رواية الحربين

العالميتين الأولى والثانية(*)
تقديم

كان العرب اثناء الحرب العالمية الأولى(1914-1918) في وضع دقيق للغاية، اذ كان عليهم ان يحددوا موقفا عربيا ازاء هذه الحرب.وكان السؤال المطروح في الأوساط العربية انذاك. هل يقف العرب مع الدولة العثمانية ضمن اطار الجامعة الاسلامية التي كان الاتراك يستغلونها لبقاء حكمهم وسيطرتهم على الاقاليم العربية، أم يقفون مع دول الوفاق الأوروبية ضد الدولة العثمانية؟.ولقد اسفرت محادثات الحسين، مكماهون عن الوصول إلى اتفاق ثم بمقتضاه اعلان الثورة العربية ضد الحكومة العثمانية واسهمت العمليات العسكرية العربية في دحر القوات التركية في المناطق العربية، وبالتالي هزيمتها في الحرب.كان الموقف العربي حرجا، لان ال حكومة العثمانية لم تتطلع للاماني القومية العربية، وتنكرت لكل المحأولات التي كانت تصبو لتجسيد هذه الاماني، في زمن كان المد القومي العربي عارما، لايمكن تجاهله،في حين ان الممارسات العثمانية في الاقاليم العربية كانت من الفساد والقسوة والتخلف ، مما يبرر حمل السلاح ضدها، الا ان القيادة العربية انذاك ممثلة في الحسين بن علي، تناست اثناء مفأوضاتها، انها ستقف مع دول الوفاق التي تحتل فعلا العديد من الاقطار العربية، مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ولذلك تنكرت دول الوفاق لوعودها كافة، وقامت بتوزيع العالم العربي ضمن مناطق استعمارها ونفوذها، تبعا لاتفاقية سايكس-بيكو التي وقعت بين بريطانيا وفرنسا.قبل انتهاء الحرب، مما يدلل على سوء النوايا، وتعمد تضليل القيادة العربية، لاستخدامها اداة في دحر الاتراك فقط(1).

لقد كان لهذا الجانب من التاريخ العربي حضور واضح في الرواية العربية، من خلال التركيز على احداث معينة، ذات علاقة بالحرب العالمية الأولى، ما سبقها وما لحقها، وذلك لان معاناة العالم العربي قبل الحرب تحت حكم الاتراك، واثناء الحرب وما صاحبها من صعوبات وآلام ، وبعد الحرب حيث الخيبة الكاملة والوقوع تحت نفوذ الاستعمار الغربي،كانت معاناة فيها من الاحداث الكثيرة والمواقف الدارمية، ما جعل لها هذا الحضور الخاص في الرواية العربية. من بين هذه الروايات تكتسب رواية (الرغيف) (2) اهمية خاصة، بسبب صدورها المبكر(1939)، وشموليتها التي جعلت منها تاريخا روائيا تحقيقه مهمة من تاريخ الوطن العربي.

 

التاريخ روائيا

أول ما تثيره هذه الرواية مسالة "التاريخ"عندما يصبح موضوعا للعمل الروائي. وربما اصبح معروفا الان الاسس التي شكلت الارضية النظرية للرواية التاريخية في مطلع القرن التاسع عشر، من خلال الدراسات التي قامت حول أعمال الكاتب الانجليزي والترسكوت، الذي اعطى للرواية التاريخية "خصوصيتها التاريخية" القائمة على"اشتقاق الشخصية الفردية للشخوص من خصوصية عصرهم التاريخية" (3) .وقد لعبت الثورة الفرنسية والحروب الثورية التي رافقتها، وجاءت بعدها دورا مهما في جعل التاريخ تجربة جماهيرية، مما اهله لان يكون موضع اهتمام الرواية التي هي في الاساس ذات علاقة حميمة.وقد اشتهر في ميدان الرواية التاريخية العربية، جرجي زيدان الذي قدم العديد من الاعمال الروائية، من خلال رؤيته الخاصة التي تعتمد على اخضاع الفن الروائي لخدمة التاريخ من اجل كسب جماهيرية له بواسطة الحبكة الروائية، فقد كان يرى" ان ننشر التاريخ على اسلوب الرواية افضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته والاستزادة منه، وخصوصا لاننا نتوخى جهدنا في ان يكون التاريخ حاكما على الرواية لا هي عليه كما فعل بعض كتبه  الافرنج، ومنهم من جعل غرضه الأول تأليف الرواية، وانما جاء بالحقائق التاريخية لالباس الرواية ثوب الحقيقة فجره ذلك إلى التساهل في سرد الحوادث التاريخية بما يضلل القراء.اما نحن والعمدة في روايتنا على التاريخ،وانما  ،ناتي بحوادث الرواية تشويقا للمطالعين، فتبقى الحوادث التاريخية على حالها، وندمج فيها قصة غرامية تشوق المطالع إلى استتمام قراءتها، فيصح الاعتماد على ما يجيء في هذه الروايات من حوادث التاريخ مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ من حيث الزمان والمكان والاشخاص(4).ويفهم  من هذا ان جرجي زيدان كان مدفوعا في ؟ أعماله الروائية من رغبة عميقة في خدمة التاريخ الاسلامي والعربي بغرض كسب القراء والمطالعين له من خلال التشويق الروائي، ولكن بشرط المحافظة على الحقيقة التاريخية لانها الاساس في العمل الروائي، وهذا يعني ان جورجي زيدان يعتبر نفسه في هذه الاعمال اقرب إلى المؤرخ منه إلى الفنان.

 

الرغيف

تتعامل رواية "الرغيف"مع التاريخ كخلفية عامة فقط،اذ ان الكاتب مهتم في المقام الأول برصد حركة الشخوص من خلال احداث المكان، الذي كان احساس الكاتب به واضحا، بانفعال شديد، يدلل على معايشة الكاتب لتلك الاحداث، وانشغاله بها إلى حد يجعل القارئ يتمثل احداث تلك الفترة وكانه يتذكر شريط احداث عاشها بنفسه، مرتبطا بحركة الشخوص، متمثلا بوعي ومشاركة ظروف تلك الحقبة التي أملت، مواقف بعينها.ان مجتمع "ساقية المسك" عينه مكانية للوطن العربي في زمان محدد هو ما قبل الحرب العالمية الأولى تحت الحكم العثماني، وما طرأ اثناء الحرب من مواقف عربية،لقد شكل التاريخ- في هذه الرواية-المحرك لمواقف الشخوص وردود فعلها، دون ان تشعر بجفاف الاحداث التاريخية وثقلها على العمل الروائي، لذلك فان القارئ يحس بانبعاث مجتمع، ساقية المسك، امامه حيا متحركا من خلال ظرفه التاريخي، وهذا ينسجم مع الرأي القائل بان"ما يهم في الرواية التاريخية ليست اعادة سرد الاحداث التاريخية الكبيرة، بل الايقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الاحداث، وما يهم هو ان نعيش مرة اخرى الدوافع الاجتماعية والانسانية التي أدت بهم إلى ان يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تماما في الوا قع التاريخي(5)، لذلك، فان من انجازات هذه الرواية-بالاضافة إلى كونها تأريخأ روائيا لتلك الحقبة-تحقيقها لبعث الحياة في احداث تاريخية جافة، فقدت الاهتمام بها، فإذا هي تنبعث امامه في الرواية من جديد بعفوية شديدة، تجعله  ياسى كثيرا لبؤس "ساقية المسك"وشفائها، لانه الاستقلال القومي، فالعدو الذي يسلب هو نفس العدو الذي يهيمن على البلاد ويفقدها حريتها واستقلالها.

لقد كانت رواية "الرغيف" –1919-من الروايات العربية الرائدة في تقديم البطل الايجابي، الذي ادرك من خلال فكرة القومي ان ظروف مرحلته التاريخية، لم تعد تفسح مجالا للانسان السلبي المتفرج، اذ إن الاعداء الداخلين والخارجين يتكالبون على الوطن، يسرقون خبزه وحريته، لذلك لم يعد السكوت ممكنا، لانه يقود إلى مزيد من الاستغلال والهوان.

تنطلق الاحداث الرواية من عدة محأور تاريخية ذات ابعاد فكرية محددة:

·     الوضع العربي تحت الحكم العثماني قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها.

·     تبلور  فكرة القومية العربية، وما صاحبها من نهوض قومي، تغلب على فكرة الخلافة الاسلامية، التي كانت تنتظم الاقاليم العربية ضمن الدولة العثمانية، وكان له دعاته ومنظوره، رغم الظلم والتعسف الذي كانت تحكم به هذه الاقاليم.

·     التحرك العربي في سبيل الوصول إلى هذا الهدف القومي المتثل في الانفصال عن الدولة العثمانية، وما قدمه العرب من تضحيات من اجل ذلك.

إن أوضح ما تقدمه هذه الرواية، هو بعثها للحياة العربية في تلك الفترة-من خلال المحأور الثلاثة السابقة-من جديد،حية، نابضة،بكل ما كانت تعانيه من بؤس وشقاء، تتمثل في التهلف على رغيف الخبز، الذي كان يستهلك جهد الجميع،ورغم ذلك انطلاقا من انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، كانت الآمال والجهود تبحث عن رغيف آخر،يتمثل في حرية الوطن واستقلاله، مما جعل البحث عن الرغيف والحرية موقفا، تتمحور حوله الاحداث والشخصيات، وهذا  الموقف الذي يشكل عقدة الرواية ، كل ذلك من خلال التركيز على مجتمع ساقية المسك اثناء الحرب، موضحا ما جرته من ويلات، ابرزها الجوع والمرض والخوف والقتل.

تبدو البطولة الايجابية في الرواية عند اكثر من شخصية وهي تناضل من اجل الاهداف السابقة. الا ان تركيز الكاتب على شخصية "سامي عاصم"جعله البطل الايجابي للرواية، اذ أدرك بعد سكوت انه لابد من التحرك والعمل من اجل تحقيق الاهداف القومية. وقد جاء تحركه متوافقا مع حركة مجتمعه، يبدأ التمرد على السلطات العثمانية في ساقية المسك، مما يضطره إلى اللجوء إلى الجبل بمساعدة حبيبته "زينة" التي كانت تمده بالطعام والاخبار، وعندما وقع في الأسر واقتيد إلى السجن، ظل العمل والتحرك الايجابيين هاجسه الوحيد.يهرب من السجن ملتحقا بالثورة العربية التي اعلنت ضد الاتراك، فيشارك في عملياتها التنظيمية والعسكرية بحامس شديد، قاده إلى ان يكون احد قادتها والعاملين على انتصارها، حتى مات في سبيلها، وقد حققت اهدافها المرسومة...لقد ركز الكاتب على جانب الوعي الفكري الذي كانت يحرك"سامي عاصم." فهو يرفض التنظيرات المضللة التي حأولت الايحاء بان الصراع بين العرب والاتراك صراع ديني، اذ انه في حقيقة الامر صراع قومي بين قومن فقدوا حريتهم واستقلالهم، وبين قوم  يستغلونهم من خلال مصادرة حريتهم واستغلالهم لخدمة اغراض لا علاقة لها بمصلحتهم، لذلك فان"بطولة سامي في هذه الرواية،بطولة انسانية لا تخرج من اطار الخصائص البشرية، وهو يجمع في شخصه مختلف هموم الشاب العربي المؤمن بالقومية العربية،على كونه يعتنق المسيحية(6).

والرغم أن هذه الرواية من الروايات الرائدة في مسيرة الرواية العربية، اذ صدرت طبعتها الأولى عام1939، الا ان الكاتب قدم فيها انجازات موضوعية وفنية، جعلتها رغم مرور الزمن ما تزال تتمتع بحيوية وحضور متجددين.

الجانب الموضوعي

تكاد تكون هذه الرواية الوحيدة التي أرخت فيناً- روائيا لبدايات النضج القومي العربي، حيث شكلت في بدايات القرن التاسع عشر خلالها الوعي العربي مدركة ضرورة الانفصال عن الخلافة العثمانية، التي سوغت لنفسها-تحت ستار الاسلام-استغلال الوطن العربي لمصالحها الاقتصادية، وقمع حرية شعبه.هذه البدايات في الوي القومي العربي، وعشرات الضحايا الذين قدموا لمشانق السلطان العثماني، وما واكبها من غضب شعبي، وانتفاضات جماهيرية، نجدها حية متحركة، في هذه الرواية، مما جعل بعض الدارسين يعتبرها رواية المجتمع العربي، رواية القومية، رواية الحرية(7).، يبدو وعي الكاتب الاجتماعي ناضجا ومتبلورا ، رغم صدور الرواية المبكر، فالكاتب يعي أن النضال الاجتماعي لاينفصل عن النضال السياسي، فالبحث عن الرغيف يتواكب مع البحث عن الحرية، لان الاعداء الخارجيين يصادرون حرية المواطن، ويصادر حفاؤهم المحليون (الاقطاعيون وعملاؤهم) رغيف خبزه، وقوت قومه، لذلك فإن النضال ضد الاعداء الخارجيين يندلع ممثلا في عمليات الثوار المحلية ضد الجنود الاتراك، والثورة العربية التي اعلنها الشريف حسين عام 1916، ويتواكب هذا مع النضال ضد الاعداء الداخليين (ابراهيم بك فاخر الاقطاعي) من خلال عمليات العصابة البيضاء التي جعلت هدفها اعادة حقوق الفلاحين التي اغتصبها هذا الاقطاعي المتواطئ، مستغلا حاجة الفلاحين إلى الرغيف.."ابراهيم بك فاخر عدو لايقل شره عن الاتراك "بل ان شره اعظم:، وامثاله هم العدو الداخلي والاتراك العدو الخارجي، الاتراك يسلبون الناس حريتهم، وابراهيم بك فاخر وامثاله من الاغنياء الجشعين يسلبونهم خبزهم.الخبز والحرية هل يستطيع الانسان ان يعيش بدونهما"(8) ان الاحساس بالظلم الاجتماعي قاد المؤلف إلى تحسس الصراع الطبقي في المجتمع العربي انذاك من خلال تمثله فكريا، وقيام الشخوص (العصابة البيضاء) بغارات انتقامية على الاقلية الغنية التي كان غناها على حساب جوع الاكثرية البائسة، يدور الحوار التالي بين زينه وطانيوس :

"كم هو عدد الاغنياء؟

-أين؟

-في بكفيا وضواحيها.

-أربعة أوخمسة.

-وكم عدد الفقراء؟

-الباقون كلهم.

-يعني؟.يعني الفا فقير مقابل اربعة أوخمسة أغنياء.

-أو أكثر من الفين.

-أفهمت ماذا كنت أفعل لو كنت فقيرا.. (9).

إن الاحساس بخصوصية المكان، قادت الكاتب إلى معايشة كافة اموره من خلال مجتمع "ساقية المسك"كعينة مكانية تمثل"المكان"على  امتداد الوطن العربي في ذلك الوقت، متمثلا كافة أنواع المعاناة التي عاشتها شخوص هذا المكان،  وهي منزرعة فيه، متمسكة به، رغم أنواع القهر والظلم، انها من الروايات القليلة القادرة على بعث"البيئة-المكان"حية متحركة رغم مرور سنوات طويلة، بشكل يجعلك تعيش بؤس تلك الفترة وشقائها، خاصة ما جرته اساليب الحكم العثماني اثناء الحرب العالمية الأولى من ضنك وشقاء، وقتل وتجويع. أن انحراف سلوك "ورده كسار"وتحويلها غرفة من دارها إلى حانة تقدم اللهو والخمر للجنود، لم يكن الا بسبب تأثيرات الحرب التي طحنت الناس، وجعلت لقمة الخبز عزيزة.."لم تكن ورده كسار في ماضيها صاحبة دكان ولم يكن من تقاليد اهل ساقية المسك ان تفتح النساء الدكاكين ويتعاطين البيع والشراء" (10)الا ان قسوة الحرب اثرت في سلوك الناس، وجعلت الامور الغريبة المستهجنة عادية مستساغة، طالما هي تحقق لقمة العيش في ظروف الحرب الصعبة.فقد أوصلت الحرب-من خلال قسوتها وظروفها غير الطبيعية-ورده إلى امتهان البغاء ثم الجنون، ولم تكن هي الضحية الوحيدة.فهناك العديد من الضحايا، يبقى منهم في الذاكرة الطفل(طام) الذي جاع وتشرد إلى ان مات بطريقه وحشية. ان الاحساس الفني المتميز بتلك الظروف والاحوال قاد الكاتب إلى تعبير فني خاص.

 

الجانب الفني

لقد قسم الكاتب روايته إلى مدخل وخمسة اقسام.قدم في المدخل تعريفا زمانيا-مكانيا للرواية، ثم كانت الاقسام الخمسة تحمل العنأوين التالية: التربة، البذار، الغيث ، السنابل، الحصاد.وقد لاحظ بعض الدارسين(11).ان هذا التقسيم عائد إلى مزأوجة الكاتب بين تفتح الوعي العربي وانتصاره وبين حياة حبة القمح التي تشكل الخلفية الطبيعية للرغيف،وهذا صحيح إلى حد ما، رغم التداخل الحادث بين هذه الاقسام، فالحواجز بينها ليست قاطعة من جراء امتداد بعض الاحداث وتداعي تاثيرات بعضها، مؤدية إلى احداث جديدة ذات علاقة بها،ورغم جفاف الاحداث والموضوعات التي عالجتها الرواية، الا ان احساس الكاتب الفني المتميز بها، جعلها في التجسيد الروائي، تخلو من الرتابة لان الكاتب رغم دقة ملاحظاته، كان يتعامل معها بحس الفنان  الذي يريد ان يبعثها حية متحركة مؤثرة في وجدان القارئ،وليس بعقل المؤرخ الذي يود تسجيل الحقيقة التاريخية وحفظها.يلاحظ ان دور قصة الحب بين(سامي عاصم) و(زينة) كان ضئيلا في تنمية الحدث الروائي، اذ يشعر القارئ انه حب من طرف واحد هو زينة، لذلك فان اغلب افعالها،وردودها ذات علاقة بهذا الحب، فهي تنطلق منه، وتجتهد في ان تكون مواقفها منسجمة مع فكار سامي، وبالذات في تقييدها أعمال ابن عمها طانيوس، كي تجعل منها اعمالا تنسجم مع المنطق والاخلاق.

تبدو في الرواية بعض نواحي الضعف والخلل التي لاتخلو منها الاعمال الروائية المبكرة، منها المفاجآت الميلودرامية، كما في الاكتشاف المفاجئ لعدم موت سامي اثر هربه من السجن، بعد ان اعتقد الجميع انه مات مع الحارس الذي هرب معه. لقد كانت مفاجأة سطحية، خاصة عندما يعرفنا الكاتب ان السلطات التركية بعد عجزها عن الامساك بهما، قامت بحركة  تمثيلية، اذ مددت على الطريق العام رجلين من رجالها وغطتهما بالاغطية معلنة موت الهاربين، كي تحافظ على هيبة الدولة امام المواطنين.وكذلك الصدفة في اللقاء بين سامي عاصم وكامل افندي في ساحة المعركة ضد الاتراك. وبعض المبالغات غير المنطقية، كما في قتل سامي لصديقه شفيق العلايلي كي يريحه من الام جرحه المبرحة. ورغم هذه الهنات والعثرات، تبقى"الرغيف"من الاعمال الروائية القادرة على الخلود في فترة طويلة، لان قدرة توفيق يوسف عواد على بعث التاريخ بعمق وشمولية، تجعل القارئ يعايش التاريخ بحيوية فنية، واحساس متميز.

 

وقائع الحرب العالمية الثانية

في الحرب العالمية الثانية، كان العالم العربي يقع تحت تأثير سيطرة الاحتلال الاجنبي لذلك من الطبيعي ان تعتبر اراضيه مسرحا لعمليات القتال،خاصة لان الدولة المستعمرة اختلفت مواقفها من الحرب، ففرنسا وبريطانيا كانتا من دول الحلفاء، في حين وقفت ايطاليا مع دول المحور.لذلك شهدت بعض الساحات العربية معارك ضارية اثناء هذه الحرب، خاصة منطقة العلمين بمصر، اذ كانت مسرحا لحرب ضروس بين الحلفاء والمحور،وشكلت في مرحلة مركز انعطاف في مسيرة الحرب، عندما توغل فيها الالمان مجابهين الجيش البريطاني في معارك طاحنة.وقد استدعى هذا الوضع تاثر الاقطار العربية –بنسب مختلف –بهذه الحرب، اذ ان المعارك استدعت وجودا مكثفا لقوات الاحتلال في اكثر الاقطار العربية، كما ان الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتلك الاقطار، كان لابد ان تتاثر بظروف الحرب وما صاحبها من ازمات اقتصادية، بسبب الكساد العالمي، ونسبة البطالة المرتفعة التي شهدتها تلك الاقطار، وانعكست بدورها على الاقطار العربية.وقد كان تاثر بعض هذه الاقطار بظروف الحرب ومستجداتها واضحا ومؤثرا في غالبية السكان، مما شجع زيادة السخط على سلطات الاحتلال، انعكس بدوره على التحرك الشعبي، حيث تشابكت المطالب الوطنية بالحاجات الاقتصادية،عبر المظاهرات العديدة التي كانت تطالب بالحرية والاستقلال، والخبز والزيت.

 

دور الرواية

ان طبيعة الرواية-كفن موضوعي-وعلاقتها بالاحداث الكبرى ذات العلاقة بالمجتع يجعل من الضروري ان تتنأول الرواية العربية الظروف الخاصة بالحرب  العالمية الثانية، لتاثيرها المباشر في الحياة العربية، بنسب مختلفة من قطر إلى اخر.ويلاحظ ان طبيعة المشاركة العربية في الحرب انعكست على طبيعة التنأول الرأوئي فالدول العربية اعتبرت ضمن الدول المتحاربة، ليس لكونها صاحبة موقف من الحرب الدائرة، تناصر طرفا ضد اخر، ولكن لوقوعها تحت احتلال وسيطرة الدول الأوروبية المتحاربة التي بدأت تستعمل اراضيها لغايات عسكرية تخدم موقفها الحرب.وقد ادى ذلك إلى ان تكون المعارك الحربية والتنقلات العسكرية التي تشهدها الاقطار العربية محدودة، فيما عدا ما شهدته الحدود المصرية خلال معركة العلمين المشهورة، بين القوات الالمانية والبريطانية، وقد أدت هذه الطبيعة الخاصة إلى تركز الرواية، فيما يتعلق بهذه الحرب، على الحياة الداخلية للمجتمع وتاثرها بظروف الحرب ووجود قوات الاحتلال.

من أهم الروايات العربية، ذات العلاقة بالحرب العالمية الثانية، روايتي "خان الخليلي"و"زقاق المدق"لنجيب محفوظ، ورواية "المصابيح الزرق"لحنا مينه، ورواية "النخلة والجيران"لغائب طعمة فرمان، وقد تركز اهتمام الكتاب على رصد اثر الحرب في نفوس الناس والتغير الذي يطرأ على سلوكهم، نتيجة ما تجلبه الحرب من مصاعب ومؤثرات مستجدة، رغم الخلاف بينهم في نوع الاهتمام وطبيعة التنأول.

 

خان الخليلي

تبدو اثار الحرب العالمية الثانية واضحة في رواية "خان الخليلي"(11)هذا الحي الشعبي، ومن خلال الاحاديث اليومية لسكانه، الذين في غالبهم من الطبقة الكادحة.وقد اعطوا لهذه الحرب من التفسيرات، ما يتناسب مع مفاهيمهم الشعبية الخاضعة للتخلف الثقافي والاجتماعي الذي يعيشه الحي.هذا التخلف جعل سكان الحي يتصورون هتلر مسلما وغيورا على الاسلام، لذلك فهو لن يلجأ إلى ضرب حي الحسين، لوجود مسجد سيدنا الحسين فيه، وقد سرى هذا الاعتقاد الشعبي للعديد من الفئات البورجوازية ايضا، التي هجرت اماكن سكناها لاجئة بحمى الحسين، كما حدث مع اسرة احمد عاكف التي رحلت من حي السكاكيني، مبررة ضرب الالمان له، بوجود اغلبية من اليهود فيه. وقد كانت آراء سكان الحي وتعليقاتهم تدور دائما من خلال تجمعهم في الملجا اثناء الغارات الجوية، أو في مقهى "الزهرة"حيث يجلس رجال الحي وشبابه.كان الرجال يحددون مواقفهم من المتحاربين حسب الاعتقاد الشعبي الذي جعل الغالبية تميل إلى التعاطف مع الالمان ضد الانجليز حينا، وحسب الخلفية الفكرية حينا آخر،كما هو موقف احمد راشد الذي يؤمن بالنظرية الماركسية، فيرى انه ليس باستطاعة المانيا الهتلرية قهر الشعب الروسي لأن "روسيا الاشتراكية غير روسيا القيصرية.الشعب الاشتراكي كتلة من الصلب والايمان والعزيمة، وهو ربما تقهقر ريمثا ياخذ انفاسه، ولكنه لن يلقي السلاح ابدا، ولن يسلم لدواعي الهزيمة" (13).فيما عدا المعلم"نونو"الذي ينظر إلى الامور من خلال تازمه الخاص الذي يعبر عنه بلازمة دائمة"ملعون ابوالدنيا".كانت نظرته غير الواعية، وهو تحت تأثير الحيشش، تعبر عن الوعي الشعبي الحقيقي.."ملعون ابوهؤلاء وهؤلاء.فلا الالمان امنا ولا الانجليز ابونا.وليذهب بهم الشيطان جيمعا إلى الجحيم" (14) لقد ادرك المعلم نونو ان الاطراف المتحاربة-انجلترا والمانيا-لا تضمر الخير للوطن .فليذهبوا إلى الجحيم.وهو يذكرنا بالجحيم الذي ذهب اليه اختيارا الضابط الالماني في"صمت البحر"لفير كور، عندما ادرك انه يخدم قوى الشر، لذلك فضل الذهاب إلى جحيم المعركة، كي يموت قبل ان يشاهد قوى الشر تنتصر، وسحق مزيدا من انسانية الانسان.

ان مردود الحرب الاجتماعي وما يصاحبها من ضوائق اقتصادية، انعكس على اخلاق الحي، فقد أسهم الحي في الحرب بتقديم العديد من الخادمات للعمل في الملاهي، كي يشاركن في قضية الحلفاء باعراضهن.وهذا التحول ما كان سيحدث لولا الحرب التي وصلت مفاسدها الاخلاقية إلى المدينة والريف، فـ"جنود الحلفاء يلتهمون اللحوم والفاكهة والنساء"ان أهوال الحرب تبدو واضحة في سلوك الشخصيات وتصرفاتها، كما امتدت إلى عاداتهم.. وتقاليدهم،مما حدا بـ "أحمد راشد" ان يعتبر انتصار الروس أملا لكل المستغلين والمظلومين.

اما في رواية "زقاق المدق" (15) ، فتبدو آثار الحرب اكثر وضوحاً وتاثيراً، ربما لانها تعالج فترة زمنية متاخرة عن الفترة التي تنأولتها "خان الخليلي"فزمان الاخيرة يقع بين عام1941 و1942، في حين ان زمان"زقاق المدق"يقع بين عام1944و1945 فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا يعني وضوح تأثيرات الحرب في المجتمع، لان استمرار الوجود الاجنبي في ظروف الحرب، طوال خمس سنوات تقريبا، من شأنه أن يحدث اثارا واضحة في سلوك الشخصيات ومواقفها.لقد اثرت الحرب-كعامل طارئ- في السلوك اليومي العادي، كما ظهر في تعود "سنقر" صبي المقهى على ارتياد دار السينما وما صاحب ذلك من تغير في مزاد رواد المقهى، حيث لم يعد بامكانهم سماع الشاعر وهو ينشد كل ليلة على انغام ربابته القصص الشعبية مثل ابوزيد الهلالي، وبدأ مزاجهم يستهوي سماع الاغاني الحديثة المبثوثة من جهاز الاذاعة، مما دعا المعلم كرشة إلى طرد الشاعر الذي كان له احترامه اللائق طوال عشرين عاما سبقن الحرب.."عرفنا القصص جميعا وحفظناها، ولا حاجة بنا إلى  سردها من جديد. ولناس في ايامنا هذه لا يريدون الشاعر، وطالما طالبوني بالراديو، وها هو الراديو يركب، فدعنا ورزقك على ال له " لقد"تغير كل شيء " مع الحرب.

لم يقتصر اثر الحرب على السلوك اليومي العادي، الذي له طابع العادات والتقاليد، انما امتد إلى تفكير بعض الافراد وطموحاتها، وانسحب على وجودهم الحياتي، وبالذات فيما يتعلق بـ "عباس الحلو"و"حميدة" ، رغم ان الاستعداد الذاتي عند كليهما لعب دورا في النهاية التي وصلا اليها.

"عباس الحلو" شاب صغير السن، يملك صالونا للحلاقة ، رغم بساطته، يعتبر في الحي انيقا، وتعلقه بطموحات بورجوازية خاصة، يبدو واضحا منذ بداية حضوره الروائي، فهو لايفوته لبس المريلة اثناء العمل اقتداء بكبار الاسطوات. وكذلك "حميدة"فاحساسها  بالذات متضخم، وتبحث دوما عن التفرد وكل ماهومن متعلقات حياة الطبقة البورجوازية.رغم الفقر الذي تعيشه، كانت تقف ساعات طويلة، امام المرأة، تنظر بنرجسية مفرطة إلى جسمها الذي يفور باحاسيس متعددة وتتطلع إلى الشارع من الشباك تتمنى لو تقذف نفسها إلى عالم آخر مختلف طبيقيا، في وقت تعرف ان شعرها يعج بقوافل القمل التي عجز الكاز عن القضاء عليها.يرى محمود امين العالم ان عبقرية الرواية، تكمن في هذا الصدام بين زقاق المدق والحرب العالمية الثانية، ومن هذا الصدام يتفجر اللا اخلاقي للحرب وترف قيم السلام(16). ان هذا الصدام بين زقاق المدق والحرب، لم يفجر المعنى اللااخلاقي للحرب، لولا الاستعداد الذاتي عند بعض الشخوص، وبالذات عباس الحلو وحميدة، والا فكيف نفسر بقاء بعض الشخصيات على صمودها ونقائها. مثل السيد رضوان الحسيني والشيخ درويش، وهما يعيشان نفس ظروف الحرب.

لقد هددت الحرب حياة "عباس الحلو"و"حميدة"الا انهما اسهما في هذا المازق. ان طبيعة البناء الروائي لهاتين الشخصيتين، يركز على العامل الذاتي، الذي لا يمكن تجاهله كعامل له دوره مع العوامل التي قدمتها ظروف الحرب الطارئة. لقد اجتمع التطلع الذاتي عند عباس الحلو من خلال قناة  حبة لحميدة، بما لديها من تطلعات حياتية تفوق وضعها الطبقي متعلقة بآفاق طبيقية اعلى، مع ما وفرته الحرب من ظروف استثنائية ، لتزج بهما في طرق جديدة، هددت وجودهما الحياتي.عباس الحلو رفض العمل في معسكرات الجيش البريطاني، عندما عرض عليه حسين كرشة ذلك، ولكن عندما احب حميدة، اصبح همه تحقيق كل طلباتها المادية، لينال رضاها الكامل، بعد أن خطبها ، لذلك يفكر بالعمل مع جيش الاحتلال، وينفذ ذلك بسرعه ادهشت صديقه حسين كرشة.."انت السبب ياحميدة .انت السبب. انا والله احب زقاقنا، واحمد الله ما يرزقني به من كفاف. وما احب ان اناي عن الحسين الذي اقوم واصحو باسمه، ولكني وا اسفاه لا استطيع ان اهيئ لك الحياة التي ترضينها، فلم اجد عن السفر مذهبا، وربنا يأخذ بيدي ويجمعنا على أهنا حال" (17)ان العوامل الذاتية تلعب دورا خاصا فيما يتعلق بحالة حميدة، فرغم انها خطبت لعباس الحلو، وودعته بتاثر شديد.."سأدعو لك بالتوفيق وسازور الحسين وأساله ان يرعاك ويكتب لك النجاح والصبر طيب، والحركة بركة" (18) .الا ان تطلعاتها الخاصه لم تخب، وظلت تعيش بالنفسية السابقة، لانها من اعماقها الداخلية، تدرك ان (عباس الحلو) رغم سفره للعمل في معسكرات الاحتلال، سيعود غير قادر على اشباع هذه التطلعات.لذلك تستمر في نزهتها اليومية عصرا خارج الزقاق.تقنع نفسها بانها نزهة للترويح عن النفس،ولقاء صديقاتها العاملات في المعامل، الا انها في الحقيقة، كانت تبحث عن قناة اكثر ضمانا لاشباع رغباتها وتطلعاتها.وهذا ما سهل وقوعها في شرك تاجر الاجساد فرج ابراهيم.ومن قبل،  واقفت بسرعة مذهلة على الزواج من العجوز سليم عدوان، صاحب الوكالة التجارية، رغم كبر سنه ومرضه، وتذكير امها لها بانها مخطوبة لعباس الحلو، وكان من المؤكد ان يتم هذا الزواج،لولا المرض المفاجئ الذي اطاح بسليم علوان، وجعله بين الحياة والموت شهورا عديدة، مما جعله يصرف النظر عن ها الزواج بعد ان ادرك عدم قدرته على هذا المشروع.

ان مواقفها الواعية هذه، تسنجم مع طبيعتها الذاتية التي كانت تتطلع دوما إلى الهجرة بعيدا عن حياة الزقاق، فامكانياتها الجسدية، وتكوينها النفسي، كان يشدها دوما إلى الرحيل نحو الاعلى، إلى حد ان امها كانت تقول لها. "انك من نبع ابالسة ودمي برئ منك" (19).فترد عليها امعانا في اغاظتها:"الا يجوز أن اكون من صلب باشا ولو على سبيل الحرام" (20). وهذا ما جعلها  سهلة الانقياد لفرج ابرايهم الذي زجها في عالم الدعارة، لانه كان يرى فيها منذ مشاهدتها في المرة الأولى عاهرة بالسليقة.لقد قادتها طموحاتها وتطلعاتها الشخصية إلى أحضان فرج ابراهيم الذي جعل منها عاهرة محترفة، وقد قادت معها عباس الحلو إلى الموت. جاء الحلو إلى الحانة الليلية لينتقم من فرج ابراهيم الذي غرر بها، الا انه عندما شاهدها في احضان الجنود الانكليز السكارى، نسي فرج ابراهيم وصب حقده عليها، فقذفها بزجاجة فارغة، وكأنه بذلك  ينحاز إلى راي حسين كرشه الذي كان يرى ان "حميدة هي المجرمة الاصلية.الم تفر منه؟الم تستلم له".فكان ان دفع الثمن موتا على يد الحرب العالمية الثانية.

