![]() |
شاعر
أرمني: يغيشه تشارنتس،
العاشق
اللأرض(*)
أسهم الشعب الارمني اسهمات
واضحة في الادب والحضارة العالميين، رغم المجازر الدموية التي تعرض لها على يد
السلطات التركية الفاشية0وعبر كل العصور وكانت لهذا الشعب منجزات فعالة في ميادين
الادب، نثرا وشعرا0ومن الاسماء الشعرية المعروفة الشاعر الارمني يغشه تشارنتس0
ولد في 1897 في قرية ماجو التي
تقع في الجزء الارمني الفارسي،ومن سن مبكرة، أنتقل مع عائلته إلى مدينة قارص في
الجزء الارمني المحتل من تركيا، حيث تلقى دروسه الابتدائية والثانوية0وفي 1915 ذهب
إلى موسكو لتحصيل تعليمه الجامعي، وانخرط في العمل السياسي بفاعلية واضحة،كان من
ابرزها مساهمته في الثورة الروسية،
1917/1918 ، ليعود بعدها إلى يريفان حيث عمل في التدريس، ومات في 1938 في السجن
أثر محاكمات 36/1937 0وكانت التهمة إليه أنه(يعشق ارمينيا) ، لذلك لحقه الاذى في
المرحلة الستالينية، واتهم بالاقليمية والشوفينية،لانه كان( يعشق) و(يتمنى) وطنا
لمواطنيه، ارمينيا، هذا الوطن الذي
اقتسمته مراكز القوى العالمية آنذاك0عندما أعلنت في 1918 جمهورية ارمينيا فرح لها
فرحا لا يمكن وصفه، وغادر إلى يريفان ، ليتذوق حلأوة العيش على أرض وطن كان يحلم
به منذ سنين0لكل ذلك ، في اشعاره
شوق وغرام بكل شيءفي ارمينيا، وكان يحقد على كل شيء يحول به دون هذا
الوطن0"من ارمينيتي الحلوة احب الكلمة لأن مذاقها شمس "0هذه هي صورة
الوطن عنده 0 " ليس يحلو في قلبي الكئيب غير اسطورتها " أن قامة الشاعر
تصبح اطول من قمة جبل ارارات ، وهو يصدح بحب كل من ارمينيا:
" احب
عتمة سمأواتنا ورقراق المياه،
البحيرة
الشفافة وشمس الصيف،
وتنين
الشتاء الاسود يهيج عاصفته العالية،
وجدران
الاكواخ المدخنة البخيلة
وبلى القرون
في المدن القديمة
لن أنسى
، ايّان ذهبت،
اغانينا
الموجعة، ولا كتبنا ذات الحروف
الحديدية
وما تحويه
من عديد الصلوات
ما زلت،
بالرغم من جرح افرغ قلبي
أحب
ارمينياي اليتيمة المحرقة بالشمس".
من خصائص الشعب الارمني، عبر
العصور ، طموحه الشديد للبناء والابداع، وليس بعيدا ان تكون هذه الصفة هي التي
نبهت الدول الاستعمارية المجأورة لارضه، على هذا الشعب الذي يشكل ابداعه وتقدمه
تحديا لها0فاتفقت على تقسيم أرضه، وارتكاب ابشع المجازر في حقه وطرده من أرضه
بوحشية لم يعرفها التاريخ، وخاصة مجازر الاتراك العثمانيين 0 واحساسا من الشاعر
بهذا الهم الذي ينبغي ان يتحول ابداعا وتقدما، كانت مشاركته في الثورة
الروسية،لانه رأى فيها انقضاضا على
الظلم والتخلف والقهر0وأسهم في الحزب البلشفي مع لينين، واصبح شاعر ارمينيا
السوفياتية الأول0 وكانت انتصار الثورة له
تحقيقا لحلم، ليس له وحده ، ولكن للشعب الارمني السوفياتي عموما:
" هنا
وهناك ، من آبار المناجم
في المعامل
، و في السهوب العريضة، في الغابات
في كل
الامكنة وكل الجهات،
يهدهد نشيدي
العديد العديد من اخوتي0
من يمتلك
اليوم ارادتنا الحديدية،
قوتنا
الحمراء وسعدنا البراق
الكوني،
من يمتلكه
اليوم؟
****
قذفنا ارادة
ما لا يحصى من الاخوة
أرادتهم
العارمة، الكونية0
قذفة هائلة
إلى ريح
الايام
إلى فجر
الازمنة الآتية " 0
رغم كل مواقفه هذه، ورغم
صداقته مع لينين شخصيا، وتعيينة
سكرتيرا لوزير التربية في جمهورية أرمينيا التي أعلنت في 1918 ولم تعمر طويلا، الا
ان الحملة الستالينية طالته ، وأودع السجن في 1935 ، وظل إلى أن مات ذات صباح في
زنزانته وقد تحطمت جمجمته، وكأن موته كان انتحارا0 وفي عهد ميكويان، تمت تبرئته من
التهم الفردية والشوفينية، ومنذ ذلك انتشرت اشعاره ، وعاد بريقها ورواجها0
من أجمل قصائده، وأكثرها بساطة
وعفوية، تلك التي عنوانها " اغنية إلى فلاديمير ايليتش لينين " –
الموجيك والحذاء 0 ويستعمل الشاعر في هذه القصيدة – الاغنية ، ابسط الكلمات ليحقق
، ليعبر عن بساطة الفلاح وشغفه بلقاء لينين ليحقق له رغبة ، وقفت دونها الاجهزة
البيروقراطية، فكان لا بد من اللجوء إلى لينين ،ويصور لينين بعفوية قائلا:
"
هادئاً
وراء مكتبه
ايليتش جالس
يقرأ
يضع
الملاحظات
يكتب كلمة
مشاريع
متلاحقة
تتزاحم في
رأسه
مشدودا كما
ترتفع القبضة
شد ايليتش
عقله
كنابض فولاذ
حقيقي "0
لقد قطع الموجيك آلاف الفراسخ
لماذا ؟ ان من يتعب كل هذه الفراسخ
لمقابلة لينين، لا بد أن يكون له طلب عظيم 0 وقابل الموجيك السكرتير فرده، ولم يستجب له للقاء لينين 0 فارتفع
صوت الموجيك وسمعه لينين ، فتح له الباب00ضحك عاليا، لان هذا الموجيك جاء إلى
لينين لانه يريد حذاء ، بعد أن صدت في وجهة كل الابواب 0 ماذا كان رد فعل لينين
وانطباعه؟ :
" أرسل
ايليتش قهقهة عالية
فرح غامر
اضاء نظرته
وغمز بعينه
اخذ ورقة
كتب
"إلى
المسؤول00صالح لاعطاء حذاء
إلى هذا
الموجيك "
تعبر القصيدة عن أحساس الموجيك
، بأن العدالة الحقة سوف يجدها عند لينين، حتى لو كانت حذاء فقط، لأن الحذاء آنذاك
كان ثمينا له، ويستحق آلاف الفراسخ.
صور الشاعر يغيشه تشارنتس
المجازر التي تعرض لها شعبه الارمني تصويرا رمزيا، يعيد للذاكرة اليوم حجمها،
وآلاف الضحايا التي سقطت وهذا التصوير موضوع رئيسي في الادب الارمني، تماما كما
كانت حياة اللاجئين الفلسطينيين الشاقة والصعبة موضوعا اساسيا في الادب الفلسطيني
قبل 1965، والكفاح المسلح والثورة الشعبية الموضوعي الرئيسي بعد 1967 :
" رأيت
آلاف الجراح – ولسوف ترى سواها
آلافا وآلاف
الايدي الغريبة –لسوف ترى سواها
وكما حصاد
الحقل في الخريف
رأيت متروكا
حصاد الضحايا0000
كمهاجر رأسه
ريح عقيم
رأيت عذابات
آلاف السنين تمر ، ولسوف ترى سواها "0
والاهم من تصوير المجاز ، روح
الامل العظيم عند الشاعر، فالمجازر لم تضعف من امله وطموحه، ويقينه أن الشعب
الارمني، سوف ينهض رغم كل الاعداء، يتعاظم نشيده، والحياة لارمينيا:
"ارمينيا،
يا التي منحت لسانك إلى تشارنتس
الا ترين
كيف تتعاظم الاناشيد
آلافا فآلافا
ولسوف ترين
سواها "
في قصيدته الجميلة (سوما) ،
تشعر ان (سوما) هي الفتاة الارمنية الحلوة، وهي الارض الارمنية، وكل شيء في
ارمينيا0وهي الاسم الحركي ما يريده ويراه ويشتهيه في وطنه ارمينيا:
"تحترقين
يا سوما في شراييننا
انت يا من
طبيعتك تشبه الخمرة
ونسكر منك
حتى لنريد
أن تنتظم رغبتك
العالم "0
أنها ارمينيا التي يلخص الكلام عنها قائلا :
وما كنت ابحث عن سواك في هذا العالم
الرديء000"
إن الشعر تشارنتس، يستحق
المزيد من الدراسة والاهتمام ، ليتعرف القراء من خلاله إلى ابداع من أهم ابداعات
الشعب الارمني، وهنا اسهام مهم في مضمار الادب والحضارة العالميين0