![]() |
علاقة المبدع مع الانتفاضة
من الداخل الخاص(*)
أود في البداية
التفريق بين نوعين من الكتابة حول موضوع الانتفاضة الفلسطينية العظيمة، الأول هو
الكتابة السياسية بكل أنواعها، من تغطية حديثة، وتعليق وتحليل، وتوثيق وتصنيف .هذا
النوع لم يتراجع. لأنه يتعامل مع الانتفاضة كموضوع سياسي مثل تعامله مع أي حدث أخر
حيث أن الكتابة لا تتوقف حتى مع توقف الحدث. حيث تستمر الكتابة طالما أن هذا الحدث
صالح للتقليب والتحليل، بدليل ظهور كتابات جديدة دائماً عن ثورة1936 وغيرها من
موضوعات النضال الفلسطيني أما الكتابة الثانية، فهي الكتابة الابداعية نثرا أو
شعراً عبر كل فنون الادب والابداع، وهي المقصودة بالحديث في هذا الاستطلاع .لبحث
مسألة تراجعها وعدم مواكبتها للحدث النضالي العظيم المتمثل في الانتفاضة الشعبية
في فلسطين المحتلة.
ان التحليل
العلمي الموضوعي لهذا الانتفاضة-كما أرى- يعتبرها محطة نوعية في مجرى النضال
الوطني الفلسطيني ، تتمثل في هذه المحطة النوعية في انتقال مركز الثقل في هذا
النضال من خارج الوطن المحتل إلى داخله، وهذه النقلة اجابت على تساؤل طالما رددته
مصادر مختلفة لأغراض متنوعة. وهو أين الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة؟
جاءت هذه الانتفاضة الشعبية لتجيب على هذا التساؤل معلنة ان الشعب الفلسطيني في
الداخل، يرفض الاحتلال .وأنه لابديل عن الاستقلال وحق تقرير المصير والعودة.
ووصولاً إلى هذه الاهداف ، تطورت أساليب هذه الانتفاضة في مواجهة العدو. مستغلة كل
الوسائل المتاحة ومنها (الحجر) حيث اصبح هذا الحجر هو علامتها المميزة دلالة على
شعب أعزل يواجه أعتى قوات الظلم والقمع والاحتلال إلى الحد الذي جعل اقرب اصدقاء
العدو وحلفائه ينتقدون ممارساته الفاشية التي فضحت كل ادعاءاته الحضارية، وأكاذيبة
حول حقوق الانسان والحريات الديمقراطية المتوفرة في كيانة العنصري الاستيطاني.
هذا التصور
يقودنا للحديث عن علاقة الكتاب والمبدعين بهذا الحدث- الثورة. لنبحث كيف كان
تعاملهم معه عند انطلاقته، وكيف تطور ، ثم كيف أصبح الان؟ بداية نرى ان الكتاب
والمبدعين فوجئوا باندلاع الانتفاضة ، بنفس مستوى مفاجاة القيادات السياسية، لذلك
وقفوا موقف المندهش الذي كان الزمن العربي قد اصابه بمسحة كثيفة من اليأس والاحباط
وقد استمر هذا الاندهاش اياماً طويلة عجزوا خلالها عن التعبير عن هذا الكم العظيم
من التحدي والصدام مع العدو، إذ كان حجم المفاجاة عظيماً، اضطرهم إلى اعادة النظر
في العديد من مسلمات الامر الواقع التي رسختها السياسات العربية، واحياناً
الفلسطينية، ومع تعاظم مد الانتفاضة ، وشمولها عموم الاراضي الفلسطينية المحتلة،
أدرك الكتاب والمبدعون ، انهم أمام حدث نوعي لم يألفوه من قبل، فكان تعاطيهم
الأول-شعراً ونثراً – مجرد تعظيم سطحي للانتفاضة وفي الوقت ذاته هجوم وتعرية للعدو
الصهيوني الفاشي وأساليبه النازية، وفي الجانب الاعلامي شهدت البداية حماساً
اعلامياً، انعكس على كل وسائل الاعلام العربي والفلسطيني فالصحف والمجلات المرئية
والمسموعة، تسابقت نحو التغيطية الاعلامية، بشكل جعل الانتفاضة مادة اساسية تفرد
لها الصفحات الخاصة والصور والتحقيقات ،
وساعات عديدة من البث المسموع والمرئي، أما وسائل الاعلام الفلسطينية ، فقد
افردت نشرات خاصة بها، اضافة إلى
مجلاتها الاسبوعية والدورية ، وقد عرفت دمشق وحدها أربعاً من هذه النشرات الخاصة،
من يومية واسبوعية وبعد مرور اسابيع قليلة ، فتر الحماس ، وتوقفت هذه النشرات
جميعا.
ومع استمرار الانتفاضة وتعاظمها استمر التعبير الابداعي
المتنوع- شعراً ونثراً حيث تجمع منه كم وفير، لاحظت عليه مايلي:
1-لقد تعامل هذا الابداع مع الانتفاضة العظيمة تعاملاً
سطحياً خارجياً، اذ انصب التعبير والاعجاب على مادة جامدة اسمها(الحجر) وما يتفرع
عنه ويواكبه، وكأن هذا الحجر مادة هلامية أسقطتها قوى مجهولة، وأعنى أن التعبير
الابداعي-في أغلبه-لم ينظر إلى القوة الشعبية الجماهيرية التي تجمع الحجر وتطارد
العدو به، والتي هي مصدر التحدي واستمرار الانتفاضة.فيما عدا قصائد قليلة التفتت
إلى البحر الجماهيري الذي يحتضن الانتفاضة، ويغذيها بالعنصر البشري الذي هو اساس
استمراريتها طوال الخمسة عشر شهراً الماضية.
2-لقد عاد بعض المبدعين ، مع هذه الانتفاضة الشعبية
العظيمة إلى اجترار افكارهم ومفرداتهم السابقة نفسها، وهي الافكار والمفردات التي
فقدت فعاليتها وتاثيرها من كثرة استعمالها وتكرارها، فجاءت أشعارهم في عام 1988 في
الانتفاضة العظيمة هي ذات القصائد التي قالوها قبل عشرين عاماً حول القمع، العربي
والفساد السياسي، بنفس التعبيرات والمفردات مضافة اليها بتكرار ممل ساذج
مفرده(الحجر) واشتقاقاتها ومترادفاتها، واخص بالذكر قصائد نزار قباني التي لو حذفت
منها بعض المفردات لما تميزت عن قصائد السياسية طوال العشرين عاماً الماضية.
استمرت الانتفاضة
الشعبية في الصعود والتعاظم ، مبتكرة كل يوم اساليب جديدة لمواجهة العدو الصيهوني
، ومقدمة عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين ورغم هذا الزخم النضالي
المتصاعد بوضوح، والشامل لكافة قطاعات الشعب في فلسطين المحتلة، يشهد الابداع
العربي تراجعاً عن مواكبة هذا الصعود ، والتعبير عن العناصر الجديدة التي طرحها
وهذا التراجع يعود في رأيي إلى عاملين:
1-الانفعال لدى الكتاب والمبدعين جاء انفعالاً
خارجياً،نتيجة الاغتراب النفسي والوجداني الذي لم ينتج عنه معايشة حقيقية عميقة
للثورة المتفجرة في الوطن المحتل وفيما عدا قصائد قليلة اخص منها اشعار خالد
محادين وابراهيم نصر الله في الاردن،فان غالبية ما قيل وكتب، كان مجرد مجاراة
عرضية سطحية.
2-الحصار العربي الرسمي لاي ردود فعل جماهيرية عربية
مؤيدة للانتفاضة، جعل الانتفاضة في الشوارع العربية مجرد خبر في نشرة الاخبار،
يتراجع حسب اهمية الاخبار اليومية، وكم هو محزن وبائس ان يأتي خبرهذه الا نتفاضة
العظيمة لاحقا لاخبار سفر الملوك والرؤساء واستقبالاتهم في كل الاذاعات العربية
المسموعة والمرئية، هذا الحصار الرسمي لاخبار الانتفاضة وتفاعلاتها الداخلية في
الاقطار العربية، أضيف في اغلب الحالات على الاغتراب النفسي للمبدعين، ليجعل
الاهتمام الخاص بالانتفاضة يتراجع حسب الحاجه اليومي، على نفسه وفي الشارع فنتج
عنه تراجعاً في كمية الابداع وسطحية في كيفه.
3-ابتعاد غالبية الكتاب والمبدعين على المعايشة الفعلية
لنضالات الشعب الفلسطيني اليومية، وتفاصيل صدامهم وتحديهم للعدو، نتج عنه اعتقادهم
أن هذه الانتفاضة مجرد هبة طارئة مؤقتة فجاء الانفعال بها، والتعبير الابداعي
عنها، طارئاً سريعاً عجولاً، بدليل عشرات القصائد والقصص السطحية التي لا علاقة
لها بالانتفاضة، وروحها وشعبها، سوى استعمالها وتكرارها لمفردة (الحجر) ونتيجة هذا
المفهوم الخاطئ لطبيعة الانتفاضة، وآلية عملها الصدامي اليومي، تسابق الشعراء
والقصاصون ليكتب الواحد منهم قبل غيره مخافة ان تتوقف هذه الهبة كما قدروا فيفوتهم
شرف الكتابة حتى كتاب المسرحية وممثلوها، لم يلامسوا من الانتفاضة سوى قشرتها
الخارجية وركضاً وراء المشاركة في معمعة الكتابة قبل توقف الحدث، كانت المسرحية
المشتركة للفنانين العرب(واقدساه) فجاءت سطحية، ومقحمة،لا علاقة لها بعظمة
الانتفاضة وشعبها.
لو كان الكتاب
والمبدعون، يدركون سياسياً ونضالياً أن هذه الانتفاضة كما عبّرت عن نفسها منذ
أيامها الأولى محطة نوعية جديدة وخاصة في مجرى النضال الفلسطيني وان هذا يعني ان
لها استمراريتها الطويلة المؤثرة الفاعلة عبر ابتكارها لاساليب يومية للمواجهة
والصمود، لما تسابقوا هذا التسابق السطحي الهامشي التعبير في غالبيته ولأختزنوا كل
تفاصيلها اليومية في نفوسهم، وعايشوا بطولاتها في الميادين كافة، إلى ان تتجذر في
وجدانهم على شكل خاصية جماهيرية دائمة وثابتة، مما ينتج عنه استمرار التعبير
الابداعي-شعراً أونثراً –في أعمال ناضجة جزءاً من نفسية الكاتب والمبدع، وليس
حدثاً خارجياً، انفعل معه مرة فكتب قصيدة أو قصة ثم توقف كما نلاحظ الآن.
إن المسألة-كما
أرى –لها علاقة بنظرة المبدع وفهمه السياسي للحدث ونوعية المعايشة والمعاناة التي
يختزنها ، وهذا لايعني أن يكون كل الكتاب والمبدعين هناك بين شعب فلسطين المحتلة
المنتفض ، كي يصلوا إلى المستوى المطلوب من الفهم والمعايشة والمعاناة بدليل أن
قصائد بعض من هم خارج الوطن المحتل جاءت افضل من قصائد بعض من هم داخله، ولكن معايشة الحدث تعني استمرار
الاطلاع على تفاصيله اليومية العديدة، والمتسجدات التي يطرحها الحدث كل ساعة،
واختزان هذه التفاصيل في وجدانه، مضافة إلى شريط طويل من تاريخ هذا الشعب الذي لم
يتوقف عن تقديم التضحيات والشهداء طوال ما يزيد على سبعين عاماً في ملحمة بطولية
هي الاطوال في تا ريخ العرب الحديث ان دور المبدع ينبغي ان يتجلى في قدرته على نقل
هذه البطولات لجماهير شعبه لتصبح حية معاشة، تنعكس بعد ذلك في فعل جماهيري لرفد
الانتفاضة ودعم استمراريتها، لان قصيدة أوقصة تعبر تعبيراً سطحياً مقطوعا عن حركة
الجماهير ازاء هذه الانتفاضة ، لن يكون لها فاعلية وتأثير في اية أوساط فهي مجرد لحظة انفعالية تنتهي
بانتهاء قراءتها أو القائها، بعيداً عن استمرار تاثيرها. إن المبدع العربي بحاجة
إلى اعادة نظر في عموم تعبيراته الابداعية المتعلقة بنضالات الجماهير العربية،
واهمها نضالات الانتفاضة العظيمة ، وهذا يقود إلى ضرورة الكف عن التعبير ابداعياً
فقط عن المسموح به رسمياً لان هذا يفقد ابداعه اية فاعلية ودور ينبغي على المبدع
ان يلتقط الخاص من الحركة الجماهير ليحوله عملاً ابداعياً، له استمرارية التاثير ،
كما فعلت أعمال عديدة، في زمانها ، وبعد زمانها ، كرواية (الام ) لجوركي وغيرها.