يتعاطف القارئ مع عباس الحلو اكثر من تعاطفه مع حميدة التي ربما تثير حنقه مرات عديدة خاصة عند لقائها مع عباس الحلو في محل الزهور.الحلو ثائر يمزقه الالم. يعز عليه ان يشقى هو وحميدة، في حين ان تاجر الاجساد فرج ابراهيم ينعم بالسعادة والحرية. لذلك يصمم على الانتقام منه. ان هذا الموقف منه، يقابل بموقف انتهازي من حميدة، فرغم حرصها الظاهري على ان لايصيبه اذى من هذا الانتقام، الا انها كانت عاجزة عن الخروج من المستنفع الذي قادها اليه، حتى لو تم الانتقام بالشكل المرضي.لذلك كانت تتمنى في اعماقها لو يهلك هو وغريمها، كي ترحل عندئذ إلى الاسكندرية ، حيث تصفو لها الحياة في حرية لايحدها قيد، وبعيدا عن المتطلفين، حميدة تسير في طريقها بوعي وتخطيط وعزم، وتشارك في دفع عباس الحلو إلى طريق الموت، الذي بدأ يحث الخطى نحوه منذ سفره للعمل في معسكرات الجيش الانجليزي، لذلك فان "موت عباس الحلو لم يات مصادفة.والواقع ان الحرب هي التي قتلته.ونستشف ادانة نجيب محفوظ للحرب على نحو قاس في تصويره لشخصية عباس الحلو، فالحرب هي التي جاءت بالجنود الانجليز،وفي سبيل هؤلاء اقتنص فرج ابراهيم حميدة، وبسبب الحرب ترك عباس الحلو دكانه في الحي...لقد اقتحمت الحرب مصر، ولم يستطيع هذا الزقاق الصغير النكمش على ذاته ان يفلت من تاثيرها، فقد دخلت في اعماقه وهزت وجوده" (21)

لقد مكنت الحرب العالمية الثانية الحلو ان يشتري شبكة ذهبية جميلة لحميدة ، الا ان حميدة خيبت آماله، عندما وضعت جسمها في خدمة رجال الحرب العالمية، بحثا عن حياة كانت تطمح اليها، ايا كان طريقها، لذلك وجدت لذة ومتعة في هذه الحياة رغم ما فيها من شقاء جسمي ونفسي، مما جعلها تتفوق على كل اللواتي خدمن قضية الحلفاء باعراضهن.انها "عاهر بالسليقة"كما يقول فرج ابراهيم.

ان شخصيات اخرى مثل  زيطة صانع العاهات ، والدكتور بوشي، تعبر اكثر عن مداهمة الحرب العالمية للزقاق، وما صاحبها من ظروف غير انسانية، ادت بزيطة إلى التخصص في صنع عاهات لمن لاعاهات لهم، كي يؤهلهم للشحادة،مقابل رسم محدد، يدور عليهم لتحصيلة، والويل لمن يتهرب ...كما أدت بزيطة والدكتور بوشي إلى سرقة القبور.

كان حي زقاق المدق مغلقا على نفسه ،"يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من مسارب الدنيا" (22). الا ان الحرب قادته إلى الانفتاح على العالم، فلاقت شخوصه مصائر مختلفة، فمنها من وجد مكانه في السجن ومنها من احترف الدعارة، كانت الشخصيات التي اصطدمت بالحرب ايجابيا لفترة، تتمنى لو انها لاتنتهي لو انها لا تنتهي وعلقت امالا على هلتر بان يطيلها إلى ما لا نهاية.."نحن تعساء.بلد تعس واناس تعساء اليس من المحزن الا نذوق شيئا من السعادة الا اذا تطاحن العالم في حرب دامية" (23).

 

البناء الفني

يبدو النضج الفني في" زقاق المدق"اكثر نموا منه في "خان الخليلي"، وبالذات عدم التزام التسلسل التاريخي، جعل القارئ يشعر بضرورة الاخذ بنوع من الوعي والدقة لتجميع مكونات كل شخصية منها، الرئيسية بالذات: حميدة وعباس الحلو والسيد الحسيني، ان الصدام مع العالم الخارجي-الحرب العالمية-شكل الاساس الذي تنمو من خلاله الشخوص كافة، فهي تتطور سلبا وايجابا ، حسب تمحورها حول هذا المركز الاساس ،فيما عدا السيد الحسيني ورمز الرضى والايمان بالقضاء والقدر من بداية الرواية حتى نهايتها. ان عالم الشخصيات يضج بالعديد من الاحاسيس، مما جعل الكاتب يولي عناية لمشاعرها الداخلية، وبالذات حميدة، التي جعل منها نموذجا يصلح لان يكون ميدانا لدراسة نفسية لانها تعيش مجموعة من العقد والتأزمات، توجه حياتها، وأدت بها إلى هذه النهاية التي وجدت فيها تحقيق ذاتها، رغم انها منافية للشرف والاخلاق.

 

 

حرب المصابيح الزرق

إن جو الحرب في "المصابيح الزرق"لحنا مينة (24) ، واثرها في الافراد وحياتهم اليومية، لايختلف عنه في "زقاق المدق" الا في الجانب الخاص برد فعل السكان تجاه الاحتلال، الذي شغل جزءا من اهتمامات سكان"المصابيح الزرق"وتفكيرهم.فاذا كان الصدام الوحيد بين سكان "زقاق المدق" وجنود الاحتلال تمثل في الصدام الفردي مع عباس الحلو لاسباب شخصية، فان الصدام والمواجهة في "المصابيح الزرق" يتخذان طابعا جماعيا، موجها ومدروسا، لاسباب تتعلق بالوطن والكرامة، أي انه موقف سياسي رغم عدم وضوح خلفية فكرية له، اذ انه يتغذى من الحس الشعبي العام، الذي يكره الاحتلال، ويتمنى رحيله، معبرا عن هذه الامنية بما يستطيع من قتل جنود الاحتلال، والمظاهرات والاضرابات، وتقريع المتعأونين معه. ياخذ هذا الحس الشعبي في الرواية تجليات كاملة وحية، نعيش من خلالها الحياة الحقيقة، لتلك الأوساط الشعبية في صدامها مع الحرب، ومحأولاتها لامتصاص تلك الصدمة كي لا تؤثر في حياتها النمطية المتعارف عليها، من خلال سلوك محدد من الصعب الخروج عليه.

يبدو رفض سكان "المصابيح الزرق"للاحتلال واضحا، مما جعل الحرب-رغم تشكيلها مصدرا للرزق لبعض الشخوص-لاتعلق عليها حياة هذه الشخصيات بشكل مطلق، كما هو عند حسين كرشة في"زقاق المدق" الذي صدمه خبر انتهاء الحرب، اذ كان يعيش على امل مقدرة هتلر اطالتها  إلى امد طويل، يظل هو يحقق فيه ذاته وطموحاته الفردية، المقطوعة الصلبة باية علائق اجتماعية .فهو يهجر الزقاق، ولا يعود اليه الا عندما طرد من العمل، ولم يعد له مأوى سوق الزقاق لايتذكر الزقاق. عندما تكون جيوبه ملأى بالجنيهات، وعندما يصبح محتاجا لقروشه القليلة، يعود خائبا ناقما ذليلا.

"الناس والحرب"أو"الناس من خلال الصدام مع الحرب، هو الموضوع- الفكرة التي نعيشها روائيا في"المصابيح الزرق"من خلال حياة كاملة متشعبة الجوانب، لمجموعة كبيرة من الشخصيات ، تصور حياة مدينة كاملة اثناء فترة الحرب العالمية الثانية، هي مدينة اللاذقية السورية.فالرقعة المكانية تتسع هنا عنها في "زقاق المدق"، مما اعطى الكاتب مجالا أوسع للحركة وتصوير البيئة بشكل بانورامي. كان مقهى المعلم كرشه في الزقاق"يشكل النغم الثابت الذي يسيطر على لحن الرواية كلها" (25)، فهو شاهد الاثبات  والنفي لكل ما يجري في الزقاق. بحثت في جلساته كل أمور الزقاق، واتخذت على صوت اراجيله اغلب القرارات.وقد قامت غرف الدار التي يقطنها ابو فارس وجيرانه بنفس الدور في "المصابيح الزرق" كانوا يجتمعون كل مساء في غرفة ابي فارس،يتقاسمون معا العشاء والاحاديث التي تشعب لتشمل كل امور المدينة وشخوصها، وكان ينازعه احيانا مقهى الشاروخ القيام بهذا الدور،خاصة ان موقع المقهى يجعله مشرفا بعيون مفتوحة على زوايا ومناطق لا يراها سكان الغرف في الدار الكبيرة ، كما انه يتردد عليه زبائن يختلفون عن الدائرة المحيطة بابي فارس، ولها اراء ونظرات مغايرة.

لقد انصب اهتمام حنا مينه على رصد الصعوبات التي اثقلت بها الحرب العالمية الثانية حياة السكان اليومية، وما سببته لهم من متاعب حياتيه، ورد فعل السكان الرافض للاحتلال، وقد جاء ذلك على حساب دراسة العالم الداخلي لاغلب الشخوص ، لان النزعة الواقعية لدى الكاتب، وغرامه الشخصي بحياة الاحياء الشعبية، ادى إلى ان يهتم اهتماما كبيرا برصد  شامل لمظاهر هذه الحياة في ليلها ونهارها ، فرحها وحزنها،رضاها وتمردها، دون التوغل في نفسيات هذه الشخوص . ان تضرر سكان حي القلعة في"المصابيح الزرق" من الحرب، يبدو اكثر من الضرر الذي لحق  سكان "زقاق المدق" رغم ان الحرب واحدة والظروف متشابهة، الا ان الفارق يتعلق بالبيئة اكثر من صلته بنوع الاحتلال. "زقاق المدق" اقرب إلى المدينة، في  حين ان"حي القلعة" اقرب إلى الريف، لذلك فان الزقاق كان يجد متنفسا هنا  وهناك، رغم الحياة القاسية لبعض الشخصيات ، في حين ان حي القلعة، كان يبدو لا متنفس له، سوى ما تجود به الطبيعة ، وبطاقات الخبز التي يتصرف فيها جريس المختار على هواه، اذ كان "ذئبا وحملا في وقت واحد. يستطيع عند اللزوم بان يعكر الماء ويهتم سواه بتعكيرها، ويستطيع عند اللزوم ايضا ان يفضي عن تعكيرها من قبل سواه، وان يضع رجليه فيها مشعرا الاخرين ان ليس من انسان لايخطىء ولاينخدع" (26). كم هو محزن ان يمضي "الصفتلي" نهاره، يسحب السنارة دون ان تمسك سمكة واحدة، فيعود إلى غرفته الحقيرة، مكسور النفس والجسد، ليقف ساعات طويلة املا في الحصول على زجاجة كيروسين دون فائدة، وكم هو محزن ان يمر بائع الارز  بعربته فاذا الغالبية من المواطنين عاجزة عن شرائه، لان منطق المرحلة يتلخص في انه"في الحرب لايشبع الناس، فاذا لم يموتوا جوعا، فمعنى هذا انهم محظوظون" (27).

الجانب الخاص الذي تميزت به"المصابيح الزرق"يتمثل في رد فعل السكان تجاه قسوة الحرب ورجال الاحتلال. والاضرابات والمظاهرات لاتتوقف، والصدامات مع جيش الاحتلال تحتدم بالعصي والحجارة، مقابل الرصاص والبارود، فتفتح ابواب السجون تغص بالمعتقلين، وتتخلص المطالب في الخبز والحرية. كان رد فعل السكان شاملا إلى حد ان صاحب الخمارة، أوقف بيع الخمور للاجانب، واقفل خمارته ليلا، لان تعرض رجال الحرب لنساء الحي صعد الاحتكاك إلى مستوى القتل، وفي هذا الجانب، نشعر باعجاب شديد ازاء شخصية محمد الحلبي الذي يقود تحرك الحي المضاد للاحتلال.

 

فارس وعباس الحلو

"فارس" في المصابيح الزرق، يحمل بعض سمات  وملامح عباس الحلو في زقاق المدق. ويسير في خطوات مماثلة قريبة من خطواته، تقوده إلى النتيجة  ذاتها، وباليد نفسها، وان اختلف الظرف. فكلاهما يتمتع بالبساطة والوداعة والقناعة، ولم يبدأ التحول في حياتهما، الا حين تعرف عباس الحلو على حميدة، وفارس على رندة، يسافر الحلو للعمل في معسكرات جنود الاحتلال ، كي يتمكن من الزواج من حميدة. وفارس لم يفكر في التطوع في جيش الاحتلال، الا بعد ان فقد الامل في العثور على عمل في مدينته، في الوقت الذي بدأ يطرح موضوع الزواج مع رندة. ويسافران خارج الزقاق والحي، ليصطدمان في مواجهة حادة مع الحرب، فتودي بحياتيهما. سافرا باحثا عن الراحة والمستقبل، فوجدا الهلاك والموت، لان الطريق الذي سلكاه في تلك الظروف ، لم يكن منوقعا ان يؤدي إلى غير تلك النتيجة، عباس الحلو يذهب إلى الحانة ليثار من فرج ابراهيم القواد، فيقتله جنود الاحتلال.وفارس يتطوع مع الفرنسيين لمحاربة الالمان في ليبيا، املا في حياة جديدة، بعد ان قطعت علاقاته كافة بحي القلعة، فيجد الموت قبل ان تطأ اقدامه ارض الشاطئ. وربما كان الموت هو الراحة الوحيدة المأمونة في مثل حالته، فقد ساءت حالته النفسية في ايامه الاخيرة. أو من الخمر، وبحث عن المرأة الساقطة التي كان قد تركها، مفضلا عليها حبه الجارف لرندة، فطردته مفضلة عليه الضابط الفرنسي، وها هو يتطوع مع الفرنسيين الذين يسلبون وطنه الحرية والامن، بعد ان كون عنه الحي صورة مشرفة، واعتبروه رجلا رغم صغره، لقد فقد كل شيء، فقد الاهل بعد قرار والده الذي ابلغه اياه نايف الفحل في الثكنة قبل السفر"لاترجع إلى البيت ولا إلى الحي. لم يعد لك اب ولا أهل" (28)  وفقد الحبيبة رندة التي أحبت فيه رجولته المبكرة، وكانت ترفض فكرة سفره بشدة، لان "الذين يحبون لايسافرون". فما هو موقفها عندما تعرف انه سافر لموقف غير وطني . وفقد العشيقة التي فضلت عليه احتراف العمل مع ادوات الحرب، ضابط الاحتلال الفرنسي..وفقد الكرامة نتيجة لكل ما سبق.

كان وجوده الحياتي مظلما لا كوة للأمل فيه، ويكفي انه عندما بحث عن قاسم مشترك بينه وبين احد سكان الحي، لم يجده الا عند عشيقته السابقة، فهي فاجرة تخون زوجها الذي مات، خانته معه سابقا، والآن مع الضباط الفرنسيين، أي انها تخونه مع عدو الوطن، وهو –فارس –جندي في خدمة هذا العدو، هي فاجرة وخائنة. وهو زان وخائن، بعد كل ذلك، قرر" ان يسافر إلى الحرب ويموت فيها"، وكان له ما أراد، فقد صرعه الرصاص الالماني قبل نزوله إلى الشاطئ الليبي، مانحا اياه الراحة. انه – في حالة فارس هذه-الخلاص عن طريق الموت

 

* * *

ان اثر الحرب ودورها في تغيير نفسيات الناس، تبدو  اكثر وضوحا لدى شخصيات "المصابيح الزرق"عباس الحلو وحميدة في" زقاق المدق". كان لديهما استعداد ذاتي، وطموحات طبقية اعلى، اسهمت مع ظروف الحرب الطارئة في الوصول بهما إلى السقوط والموت.اما فارس في المصابيح الزرق، فلم يكن يتوقع له هذه النهاية . فمنذ صغره كان جادا وطموحا . السجن المبكر، والغربة، والاحتكاك بالرجال أمثال محمد الحلبي في الحي وعبدالقادر في السجن..كل ذلك صيره رجلا قبل أوانه، وقد نظر له رجال الحي عقب عودته من سجن حلب نظرة ود واحترام.ومن اجل تدبير امور حياته للزواج من رندة ، عمل في اشق الاعمال : حفر الملاجئ، وشارك في تحركات سكان الحي ونشاطاتهم، من مظاهرات واضرابات. ازاء هذا الماضي، من الطبيعي أن نسأل : كيف بدأت رحلة سقوطه وموته؟. عندما سرح من عمله في حفر الملاجئ حأول جاهدا الحصول على أي عمل، فاستحال ذلك.."آه من هذه الحرب..مصائبي فيها اكثر من مصائب كـل الناس"(29)

لذلك استغرب سكان الحي نبا تطوعه في صفوف الجيش الفرنسي المحتل للوطن، لانهم يدركون أن هذا الفعل يتنافى مع طبيعة فارس ونفسيته كانت دهشة محمد الحلبي-الذي اشتهر في الحي بتصديه للاحتلال وتنظيمه للجماهير –عظيمة.."ولما بلغ النبأ محمد الحلبي، ضرب الطأولة بكفه وقال مستغربا:لك ...وبعد لحظة اضاف كمن يخاطب نفسه: خدعوه" (30)ولم يزد على ذلك، رغم سلاطة لسانه التي لم ترحم احداً حتى جريس المختار، لذلك جاء الجميع لوداعة في الميناء: والده ووالدته وعمه وأبو رزوق الصفتلي وصقر ومريم السوداء، وكان من الممكن ان تحضر رنده  لولا المرض الذي اقعدها. انها الحرب تحرك كل خيوط ماساة فارس ، الا ان سقوطه ظل فرديا، في حين ان"محمد الحلبي" وبقية الشخصيات الايجابية ، ظلت تنأوئ الاحتلال ، وتقأوم ، مطالبة بالخبز والحرية.

إن حياة حية تتحرك امامنا، ونتحرك من خلالها في هذا الرواية، فهي ليست حياة الحرب فقط، ولكن حياة  توجهها الحرب. ولأن الحرب تداهم الناس يوميا بانفعالات ومواقف متباينة، فقد اثر هذا في طبيعة البناء الفني للرواية، اذا لاتعثر فيها على حدث رئيسي واحد، ينميه الكاتب، عبر الشخوص المختلفة. ولكن الاحداث الجزئية المختلفة تتراكم من خلال سلوك الشخصيات ومواقفها المشدودة  دوما إلى البيئة التي تشكل الخيط الخفي الذي يجمع الحوادث والشخصيات في تشابك ممتع، يبرز صراع الانسان الدائم مع الحياة، والذات في وقت الحرب، التي اهدرت الكثير من القيم، وجعلت شخوصها يواجهون عالما من  غير قيم(*)

 

 

المصادر

1.   لمزيد من التفاصيل حول الوضع العربي في فترة الحرب العالمية تراجع الكتب التالية:أ- العالم العربي الحديث، د. جلال يحيى، دار المعارف بمصر 1966. ب- تاريخ العرب المعاصر،د. عبدالعزيز نوار، دار النهضة العربية، بيروت 1،971و غيرها من كتب التاريخ العربي الحديث.

2.   الرغيف-توفيق يوسف عواد. صدرت طبعتها الأولى عام1939. وسنعتمد في هذه الدارسة على الطبعة السادسة عشرة، مكتبة لبنان –بيروت 1980

3.   جورج لوكاتش-الرواية التاريخية، ترجمة د. صالح الكاظم، وزارة الثقافة والفنون-بغداد1978ص 12.

4.   مقدمة رواية "الحجاج بن يوسف"  لجورجي زيدان ، الهلال 1902.

5.   جورج لوكاتش، مرجع سبق ذكره ص46.

6.   د. ابراهيم السعافين – تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام، وزارة الاعلام، بغداد1981ص 387.

7.   د. سهيل ادريس ، مجلة الاداب، العدد الأول، السنة السابعة، يناير 1959 ص4.

8.   الرغيف ص 178-179.

9.   الرغيف ص 197-198.

10.الرغيف ص 23.

11.جورج سالم-المغامرة الروائية، اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1973 ص 107.

12.نشرت عام 1945، وسوف نعتمد على طبعة دار القلم اللبنانية المنشورة عام1972

12.خان الخليلي ص 77.

14.خان الخليلي ص 78.

15.نشرت عام 1974، وسوف نعتمد على طبعة مكتبة مصر السابعة الصادرة عام1972.

16.محمود امين العالم-تأملات في عالم نجيب محفوظ ، الهيئة المصرية العامة للتاليف والنشر، ا لقاهرة 1971ص41.

17.زقاق المدق ص144.

18.زقاق المدق ص144.

19.زقاق المدق ص45.

20.زقاق المدق ص 45.

21.جورج سالم –المغامرة الروائية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1973ص88.

22.زقاق المدق ص 5 .

23.زقاق المدق ص 267.

24.نشرت عام 1945، وسوف نعتمد على الطبعة الثانية الصادرة عن دار الاداب، بيروت 1977.

25.جورج سالم-المغامرة الروائية ص 82.

26.المصابيح الزرق ص 69.

27.المصابيح الزرق ص 69.

28.المصابيح الزرق ص 285.

29.المصابيح الزرق ص 245.

30.المصابيح الزرق ص 317.

(*) الرأويات التي تم الاستشهاد بها في هذه الدراسة مجرد نماذج من روايات الحرب العالمية الثانية.

 



(*) نشرت هذه الدراسة في العدد(246)اب- اغسطس1982 "مجلة المعرفة"

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة