![]() |
ماذا
سيكتب المبدع
الفلسطيني
لاحقاً؟(*)
طوال العقود الاربعة الماضية،
تمحورت كافة فنون الابداع الفلسطيني حول محورين اساسيين:
الأول استغرق العقد اللاحق لنكبة عام 1948وتركز فيه الابداع على اثار
النكبة النفسية والاجتماعية، وما نتج من تشرد ولجوء اثر ضياع الوطن0 اما الثاني فقد استغرق العقود الثلاثة السابقة
التي تبدأ بانطلاقة المقأومة الفلسطينية حيث اصبحت المقأومة والصراع مع العدو
الصهيوني وتفريعات ذلك من صمود وحرب تحرير شعبية هي الموضوعات الاساسية للابداع
الفلسطيني من شعر وقصة ورواية ومسرحية وفنون شعبية حتى الاعمال التي كتبت بين
المرحلتين، النكبة والمقأومة، جاءت لتبشر بالمقأومة أو تدعو لها، ومن اهم هذه
الاعمال رواية " رجال في الشمس " –1963 لغسان كنفاني، التي أدان
فيها محأولات الخلاص الفردي غير
الملتحمة بالجماهير، لأن مصيرها الفشل الذريع والموت في صحراء لا حياة فيها0ولم
يكتف بهذه الادانة، انما اطلق صرخته – النبوءة " لماذا لم تدقوا جدران
الخزان؟" مهيبا بهذا الشعب ان يتحرك فالموت محدق به من كل الجوانب، فالسكوت
موت، والفرار موت، ولا بد من دق جدران الخزان0
وقد سيطرت حركة المقأومة
بتاثيرها إلى حد انها اصبحت الموضوع الرئيسي ،وربما الوحيد للأدب الفلسطيني، حتى
قصائد الحب جعلت الحبيبة هي الوطن،
والوطن هو الحبيبة، إلى حد ان قصائد الحب العادية، كانت تلاقي استهجان بعض القراء
والنقاد فموضوع المبدع الفلسطيني هو المقأومة والوطن فقط، واذكر انه في حصار بيروت
عام 1983، واجه رسمي ابو علي موجة
من النقد والاستهجان ، لأنه كان يكتب في جريدة "النهار" قصائد لا تمت
بصلة مباشرة للحصار والصمود0وقبل ذلك بعامين لاقت الاستهجان نفسه مجموعته القصصية
" قط مقطوع الشاربين اسمه ريس" للسبب نفسه0وقد اثر هذا الجو النقدي
الصارم على المبدعين انفسهم، إلى درجة ان غسان كنفاني، رغم الاستحسان الهائل
لروايته " ما تبقى لكم " –1966
– لدى غالبية النقاد، اعتبرها هو نفسه
" رواية فاشلة" ، وقد قال عنها: "في الواقع رواية ما تبقى
لكم هي قفزة من ناحية الشكل ، لكنها اثارت في نفس الوقت تساؤلات بالنسبة لي 0لمن
أكتب أنا ؟ "0
"هذه الرواية قلة
يستطيعون من بين قرائنا العرب أن يفهموها0 فهل أنا اكتب من اجل ان يكتب احد النقاد
في مجلة انني رواية جيدة ، اما انا اكتب من اجل ان اصل إلى الناس وان تكون هذه
الرواية شكلا من اشكال الثقافة الموجودة في مجتمعنا والتي من واجب المثقف ان يتعامل
فيها مع الناس؟"0
كل هذا التمهيد، لنخرج منه إلى
السؤال التالي: اذا كان جو الابداع والمبدع الفلسطيني طوال العقود الاربعة
الماضية، كما سبق أن صورناه ودللناه عليه، فعن ماذا سيكتب المبدع الفلسطيني من
الآن ولاحقا، بعد ان خبا لهيب المقأومة ، وتوقف رسميا الكفاح المسلح ضد العدو
الصهيوني، واعترفت المجالس الوطنية الفلسطينية بدولة العدو في فلسطين المحتلة سابقا- اسرائيل الآن بعد اعتراف المجلس
الوطني الفلسطيني –وبعد ان قطعت المفأوضات المباشرة مع اسرائيل (بدون صفة العدو)
شوطا، وبعد استعداد غالبية القيادة الفلسطينية للاجتماع مع اسحق رابين واعلان ذلك بصراحة وبعد المداولات
والاتصالات حول وقف الانتفاضة التي خفت حدتها كثيرا منذ مؤتمر مدريد، وبعد استعداد
الحكومة الاسرائيلية لالغاء القانون الخاص بتجريم الاتصالات مع منظمة التحرير
الفلسطينية ، وبعد عشرات اللقاءات بين كتاب وصحافيين فلسطينيين واسرائيليين، وبعد00وبعد00عن ماذا سيكتب المبدع
الفلسطيني لاحقاً؟ نطرح ذلك لأننا نعي ان الأدب في أغلب الظروف انعكاس للمرحلة
المعيشة وتعبير عنها، لذلك نسأل : هل سيكتب المبدع الفلسطيني لاحقا عن التعايش مع
اسرائيل؟
وهل سنقرأ
قصائدا وقصصاً وروايات عن كل ما هو نقيض لموضوعات العقود السابقة؟
واذا تمرد
المبدع الفلسطيني على كل موضوعات وضغوطات هذه المرحلة ، فعن ماذا سيكتب ؟
| انتهى |