) الذي يكتب رسالة لصديقة (ابراهيم ) الذي
استشهد قبل اثنتي عشرة سنة، ويتذكر أنه خاف وجبن ولم يتمكن من تغطية رفيقه آنذاك
بالرصاص مما سمح لليهودي أن يقتله بقنبلة يدوية، يتذكر ذلك، فيعذبه ضميره، وينأكد
كم كانت مقاييسه ومواقفه متناقضة، فآنذاك تجرأ على قتل القط الذي هاجم الحمام، في
حين جبن عن مهاجمة اليهودي الذي أكل
وطنه وشعبه..إن ألمه كبير وجارح..."لست أعرف مبلغ تطوري الان...هل استطيع أن
اقتل يهوديا دون ان أرتجف ؟ لقد كبرت وجعلتني الخيمة أشد خشونة، ولكن كل هذا
لايعطيني يقينا. يقيني الوحيد هو
أنني أشعر بالعار ملتصقا بي حتى عظمي. هل يكفي هذا؟ أعتقد أنه يكفي، فالقط الذي
قتلته لم يفعل سوى أنه سرق زوج حمام كي يأكله، وكان السبب هو جوعه حتما ..اما الان
فان ازاء جوع آلاف من الرجال والنساء..أقف معهم أواجه لصا سرق منا كل شيء".
في
كل ما سبق نجد انفسنا امام شخوص تتألم لانها لم تناضل في السابق، ولم تدافع عن
الوطن مما أواصلها إلى حياة الذل واللجوء الحالية التي تعيشها ، وهنا نجد
انفسنا-قصصيا-امام بدايات الوعي بضرورة ممارسة الكفاح المسلح وسيلة لتحرير الوطن
وطرد مغتصبية.هذا الوعي، يتبلور بوضوح أكثر، من مجموعته القصصية الثانية" أرض
البرتقال الحزين"(1963) ، ففي هذا العام، كان الوعي الجماهيري، قد ازداد
تبلوراً بفعل نشاط الطلائع الثورية المنظمة، مما يجعل شخصيات هذه المجموعة تعي
معنى حمل السلاح سابقا ابان النكبة، وحاليا ابان حياة اللجوء والتشرد.
أدركت
هذه الشخصيات، أنها لو كانت آنذاك في مستوى الوعي الحالي، لما حدثت النكبة، ولما
ضاع الوطن، ولكنها كانت ضحية الجهل السياسي وتآمر الانظمة العربية.
في
قصة "ورقة من الطيرة" يتذكر بطلها كيف ضاعت فلسطين، فيدرك أنها ضاعت
بسبب" الذين يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة ، ثم
يكتبون عن فلسطين، وعن حرب فلسطين وهم لم يسمعوا طلقة واحدة، في حياتهم كلها، ولو
سمعوا، اذن، لهربوا إلى حيث لا ادري...."وهذا ما يجعله يستعيد اللقطات
النضالية المجيدة التي دفع الشرفاء حياتهم فيها من أجل الوطن ، وهذا نفسه ما يجعل
صورة الشهيد القائد ابراهيم أبو دية، تقتحم مخيلته تقديرا وألما علىالحياة المذلة
التي عاشها في آخر أيامه، وكذلك حمد
الحنيطي الذي هرب اللغم من سوريا لنسف المطحنة اليهودية وعندما اكتشتفته الدورية
الصهيونية، فجر اللغم في نفسه وفيها..اما في قصة "ورقة من غزة" فان
بطلها يصحو على بتر ساق الصغيرة نادية من جراء هجوم لليهود ، فيقرر البقاء في غزة،
ويلغي مشروعة للهجرة، ويكون هذا بداية تشبثه بالوطن المتبقي ، كما بدا ينظر للحياة من منظار جديد.
في
القصة الاخيرة من مجموعته "عالم ليس لنا"(1965) المسماة"
العروس" تتبلور مرحلة بكاملها لتؤكد على أن البندقية هي الطريق الوحيد لحسم
الصراع مع العدو....وبفنية عالية، يختلط فيها الرمز مع الواقع، يتمكن غسان من
تكثيف المسألة من خلال دراسته لشخصية ذلك الرجل الذي اتهم بأنه مجنون، أو هكذا كان
يبدو ، لأنه أمضى ساعات طويلة وهو يركض باحثا عن البندقية التي غنمها من قتيل
يهودي، وأخذها منه الضابط ليعرضها على القيادة، ويهتدي إليها بعد بحث طويل مع عجوز
اخر اشتراها من هذا الضابط بعد أن دفع له ثمنها المائة جنيه مهر أبنته العروس.. في
هذه القصة –ومن خلال جنون بطلها في البحث عن بندقيته، ومن خلال تضحية الرجل الاخر
وقبوله زواج ابنته من العجوز الذي يكره كي يحصل على مهرها ويدفعه ثمنا للبندقية –يكون
الحس الجماهيري قد بلغ أوج وعيه السياسي.
في
مجموعته"عن الرجال والنبادق"(1968) يتغير الوضع الفلسطيني، وتدخل
الطلائع الثورية المسلحة زمن الاشتباك الفعلي مع العدو الصهيوني ، لذلك جاءت هذه
المجموعة في قسمين:القسم الأول، يبدو وكأنه رواية قصيرة، يلف شخصياتها جميعا هم
واحد، وهو كيفية الحصول على السلاح
.وتبدو أهمية هذا البحث المضني، لأنه يصور معاناة الفلسطيني قبل عام 1948،عندما
كان يخوض معركة غير متكافئة مع اليهود والبريطانيين يدفعه فيها دمه وكل ما يملك من
أجل الحصول على بندقية، مرة يشتريها بما وفره طوال سنوات العمر، وأخرى يستاجرها،
وثالثة يرهن حقل الزيتون من أجلها .وفي اللوحة الخامسة التي عنوانها"الصغير وأبوه والمرتينة يذهبون إلى قلعة
جبين" تسيطر عليك الدهشة عندما يذهب الصغير منصور سرا وراكضا إلى خاله
ليستعير منه بندقيته، فيكتشف ان والده سبقه اليها، وذهب مع الرجال لمحاصرة قلعة
جبين، فيلحق بهم بدون سلاح على أمل الحصول على بندقية من بنادق العدو، في كافة
مجموعات غسان القصصية للبندقية ولصراع العدو حضور اساسي عميق، يعالجه بدون الاخلال
بتقنية القصة وفنيتها.
والامر
كذلك في أعماله الروائية، فقد واكب غسان حركة الشعب الفلسطيني ، موجها أنظار
طلائعه نحو الكفاح المسلح، ومن خلال ذلك قدم أعمال روائية رائدة، في الموضوع
والاسلوب..في الموضوع لغسان الريادة في جعل
موضوع الكفاح المسلح هو الأساس في الصراع مع العدو، وفي الاسلوب لم يتخلف
عن المستوى الروائي الذي كان يسود الساحة النقدية، وقدم اعمالا جعلت غالبية
النقاد يشهدون بريادته وتفوقه،
وبالذات روايتي "رجال في الشمس"(1963) و"ما تبقى لكم"(1966) في رواية "رجال في
الشمس"تتبلور كافة لقطات النضال التي عالجها في مجموعاته القصصية ، لتصبح
صرخة موجهة إلى الشعب الفلسطيني الذي يستقبل محأولات تضيع وطنه بسكون وجمود. الشعب
الذي يستقبل الموت بصوت اخر.الشعب الذي يهرب بعيدا عن الوطن، نحو بلدان النفط بحثا
عن الاستقرار والراحة، فيدق غسان الجرس معلنا ان الهروب يجب ان يكون باتجاه الوطن،
وان الراحة والاستقرار على أرض الوطن فقط، ميتا كان المرء أم حيا .الشخصيات
الفلسطينية في الرواية، تمثل اجيالا أو طبقات فلسطينية، تتجه كلها نحو البصرة في
طريقها إلى الكويت حيث النعمة والراحة كما يتوهمون.و(أبو الخيزران) يقودهم في خزان
المياه الفارغ، وسط جحيم الصحراء أملا في تهريبهم إلى الكويت..دفعوا كل ما استدانوه
ثمنا للوصول. ورغم ذلك لم يصلوا . كانوا في داخل الخزان يغلون ويلتهبون ويؤملون
أنفسهم كل لحظة بالوصول. ولكن يموتون في داخل الخزان، وعندما يكتشفهم ابو الخيزران، يلقي جثثهم في المزبلة، ويسرق
ساعاتهم ونقودهم، ورغم هذه الدناءة يصرخ بالسؤال الذي يعطي الرواية مدلولها
السياسي، "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ ".انه السؤال الذي يحمل جوابة
الحتمي .كنتم في خزان المياه تحترقون بلهيب الشمس فلماذا قبلتم الموت بسكون، لماذا
لم تدقوا جدران الخزان كي ينتبه لكم أبوالخيزران ويقوم بانقاذكم.هذا في مستوى فهم
أحداث الرواية. ولكن في المستوى الرمزي المفسر بدلالات واقعية. كان غسان يريد أن
يقول للشعب الفلسطيني، لماذا تقبلون حياة الذل والهوان.لماذا لا تدقوا جدران
الخزان، بمعنى لماذا لا تعلنون الثورة، فليس لديكم ما تخسرونه سوى حياة الذل
وفقرها.لماذا لم يدقو الخزان ؟لماذا لم تعلنوا- الثورة المسلحة بعد؟ لماذا؟.
لماذا.
ويجيء
الجواب الروائي بعد ثلاث سنوات في عام 1966 في روايته"ما تبقى لكم"، وكانت طلائع الشعب
المسلحة في تلك السنة، قد دقت جدران
الخزان فعلا، واعلنت الثورة المسلحة ضد العدو المغتصب.حامد في الرواية عندما يقرر
ترك القطاع هربا من العديد من مشاكله، وبالذات فضيحة اخته مريم مع النتن زكريا
يهرب في اتجاه أمه-الأرض ، لانه يعرف لا شعوريا أن صدر الام-الارض قادر على حل كل
المشاكل، فيتوجه نحو الاردن، مخترقا فلسطين المحتلة، وعلى صدرها الحنون، يشتبك مع
جندي الدورية الصهيونية، ولما كان محاطا بحساب كله خسائر، تأكد انه لن يخسر شيئا
فأما الموت فيتخلص من كافة همومه، واما الانتصار.. في نفس اللحظة ، يقتل حامد
الجندي الصهيوني، وتقتل مريم زكريا الذي خانها.هنا يبدأ زمن الا شتباك فعلا، وتعطي
رواية" ما تبقى لكم" الدرس المطلوب، في زمن الا شتباك، عندما يقرر
الانسان ان يصارع عدوه لن يخسر، الحسابات في هذا الزمن قائمة على الربح فقط، المهم
هو الاشتباك ، وقد بدأه روائيا حامد، وواقعيا طلائع الشعب المسلحة.
الاشتباك
الفردي في "ما تبقى لكم" يصبح جماهيريا وجماعيا في " أم سعد"
(1969) فقد أدركت الجماهير ان خلاصها في الاشتباك الشامل مع العدو وادركت كذلك أن
"خيمة عن خيمة تفرق" خيمة الفدائي تختلف عن خيمة اللاجئء، لذلك فالجميع
القادرون يتوجهون نحو خيام الفدائيين، يلتحقون بالثورة، معلنين شمولية الكفاح
المسلح ضد العدو.في رواية "أم سعد" يمتلك غسان كنفاني أدواته الفنية
بمهارة فيكتب الرواية الواقعية الاشتراكية المعبرة عن طموحات قطاعات الشعب
المسحوقة الباحثة عن حقوقها المغتصبة وقد أدرك غسان كيف ان الثورة والالتحاق بها
وممارسة النضال من خلالها يغير الا شخاص ويعطي سلوكهم صفات جديدة، وفي هذا رصد
للتحولات التي تطرأ على سلوك الشخصيات من تأثير الأوضاع الاجتماعية الثورية
الطارئة ،وأهم الانعكاسات كانت في شخصيتي (أم سعد) و(أبو سعد).
دفعتها
المشاركة الثورية إلى الثورة على الموروث الديني المتخلف الذي يستغل لمزيد من
التخلف والاستغلال، نراها ترمي الحجاب القديم، وتعلق بدلا منه رصاصة اهداها لها
ولدها(سعد).أصبحت الرصاصة حجاب المرحلة الجديدة.اما الحجاب القديم فقد"صنعه
لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين، وذات يوم قلت لنفسي: ذلك رجل دجال بلا شك حجاب؟اني
أعلقه منذ كان عمري عشر سنين، ظللنا فقراء وظللنا نهتريء بالشغل وتشردنا وعشنا
هناك عشرين سنة.حجاب؟ هناك اناس ينتفعون بالضحك على لحى الناس، ذلك الصباح قلت
لنفسي، اذا مع الحجاب هيك فكيف بدونه".
في
المرحلة الثورية ذات الطابع الجماهيري، وحيث الكفاح المسلح، تغير سلوك (أبو سعد)
اليومي. وتحسنت نفسيته، فانعكس ذلك على علاقاته بالاخرين .."كف أبو سعد عن
الذهاب إلى القهوة، وصار حديثه لام سعد اكثر ليونه، بل انه ذلك الصباح سألها ان
كانت ما تزال تتعب.."لقد كان التحاق(سعد) بالفدائيين أمرا مهما مغيرا
للجميع..ومع سعد التحق الالاف ، فيدخل الشعب زمن الاشتباك فعلا، في مجموعة
"عن الرجال والبنادق" كان اشتباكا مع الفقر والجوع، وفي روايته "أم
سعد" يصبح اشتباكا جماهيريا مع العدو، حتى سعيد سن بطل رواية "عائد إلى
حيفا" (1969) اصبح بعد المواجهة مع خلدون(دوف) يتمنى لو أنه سمح لابنه (خالد
) بالالتحاق بالفدائيين، فهو ورفاقه شرف الامة المستقبلي.
عبر
كافة اعمال غسان كنفاني، كانت البندقية-الكفاح المسلح، لها حضورها الاساسي، فقد
أدرك بحسه ووعية السياسي الملتزم أن الكفاح المسلح هو الطريق ، لذلك قام بدوره
الريادي، وسخر أعماله الفنية، لترسيخ ثقافة ثورية تسود في أوساط الجماهير وهنا
اهمية غسان ودوره.كان يدرك ان الرواية والقصة يجب وينبغي أن تكون لخدمة هدف سياسي
جماهيري ، وقد تمكن من ذلك دون أن يقع في السطحية والخطابية المباشرة فجاءت اعماله
القصصية والروائية بالاضافة إلى ريادتها في الموضوع السياسي الجماهيري رائدة في
تقنيتها واخذها باساليب القصة والرواية الفنية الحديثة التي تسبق ما وصل اليه
معاصروه.