مشاهد وانطباعات عن تناقضات

ثقافية عربية معاصرة

مزايدات في الاقوال

وازدواجية في الافعال(*)

تصادفت زيارتي الاخيرة للأردن فور انتهاء مؤتمر اتحاد الكتاب والأدباء العرب، لذلك كان غبار ما اثير حول هذا المؤتمر مازال عالقا في الاجواء الادبية والصحافية الأردنية، ولم التق زميلا من هذه الاجواء إلا كان حديثنا ونقاشنا حول المؤتمر وما سبقه من مقدمات وما أعقبه من نتائج0ورغم مرو عدة اسابيع على تلك اللقاءات والنقاشات، فإن العودة اليها بهدوء وصراحة وموضوعية ، يمكن أن يثري الحوار في الساحة الأدبية العربية، ويجعل حبل التواصل ممكنا، بعد ما يشبه "الانقسام" أو "القطيعة" التي اعقبت ذلك المؤتمر0 وفي البداية أود التمهيد باقرار بعض المسائل ، كي يكون الحوار القادم أو المقترح في مستوى يليق بسمعة  المثقف العربي، والأمل المنوط به داخل مجتمعه00من هذه المسائل :

1-ضرورة تقييم قضايا الخلاف بموضوعية اخذين بعين الاعتبار، الظروف والحيثيات كافة، دون اللجوء إلى لي عنق الحقائق ، كي تخدم مصلحة عامة لطرف من الاطراف أو مصلحة شخصية لكاتب من الكتاب، أو باستعمال مصطلح السياسة الذي راج اخيراً، عدم الكيل بمكياليين ازاء حدثين متطابقين.

2-عدم اللجوء إلى اسلوب(الردح) و(الشتائم) وتبادل التهم التي اصبحت سمة من سمات الشارع الثقافي العربي، لأن اسلوب السباب والقدح لايمكن أن يخفي الحقيقة، وان اثار حولها الغبار والضباب لفترات قصيرة ، فعمر الكذب قصير، كما قالوا في الامثال العربية0

3-عدم مسؤولية أي كاتب أو صحافي، إلا عما يكتبه، دون النظر إلى نوع الوسيلة  الاعلامية التي يكتب فيها وممولها0

وأنا اعني هذا حرفياً وجدياً، وأي كاتب أو صحافي مسؤول عن آرائه ومواقفه فقط، وهذا ما جعل قرار نقابة الصحافيين الأردنيين –عند البعض-العام الماضي ، بطرد الصحافي سلطان الحطاب من عضويتها ، قراراً  خاطئاً ، لأن النقابة اعتمدت في حيثيات قرارها على انه أدلى بحديث صحافي للتلفزيون الاسرائيلي اثناء انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، دون أن تتطرق لمضمون الحديث، وكم كان حرج النقابة عندما استقبل الملك حسين، سلطان الحطاب، ومنحه وساماً أردنياً ، بعد قرار طرده بعدة أيام ، وعاد سلطان الحطاب ليكتب زأويته اليومية في جريدة "الرأي" كالمعتاد0

بعد اقرار هذه المسائل ، أعود للنقاشات والحوارات التي جرت مع الزملاء الصحافيين والكتاب في الأردن ، سواء من التقيتهم شخصيا، أو خلال الندوة التي قدمتها في رابطة الكتاب –فرع اربد، وكانت بعنوان "الوعي بالقضايا العربية في الوجدان الاسكندنافي" ، من أهم تلك الموضوعات التي تطرق لها النقاش؟

 

عضوية مصر

لقد جرى تغييب العديد من الحقائق الخاصة بهذا الموضوع ، لأن المسألة واضحة لا تحتاج لاجتهادات وتحليلات ، فقد كان تجميد عضوية مصر في الاتحاد إثر توقيع معاهدة الصلح المصرية-الاسرائيلية، وتأييد بعض اعضاء اتحاد كتاب مصر لهذه المعاهدة وكان ذلك عام 1979،أي قبل (14) عاماً، ومنذ ذلك التاريخ، استجدت العديد من المتغيرات السياسية، كان أهمها انعقاد مؤتمر السلام في مدريد، ثم تواصل المباحثات الاسرائيلية مع الفلسطينيين والأردنيين و اللبنانيين والسوريين، واصرار كل الأطراف على استمرار المفأوضات للوصول إلى اتفاقيات سلام تنهي مسألة الصراع العربي-الاسرائيلي وفي الوقت ذاته صاحب هذه المفأوضات تأييد الغالبية العظمى من الصحافيين والكتاب العرب لها ولاستمرارها، والدفاع عنها بصفتها الخيار الوحيد المتاح امام الأطراف العربية المشاركة فيها0وايضا، لم نسمع ولم نقرأ أي بيان من أي رابطة أو اتحاد  كتاب عربي، يدين هذه المفأوضات ويطالب بوقفها، بالعكس لقد تطوع كتاب وسياسيون حزبيون  في الأردن لنقد من يطالب بوقف المفأوضات 0 والسؤال الآن: ما هو هدف هذه المفأوضات مع اسرائيل؟ أليس هدفها الوصول إلى معاهدات صلح أيا كانت الشروط والنتائج لكل طرف عربي؟ وبصراحة اكثر: ليت هذه المفأوضات تعطي نتائج كما اعطت معاهدة الصلح  المصرية-الاسرائيلية، وهو الانسحاب الاسرائيلي من كل سيناء المصرية0 ليت الجانب الفلسطيني يتوصل للانسحاب الاسرائيلي من كل غزة والضفة الغربية 0وليت الجانب السوري يتوصل للانسحاب الاسرائيلي من كل الجولان0لذلك وضمن كل هذه المتغيرات العربية، يصبح من غير المنطقي الاستمرار في تجميد عضوية اتحاد كتاب مصر، وهذا هو (الكيل بمكيالين) بعينه، وكان الأحرى بمؤتمر الاتحاد أن يتخذ في جلسته الأولى قرارا بانهاء تجميد عضوية اتحاد كتاب مصر، ويطالب الاتحاد بارسال وفد للمشاركة في اعمال المؤتمر، لان من اتخذ قرار التجميد هو الذي يتخذ قرار انهائه0هذا هو المنطقي والطبيعي إلا إذا كانت (مفأوضات عن مفأوضات بتفرق)، وأمل ان لايخرج علينا احد بالرأي القائل: مفأوضات مصر كانت منفردة ، أما المفأوضات الحالية فهي جماعية!

 

نشأة غير ديمقراطية

اثيرت اثناء المؤتمر وبعده، مسألة الاتحادات والروابط العربية للأدباء والكتاب، حيث اعتبر البعض ان المشكلة تكمن في الاتحادات التي هي جزء من انظمتها الحاكمة، وبالتالي تنتفي عنها صفة الاستقلالية، وهذا بدوره ينعكس علىتوجهاتها وقراراتها ومواقفها0واعتقد ان هذه المسألة لاتحتاج إلى مزيد من النقاش والخلاف، غير ناسين ان العديد من الكتاب المصريين اتخذوابشكل فردي مواقف منأوئة لاتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية-الاسرائيلية عام 1979،  وشكلوا ما عرف باسم "جبهة الدفاع عن الثقافة القومية في مصر"0ولمزيد من التوضيح والتدليل نسأل : هل هي صدفة انه اثناء مشكلة احتلال العراق للكويت وما اعقبها من تطورات، كانت الاتحادات والروابط العربية التي أيدت العراق للكويت وما اعقبها من تطورات ، كانت الاتحادات والروابط الاحتلال ودافعت عنه، هي اتحادات وروابط الدول التي أيدت الاحتلال بشكل أو آخر0أنها ليست صدفة، ولكنها المواقف المرتبطة بالنشأة غير الديمقراطية لهذه الاتحادات والروابط في غالبيتها، فتكون دوما مؤيدة للنظام الحاكم، متناغمة مع موسيقى مواقفه، واستطيع الزعم أوالادعاء أو القول: لو أن مواقف الانظمة العربية من احتلال العراق للكويت اختلفت عما كانت عليه عام 1990 من الموقف المعروف آنذاك إلى النقيض، لاختلفت مواقف اتحادات الكتاب وروابطهم أيضا إلى النقيض، فكل شيء محكوم بنشأته وتكشيله، وما نشأ  بعملية قيصرية من الانظمة لا يمكن أن يتمرد على مواقفها، وفي ذلك تتسأوى كل الاتحادات والروابط العربية، مهما كان حجم ونوع بعض الاستثناءات المحدودة التي نعرفها ولا ننكرها0

في الندوة التي قدمتها في فرع اربد لرابطة الكتاب الاردنيين بعنوان "الوعي بالقضايا العربية في الوجدان الاسكندنافي" تطرق النقاش إلى مسائل متعددة على هامش الموضوع الاساسي للندوة، ومنها سياسة الكيل بمكيالين التي يتعامل فيها مجلس الامن والدول الكبرى مع قضايا العالم، خاصة ما تردد حول كيف استعمل مجلس الامن القوة العسكرية لارغام العراق على تطبيق قرارات المجلس القاضية بانسحابه من الكويت، في حين يتقاعس المجلس ولا يلجأ للأسلوب ذاته لاجبار اسرائيل على احترام القرارات  الدولية الخاصة بعودة المبعدين الفلسطيين. وقد دار نقاش حاد وصاخب عندما أيدت هذه النظرة، ولكن مضيفا ان الرأي العام الثقافي في الدول الاسكندنافية يتقبل اطروحاتنا هذه ، ويدين مجلس الامن بعنف وقسوة، ولكنه في الوقت ذاته يحرجنا نحن كتاب فلسطين، عندما يواجهوننا بموضوع اننا نحن ايضا نكيل بمكيالين، فكيف نطالب بدحر الاحتلال الاسرائيلي عن فلسطين المحتلة، وفي الوقت ذاته أيد غالبيتنا الاحتلال العراقي للكويت؟ بماذا نجيبنهم؟

أما مسألة الديمقراطية للشعب العراقي، فقد كان  مدخل الحديث فيها، ما ذكرته حول اساءة بعضنا وازدواجيته في فهم الديمقراطية والتعددية السياسية، وذلك من خلال مناقشة ما كتبه الزميل فخري قعوار في مجلة  "شيحان"  الأردنية بتاريخ 3/10/1992 واصفا فيه المعارضة العراقية بالعمالة لأمريكا، معتبراً ان الدعوة للديمقراطية وللتعددية السياسية للشعب العراقي دعوة مشبوهة، وفي أية أن الأولوية  الان لفك الحصار عن العراق فقط، ويقدم (فتوى) نيابة عن الشعب العراقي بأنه لا يوجد أي بديل أفضل من نظام صدام حسين0من يتصور هذا؟ومن يصدق هذا من صحافي وكاتب عربي عرف معنى القمع ومصادرة الحريات، ثم  نعم بالحرية والديمقراطية التي أوصلته لعضوية مجلس الأمة الأردني؟هل صحيح أن الحصار المفروض على العراق عبر قرارات مجلس الأمن ، يبرر لنظام صدام حسين كل هذا القمع والتنكيل بالشعب العراقي؟ومن يقول أو يؤكد: انه في ظروف كظروف العراق هذه ، يؤجل الحديث عن الحريات والديمقراطية؟ هل مسألة الحريات الانسانية واحترام حقوق البشر من المسائل الموسمية التي يصح الحديث فيها حينا ولا يصح حينا آخر؟ونسأل الزميل فخري قعوار:لماذا تظاهر الشعب الأردني في نيسان 1989 مطالبا بالخبز والحرية والديمقراطية وهو يعرف ان الاردن محاصر فعلا من اسرائيل وتنتهز الفرص لفرض مشروعها الخاص بالوطن البديل؟هل كان المتظاهرون الأردنيون آنذاك عملاء لاسرائيل؟ اذا اعتمدنا قياس ومنطق فخري قعوار ، فما كان للأردنيين المطالبة بالديمقراطية والتعددية السياسية في عام 1989 ان الاخلاق لا تتجزأ ، فالحرية هي الحرية، والديمقراطية هي الديمقراطية ، سواء في زمن السلم أو الحرب، في زمن الحصار أو غيره0

وفي هذا السياق يؤكد على ذلك الكاتب الاردني(نزيه ابو نضال) ويذكر انه في ايام اشتداد ازمة الخليج الاخيرة، حاضر في مؤسسة شومان عن "الديقمراطية في ظروف الحرب"ولست ادري كيف سمح الزميل فخري قعوار لنفسه، ان يصدر حكمه بأن نظام صدام حسين هو افضل بديل متاح للشعب العراقي الآن؟ومن اعطاه هذه التوكيل نيابة عن 16مليون عراقي؟انه القمع بعينه، وانها الدكتاتورية ذاتها 0ووسط تلك الحماسة لنظام صدام القمعي، لم يستنكر احد جريمة صدام في اغتيال المواطن العراقي الدكتور مؤيد الجنابي، علنا في شوارع عمان،رغم البيانات التي أكدت اعتراف القاتلين بانهما ارسلا من قبل المخابرات العراقية 0 أليس هذا السكوت وعدم القدرة على ، أو عدم السماح بقول كل ما يجب أن يقال، هو ما جعل كاتبا معروفا، هو (مؤنس منيف الرزاز) ، يعلن عن توقفه عن كتابة عموده اليومي في صحيفة "الدستور" الأردنية 0 هل الديمقراطية الحقيقية وتطبيقاتها الميدانية، هي التي تجعل بعض السياسيين والكتاب (فخري قعوار، ناجي علوش) ،يطالبون في بيان رسمي وزع في 20/12/1992 ، مطالبين بفك الحصار الرسمي الاردني عن العراق؟وهل صحيح فعلا ان هناك حصارا رسميا اردنيا ضد العراق؟ وهل صحيح ان التزام الاردن بقرارات مجلس الامن يعتبر مشاركة في الحصار؟ هل هذا البيان ينم عن حد أدنى بالمسؤولية ؟

وكما قال لي احد المسؤولين : هؤلاء المزايدون يريدون اعطاء اسرائيل الفرص والذرائع باننا ايضا لا نتقيد بقرارات مجلس الامن، كما هي لا تتقيد وترفض عودة المبعدين الفلسطينيين، ان الحماسة الشديدة لنظام صدام حسين ، والسكوت المقصود على كل جرائمه بحق الامة العربية، وبحق الشعب العراقي ذاته،  حماسة تدفع للشبهة ! ولماذا لا يسمح لأي كاتب أو صحافي بالكتابة عن حق العراقيين في الحرية والديمقراطية، وليت الجميع ، أصحاب صحف وصحافيين، يستمعون لآراء عشرات الآلاف من العراقيين الذين هربوا إلى الأردن ، واقاموا فيه، ويرفضون العودة، وبينهم اساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون ورجال المسرح، وليس اخرهم سعد البزاز رئيس تحرير "الجمهورية" العراقية الذي هرب إلى الاردن0

ان أوضاع الساحة الثقافية العربية كما هي اليوم، لا تبشر بأي اسهام في مسألة التضامن العربي التي يرجوها السياسيون، ولا بد من العودة إلى تأصيل العديد من المفاهيم الاخلاقية، ومن اجل ذلك وللوصول اليه، من المهم مناقشة فكرة الزميل الدكتور محيي الدين اللاذقاني، حول قيام هيئة عربية للحوار، تجمع كتابا ومفكرين وصحافيين من مختلف الاقطار العربية، تكون مهمتها اقامة الجسور الفكرية المشتركة بينهم، لان من لا تردعه اخلاقه لا تردعه اية مواثيق شرف، تعودنا على كسرها قبل ان يجف الحبر الذي كتبت به0

 

 



(*) نشرت في "الشرق الاوسط" بتاريخ 3/3/19930

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة