الزمن الصهيوني

واطفال الحجارة(*)

 

    راهنت النظرية الصهيونية كثيرا على عامل الزمن في حسم النتيجة النهائية للصراع العربي-الصهيوني وتحديداً في التطبيق الميداني لهذا الصراع في فلسطين المحتلة 0 وبنت النظرية الصهيونية أمالها على ان عامل الزمن يلعب دوما لصالحها، وهذا يعني انه كلما تقادم العهد على احتلالها لفلسطين، فهذا ينفي امكانية أو احتمال طرد اليهود منها أو تحريرها0والتعليل الفكري لهذا عند الصهاينة، يعتمد على انه مع مرور الزمن على التواجد(الاحتلال) الصهيوني في فلسطين، ينشأ جيلان متقابلان نقيضان، جيل يهودي ولد في فلسطين وتربى على ارضها، وترعرع في اجوائها وطبيعتها، فهي بالتالي وطنه حقيقة ، وانتماؤه لها مختلف تماما عن انتماء اليهودي الذي هجر اليها من كافة أصقاع العالم، ويقابل ذلك جيل فلسطيني في داخل الوطن المحتل تعايش مع الاحتلال، فأصبح سلس الانقياد لشروط المحتلين ورؤاهم ، وبجانبه الجيل الفلسطيني خارج الوطن المحتل،ولد خارج فلسطين، ولم يرها، ولم يرها، ولم يعايش تربتها، وكل ما يعرفه عنها  من الكتب، لذا فهو جيل انتماؤه مسطح لا عمق ولا تضحية فيه، وهذا يعني بالمفهوم الصهيوني ان الغلبة مع مرور الزمن ستكون على ارض فلسطين للجيل اليهودي الذي ولد فيها وترعرع في اجوائها وعلى تربتها، والنتيجة عندهم الاحتلال الدائم والبقاء الابدي الذي لا ينازعهم احد فيه0

    وقد عبر غسان كنفاني عن جوانب من هذا الفهم في روايته "عائد إلى حيفا" –ربما نلتقي أو لا نلتقي معه في النتيجة التي وصل اليها-من خلال دراسته لشخصية (دوف) خلدون سابقا-فـ (دوف) مولود فلسطيني ساقته ظروف التشرد عام 1948 للوقوع في يد أسرة يهودية، فتربى يهودي الطعام والسلوك والنشأة والتربية والذوق وعاش حياة اليهودي كاملة، إلى حد أنه خدم في "جيش الدفاع الاسرائيلي" ، وحارب الفلسطينيين والعرب في حرب 1967وبعد الاحتلال وفتح الجسور حصلت مواجهة درامية بينه وبين والده وامه الفلسطينيين، ورغم تأكيد اليهودية التي ربته انها ليست امه ، وأنه من  أصل فلسطيني، الا أنه كان صريحا وحاداً:" انا لم أعرف ان ميريام وايفرات ليسا والدي الا قبل ثلاث أو اربع سنوات، منذ صغري وأنا يهودي 0اذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وأكل الكوشير وأدرس العبرية0 وحين قالا لي انني لست من صلبهما لم يتغير أي شيء 0وكذلك حين قالا لي-بعد ذلك –أن والدي الاصليين هما عربيان ، لم يتغير أي شيء 0لا ، لم يتغير0ذلك شيء مؤكد00ان الانسان هو في نهاية الأمر قضية "0

    ومنذ سنوات، والجيل الفلسطيني في الداخل والخارج، يتحدى هذه النظرية الصهيونية، فهو في الداخل وعبر ثورته الشعبية الحالية التي امتدت إلى كل فلسطين المحتلة، يثبت انه لم يدجن ولم يتعايش من الاحتلال ، ولايمكن أن يتعايش، رغم مرور عشرين عاما على الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، واربعين عاما على احتلال فلسطين عام 1948 ، فهذا الجيل هو الذي جعل الحجارة سلاحا استراتيجيا يرغم العدو على الفرار، ويوقع في صفوفه كل انواع الخسائر00والجيل نفسه في خارج فلسطين المحتلة، وهو الذي تتشكل منه الغالبية العظمى من حملة البنادق وكوادر الثورة، وهو الجيل الذي يدافع عن مخيمات شعبه في بيروت والجنوب اللبناني، وهو نفسه الذي يقاتل العدو، ويستشهد من أجل وطنه عبر الجنوب اللبناني، وعبر كل الحدود العربية لو فتحت أمامه00لو!00كل هذا وهو الجيل الذي ولد خارج فلسطين، ولم يعايش تربتها  وهواءها، ولم يتعرف عليها الا من الكتب والأهل00أن هذا الجيل الفلسطيني في الداخل والخارج، قلب زمن النظرية الصهيونية ، واثبت للاعداء والاصدقاء انه لا بد من فلسطين وان طال الزمن.

 



(*) نشرت في جريدة "البيان " 30/3/1988

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة