![]() |
الخليج العربي
في
عام 1967، وصلت الكويت للمرة الأولى، عقب هزيمة حزيران التي اطلقواعليها تخفيفا
اسم (نكسة). وصلنا الكويت، وكنا مجموعة من جيل الشباب نحمل طموحات وآمال كبيرة في
السياسة والثقافة، وكانت الكويت بالنسبة لنا ليست اكثر مما اعتقد ابطال
رواية"رجال في الشمس"لغسان كنفاني، واحة للنفظ وما يتبعه من رفاهية
ودنانير وسيارات فارهة.كانت( رابطة الادباء) في الدسمة هي قبلتنا الأولى، نطمح ان
نتعرف من خلالها على الوجه الاخر للكويت، الوجه الثقافي والفني، كان أول من تعرفت
عليهم الاساتذة خالد سعود الزيد وعبدالعزيز السريع وصقر الرشود وخليفة الوقيان
وسليمان الشطي وآخرون، وكانت مجلة"البيان" الصادرة عن الرابطة هي أول
فعالية ثقافية نتعرف من صفحاتها على الوجه الاخر للكويت، الذي نجهله، ويجهله
الكثيرون خارج الكويت، رغم أن الكويت كانت قد استضافت المؤتمر الرابع لاتحاد
الادباء العرب عام1958، وهذا يعني في حد ذاته فعالية مهمة تسبق وصولنا إلى الكويت
بعشر سنوات.كانت المعرفة الأولى بعبد العزيز السريع وصقر الرشود ككاتبي قصة قصيرة،
خاصة في الفترة التي قاربت عاما، وكنت
اكتب فيها التعليق على عدد"البيان"الصادر في الشهر السابق.ومن
خلالهما بدأت خطواتي تتجه نحو مسرح الخليج العربي للتعرف على فعالياته الثقافية
والمسرحية، فكانت رحلة عمر، ومصاحبة لتجربة فذة، استمرت حوالي عشر سنوات، وبدأ
تعرفي على هذه الفرقة عن قرب، متابعا نشاطاتها الثقافية،وعروضها المسرحية، لاكتشف
ان هموم الشباب المشاركين فيها، يمتلكون نفس الطموحات والآمال التي جئنا بها من
المشرق العربي، ولا تاكد عن يقين واقتناع كاملين ان الكويت ليس نفطا فقط، ومع
استمرا مشاركة الفرقة مسيرتها توقفت عند مسائل، اعتقد انها مهمة.
1-أن بداية تاسيس فرقة مسرح الخليج العربي، ينم عن طموحات
هائلة لدى المؤسسين، فقد عرفت الكويت حتى عام 1963، فرقتين مسرحيتين رسميتين
هما:المسرح الشعبي والمسرح العربي وقبل ذلك بمدة بسيطة تجمع عدد من الشباب المثقف
هواة المسرح منهم، عبدالله خلف وعبدالحميد البعيجان وعيسى ياسين وعلي جمعة
وعبدالعزيز الخطيب ، وقرروا تاسيس فرقة مسرحية باسم"المسرح
الوطني"وتقدموا بطلب التاسيس إلى حمد الرجيب وكيل وزارة الشؤون، ولكنه لم
يوافق بشكل رسمي على الطلب الا انه لم يعارض في اقامة حفلة لهذه المجموعة من
الشباب، فقدمت الفرقة مسرحية"فتحنا" من تاليف صقر الرشود، على مسرح
مدرسة الصديق، الذي اعطي للفرقة ليلة الحفلة فقط، أما البروفات السابقة لليلة
الحفلة فكانت الفرقة تجريها في قرية الجهراء، وقد نجح الحفل المذكور نجاحاً
كبيراً.
وفي
عام 1963 عندما سمحت الدولة بتكوين
الجمعيات الثقافية والادبية، تقدمت
المجموعة نفسها بطلب جديد للاستاذ حمد الرجيب لتكوين مسرح جديد، تحت اسم جديد، فوافق شريطة ان تسمى الفرقة الجيدة"جمعية"وفي
13/5/1963 تاسست الفرقة الجديدة التي عرفت باسم"جمعية مسرح الخليج العربي".
ان هذا الاصرار عند مؤسسي المسرح، وتحملهم للعقبات والصعبات، يدل على الحماس الفني
لديهم، هذا الحماس الذي سيقود في السنوات اللاحقة لسنة التاسيس إلى تجاوز واضح
وملحوظ في مسيرة المسرح في الكويت، وستقود هذه الفرقة الحركة المسرحية في الكويت
إلى آفاق متقدمة، مواكبة لحركة المسرح في اقطار الوطن العربي العريقة في هذا الفن،
ومتقدمة على كثير منها.
إن
ذكريات اعضاء الفرقة عن مرحلة التاسيس، تدل على عزم هذه المجموعة على التحدي
والصمود، ففي بداية الفرقة مرت بظروف مادية صعبة، لولا هذا العزم لتوقفت الفرقة عن
مواصلة العمل، فكم يدهشنا حين نعرف أن الفرقة بدأت في عام 1963 بمبلغ لايتجاوز
المائة دينار، وكيف اقامت الحفلة تلو الحفلة، تدعو اليها من تتوسم فيها الخير تجمع
من هنا قرشا ومن هناك دينارا، للتتوطد في النهاية دعائم فرقة مسرحية أهم ما يميزها
انها تعرف :لماذا تأسست وماذا تريد أن تقدم ، هذان السؤلان مهمان عند تأسيس أية
فرقة مسرحية، فبدون وضعهما، والاجابة عليهما، ستكون الفرقة نسخة طبق الاصل للفرق
السابقة لها، لاتتجاوزها، انما تركض معها مقلدة .ولأن المجموعة التي أسست
"مسرح الخليج العربي"، طرحت هذه السؤالين مسبقا، كان هذا التجاوز في
سنوات قليلة، وهو تجاوز ملحوظ جدا مكن الفرقة ان تقدم أعمالها في بغداد ودمشق
والبحرين والقاهرة وقطر والمغرب، لتنال في كل عاصمة منها الاعجاب والتقدير ،
وأغلبها عريقة في فن المسرح، وقد سبقت في مضماره بسنوات طويلة خاصة القاهرة ودمشق
وبغداد، ويسيتضح ذلك عند استعراض ما قيل عن هذه الفرقة في تلك العواصم.
تشكلت
المجموعة المؤسسة للمسرح من السادة التالية اسماؤهم:عبدالله خلف، نوره الخميس،
سالم الفقعان،صقر الرشود، مكي القلاف، يوسف الشراح، عبدالله عبدالرحمن الرومي، حمد
المؤمن،سعيد يعقوب الرومي، حياة الفهد، جاسم شهاب، مساعد الفوزان، أحمد القطان،
وليد حمد الخالد، منصور المنصور ، عبدالعزيز المؤذن، وقد كان رقم الاشهار(11) بتاريخ
13/5/1963،ونشر في مجلة"الكويت اليوم"في عددها (427) الصفحة 50
بتاريخ19/5/1963من سنتها التاسعة.
وقد
تشكل أول مجلس ادارة للمسرح من: عبدالله خلف، سالم الفقعان،صقر الرشود، مكي
القلاف، عبدالعزيز الفهد، منصور
المنصور، ونوره الخميس، اما أول لجنة ثقافية للمسرح فقد تشكلت من : صقر الرشود،
عبدالعزيز السريع، ومحبوب العبدالله.
2-تتميز فرقة مسرح الخليج العربي عن سائر الفرق المسرحية
في الكويت، في ميدان الهدف الواضح الذي حدده المؤسسون، فهم مجموعة من الشباب
يعرفون ماذا يريدون، لذلك جاءت خطواتهم اللاحقة محددة ومميزة، اذ انهم يطمحون
لمعالجة مشاكل مجتمعهم، بعيدا عن الاضحاك والتهريج، اللذين هما سمة المسرح التجاري
السائد آنذاك في اغلب العواصم العربية، وهذا الغرض حدا بالفرقة إلى القيام بنشاط
ثقافي عام يصاحب العروض المسرحية على مدار السنة، وقد اتخذ هذا النشاط مسارين في
الفترة المقصودة بهذه الدارسة وهما:
أ-تشكيل اللجنة الثقافية للفرقة،واصدار اللجنة لمجلة
ثقافية اسمها "الكلمة"وقد صدر منها سبعة أعداد، ورغم توقفها السريع الا
انها كانت علامة مضيئة في مسيرة الحركة المسرحية في الكويت.والملفت للانتباه
الشعار الذي اتخذته المجلة لنفسها وهو قول للقائد جمال عبد الناصر:
"من
السهل ان نبني المصانع والمستشفيات ولكن من الصعب ان نبني الرجال" وهو شعار
يجسد الطموحات التي كانت تجيش في صدور القائمين على أمر هذا المسرح، لذلك ليس
غريبا أن نقرا في العدد الرابع من مجلة "الكلمة" -يناير1965- في كلمة التحرير
قولهم:"... نحن نحيا وسنظل نحيا على خشبة المسرح، وسنموت في أحضان الكلمة
والحرف والاسلوب، حياتنا حرب على المادة التي غزت هذا المجتمع فاثرت في
النفوس،وسنحارب كل من يريد القضاء على الروح والجوهر، ولن نخفق في مسعانا،فقد قلنا
سابقا بان الكلمة تجتذب محبيها وتستهوي كل من يحيا في رحابها..".
وخدمة
للغرض نفسه كتبت المجلة في عدد الخامس(فبراير1965) كلمة موجهة للمؤتمر الأول
للصحفيين العرب الذي عقد في الكويت، قالت فيها:"..ليس أمامنا الا ان نتطلع
اليهم-تقصد الصحفين العرب-بعين الامل في ان يحققوا لصحافتنا العربية كل العزة، وأن
يخلصوها من المنتفعين والدخلاء وأن يرتفعوا بها إلى القمة بعيدا عن الاقليمية
والانحراف.."وفي العدد نفسه كتب عبدالعزيز السريع يقول:"الذي نلاحظه ان
كثيرين من الصحفيين العرب قد جاؤا
إلى الكويت وكتبوا عنها كثيراً وترددت في كتاباتهم كلمات مثل(درة الخليج) و(مدينة
الفارابي الفاضلة) و (قطعة من أوروبا في الصحراء)...الخ ماذا تعني هذه
العبارات؟ماذا يستفيد منها القارئ العربي؟ انها تعبر عن منتهى السطحية، اذ أن
الصحفي يكون قد نزل في ضيافة احدى الوزارات أو في احد الفنادق المشهورة، وهناك
سيارة تحت تصرفه ومواعيد الزيارات معينة، يستقى منها موضوعا مكرراً سخيفاً مليئا
بالمغالطات ".أن هذا النقد الصدامي يدل على لخلفية الاساسية التي ينطلق منها
المسرح وأعضاؤه.
ب- الحرص الدائم على اقامة الندوات المسرحية، ايمانا من
الفرقة بضرورة ايجاد الفنان المثقف الدارس، والجمهور الواعي لاعماق الحركة
المسرحية، وربما كانت هذه الندوات المنتظمة، بديلا عن مجلة "الكلمة"التي
توقفت بعد عددها السابق كما ذكرنا، وقد غطت الندوات في الفترة المقصودة بالدارسة
جوانب عديدة من المسرح المحلي والعربي والعالمي، نذكر منها:
1-ندوة عن وليم شكسبير-حياته وأعماله-قدمها سليمان
الشطي.
2-ندوة عن "نشأة المسرح في العالم
العربي"لمحبوب العبدالله.
3-الكاتب المسرحي توفيق الحكيم-أعدها وقدمها عبدالرحمن
الصالح.
4-الشعر العربي الحديث-وليد أبو بكر.
5-المسرح العالمي نماذج وشخصيات-عبدالعزيز السريع.
6-ندوة عن مسرحية "الحاجز"اشترك فيها الدكتور
محمد حسن عبدالله، ومؤلفها ومخرجها صقر الرشود، وعبد العزيز السريع، ومحبوب العبدالله
7-ندوة عن الكاتب الايطالي لويجي بيرانديللو.
8-ندوة عن العامية والفصحى في المسرح.
9-ندوة مع الاستاذ جيفري بولو المتخصص في مسرح شكسبير
بمشاركة الاستاذ نعمان عاشور والدكتور محمد اسماعيل الموافي.
10-.ندوة
عن مناهج الاداء التمثيلي في العصر الحديث للاستاذ الفنان محمود مرسي.
11-.أوزبورن ومسرح الغضب للدكتور ابراهيم النادي.
12-.ندوة حول "تذوق الموسيقى"اشتراك فيها صالح
حمدان ونجم عبدالكريم.
13-.ندوة حول مسرحية "ضاع الديك" اشترك فيها
الدكتور محمد حسن عبدالله وحمادة ابراهيم واحمد ابومطر.
ومجموعة
اخرى من الندوات والمحاضرات المتنوعة، تدل في مجموعها على طموحات معينة، تسعى
الفرقة لتحقيقها في الساحة الكويتية، التي ابتليت بداء (المادة) التي افقدت الحياة
جوهرها وروحها، وجعلت السباق المادي هو كل شيء وما عداه، فلا قيمة له. في مثل هذه
الظروف يصبح الصدام مع البيئة أمراً ضرورياً، اذا اردنا تخطي الحاضر.وصولا إلى
مستقبل بناء، يحقق للمواطن انسانيته وكرامته.
العروض المسرحية:
في
بداية عمله المسرحي، ومن خلال اعمال الموسم الأول63/1964، كان مسرح الخليج العربي
يعتقد ان المسرح اداة لحل قضايا
المجتمع السائدة، ثم تطور فكر المسرح ونظرته للعلاقة بين المجتمع والمسرح لتصبح
المشكلة الاجتماعية في الموسم الثاني 64/1965 موضوعا يمكن من طرح قضايا أكثر عمقا
من النواحي الاجتماعية والفكرية،فضلا عن تعميق المعادلة عن طريق الرمز.وفي هذا
الموسم الثاني بدأ التجريب مع المسرح العالمي، بتقديم مسرحية "صفقة مع
الشيطان"للكاتب الانجليزي جيروم ك، جيروم .وعادت الفرقة إلى هذا الاتجاة الذي
يتعامل مع المسرح العالمي في الموسم الرابع 66/1967 بتقديم مسرحية "الله يا
الدنيا"عن الثرى النبيل" لموليير الفرنسي. وكذلك الموسم الخامس66/1968،
الذي تعاملت فيه الفرقة كليا مع المسرح العالمي، في مسرحيتين: "لاطبنا ولا
غدا الشر"عن مسرحية "لكل حقيقة"للكاتب الايطالي لويجي بيرانديللو،
و"المرأة لعبة البيت"عن "بيت الدمية"للكاتب النرويجي هنريك
ابسن.ان هذا الانحياز إلى التعامل مع المسرح العالمي كان يحكمه عاملان: الأول ندرة
النصوص المحلية، بدليل اقتصار مواسمه الخمسة الاخيرة على مسرحيات محلية وعربية،
عندما توفرت هذه النصوص ، والثاني ، هو الانفتاح على الاعمال المشهورة في المسرح
العالمي، وقد اتضح ذلك من الأعمال التي قدمها فهي من اشهر أعمال المسرح العالمي.
وفي
الموسم السادس68/1969 زواج المسرح بين الاعمال المحلية والعالمية، اذ قدم
مسرحيتين"لمن القرار الاخير" تأليف عبدالعزيز السريع، و"ثم غاب
القمر"لجون شتياينبك. وهنا يظهر وعي المسرح في اختيار اعماله ففي العام 1968،
وعقب معركة الكرامة، غدا العمل الفدائي الفلسطيني نقطة مضيئة في ساحات الوطن
العربي، وأعطاه الامل الوحيد في وسط ركام الهزيمة- النكسة.نتيجة لهذا الوعي من
مسرح الخليج العربي، وايمانا منه بدور المسرح الفاعل المؤثر في مجتمعه. كان اختيار
مسرحية"ثم غاب القمر"وعن سبب هذا الاختيار قالت اللجنة الثقافية للمسرح
أنذاك "...إن الشعار المرفوع الآن هو ان كل شيء في خدمة المعركة، وكل الطاقات
يجب ان توجه نحو المعركة، لاننا نعيش مرحلة من ادق مراحل تاريخ هذه الامة العريقة
واخطرها، ولهذا فاتجاهنا في الاختيار كان منصبا على هذا الجانب، لان هذه المسرحية
التي نقدمها لكم من احسن المسرحيات التي تخدم القضية، بل انه لولا ان كاتبها من
امريكا، لقلنا ان الذي كتبها كاتب عربي يعبر عن شعبنا في الارض المحتلة" وفي
الوقت نفسه لم تنس اللجنة الثقافية ان توضح الجانب المشين من مواقف كاتبها جون
شتاينبك ازاء مواقفه المعادية لنضال الشعب الفيتنامي ، فهي تقول: "...شتاينبك
هذا عليه أكثر من ملاحظة، خاصة بالنسبة للشعوب المكافحة ، ذلك لأن موقفه من الحرب
الفيتنامية معروف ومشهور، بل انه غريب، وغريب جدا ان يقف كاتب حر له مواقف انسانية
كثيرة ضد الشعب الفيتنامي المكافح، لذلك كان لزاما على اللجنة الثقافية في المسرح
ان تفسر سر هذا الاختيار، لهذا الكاتب بالذات!...بالنسبة لمواقف شتاينبك من الحرب
الفيتنامية فاننا نشجبه بشدة، بل نعتبره سقطة انسانية غير مغتفرة له، ومن جانب آخر
نعتبر أن شتاينبك الفنان والانسان قد مات منذ زمن بعيد، بعيد جداً، من ان كتب
روائعه الأولى: عناقيد العنب، عن الرجال والفئران ،شارع السردين المعلب، أرض الله
الصغيرة، طريق التبع..وغيرها بالاضافة إلى قصة "ثم غاب القمر".هذه هي
النوافذ التي نطل من خلالها على شتاينبك ونحن نرى فيه الانسانية بصفاتها ورونقها
الاصيل، أما ذلك الصوت النشاز فهو أبعد ما يكون عن شتاينبك الذي نعرفه، ان هذا
الرجل الآخر قد خرج من مداخن المخابرات المركزية الامريكية، اما شتاينبك الذي
نعرفه منذ البداية فهو ابن الفن والنقاء".
تلك
هي النظرة التي حكمت تعامل مسرح الخليج مع النصوص الاجنبية ، مرتبطة بندرة النص
المحلي احيانا، والتعامل مع النص المشهور المناسب للفترة الحياتية التي يعيشها
المواطن أحيانا أخرى.
ومن
المنطلقات نفسها عاد المسرح في موسمه الثامن70/1971 لتقديم اعمال من النصوص العالمية، فقدم في هذا
الموسم برنامجين: الأول "رجال وبنات" اعداد صقر الرشود عن مسرحية
(الغربان) لهنري بك، واخراج صقر الرشود نفسه، وموضوع المسرحية انساني، يحدث في أي
مجتمع ففيها عائلة سعيدة: اب وام وبنات ثلاث وولد وخادمة ، حياتهم سعيدة مرحة في
ظل الاب المسؤول عن توفير كل متطلبات العائلة.ويموت هذا الاب فجاة، تاركا العائلة دون
مقدرة على التصرف ،فهي اصلا لم تتعود التفكير، لان كافة امور حياتها ميسرة دون
تفكير ونقاش. اما شركاء الاب وأصدقاؤه فقد تحولوا إلى (غربان) ينهشون من بقايا
الثروة، حتى النهاية، إلى أن وجدت العائلة نفسها أمام حالة فقر يصعب
تصورها...ويتخلى عنها الجميع مما يضطر الفتاة الوسطى أن تقبل الزواج من (الغراب
الكبير) شريك الاب الراحل، مكرهة على قبول شريك الشر زوجا لها، كي تحمي الاسرة من
التدهور المستمر.
واضح
تماما ان المسرحية تناقش نمطا من العلاقات الاجتماعية القائمة في المجتمعات
الراسمالية حيث الحرية الفردية مكفولة وبالتالي الحياة للقوي فقط. فمثل سلوك
(الشريك المسن)-الغراب الكبير-لايمكن حدوثه في مجتمع متكافل تسوده العدالة
الاجتماعية.
إن
الاعتراض الوحيد على اختيار هذه المسرحية ينبع من خاتمتها الانهزامية ومن كونها
مقدمة من مسرح الخليج العربي الذي يطمح دوما للانفلات من اسر العلاقات الاجتماعية
البالية التي تقتل روح الانسان وانسانيته، صحيح ان الصراع ازلي بين الخير والشر،
الا أن دور المسرح الملتزم بمصلحة الجماهير، لايقبل منه تقديم مثل هذا العمل الذي
ينتهي برضوخ الاسرة إلى شريك الشر-الغراب الاكبر-وتزويجه ابنتها الوسطى، طمعا في
رضاه وحمايته. ان المسرحية تكريس لانتصار الشر،وعند الجماهير غير المثقفة في
معظمها ، وهي في غالبيتها جمهور المسرح في مجتمعنا ، تصبح هذه الخاتمة تدجينا لهذه
الجماهير، في ظل غياب الوعي والعمل المنظم. أخذين في الاعتبار التفسير المقابل
الذي يرى أن مثل هذه المسرحية تعرية لهكذا سلوكيات لا انسانية من طبقات معينة،
بقصد التمرد عليها.
وقد
لاقت هذه المسرحية اعتراضا كبيرا، وهجوما شديدا في الصحافة المحلية للحيثيات التي
ذكرناها، وأخرى غيرها، إلى الحد الذي اعتبرها البعض(اختبارا ميتا).
وفي
برنامجه الثاني للموسم الثامن، واصل مسرح الخليج العربي تقديم مسرحيات عالمية،
فقدم ثلاث مسرحيات قصيرة اطلق عليها اسم (المسرح الضاحك) وهي:
"القاضي"اعداد صقر الرشود عن(روري سالف الذكر) لجوردون دافيون
و"الحجلة" من اعداد الرشود نفسه عن(الجرة) لبيرانديللو الايطالي، و"الاصدقاء"
اعداد واخراج عبدالعزيز السريع من مسرحية هربرت فارجيون.
وقد
كانت نظرة مسرح الخليج العربي إلى هذا البرنامج الضاحك غير مقبولة من مسرح ملتزم،
فهو يقول عن هذا البرنامج:"ان هذا البرنامج ليس الا تجربة سريعة ونتاج ايام
قليلة، ومحأولة في اكتشاف ماذا يريد الجمهور ".في تصوري أن صدور هذا المنطق
عن مسرح الخليج امر غريب، فليس هو المسرح الذي يبحث "عما يريده
الجمهور"لانه في ظل الأوضاع السائدة في الوطن العربي، لا يكون (مايريده
الجمهور ) هو (المطلوب) لهذا الجمهور. ولانه في ظل هذه الأوضاع ايضا، اصبح الجمهور
لايريد سوى المسرح الضاحك، السمرح الذي يغرقه في الضحك الوقتي فقط، في حين ان
دراسة واقع هذا الجمهور تفرض نوعا اخر من المسرح-المسرح النااقد والملتزم، الذي
يعري الأوضاع الفاسدة بدو صراخ، وبدون خدمة هذه الأوضاع، المسرح الذي يبني هياكل
جديدة، تعطي خطوات إلى الامام ."ان الفرد الذي يحرك طاقته تبعا لاحتياجات
الناس والجمهور ليس فنانا على الاطلاق. اننا جميعا نعترف فيما بيننا بالهزيمة
الحضارية لمجتمعنا العربي.. وجميعنا حين نصل إلى حد المواجهة مع هذا المجتمع نختار
السلام ونلجم رغبتنا وطموحنا في صفع هذه الهزيمة الحضارية، بسبب خوفنا من قوتها
الشرسة نحن. بذلك نختار الانضمام إلى الهزيمة الحضارية ، ويصبح نتاجنا جزءا منها،
ويصعب حينذاك تسميته فنا. انه لابد من القتال من الداخل ، كي نستطيع انتاج شيء
حقيقي، ولابد من محأولة قتل هذا التراكم الحضاري الممنوع من الحركة إلى الامام.
وهنا تصبح تلبية حاجات ورغبات الجمهور بدون معنى ومرفوضة، لأن الحقيقة والذين
يتعاملون معها، هم الذين يقودون هذه الجماهير، لا يقودهم تكلسها وعجزها"-سميح
سمارة جريدة السياسة الكويتية 8 مارس 1971..
انطلاقا
من هذه المفاهيم ، قوبل العرض الضاحك ، بهجوم شديد في الصحافة المحلية خاصة عند
الاقلام التي كانت- وما تزال- تعلق آمالا كبارا، وطموحات معينة، على مسرح الخليج
العربي. وقد كتب محبوب العبدالله-عضو المسرح ، وعضو أول لجنة ثقافية في عام 1963-
في مجلة اليقظة بتاريخ 22مارس 1971يقول"...المسرحيات الثلاث التي قدمها مسرح
الخليج العربي(الاصدقاء-القاضي-الحجلة) رغم انها مأخوذة أو معدة عن نصوص مسرحية
اجنبية الا انها لم تحقق الهدف الكوميدي الصحيح، لانها تحولت على المسرح إلى لون
من المسرح المرتجل المهزوز، كما هو سائد في كل البلاد العربية، وهو مسرح يزيف
الواقع، لانه يعتمد على الكلمات المطلوبة، والحركات والمواقف المفتعلة، والمفارقات
الكلامية ، والشخصيات المشوهة، وسوء التفاهم غير المنطقي..ان هذا اللون من
"المسرح"مسرح بلا نظرية، ولا هوية، ولا زمان أو مكان، وهو بعيد كل البعد
عن مناهج الاداء التمثيلي المشهور في عالم المسرح ، اما القول بان الجمهور يريد
هذا اللون ، فهو قول مردود وفكرة ستثبت الايام فشلها...".
بداية الصدام والمواجهة
في
مسرحيته"الدرجة الرابعة"من تاليف عبدالعزيز السريع، واخراج صقر
الرشود(الموسم التاسع 72/1973) بدأ التوجه الاعمق لمسرح الخليج نحو اعماق المجتمع
الكويتي، بشكل يجعلنا مطمئنين إلى ان هذه المسرحية (بداية الصدام والمواجهة) مع
الزيف والانفعال ، آخذين في الاعتبار-قصدوا أم لم يقصدوا-مفهوم آرنست فيشر الذي
طرحه في كتابه "ضرورة الفن"، اذ يقول:" في هذا العالم الذي نعيش
فيه كالغرباء ، لا بد من عرض الحقيقة الاجتماعية بطريقة آسرة، وفي ضوء جديد وذلك
بايجاد فاصل بيننا وبين الموضوع والشخصيات، وعلى العمل الفني أن يتملك المتفرجين
لا عن طريق المطابقة السلبية بينه وبينهم، بل عن طريق مخاطبة العقل ودفعه إلى
اتخاذ مواقف وقرارات . ان المسرح ينبغي أن يعالج القواعد التي يضعها الناس لسلوكهم على انها قواعد مؤقتة وغير
عادلة، وذلك حتى يدفع المتفرج إلى عمل شيء اكثر قيمة من مجرد المشاهد ، ويحفزه إلى
إعمال فكره مع المسرحية، ثم في النهاية إلى اصدار حكمه: ماهكذا ينبغي أن تسير
الامور..ان هذا يجب أن يتوقف".
تطرح
المسرحية العديد من قضايا المجتمعات التي بدأت تتسلق السلم الحضاري بطريقة القفز،
دون الاهتمام بالناحية العقلية والفكرية، فيصبح المجتمع-خاصة طبقاته البورجوازية
بمختلف شرائحها –لا هم له الا الجري و راء المظاهر الاستهلاكية لهذا الوضع الحضاري
الطاريء عليه، غير ناظر لوضعه الطبقي الحقيقي قبل حدوث هذه القفزة . صحيح انه بدأ
يتسلق السلم، الا انه في أعماقه مشدود إلى ذلك الوضع من ناحية اقتصادية، وبالتالي
تتفأوت أفعال شرائحه، من منقاد إلى الوضع الطارئ لاهث وراءه إلى متعقل يود كبح هذا
الجماع والسيطرة عليه.
تجسد
مسرحية "الدرجة الرابعة" حقيقة المسرح الذي يجب أن يكون خاصة في
المجتمعات النامية.ان دوره كدور (المدرسة تماما). فهو يعد لمعالجة كافة قضايا
المجتمع ومشاكله. ان المزيد من الالتصاق
بالبيئة معناه الوعي الكامل بالدور المناط بالمسرح كمؤسسة تتعايش ضمن واقعها، ان وعي (مسرح الخليج
العربي) لهذا الدور جعله ياخذ خطا معاكسا لما انتهجته (المسارح الكويتية) في أغلب
أعمالها ، فهو لم ينزلق في لعبة الاضحاك والتسلية والترفيه التي يظهر مردودها في
دخل الشباك فقط، اما ممارسة أي دور اجتماعي على المستوى الايجابي فلا يتوفر.
فالمسرح اما ان يكون أو لا يكون ، ومن طبيعة المجتمعات النامية أن تتعلق بكثير من
مشاكل المرحلة الانتقالية-خاصة الظرف الذي مرت به أقطار الخليج العربي
النفطية-المتمثلة في المظاهر التي
عادة ما تصاحب هذه الطفرة: الرغبة العنيفة لدى الجيل الحالي في هذا المجتمع، وهذا
المرحلة، في العيش على المظاهر الهامشية والتطلع دوما إلى أعلى لارتقاء درجات
الوضع المعيشي، حتى ولو احتاج الامر إلى المزايدة أو المكابرة، من صفات هذا المجتمع الذي شنت عليه المسرحية
حملتها العنيفة العيش المزيف دون الالتفاف إلى جوهر الحياة، وطبيعة المرحلة. تختار
المسرحية (شريحة) من شرايح هذا المجتمع المزيف عبرالحياة الخاصة لزوجة مع زوجها.
الزوجة (ثريا) –سعادعبدالله-تقحم زوجها(وليد)-منصور المنصور- في مستويات من الحياة
الاجتماعية لايستطيعها ولا تتناسب مع وضعه الاجتماعي مع ما يصاحب هذه الحياة
الاجتماعية المقحمة من عادات وتقاليد ومظاهر تاباها اخلاق الزوج الواقعي الذي يود
العيش في حدود مستواه الاجتماعي، بعيدا عن بريق المظاهر الحضارية البراقة المزيفة
البعيدة عن عرفه وأخلاقياته، لانه يدرك عدم ضرورة تغيير سيارته التي لم يمض على
شرائها عامان، ويدرك اكثر عدم ملاءمة هذه لحفلات لوضعه، وذلك سمة من سمات
المجتمعات البورجوازية التي تبدأ عملية قفز السلم الحضاري عشوائيا دون ارتقاء عقلي
مصاحب لهذه العملية . وقيمة المسرحية في انتشالها هذه الشريحة من خضم حياة المجتمع
ووضعها تحت الميكروسكوب لتشخصيها وإبرازها كمظهر شاذ يعود اليه السبب في فشل الحياة الاجتماعية لكثير من الرموز
البشرية التي تمارس الحياة عبر هذا الوسط ، لان تكرار الشذوذ يجعله (عاديا) وهنا
الدور الحقيقي للمسرحية في اعادة
هذا الوضع الشاذ الانحرافي إلى مكانه الطبيعي :شاذا، انحرافيا، يحتاج إلى
الدرس والعلاج بقصد الخلاص من هذا الواقع المزيف ككل.
مؤلف المسرحية عبدالعزيز السريع مغرم بدراما الواقع
والمجتمع فهي اعمق انواع الدراما واكثرها قربا من نفس الجمهور المتلقي الذي يشكل
طرفا من أطراف الصراع القائم والمتأزم الماثل للحل، سلبا أم ايجابا.وهذا الاطار
يجمع كافة نتاجه المسرحي. وهو في "الدرجة الرابعة" يقترب أكثر من واقعه
المعاش، يكثف لحظاته السلبية ، التي تسري سلبيتها إلى ما يجأورها من بؤر صالحة
للعيش ، ويشخصها للمشاهد كخلايا يجب القضاء عليها، وسلخها بعيدا للوصول إلى واقع
أفضل. وميزة اخرى يمتاز بها مسرح عبدالعزيز السريع كونه لا يجعل التسلية أوالترفيه
هدفا رئيسيا، لان القصد عنده المعالجة والتشخيص وتسليط الاضواء على( الشرائح)
الاجتماعي المطلوب تعريتها واصلاحها.
اما
طريقة تعامله مع الشخصيات فقد نجح المؤلف في تشييد البناء الدرامي للعمل، وفي رسمه
للشخصيات بخاصة شخصية( وليد)- الزوج الشرقي الطيب المتردد، كذلك شخصية(ثريا)
الزوجة المتمردة على تقاليد المجتمع.. المحبة للمظاهر الكاذبة والبراقة وكذلك كان
المؤلف موفقاً إلى حد ما في جعله شخصية(سامي) شقيق (ثريا) ياخذ دور المعلق على
احداث المسرحية وهو ما يساير طبيعة وجوهر العمل الفني الذي يناقض قضية لها وجود في
المجتمع..كان المؤلف ذكيا حين جعل (سامي) يتحدث إلى الجمهور مباشرة معلقا على الاحداث
مخاطبا عقولهم..يخرجهم بذلك من الابهام ليجعلهم يفكرون فيما يرونه". (صلاح
المعدأوي-مجـلة الرائـد(عدد 90) 27/7/1972).
اخراج المسرحية
قوبل
اخراج صقر الرشود للمسرحية "الدرجة الرابعة"باستحسان شديد اذ أنه كاخراج
مسرحية"1،2، 3، 4، بم"
كما سنلاحظ بعد قليل، استطاع أن يعطي كل شخصية بعدها المناسب، الا انه كان
يجب احكام دور(سامي) –سليمان الياسين-أخ الزوجة، وتقييده ضمن حدود معينة، كي
لايبالغ في حركاته، إلى الحد الذي اعتقد معه ان دوره- عند المؤلف والمخرج- كان
لمقتضيات خاصة بطبيعة الجمهور، مثل شخصية (الصحفي) في مسرحية 1،2، 3، 4بم".
"..وللمرة الأولى يستطيع مخرج مسرحي في الكويت أن يخرج من أطر البلادة في تحرك الممثل وادارته وفي تحريك
الخشبة، وتحريك الحدث المسرحي، وايضا تحريك العلاقة بين الخشبة والجمهور".سميح
سمارة-جريد السياسة 29/7/1972. إن تطوير العلاقة بين الخشبة والجمهور إلى حد فعال،
بحيث تنعدم الفواصل والحواجز تماما، سيظهر عند صقر الرشود في الاعمال القادمة إلى
حد يصبح معه الجمهور"ممثلا"والممثل"جمهورا" مع استخدام متطور
للفلكلور الشعبي بطريقة جماهرية.
هل يصلح الهروب كحل:
كما
في نص المسرحية، يئس الزوج "وليد" في اصلاح حياة
زوجية"ثريا" وفي لحظات
الاحساس بالعاطفة الجياشة استجابت إلى طلباته، تحت الاحساس الوقتي بخطورة لهجته في
الحديث معها لأول مرة-تهديد مبطن- وحأولت أن تعدل من هذه المسيرة الخاطئة، الا أن
(أول تليفون) من صديقة لها تدعوها إلى سهرة، يجعلها تترك المنزل، مضحية بكل شيء،
كي لا تفوتها الحفلة، ولا يجد الزوج عندئذ الا الهروب من البيت لان حياته وصلت إلى
حد لايطاق.
والسؤال
المطروح بعد تعرية المؤلف والمخرج لهذه الأوضاع الاجتماعية المنحرفة، غير الملائمة
لطبيعة المرحلة حسب تصور(الزوج) على
الاقل..هل يكفي(هرب) الزوج حلا لهذه الأوضاع؟ان هذه النهاية مفتوحة ، لاتتضمن حلا
محددا، فالمسرحية عرت الأوضاع، وأبقت الزوجة على حالها، وأعطت الزوج فرصة(الهروب)
فقط..أما في مواقف أخرى سابقة للنهاية، فقد مهدت المسرحية لهذا (الهروب) بشكل
تعميمي يقلل من وطاة الأوضاع الشاذة التي عهدت المسرحية إلى تكثيف الهجوم عليها.
هذا المجتمع من يغيره؟وشلون..مستحيل..لوكنت مكان وليد لاهج(أهرب) .لكن وين وكل
هالدنيا خربانة" وهذا التقيم يعطي بعض المبررات للتقليل من اهمية وفداحة
(انحراف) سلوك الزوجة ان خطا هذا التعميم أنه يعطي غطاء ومواساة لانفسنا ، كما أن
أعتماد (الهروب) كحل، يعطي هاجسا خفيا بالانسحاب من هذه الأوضاع، ولا أعتقد أن هذا
هو الحل، الذي يطرحه مسرح ملتزم، "أن تقديم صورة سيئة عن وضع ما يجب أن
يرافقه توضيح لماذا هذه الصورة سيئة؟وما هي الظروف التي قادتها لانها تكون كذلك
وايضاً امكانية تصحيح هذه الصورة...ولذا يمكن القول ان ثريا-الزوجة- قد وجدت لها
جمهورها المتعاطف معها، كما أن وليد –الزوج-قد استحق الشفقة من المشاهدين، وكذلك
تحاملهم عليه لضعفه البادي وسلبيته الواضحة، وسيكون تاثير "الدرجة
الرابعة" تاثيرا سلبيا، اذ ستتسع رقعة الطموح البورجوازي ولن يواجهها ما
يحدها، نتيجة لتعاطف الجمهور مع شخصية ثريا....تلك الشخصية الآسرة"مجلة أجيال
30/7/1972.
ان
هذا الحل السلبي، سيطراً عليه من التعديل ، بمواقف أكثر جذرية وصدامية مع هذا
الواقع، وذلك لان "الدرجة الرابعة" كانت بداية الصدام والمواجهة.
أوجه الصراع:
تتصارع
في بنية أي مجتمع نام تيارات مختلفة، بنسب تختلف حسب تركيبة كل تيار، وفاعلية
رموزه البشرية، وتاثيرات هذه الرموز الاجتماعية والاقتصادية ، خاصة في
مرحلة(تمركز) وسائل الانتاج في يد (تيار) واحد، وقد ظهر هذا (الصراع) في مجتمع
"كويت ما بعد النفط" على عدة أوجه، كانت كلها تشكل الصورة العامة لهذا
(الفعل المتنامي) في داخل تركيبة المجتمع الجديد، محأولا الوصول إلى شكل أفضل،
واطار أوضح. وقد اتخذ هذا الصراع- الفعل المتنامي- عدة وجوه في أعمال مسرح الخليج
العربي.
أولاً: صراع الاجيال:
كان
من الطبيعي ان يحدث ظهور النفط نقلة كبيرة في بنية المجتمع الكويتي، لانه استحدث
مفاهيم جديدة وممارسات طارئة، جعلت الدارسين يتحدثون عن"كويت ما قبل
النفط" و"كويت ما بعد النفط"، حتى عام 1945 تقريبا، كان الغوص وصيد
السمك العمل الرئيسي للمواطن الكويتي، وقد تميزت تلك المرحلة بقسوة الحياة وشظف
العيش إلى حد كبير ، مما طبع سلوك المجتمع باخلاقيات معينة، طرأ عليها الكثير من
التغيير في المجتمع "كويت النفط" بسهولة الحياة ، وتوفير أغلب احتياجات
المواطن دون مشقة وعسر، إذ وجد في طريقة تفكير المجتمع ما يمكن تسميته بـ
"المفاهيم القديمة" وما يتبعها من سلوكيات، و"المفاهيم
الجديدة" الطارئة وما أحدثته من ممارسات، وهو ماأطلقنا عليه اسم "صراع
الاجيال "ونعني به" جيل الغوص" و"جيل النفط".
هذا
الجانب من الصراع كان موضوع مسرحية "1،2، 3، 4، بم" التي الفها
عبدالعزيز السريع وصقر الرشود، وأخرجها الثاني، وقدمها المسرح في موسمه التاسع71/1972
، تروي المسرحية قصة عائلة كويتية توفي بعض أفرادها في حادث تهدم منزل عام 1945،
وفجأة يعودون للحياة، ليلحقوا بأفراد العائلة الذين بقوا على قيد الحياة (الوالدان
والبنت) ، ومن هذا اللقاء غير العادي، يدور الصراع بين الموتى "جيل
الغوص" –الذين عادوا للحياة فجاة-وبين الاحياء أصلا "جيل
النفط" لان (الموتى) عادوا
للحياة بنفس قيم وتقاليد عام1945، ونفس الافكار والسلوكيات في مناحي الحياة كافة ،
ومن الطبيعي ان يصدمهم كل ما وجدوه عند " جيل النفط" سواء في الملبس أو
المسكن أو طريقة التفكير والمعاملة..حأول "جيل النفط " جرهم إلى (مواقع
متقدمة) ، دون فائدة ومع احتدام الصراع ، يتشبث كل جيل باخلاقياته وممارساته ،
وعندما يقرر" جيل الغوص"
العائد إلى الحياة، ان يعود إلى (المقبرة) مرة أخرى، فهي في نظره أفضل من الحياة
الطارئة التي وجدها، ووقف أمامها مستغربا، مندهشا، مستنكرا، كما جاء على لسان
الجد(ابوشايع)-ابراهيم الصلال-:"هذا مهو مكانا..هذيلا ما تشاهدون..تف..عليكم
وعلى غاربتكم..شايع..ياالله يا ولدي ياالله..مالنا الا مكانا..نرد المقبرة ابرك
أحسن".
ذلك
هو موضوع المسرحية وأحداثها ، إلا أن السؤال هو : هل تعيش تركيبة المجتمع الكويتي
حاليا هذا الصراع، أم أن المؤلفين قصدا( استحضار الماضي) بغرض (تعرية ) سلبيات
(الحاضر) تمهيدا لانطلاقه إلى الامام؟ ان الذي يجيب على هذا التساؤل هو طبيعة
التركيبة الاجتماعية للكويت السائدة الان، ومدى تقبل الناس لمجتمع " ما بعد
النفط" وما أفرزته هذه التركيبة
من (مواقف )ازاء هذا المجتمع (الطارئ) باخلاقيته وسلوكياته.
ان
المجتمع الكويتي- كما أرى- لايعيش هذا الصراع، لان الطفرة المادية التي جاءت مع
النفط، شملت الجميع، بنسب متفأوته، وأثرت في مفاهيم الجميع، وغيرت من سلوكهم العام
والخاص، وقد كان طغيان هذه الطفرة جارفا، بمعنى أنه لم يترك الفرصة امام أي فئة كي
تتحسر على(الماضي) وأخلاقياته، وأن حدث هذا التحسر، فهو نظري فقط، لان الجميع
لحقوا- أو حالوا اللحاق- بمقتضيات المرحلة الجديدة ، وان كان اللحاق شكليا فقط، اذ
بقي الجوهر في أغلب الاحيان قديما متوارثا. ان الفئة التي ما تزال متمسكة باخلاق
ما قبل النفط لا تشكل في المجتمع
الحالي تيارا واضحا له أثر في المسيرة الحاضرة، كما أنه – من جانب آخر- لم
يكن مجتمع ما قبل النفط يمثل هذا النقاء الذي يحأولون تصويره به، فقط كان ينطوي ،
على الكثير من الظلم والذل والاستبعاد ، خاصة في عمليات (الغوص) على اللؤللؤ التي
كانت تشكل مورد الاغلبية .
لذلك
فان الفهم الصحيح لهذه المسرحية- الذي يتفق مع تكوينة المجتمع الكويتي- هو ان
المؤلفين قصدا استحضار الماضي-خاصة جانبه المضيء- ليتم من خلاله الانقضاض على
(سلبيات) الحاضر التي تعرقل الانطلاقه الكاملة ، بدليل ان المسرحية بعد ان تم
لها تعرية سلبيات الحاضر، انتصرت
لهذا الحاضر ، باعادتها الجيل الماضي إلى (المقبرة) ، وذلك قناعة بان مفاهيم
الماضي ونظرته لايمكن أن تواكب متطلبات المرحلة الحاضرة، وفي الوقت ذاته من الممكن
ان تستفيد المرحلة الحاضرة من بعض ايجابيات المرحلة الماضية. وهي نفس النظرة
العامة التي تحكم قضية العلاقة بين الثقافة المعاصرة والتراث، اذ لايمكن أن يكون
التراث عائقا في وجه(المعاصرة) وللمعاصرة أن تستفيد من التراث في حدود ما يهييء
لها الانطلاق والتقدم.هذا على الرغم من قوة منطق جيل الماضي وتماسكه، وما ظهر
عليه(جيل الحاضر) من ضعف وفقدان لمبررات مقنعة لممارساته. ان المسرحية لم تقف على
الحياد كما فهم البعض ، بالعكس، فهي منحازة للجديد والحاضر، بدليل اعادتها(الماضي)
إلى المقبرة، بعد بيان سلبيات الحاضر بقصد الخلاص منها. ان المسرحية تدرك الكثير
من الشوائب الشكلية، التي علقت بمسيرة المجتمع الحالي، من جراء الطفرة المادية ،
تلك الطفرة التي اعمت الاغلبية وجعلت مسيرتها لهاثا وراء المادة والشكليات
الحضارية الهامشية ، ناسية في هذا الخضم الكثير من السلوكيات والاخلاقيات المطلوبة
، التي كان (الماضي) يتمتع ببعضها، ولانقول كلها، ادراكا منا بمثل هذه الممارسات
الخاطئة التي عرفها (الماضي) ، وان اختلفت اشكالها وميادين ممارستها. ان هذا الشكل
المفتوح في طريقة بناء المسرحية جعل البعض يتساءل:"هل هي دعوة للجمود؟ هل هي
رفض للحضارة ..واساليب الحضارة"-مجلة مرآة الامة عددد306-30/1/72- إلا أن
السائل نفسه أعطى تفسيرا قريبا عندما أجاب على تساؤله: "نعم بالنسبة
لاخلاقيات الماضي.. لاصالة الماضي..لكفاح الماضي..لكننا نقول: لا..ثم لا..لتخلف
الماضي..للبالي من تقاليد الماضي. لمعوقات الحضارة ..لجمود الفكر..لكل محأولة
يائسة لدفع عجلة الزمن إلىالوراء".وربما كان تساؤل الدكتور محمد حسن عبدالله
قريبا من ذلك عند قوله:"..ولا تدري هل يرصد الكاتبان واقعا، أو يعبران عن حلم
يختفي تحت مسايرة البيئة التي تميل الان- بعد أن استوعبت رد الفعل – إلى ابراز
الماضي واحلاله في صورة لائقة من التأسي به واشهار جوانبه المضيئة ومحأولة أعادته
إلى الحياة في صورة عصرية مقبولة"-الحياة الادبية والفكرية في الكويت ص 605.
التطور في الاخراج
يكاد
يطلق على الفنان صقر الرشود لقب(مخرج مسرح الخليج العربي)، فمن بين ثلاثين عملا
قدمها المسرح من بدايته في عام 1963 حتى عام 1967، اخرج صقر الرشود تسعة عشر عملا.
ويثبت دوما أن لديه المقدرة على الابداع والتطور، مستفيدا من قراءاته الخاصة،
وتتبعه لما يقدم في الحركة المسرحية العربية والعالمية. في مسرحية "1، 2، 3،
4 بم" عمد بذكاء إلى اشراك الصالة في العمل المسرحي، بشكل جعل المشاهد جزءا
اساسيا من العمل ، يأخذ منه ويتفاعل معه. وأهميتها بالنسبة لمفهوم غالبية جمهور
المسرح في الكويت فائقة، فهذا الاشتراك في العمل المسرحي من شأنه أن يعطي صدمة
معينة للجمهور الذي لا يفهم من المسرح الا الترفيه والتسلية. لذلك كان متطورا
وذكيا في بدايته للعمل المسرحي منطلقا من الصالة نفسها، حيث الجمهور ينظر كالعادة
فتح الستارة ، فاذا المسرحية تبدأ من وسطه، معطية اياه الاحساس بالمشاركة في العمل
المسرحي ، على عكس توقعاته ، وقد تعأون النص مع ذلك ، باشتراك المخرج اصلا في
تاليفه مع الكاتب عبدالعزيز السريع، أما الحركة فقد ميزها المخرج بوضوح فجيل
الاربيعينات متثاقل ، يبدو وكانه متعب، بينما في حركة جيل السبيعينات نشاط وخفة
"..هناك ضرورة الترحيب الحار
بتلك التفجيرات الصغيرة المدهشة التي حققها صقر الرشود في أخراجه.. وهي تفجيرات
تعني شيئا أساسيا يقول: ان صفة التقدم عن بقية الفرق المسرحية في الكويت ، التي
تتوفر في أنها بعض العناصر القيادية لمسرح الخليج هي صفة حقيقية، أو أنها تحمل
قسطا من الحقيقة..كانت حركة اطفاء الأنوار فور عبور الذهنية القديمة المقبرة موفقة
جداً أو غير متوقعة وباهرة...حركة اشراك الصالة في العمل المسرحي، ومحأولة ايجاد رابط
فعلي بين الصالة والخشبة، يدل دلالة اكيدة على المتابعة الجدية-وان جزئية- لاشكال
التنفيذ المسرحي لدى صقر الرشود "سميح سمارة- جريد السياسة1/2/1972.
ثانيا: الصراع الحضاري
لقد
استحدث ظهور النفط في الكويت مفاهيم جديدة،
واستقدم تاثيرات كثيرة قامت بدور في بنية المجتمع الكويتي، من هذه
التأثيرات ما استقدم من (الحضارة الغربية) التي وفدت مع عالم (النفط) ، سواء عن طريق (الرموز البشرية الوافدة) معه، أو عن طريق الاحتكاك العام بين
الحضارات وما يحدثه من أفعال وردود أفعال، وهو ما يعبر عنه بـ "الصراع
الحضاري" . وقد شهد المجتمع الكويتي جانبا من هذا الصراع ، الذي يعتبر التيار
الثاني من التيارات التي عالج مسرح الخليج العربي من خلالها مشكلات المجتمع
الكويتي، وما أعقبها من تفاعلات في كافة الميادين.
وقد
ظهر هذا الجانب في مسرحية "ضاع الديك" من تاليف عبدالعزيز السريع واخراج
صقر الرشود، التي قدمها المسرح في موسمه العاشر 72/1973 .وفيها نجد صورة اجتماعية
، متنوعة الابعاد ، جمع المؤلف خيوطها من نواح متعددة ، كي تتجمع في النهاية ، في
بؤرة واحدة، يطرح من خلالها حدة (الصراع الحضاري) بين مجتمعين مختلفين في القيم
والعادات. صراع حاد لايوفر كل طرف من أطرافه ما لديه من أسلحة وحجج ، ليسحب الطرف
الاخر إلى مواقعه سالما، متناسيا مواقعه القديمة. في هذه المسرحية- كأغلب اعمال
السريع- استعمل طريقته البارعة في ادارة الاحداث وتحريكها عبر الشخصيات
المتفاعلة،موصلا اياها إلى قمة الحدث، مع ترك البلورة النهائية ، من حق القارئ
والمشاهد، لذلك تتخذ أعماله (نهايات مفتوحة) يجتهد القارئ والمشاهد في وضع تفسير
لهذه النهاية حسب فهمه للحدث وطبيعة الشخصية وأيا كان هذا التفسير لن يبعد عن مجريات الاحداث المسرحية
المتفاعلة مع شخصياتها، المرسومة عنده بدقة فائقة.
في
مسرحية "ضاع الديك" أراد
المؤلف استحضار نموذجين من مجتمعين مختلفين في العادات والتقاليد والمفاهيم، كي
يتصارعا معا، ليتضح في النهاية المناسب منهما لمواكبة التطور والعصر، في المسرحية
نواة لصراع حضاري بين الحضارة الغربية الوافدة، وبين التقاليد المحلية التي تشكل ضمن
اطارها العام حضارة الغربية الوافدة، وبين التقاليد المحلية التي تشكل ضمن اطارها
العام حضارة محلية، لها أطرها وخصائصها المتوارثة، ورغم ذلك يبقى التساؤل الذي
طرحه الدكتور محمد حسن عبدالله (1) بحاجة إلى تفسير ، فهو يتساءل : هل يحتاج ذلك إلى التمحك بانجاب صبي كويتي وتركه بعيدا
عن أهله ثلث قرن من الزمان؟هذا مع تذكيره بأن أي(خواجه) يعمل في الاحمدي أو شارع
الجهراء يمكن أن يؤدي نفس الدور .
اذا ما الذي أراده المؤلف من هذه المسرحية.
تحكي
المسرحية قصة شاب كويتي، ولد من أم هندية تزوجها والده في احدى رحلاته التجارية
إلى الهند في عام 1940 عندما احتجزته الحرب هناك، وفي مرة ثانية أصرت (الهندية)
على العودة معه إلى الكويت، فرفض، لانه كان متزوجا من أخرى في الكويت..وفي زيارة
ثالثة، بحث عنها، فلم يجدها ، اذ هاجرت مع طفلها (يوسف) إلى انجلترا بسبب ظروف
الحرب. وعندما يكبر الطفل ، يبحث عن أهله ، ويعود اليهم في الكويت وعمره ثلاثون
عام.ويحأول ان يكيف نفسه مع المجتمع الجديد الذي وفد اليه بعادات ومفاهيم مختلفة ،
وينتاب حياته الكثير من مواقف المد والجزر، التأقلم والرفض، الرغبة في البقاء،
والطمع في الهروب، الا انه يقع في خطيئة كبرى عند اعتدائه على عفاف (سارة) ابنة
عمه المخطوبة لاخيه..ووسط التفكير الملح في علاج هذه المشكلة يبحثون عن(يوسف) فلا
يجدونه..فقد هرب(ضاع) الديك..ونعود إلى سؤالنا : ما الذي أراده المؤلف من هذه
المسرحية . في البداية أؤكد أن موضوع المسرحية- كما لخصناه-يحتمل أكثر من تفسيره،
لذلك ليس غريبا أن يختلف في فهم مضمونه الكتاب والنقاد، ويفسره كل منهم تفسيرا
مختلفا من هذه التفسيرات ما طرحه الدكتور محمد حسن عبدالله(2) اذ يرى
ان المؤلف "أراد أن يكشف عن جانب من الصراع بين الوراثة والبيئة أو الغريزة
والتربية على نحو ما فعل "بريخت" في مسرحية الشهير(دائرة
الطباشير).."وهناك من رأي أن المؤلف حأول "ان يمزج الملهاة بالمأساة من خلال تصعيده لمشكلة
العائلة المنكوبة بولد أجنبي اللكنة
والفكر والعادات والتصرف وفي تصعيده لهذه المشكلة عبر أحداث ومفارقات مضحكة كل يقصد إلى الايحاء باستحالة تعايش
الفكر البيئ مع الفكر الغربي" (3) وقريب من هذا التفسير ما قاله
ولـيد أبـو بكـر(4)، اذا اعتبرها "مسرحية مواجهة" ففيها
مواجهة حاسمة بين حضارة وحضارة، وما يتولد منها من قيم وتقاليد وعادات أفراد،
ويفصل هذا فيقول:"ان حضارة العصر فيها قيم ايجابية ، لا يجوز أن نقف امامها
جامدين، لانها الثغرة التي تنفذ منها إلى صميمنا ، لتهاجم وتحطم..دون أن تمس..ولكن
علينا أن نتقبل هذه الحضارة، تقبلا موضوعيا، حتى ننظر اليها بتعقل..فلا ننهار
ولانفقد شيئا من قيمنا الاساسية أمام ضربات العصر القوية، أما الجمود فلا يضير
بحضارة العصر بقدر ما يضيرنا". تلك كانت كلها تفسيرات يحتملها (موضوع
المسرحية) اما التفسير الذي أقحم عليها أقحاما، فهو ما قاله صالح الغريب (5)
عندما اعتبر ان المسرحية تناقض"وجود الفرد العربي في الكويت ومدى عمق علاقته
بالفرد الكويتي".وهو تفسير لايعايش المسرحية ، ولايدرك طبيعة القضية التي
تعالجها، ولا أدري كيف توصل إلى هذا الفهم، لان هناك بديهيات اساسية تفترض في أي
تفسير عدم التعسف ، وأن يرتبط وينبع من طبيعة العمل الفني، والسؤال هنا: كيف نفهم
(يوسف) نموذجا للمواطن العربي الوافد إلى الكويت؟وما معنى أن يكون هذا العربي من (أب
كويتي) و(أم هندية) وقضى ثلاثين عاما من عمره في انجلترا؟
أرى
أن المؤلف يود استحضار نموذجين من مجتمعين مختلفين في العادات والتقاليد والمفاهيم
، كي تتصارع المفاهيم المختلفة، وبالتالي يتضح المناسب منها لمجتمع دون غيره،
وبتعميم أشمل تحتوي المسرحية على بذور الصراع الحضاري العام، أما هذا التمحك- الذي طرحه الدكتور محمد حسن- حول انجاب
صبي كويتي وتركه بعيدا عن أهله ثلث
قرن من الزمان ، ثم استحضاره في حين أن أي (خواجه) من الاحمدي يستطيع تمثيل الدور
موضوعياً، في ذلك الصراع القائم بين مجتمعين مختلفين في العادات والتقاليد
والمفاهيم، وتكون نتيجته نبذ كل منهما للاخر، يكون وقعه لدى المشاهد عاديا، لانه
من الطبيعي ، ما دام الاختلاف قائما، ان تكون النتيجة اما النبذ أو الاستقطاب، الا
ان المؤلف اراد التركيز على قضية(النبذ) هذه، فيها لطرف من الاطراف عناصر تقربة من
الطرف الاخر، وبالرغم من عناصر التقريب هذه، كانت النتيجة (النبذ والاختلاف). فمع
إن نموذج (يوسف) اذا اعتبرناه مثالا (للحضارة والمفاهيم الغربية) ، تتوفر له نقاط
اقتراب من النموذج العربي المحلي ، الذي أصبح في صراع معه، ممثلا في كونه من (دم
كويتي) ..الا أن النتيجة كانت نفسها.
هل
أراد المؤلف أن يحلل ويقدم لنا عبر المسرحية عدم صلاحية النموذج الغربي لأوضاعنا
المحلية، مهما كانت هذه المفاهيم، وان احتواء هذا النموذج من قبلنا ستكون نتيجة
الخسارة الفادحة الممثلة في عمل "يوسف" مع"سارة" بالرغم من
أنها أبنة عمه، ويعرف انها مخطوبة لاخيه من أبيه (سالم)؟يزيد المؤلف حدة الصراع
واحتدامه عن طريق البناء الدرامي
لشخصية (يوسف) ، حيث أظهر استعداده الكامل لاستيعاب ما يمكن من الحياة التي
طرأت عليه، أو طرأ هو عليها، ومع
ذلك لم يتوفر الحد الادنى من الاتفاق بين الطرفين ، كان الخلاف أصعب وأمر ، عانى
منه (يوسف) ما لا يستطيعه.
أرادت
المسرحية أن تؤكد على ان الحضارة الطارئة على بيئة ما، ان لم تجد الجو المقابل
لمتطلباتها ، المهيء نفسه لما استجد معها، فهي تحمل معها بذور الدمار والتحطيم.
و(يوسف) كان مثلا لهذه (الحضارة) التي وجدت الصد والهروب، فكان أن وجدت (متنفسا) مثمرا، ظهرت نتيجته فيما حدث
بين (يوسف) و(سارة) وهو أمر شديد الصدمة بالنسبة لبيئتنا العربية . هذا، في حين أن
هذه البيئة لو حأولت تفهم المعايير التي جاء بها (يوسف) كنموذج للحضارة الغربية،
لما حدث ما حدث ، لان هذا التفهم كان من شأنه أن يوجد القاسم المشترك بين الطرفين،
وعبر الممارسة العملية سيصلان إلى الحد الاقصى من التفاهم وتكييف ظروف (الحضارة)
القادمة مع متطلبات البيئة المحلية.
هذا
ما أرادت أن تعالجه المسرحية، فبعد المرحلة الأولى( صراع الاجيال) التي انتهت
بانتصار الجيل الجديد"جيل ما بعد النفط"، كان لابد ان يواجه هذا
الجيل(التحدي الحضاري) القادم مع(يوسف) ، وهو الوجه الثاني من الوجوه التي عالجت
أعمال مسرح الخليج العربي من خلالها أوضاع المجتمع الكويتي. ان الهروب من الحضار ة
الغربية ليس هو الحل ، انما (الحل) يكمن في تقبلها وتكيفها مع أوضاعنا وظروفنا ، فكل
الحضارات تأخذ من بعضها، وتفيد من خبراتها، وعلى الرغم من الخاتمة التي اختارتها المسرحية، الا ان سياقها
الفني يحمل كلامنا بضرورة البحث عن الديك (الحضارة) ، واعادتها كي تعمل في حياتنا
وتطورها.
ثالثا: الصدام المباشر مع المجتمع:
في
الوجهين السابقين من أوجه تعامل مسرح الخليج العربي مع مجتمعه الكويتي كان التعامل
يأخذ طابع تشخيص القضايا، مع التركيز على العوامل المؤثرة في الارضية العامة التي
تحكم مسيرة المجتمع. وفي بداية موسمه المسرحي الحادي عشر 37/1974 ادرك المسرح أن
التشخيص العام لم يعد يكفي ، فلا بد
من صدمة تجعله يدرك ادركا محسوسا الامراض التي تنخر في بنيانه دون أن يدري، من هنا
بدأ المسرح ما يمكن تسميته (الصدام
المباشر مع الجوانب السلبية التي تعوق انطلاقة المجتمع نحو الافضل)، وقد انطلق
مسرح الخليج العربي في ذلك من
ايمانه بضرورة ان يكون له دور مؤثر في مجتمعه، لذلك نجده دوما مؤرقا للغاية
بالمشكلات الانسانية-الحضارية
للمواطن الكويتي ، وبخاصة تلك التي وجدت بعد القفزة الحضارية في الجانب
المادي بعد ظهور النفط. وهذا الاهتمام ليس وليد الصدفة، انما ينبع من رؤيا واضحة لدور
المسرح في مسيرة المجتمعات ، فلم يعد المفهوم المسرحي يقتصر على الاضحاك والتسلية
بل تعدى ذلك ليكون له دور التوجيه والتأثير الفعال، وهذه الرؤية المسرحية الفاعلة تتمتع منها الرموز البشرية لمسرح
الخليج العربي بقسط وافر، وقد رسخت هذه الرؤيا كتابات عبدالعزيز السريع وصقر
الرشود، وظهرت في دورها الناضج الواعي
في مسرحيات"الدوحة الرابعة"و"4،3،2،1 بم"، و"ضاع
الديك" و "شياطين ليلة الجمعة" و"بحمدون المحطة" . وقد
صاحب ذلك من الناحية الفنية طموحات كبيرة تهدف إلى تحقيق أشكال فنية متقدمة في صنع
العرض المسرحي ، معتمدين في ذلك على ماحققه المسرح العربي والعالمي، وقد استطاع
المسرح في ذلك أن يصل إلى حالة (تمسرح) تحقق انسجاما بين الجمهور والممثلين. وقد
بدأت خيوط هذه الحالة في الصيغة
الفنية التي قدمت بها مسرحية"4،3،2،1 بم " و"ضاع الديك" إلى أن تبلورت واضحة في
مسرحية"شياطين ليلة الجمعة"
ان هذه الصيغة متأثرة بوضوح صيغة المسرح البريختي التي عرفها المسرح في
أوائل القرن العشرين ، وهو المسرح المعتمد على احداث متفرقة يجمعها خيط واحد،
ويسيطر عليها نفس واحد، وفي هذا تناقض مع المسرح التقليدي الذي يعتمد على
موضوع واحد، أو حدث واحد، له
بداياته و تطوره وعقدته ثم انفراج أزمته.
بدأ
المسرح(صراعه المباشر مع المجتمع )
في مسرحية "شياطين ليلة الجمعة" وقد أقام مؤلفا المسرحية عبدالعزيز
السريع وصقر الرشود هيكلها الفني
على محتوى موضوعي من سبع لوحات، ست رئيسة، وواحدة هامشية، جاءت للوصل
والربط بين اللوحات، وعبر مضمون هذه اللوحات التلقليدية الانتقادية الهادفة، يعالج
المؤلفان أوضاعا اجتماعية عفنة جاء اغلبها نتيجة القفزة التي حققها المجتمع
الكويتي في الجانب المادي من السلم الحضاري، مع بقاء الجانب الفكري-العقلي على
تخلفه. من خلال مضمون هذه اللوحات يتصدى المؤلفان ، بشكل انتقادي حاد لتلك الأوضاع
الزائفة التي تشوه وجه المجتمع، ومنها:
1-في اللوحة الأولى التي اعطاها المؤلفان اسم – الرجل
المناسب- تعرية بكشل لاذع وساخر لتلك الرموز التي وصلت عن طريق نفاقها ووساطاتها
إلى مناصب ادارية ليست مؤهلة لان تكون فيها، والنتيجة بالتالي تعطيل مصالح
المواطنين ، وتغليب النظرة المزاجية الخالصة في الحكم على الامور.
2-في اللوحة المسماة – المادة 106 –عرض
مصاحب بالرقص والغناء لجوانب من ازدأوجية الشخصية التي يعيشها بعض المواطنين، خاصة
فيما يتعلق بشرب الخمر، الذي صورة الفاصل الغنائي تصويرا لاذعا.."وأي ..منكم واي..تصبون
الخمر في الغوري وتقولون شاي".
3-اللوحة
الخاصة بالصحافة ورؤساء التحرير، وقد كانت أكثر ايلاما في سخريتها حيث أظهرت
بسخرية فائقة جهلا مطبقا عند بعض رجال الصحافة، وبالذات بعض رؤساء التحرير.جاء في
الحوار:
رئيس التحرير: هو انت في غير الكويت كنت تصير صحفي.
المحرر: وانت في غير الكويت كنت تصير رئيس تحرير.
4-اللوحة التي
سميت المسرحية باسمها"شياطين ليلة الجمعة"وهي نقل حي على الهواء مباشرة،
لما يدور ليلة الجمعة فيما يعرف بـ (المزارع) وما يقوم بها شياطينها من فسق وفجور
وشرب حتى الثمالة واللأوعي. وقد طالت هذه اللوحة بطريقة لم تقدم كثيراً بشكل مكثف
عن حياة هؤلا الشياطين وكان يكفي فيها اللمس السريع، فهدفها اظهار الحياة التي
يعشيها هؤلاء الشياطين ، وما تجره عليهم من سقوط أخلاقي، وانحراف اجتماعي مدمر يضر
بالفرد، وينعكس ضرره على المجتمع بشكل مخرب لكافة العلاقات الاجتماعية.
ويبدو
جليا تأثر السريع والرشود بالمسرح البريختي في المضمون والاداء، ففي مواطن
كثيرة كان ينفصل الممثل عن دوره ليعلق على المضمون ، ويخاطب الجمهور مباشرة محققا
بذلك ارتباطا عضويا، واتصالا مباشرا بين الممثل، وجمهوره إلى حد كاد ينعدم فيه
الفاصل بين الممثل وجمهوره، فالجمهور ممثل، والممثل من الجمهور، خاصة عند استغلال(الصالة) لاجزاء من العرض
المسرحي ، إذا أحدث ذلك حالة من الالفة والانسجام بين الطرفين بتواجد الممثلين
فيها وانطلاقهم منها، وعودتهم اليها..
إن
دور الرأوي أوالمعلق على الاحداث،
والمقدم لها، اتخذ مسارا أساسيا في كل اللوحات التي تفردت من بينها لوحة-
ياحلو الاستثمار-بمباشرة شديدة. وقد جاءت في مجملها-كعمل فني متكامل-مثالا جيدا،
مقصودا بوعي من المؤلف والمخرج لما
يسميه الدكتور علي الراعي السياسي،"الكاباريه" الذي يعرفه بقوله،
"هو نوع من المنوعات اللاذعة ، يقوم على لقطات قصيرة وصاخبة تكشف مواطن الضعف في الحياة السياسية والاجتماعية لبلد ما. ويراعي هذا النوع
من المسرح أن تكون اللقطات قصيرة، وسريعة الايقاع، وأن يصحبها نقد فكاهي يثير
الضحك، ويلقي ضوءا ساطعا على نواحي
النقص على أن يتم هذا كله في اطار المرح النابض وخفة الظل" .وهذا التعريف
تمثله "شياطين ليلة الجمعة" تماما في مضمونها وطرق ادائها.
لقد
مثلت المسرحية صدمة عنيفة لكثيرين من أفراد المجتمع الذي ظنوا ان مجتمعهم بلغ حد
الكمال، فاذا بالمسرحية تفتح عيونهم بشكل مثير على كل أوجه الزيف والنفاق والتضليل
التي تكاد تغطي مساحات واسعة من حياة المجتمع ، ومن هنا جاء النجاح الذي لاقته عند
عرضها، خاصة عند الفئات التي تنشد تخليص المجتمع من كافة معوقات انطلاقته الحقيقة،
وسنرى هذا الصدام مع المجتمع بتصاعد في عمل آخر هو مسرحية" بحمدون
المحطة".
طريقة الاداء:
أشرنا
قبل قليل إلى اقتراب هذه المسرحية من صغية المسرح البريختي في عدم اعتمادها على
موضوع واحد ينمو من خلال العرض المسرحي ، ويتفاعل تدريجيا، انما كان اعتمادها على
الاحداث المتفرقة التي يجمعها خيط واحد، ينمو ويتفاعل بشكل معين في نفسية المشاهد،
لانه يحس أن العرض وأحداثه جزء من حياته التي يعيشها من خلال مجتمعه.
ان
مجمل الطريقة التي قدمت بها المسرحية تدل على أن رموز مسرح الخليج العربي مغرمون
إلى حد كبير بالتخريب فهي لا تخاف الخوض في (تجارب) مسرحية غير مضمونة النتائج،
ومع ذلك لاقت المسرحية تجأوبا كبيراً، خاصة في (الجانب الغنائي) فيها، فهو امتداد
لتلك الفواصل الغنائية القصيرة التي شاهدنا منها طرفا في مسرحية "ضاع
الديك" الا أنها في هذا العمل تميزت بخاصتين متقدمتين:
الأولى:
استغلالها لمزيد من التوضيح، وربما الشرح لبعض المواقف، كما في فاصل
لوحة"المادة 206"، وأحيانا كفاصل مسرحي في ظل سقوط الجدار الرابع
المتمثل في عدم وجود شاشة مسرحية، كفاصل لوحة" الواسطة والغلاء".
الثانية: اقتراب هذه الفواصل الغنائية من المسرح
الغنائي، الذي لايزال غير ناضج التكوين في المسرح العربي، ما عدا بعض التجارب
اللبنانية وهذا الاقتراب من المسرح الغنائي كان واضحا من المقدمة واللوحة الغنائية
الختامية، وهذا يعني الاشادة بالجهد الذي بذله الفنان يوسف المهنا في تقديم هذه
الالحان.
المسرحية في الصحافة الغربية:
قدمت
المسرحية على مسارح المغرب(الرباط) في مارس 1974، ولقيت نجاحا كبيرا لدى الأوساط
المسرحية هناك واشادت الاقلام الفنية بايجابيات المسرحية وخطواتها المتقدمة. من
المآخذ التي سجلت على المسرحية، ما ذكره خالد الجامعي(6) عن جدوى
"تقديم مشاكل الشعب الكويتي فوق الخشبة ، مادام هذا التقديم سطحيا، بمعنى انه
لم يتعمق في ابراز خلفياتها
السياسية والاقصادية والفكرية في المجتمع الكويتي" وهو يرى(7) ان
الناس في الكويت وفي كل بقاع العالم يعرفون مشاكلهم لانهم يعيشونها عن قرب .
والمطلوب من العمل الفني أن يذهب إلى أبعد من طرح المشاكل فقط، ولكن يجب أن يضع
اليد على خلفياتها العميقة". وهو نفس ما سجله حمدي غيث في قوله(8): "...نعم لقد قدمت المسرحية
بعض مشاكل الانسان في الكويت، لكنها لم تسلط الاضواء على مسبباتها.." كما طرح
ايضا موضوع نهاية المسرحية فاتهمها بنعيس الفاسي بأنها انهزامية لانها قالت في
نهايتها (لا حل).
الا
أن المسرحية لم تفعل في نهايتها (الحل) خاصة في اطاره العام الذي لا يضع خلاصا جزئيا
لكل معضلة ، انما الحل الشامل على مستوى الوطن ، وربما لم ينتبه البعض إلى هذا
الحل لانه جاء خلال اللوحة الغنائية الختامية:كل الشدايد تهون لو ربعك
ربع تعانوا ما ذلوا
كل الامل فيك انت ولدي
قوم انتخى ريحه هلي
شد العزم واركب على كفوف الخطر.
لقد
حققت هذه المسرحية قفزة نوعية في مسيرة المسرح في الكويت، مسجلة لمسرح الخليج
العربي السبق في المغامرة الناضجة والتجريب الواعي، والنظرة الجدية للمسرح كمدرسة
فاعلة في صفوف المجتمع.
ثم
استمر الصدام مع المجتمع في الموسم الثاني عشر74/1975 حيث قدم المسرح مسرحيتي
"بحمدون المحطة " تأليف عبدالعزيز السريع واخراج صقر الرشود، و"يا
غافلين" تأليف محمد السريع واخراج منصور المنصور وقد تعمدت " بحمدون
المحطة" تعرية أوجه الفساد في المجتمع ، وكي يتوفر مزيد من الحركة والنقد،
اقتاد المؤلف شخوصه إلى ساحة خارج المجتمع المحلي( بحمدون المحطة) ، كي يترك كل
شخصية تتحرك على هواها بعيدا عن أي رقابة، وقد تمكن أن يصل إلى أعماق بؤر الفساد،
وازدواج الشخصية ، التي تعشش في نفوس بعض الناس، وتحكم تصرفاتهم.
الخروج من النطاق المحلي:
لاينكر
أحد الدور الفعال والمهم الذي يمكن ان يلعبه"المسرح" كفن، اذا احسن توجيهه،
واحكام الدور الذي يجب أن يقوم به، لذلك أكد الكثيرون من المفكرين والمنظرين
السياسين اهمية هذا الدور، ولفتوا الانظار إلى القاعدة الكبيرة التي يؤثر فيها
"فن المسرح" وبالتالي إلى توجيهها، وتعبئة طاقاتها نحو الجبهة التي يريد
أن يخدمها المسرح وسواء أكان ذلك لحساب السلطة ام لحساب طبقة من الطبقات أو
ايديولوجية معينة..
ومن
بين الفرق المسرحية في الكويت تفرد" مسرح الخليج العربي"بخط ملتزم ، بدل
على" "فكرة" مسبقة تحكم كافة اعماله، والاخيرة منها بالذات، وهذا
يفسر عدم انخراطه في لعبة الاضحاك
والتسلية التي لا تأخذ في اعتبارها سوى "مايريد الجمهور" و"دخل
الشباك" وقد ركز المسرح كثيراً على "سلبيات" المجتمع الكويتي
المحلية، وبالذات الناتجة عن القفزة الطارئة من الجانب المادي من السلم الحضاري،
دون أن تواكبها قفزة مماثلة في الجانب الفكري الثقافي، وقد وصل "صدام"
المسرح مع "سلبيات المجتمع" أشده في" شياطين ليلة الجمعة"
و"بحمدون المحطة" بعد أن أعطى "أرضية" معقولة لذلك في
"ضاع الديك".
إلا
إن ما يميز "الخازوق"(موسم75/1976)، هو كونه قد بدأ يرتفع عن المستوى
المحلي في المعالجة، إلى اطار أوسع
، يغطي الساحة العربية جميعها..ففي" علي جناح التبريزي" قدم لنا شوق
الانسان العربي ومعاناته من ناحية مهمة، تغطي باثرها عموم المنطقة العربية، وهي
الشوق الدائم إلى ضرورة اعادة توزيع
الثروة..ويتحسس المسرح اليوم في "خازوقة" الجانب المظلم في حياة
"المواطن العربي" في المساحات العربية.هذا الجانب القائم على قمع
السلطات "للانسان"، وبالتالي عدم توفر الحد الادنى من
"انسانيته" كانسان، ومن ثم يعيش أيامه في الخوف والظلم والاستبداد.
ولا
ينكر أن هم المواطن العربي، هو في احيان كثيرة الخوف من قمع السلطات وارهابها، ويشكل هذا السبب الحقيقي في
شيوع نظرية "خلينا ناكل
عيش" لدى المواطن العربي في أنحاء الوطن العربي.
ويأخذ
مسرح الخليج العربي على عاتقه تقديم هذا( الجانب المظلم)، في مسرحيته "حفلة
على الخازوق" من تاليف محفوظ عبدالرحمن واخرج صقر الرشود، بطريقة مكثفة،
تجعلك كمشاهد ، تحس فعلا أنك أنت شخصيا المعنى بهذا الامر وان "الخازوق"
ينتظرك في أي لحظة، ما دام الامر متروكا للحيثيات السائدة في عموم الوطن العربي...
فمن يدري انني لا أكون "أنا" أو "أنت" أو"هي " حسن
عبدالله- محمد السريع.. هذا المواطن الساذج البريء الذي جمعوا له الادلة الكاذبة، ليصبح متأمرا على "الوالي"
–السلطة-لمجرد انه شوهد قرب أسوار القصر...وما أن يدخل "المخفر" حتى
يصبح ذلك المتهم خطيرا، الذي ينتظره
"الخازوق..ومن هنا لا يحس بعذابات المواطن العربي، تلك العذابات التي
قدمتها"هند"-سعاد عبدالله-وكلاب السلطة تلاحقها، كل يريد افتراسها من اجل خطيبها(البريء).
في
العرض الدرامي لهذه العذابات تقدم المسرحية اربعة رموز لها، كل منها رمته ظروفه
السيئة تحت أقدام ادوات السلطة.. هذه الرموز الاربعة هي مدير السجن-خالد
العبيد-المحتسب-ابراهيم الصلال-الوزير-سليمان الياسين-المساعد-محمدالمنصور-من بين
هذه الادوار، يلفت النظر تقديم دور"المحتسب " فبدلًا من أن يكون حامي
العدالة، والسند الذي يلجأ اليه المواطن الباحث عن الحق نكتشف أنه جزء من
اللعبة،وأدات القهر...ولقد غطت الرموز الاربعة بشموليتها كل الادوات القمعية التي يعاني منها المواطن العربي..
في
الحوار الدائر بين مدير السجن ومساعده تكثيف شديد مقصود من المؤلف لبيان عدم توفير
احترام انسانية المواطن كانسان..فعندما يطلب حسن عبدالله من مدير السجن" أن
يفهم" سبب المجيء به إلى السجن، يقهقه المدير عاليا، وتزداد سخريته لمجرد أن
المواطن يريد أن يفهم "...وتلك مصيبة ما بعدها مصيبة".
إن
المسرحية في شكلها العام، تصنف ضمن اطار "المسرح السياسي" الذي اقتحم
حركتنا المسرحية بشكل مفاجئ بعد عام 1967، دون ان يعني ذلك فقدان هذا النوع قبل
هذا التاريخ ، الا ان نكسة عام67 اجتاحت كل المشاعر العربية، وفتحت أعين الجميع
على ضرورة أن يكون للمسرح دور في مجال التعبئة السياسية، ويذكر البعض تلك
الجماهيرية التي حققتها مسرحية سعد الله ونوس"حفلة سمر من اجل 5
حزيران"، على الرغم من أنها كانت تخدم "النظام" اكثر من
خدمتها" للجماهير" فقد اكتفت بدور" التنفيس" عن المشاعر
والآلام المكبوتة، لدى هذه الجماهير، دون أن تطرح لها " البديل الجذري"
وفي هذ هذا المجال ايضا لا يمكن أن نتناسى "ضيعة تشرين " لدريد
لحام..فعلى الرغم من انها كشفت الكثير من الأوضاع بصورة مكثفة أمام المشاهدين، إلا أن" دريد لحام"
كان فيها إلى جانب "حكام" ضد اخرين ، في القطر نفسه.. وقدمت" حفلة
على الخازوق" هذا الجانب السلطوي ، عندما جمعت في نهايتها المتهمين الاربعة
في الصناديق الخشبية، (النجار، المحتسب ، الوزير، ومدير السجن).. وقد أدانهم جميعا، وأمر بمحاكمتهم لينالوا الجزاء المناسب.. ولو
انتهت المسرحية عند هذا الحد لمارست دور النفاق السياسي نفسه، لانها تكون عندئذ
ملقية باسباب القهر والظلم على الرموز المنفذة. ولكن كانت المفاجأة الصاعقة لـ
"هند" ممثلة هنا للجماهير كلها-عندما قدم "الوالي"
"المساعد" ليحكم بدلا من المتهمين الاربعة..وهنا لم تملك
"هند" الا الصراخ والاحتجاج ، فالوالي يستبدل رموز الظلم الاربعة بمخطط
الظلم ومنظره"المساعد"..فهو العلة والداء.
في
تلك اللحظة المسرحية، لم يكن بوسع المشاهد المتحسس لآلام "الانسان
العربي"، الا ان يشد شعره ، أو "يخرج" من ملابسه، فكم كانت تلك
اللحظة المسرحية مكثفة لمسيرة"الالم العربي"...فهي تريد أن تقول أن
المسؤولية في الوطن العربي تعطي لذوي"الفهلوة" الذين يجيدون
"التمثيل"فعلا...لذلك كان لجوء "الوالي" لـ
"المساعد"، الذي كان مخططا لكل التهم التي لحقت بحسن بن عبدالله ،
ومسهلا الطريق أمام كل الذين حأولوا
افتراس "هند".
المسرحية
تريد أن تهزالمشاهد...تود أن تجبره على ان يعي الحفرة التي يتردي فيها دون ان
يدري..تصرخ فيه أن يصحو..فالحفرة تتسع وستطيح بالجميع ان لم يتدراكوا الامر.. تصرخ
فينا بان الماضي بظلمه متصل بالحاضر، مستمر في المستقبل، فالحيثيات هي نفسها ،
والرموز المدانة ذاتها، شخوص الحلبة.
ربما
يعتقد القارئ أن مثل هذا الموضوع ليس امام المخرج الا أن يقدمه بالشكل المباشر
التقليدي، الا أن المخرج صقر الرشود ، استطاع أن يقدمه ضمن أطار فني حديث متماسك،
فهو من البداية يود أن يجعل الشاهد طرفا في أحداث المسرحية لذلك الغى
"الستارة"ليزداد احساس المشاهد بالعملية العميقة بالذات..كما ان اخراج"
حسن بن عبدالله" البريء المتهم، من وسط الصالة، جعل المشاهد في نهاية
المسرحية يحس ان "موقف"
حسن بن عبدالله هذا، من الممكن ان يواجهه شخصيا في أي لحظة ، كذلك لايمكن
التغاضي عن جماعية الاداء، وذلك عبر تخطيط مسبق. فلو سئلت عن بطل المسرحية، لما
تمكنت من التحديد..فالجميع كانوا ابطالا..بشكل جماعي، لانهم يتحركون ضمن اطار بحث
مشكلة متشعبة الجوانب، تشمل ابعادها الماسأوية "الجمهور" كله.
ومن
الانجازات المهمة في هذا العمل، ان مسرح الخليج العربي يقدم عمله الثاني باللغة العربية الفصحى،
بع"التبريزي".
وهذا
يعني أن الفصحى لم تعد عائقا امام المسرح، بعد النجاح الهائل الذي لاقاه
"التبريزي" والذي نتوقع ان يلاقيه"الخازوق" كذلك ننوه بان "المسرح
الملتزم"لايجري وراء الجمهور عايزكده"..بل يرتفع بذوق الجمهور، فلكونه
"طلعية" عليه ان يشعر الجمهور بالمازق التي حشر فيها ، ويتضرر منها..لا
أن ينخرط في لعبة التسلية والاضحاك..ومسرح الخليج يكرس من نفسه مسرحا ملتزما، يعي
لشكل مسبق الدور الذي يقوم به، والابعاد التي ينظر اليها، والنتائج التي يود
الوصول اليها.
إن
توقفي في هذه الدراسات وما صاحبها من انطباعات ، عن تلك الفترة المحددة من تجربة
مسرح الخليج العربي، أملاه معايشة تلك الفترة، ومصاحبتها لحظة لحظة، نتج عن ذلك
الاقتناع الكامل بالخطوات المتقدمة التي حققتها هذه الفرقة في مجالي الشكل
والمضمون المسرحيين، اذ أثبتت أنها في طليعة الفرق العربية المسرحية التي سبقتها
بسنوات عديدة، كما أكدت حقيقة هامة في عالم المسرح، وهي أن الاعمال الجادة
الملتزمة لا تعني الجمود والتقليدية في وسائل التنأول ، فالموضوع الجاد الملتزم،
كان يترافق عندها مع الشكل الجديد والتجريب الفني في وسائل الاخراج ومتطلباته.انها
فرقة آمنت بـ (الانسان) فوضعته نصب عينيها في أعمالها كافة، لانها أدركت أن للمسرح رسالة انسانية مهمة، فرضت عليها
الجدية في العمل، بعيدا عن وسائل الاضحاك والتسلية الخالية من المضمون، فجاءت
أعمالها التزاما في الموضوع، وتجديداً في الشكل.
إن
الاحتفال باليوبيل الفضي لمسرح الخليج العربي، يفرض علينا وقفة وفاء خاصة للفنان
المبدع المرحوم صقر الرشود، الذي فقدناه وفقده المسرح العربي كله في وقت مبكر،
ولانبالغ –نحن من عرفناه-0 عند القول انه أسهم بشكل خاص في تحديد ملامح مسرح
الخليج العربي، التي تبلورت عبر السنوات الماضية ، لتجعله في طليعه الفرق المسرحية
العربية(*).
هوامش
1.
جريدة السياسة-عدد1573 بتاريخ 10نوفمبر 1973.
2.
المرجع السابق.
3.
انطوان بارا-جريدة الايام16/11/1972.
4.
مجلة الهدف 25يناير 1973.
5.
مجلة عالم الفن10/12/1972.
6.
عدد 9 مارس 1974.
7.
المرجع السابق.
8.
المرجع السابق.
(*)
نشرت هذه الدراسة في مجلة
"دراسات الخليج والجزيرة العربية"التي تصدر عن جامعة الكويت ، عدد
اكتوبر (تشرين أول) 1977.