![]() |
رواية
القضية
الفلسطينية(*)
يؤكد
العديد من النقاد والدارسين ان فن الرواية، يمتاز عن غيره من الفنون الأدبية
الاخرى، بأنه الفن القادر على التطور ومواكبة التحولات الكبرى، خاصة في مجال تسجيل
الاحداث ذات الاهمية في تاريخ الشعوب والافراد، لأنه الفن القادر على الغوص في
اعماق الذات الفردية والجماعية، بعكس الشعر-القصيدة-الذي هو فن التعبير عن (لحظة)
وجدانية، سواء كانت ذات ايقاع فردي أوجماعي، وهذا ينطبق خاصة على الشعر الغنائي
الذي ينتمي اليه الشعر العربي في مجمله، لذلك اعتبر فن الرواية من الفنون الصعبة التي لاتنفع فيها الموهبة والذكاء
وحدهما، فلا بد من الدراسة الواسعة الثانية للعديد من حقول الحياة الاجتماعية
والنفسية والتاريخية المحيطة بالحدث- الموقف المراد التعبير عنه(روائيا) .من هنا
أعتبر الروائي انه يقوم بدور المؤرخ والعالم النفسي والمحلل الاجتماعي في أن واحد،
ولهذا صمدت روايات كثيرة حتى اليوم رغم مرور عشرات السنين على تأليفها، وما زالت
معاصرة في تعبيرها رغم تقادم العهد بالحدث الذي صورته، مثل روايات"الحرب
والسلم"و"جسر على نهر درينا "والحرية أو الموت" و"الدون
الهادئ" و"وداعا للسلاح" ومن الروايات قريبة العهد" مائة عام
من العزلة" و"الجنرل في متاهة".
انطلاقا
من ذلك نسأل، هل تمكنت الرواية العربية من التعبير روائيا عن القضية الفلسطينية
تعبيراً ملحمياً شاملاً بعد ما يزيد على اربعين عاما من نكبتها؟وبصغية اخرى: هل
تمكن الروائيون العرب من كتابة تاريخ القضية الفلسطينية روائيا، بحيث يمكن تقديم
القضية بكافة ظروفها التاريخية والانسانية والنفسية للقارئ العربي والغربي ، على
اعتبار ان فن الرواية من أقدر الفنون على التعبير عن مثل هذه الاحداث الكبرى،
واعماله الناجحة اقدر على الخلود والاستمرارية مثل الاعمال التي ذكرناها؟وعند
الاجابة على هذا السؤال ، يتبادر إلى الذهن اعمال الروائيين الفلسطينيين تحديداً،
لان معظم ما كتب عن القضية من نتاجهم، ويفترض نظريا ان يكونوا اقدر من غيرهم على تقديم هذه القضية روائيا، بحكم
معايشتهم الجغرافية والتاريخيه والنفسية لكافة تحولاتها وتنويعاتها على الانسان
والارض. أن دراسة النتاج الروائي الفلسطيني من عام 1950وحتى عام 1990اي خلال
اربعين عاما عرفنا خلالها مالا يقل عن مائة رواية لكتاب فلسطينيين ، تجعلنا نقول
ان الروائي الفلسطيني عجز حتى الآن عن كتابة عمل روائي ملحمي يقدم القضية
الفلسطينية لشعبها وللمهتمين بها، عربا وأجانب وحمكنا هذا ليس رأيا متسرعاً تمليه
الكتابة الصحافية، التي يعتبرها البعض غير مسؤولة ومتسرعة،ولكنه حكم دارس تتبع
مسار الرواية الفلسطينية ونتاجها في المرحلة المذكورة، وتخصص في دراستها ونقدها،
وقد كانت الملاحظة الاساسية من خلال هذه الدراسة هي ان الروائي الفلسطيني قريب في
انفعاله وتعبيره من الشاعر الفلسطيني، فهما معا منفعلان باللحظة الآنية العابرة،
فيعبر عنها الشاعر في قصيدة والروائي في رواية، جاء العديد منها اقرب إلى قصيدة
النثر، وقصيرة مثل القصيدة. وهذا في حد ذاته يجعلنا لا نجد إلا القلائل جدا من
كتاب الرواية الفلسطينية من درس فن الرواية وتاريخها في الأدب العالمي وتطوره
وبناءه الفني، وهذا ايضا ما يفسر أن العديد منهم كتب رواية واحدة فقط، وغالبا
قصيرة جدا ثم توقف عن كتابة الشكل الروائي ، وفي السياق نفسه هناك العديد ممن
اشتهروا بفن الشعر ، كتبوا رواية واحدة
فقط، بغض النظر عن قصرها البالغ ومستواها النفي الرديء(هارون هاشم رشيد،
امين شنار، يوسف الخطيب) ، ومنهم من اشتهر كصحافي، وكتب رواية واحدة، وايضا مع غض
النظر عن مستواها الفني(ناصر الدين النشاشيبي، نبيل خوري).
وإذا
ما تركز حديثنا على الكتاب الذين اشتهروا في الساحة الادبية العربية كروائيين
امثال: اميل حبيب وجبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني، ورشاد ابو شأور ويحيى يخلف وسحر خليفة، فان كل انتاجهم الروائي عبر عن لقطات تاريخية ونفسية
وانسانية مقتطعة من السياق العام لتاريخ القضية الحدثي والانساني، دون ان يتمكن
احد منهم من تقديم القضية بكامل
جوانبها التاريخية والنفسية والانسانية في عمل واحد، كما فعل الكاتب اليوناني
كازانتزاكي في روايته العظيمة "الحرية أو الموت" التي صور فيها ببراعة
كبيرة تاريخ أهل جزيرة كريت ونضالهم الطويل ضد الاحتلال العثماني أو جارسيا ماركيز
في روايته "الجنرال في متاهته"التي أرخ فيها روائيا لحياة محرر امريكا
اللاتينية الجنرال سيمون بوليفار، وفي الوقت ذاته تاريخ تلك المرحلة المهمة من
حياة امريكا اللاتينية.
وإذا
عمدنا للتدليل على آرائنا- أو مزاعمنا السابقة-بأمثلة من الرواية الفلسطينية ،
فيمكن البدء بغسان كنفاني الذي نال أوسع شهرة في عالم الرواية الفلسطينية
والعربية، فهو في روايته الأولى"رجال في الشمس"(1963) يصور أو يكتب لقطة
واحدة من حياة الفلسطيني ، وهي لقطة البحث عن الخلاص الفردي، حيث التوجه أو الهرب
إلى الصحراء العربية حيث النفط والمال والرزق، فاذا الذين يختارون هذا الطريق،
يموتون في لهيب الصحراء وسط خزان الماء الذي حأولوا الهروب خلاله إلى منابع النفط
والرزق، دون ان يتمكنوا من ان يدقوا جدران الخزان، وبدلا من الثورة التي كانوا يحلمون بها، لاقوا
الموت، وكانت نهاية الرواية تلك الصرخة-النبوءة "لماذا لم تدقوا جدران
الخزان"؟ مجازا عن أمنية "لماذا هربتم إلى الثروة ؟ لماذا لم تعلنوا
الثورة على الاحتلال.
أما
روايته الثانية"ما تبقى لكم"(1966)، فقد كانت على نقيض الأولى، لأنها
تمثلت ما يدور داخل حركة الشعب الفلسطيني، كانت تمهيدا طليعيا لحالة النهوض التي
عاشها الشعب عقب النكبة.
جاءت
هذه الرواية لتجيب على تساؤل أبو الخيزران في نهاية الرواية الأولى، فيها يهرب
البطل ولكن في الاتجاه الصحيح نحو الوطن،حيث أول الصدام مع العدو وفي روايته
الثالثة" أم سعد" (1969) وقد اصبحت الثورة ضد العدو حقيقة واقعية شاركت
فيها طبقات أوسع من الشعب ، جاءت الرواية لتعبرعن حلول الجماهير في بحر الثورة،
وفي العام ذاته(1969) كتب روايته"عائد إلى حيفا" حيث عالج فيها مسألة
ذات طابع فكري وهي"من هو الفلسطيني؟ "و"من هو اليهودي؟" عبر
دراسته لحالة رضيع تركته أسرته عقب رحيل 1948 فالتقطته أسرة يهودية حيث تربى
يهوديا وتكلم عبريا وحارب في جيش الدفاع، وظل على مواقفه هذه بعد اكتشافه انه من ابوين فلسطيين، وفي
بقية اعماله "عن الرجال والبنادق"(1968) ومانشر منها بعد وفاته"
العاشق" و"الاعمى والاطرش" و"برقون نيسان"كان يعزف
ألحانا متنوعة ضمن اطار حركة شعبه،
دون ان يرقى أي عمل من كل أعماله الروائية ليسجل روائيا عموم حركة القضية
الفلسطينية وتطورات كفاح شعبها، كما فعل كازانتزاكي في "الحرية أو
الموت" واذا استطردنا في نموذج اخر للتدليل على مزاعمنا السابقة، ونتوقف عند
كتابات رشاد ابو شأور، نجد ان عمله الروائي الأول"ايام الحب والموت (1973)
كان معنيا في المقام الأول باحداث حرب عام 1948، ولأن الرواية جاءت قصيرة جدا(93
صحفة من القطع الصغير)، فلم تنجح فنيا في التعبير عن تلك الاحداث مما اثر ايضا على
رسم وبناء الشخصيات التي جاءت مسطحة لا عمق فيها، اما روايته
الثانية"العاشق"(1977) فرغم تطورها الفني الواضح، ورغم حجمها الذي
تجأوز280 صفحة، فقد ركزت فقط على بدايات مقأومة الاحتلال عقب نكسة1967 وما اعقبها
من احتلال قطاع غزة والضفة الغربية.
واستطيع
الزعم ان بقية اعمال الكتاب الاخرين الروائية ، لم تتمكن حتى الأن من تقديم القضية
الفلسطينية كحدث في عمل واحد، يجعلها في متنأول يد القارئ العربي والاجنبي
روائيا، ولذلك في رائي اسباب عدة،
اهمها سرعة انفعال الروائي مع الحدث الآني وعدم قدرته على ضبط نفسه عن التعبير
الانفعالي السريع مما جعل العديد من الاعمال قصيرة للغاية وأقرب للشعر منها إلى
الرواية، كما في رواية"ايام الحب والموت"لرشاد ابو شأور، و"الكابوس
" لأمين شنار، و"عناصر هدامة"ليوسف الخطيب
و"السفينة"لجبرا ابراهيم جبرا، مع عدم نسيان تمييز"السفينة"بشكل
واضح فنيا مما يجعل من الجهل والظلم وضعها في سياق ومستوى واحد من الاعمال المذكورة يضاف إلى ذلك
عدم تخصص اغلب كتاب الرواية الفلسطينيين في فن الرواية ودراسته كفن له اساليبه
الخاصة في البناء الفني، مما نتج عنه عدم ادراك اهمية هذا الفن المستقبلية للأجيال
القادمة،وتنأوله كفن من فنون التعبير الآني عن لحظة انفعالية أو حدث واحد مقطوع عن
سياقه العام الذي هو في حالة مقالتنا هذه تاريخ القضية الفلسطينية وحركة نضال
شعبها، وهذا ما جعلنا حتى الان لا نتوفر على العمل الروائي ذي الطابع الملحمي الشامل مثل الاعمال الروائية
العالمية التي ذكرناها ، والتي مازالت معاصرة رغم مرور عشرات السنين على كتابتها.